مميزة

الخطة… قالبٌ جامد

نستطيع أن نعرّف الخطة -يسميها البعض “الطريقة”- على أنها التوزيع المكاني للاعبين على الملعب، ببساطة. هي قالب جامد، غير أنها هي المنطلق لصناعة توليفتنا عبر توزيع ونشر اللاعبين وتقسيمهم على مناطق مختلفة على الميدان. وهي الثيمة الأساسية للفريق والتي من خلالها نصنع التحركات والسلوكيات والديناميّات، وأدوار اللاعبين.

ثمة خطط تتميز عن خططٍ أخرى، خصوصاً فيما يتعلق بالزوايا ووفرة المثلثات، كالمتاحة في 4-3-3 أو 3-3-1-3 مثلاً. خطط أخرى تتمتع بتوازع شامل وعلى مناطق مختلفة ومتفرقة كـ4-2-3-1. خطط بلاعب طرفي واحد كـ3-5-2، أو خططاً أخرى أقل توازناً وتتطلب تعويضاَ وتغطية مستمرة لمساحات خالية كـ4-3-1-2. هنالك عاملين أساسيين لانتقاء خطة، الأولى هي اللاعبين طبعاً، أمّا الثانية فهي أسلوب المدرب. أمّاً اللاعبون فخصائصهم هي المحدد، وخصوصاً لاعبي الوسط، نوعيتهم ومزاياهم، فعندما نمتلك بيرلو أو بوسكيتس، فالمستحسن وضعهم كصناع لعب أمام الدفاع، ذلك لأنهم ليسوا من النوع الذي يقطع المسافات ويدخل في صراعات إلا بنطاق ضيق، وفي وضع بيرلو أمام المدافعين يقل العبء عليه، وذلك بسبب المركز والموقع وليس بسبب تواجد لاعب آخر يغطيه، اللاعبون يغطون بعضهم البعض ضمن حالات تكتيكية معينة ولكن ليس ثمة حارسٍ خاص للاعبٍ معين في الملعب، ماذا وإلا فقدنا توازننا فكل لاعبٍ بحيزه مشغول. على أي حال فقد نضع لاعبي وسط ذوي قدرة على قطع المسافات بجانب بيرلو، كفيراتي مثلاً المميز أيضاً فنياً وتكتيكياً أو كفيدال فترة كونتي، وهذه ليست قاعدة فبرشلونة كان يلعب بتشافي وإينييستا بجانب بوسكيتس وبالرغم من ذلك فيصعب فك سطوتهم، فذكائهم وإدراكهم المكاني وقراءتهم المستمرة للعب تغطي ضعفهم البدني، وقبل ذلك هيمنة برشلونة بقيادتهم على الكرة لفترات طويلة. بناءً على هذا الافتراض (بيرلو) سنفضل اللعب بثلاثي وسط، وإذا افترضنا أن فريقنا لا يملك أجنحة من الطراز الرفيع، قد نستخدم ظهيرين، وثلاثة في خط الظهر ومهاجميْن 3-5-2.

على أي مدرب أن يكون خياطاً بارعاً وقادراً على أن يطوع أفكاره وفقاً للموارد البشرية لديه.

أنتونيو كونتي عن تصميم الخطة

هناك خلط بين الأسلوب والخطة، إذا سلّمنا بأن الخطة مجرد توزيع مكاني للاعبين فكيف لها أن تكون أسلوباً؟ ليست كل الفرق التي تطبق 4-3-3 تمتلك نفس الأسلوب، إذ أن تطبيق الخطة بذاتها يختلف من مدرب لآخر، من سارّي (فترة نابولي) والذي يستخدم أجنحة تميل للدخول والاقتراب ضمن الهيكل، في حين يفضّل غوارديولا أن يبقى الأجنحة على خط التماس. حتى أدوار الأظهرة تتباين من مدرب لآخر، فسارّي يحبذ أن يتقدم الظهير القريب من الكرة ويبقى الآخر قريباً من قلبي الدفاع، يفضل بيب أن يدخل الظهيران للعمق، يفضّل كلوب أن يكون الظهيران بعيدان وهكذا. إذاً فالأسلوب أكبر من الخطة، بل هي سلوكيات وتصرفات وأنماط وليس لكل خط وحسب بل وأحياناً لكل لاعب دور ومهام. والخطة لا تعدو كونها خياراً استراتيجياً ضمن الأسلوب، فلن ترى سارّي يلعب بثلاثي في الخط الخلفي، ذلك لأنه يطبق دفاع المنطقة والكرة هي الموجه الرئيسي لتحركات الفريق في الحالة الدفاعية. لن تشاهد فرق غاسبيريني برباعي في الخلف، لأسباب دفاعية، ففرقه تطبق دفاع الرجل لرجل علاوة على تفضيله أن يكون خط دفاعه متفوقٌ عددياً على مهاجمي الخصم. في حين لا يمانع بييلسا تطبيق خطط مختلفة وفقاً للخصم، فإذا كان خصمه يلعب بمهاجمين فسيلعب بثلاثي دفاعي، وليست العلة دفاعية فقط، وإنما هجومية إذ يصبو إلى خلق تفوق عددي أمام المهاجمين في بناء اللعب، بينما لا يغير مدرب آخر الخطة وإنما يغير دينامية معينة، كأن يسقط المحور بين القلبيْن فيكون التفوق العددي، بينما يرتاح مدربون آخرون باستخدام خطة واحدة كزيمان الذي يقول “لن أغير الخطة أبداً، ليس هناك خطة أفضل من 4-3-3 لتغطية الملعب”، تغيير الخطة من عدم تغييرها لن يجعل لها أهمية، فسارّي بالرغم من اعتماده على خطة معينة يصممها وفقاً لخصائص اللاعبين، إلا أنه لا يراها مفصلية كما يرى بأنه “يمتلك أفكاراً معينة لِلعب كرة القدم، تلك الأفكار ليس لها علاقة بالخطط”. أو كما يشير غوارديولا بأنها ليست إلا أعداداً، كرة القدم أكبر من هذه الأرقام المجردة.

الهيكل والإنتشار

صورة1: لا حلول للفريق للتقدم من خلال العمق، فلا وجود لأي لاعب دواخل خطوط الخصم. الفرق غالباً ستلجأ بعد ذلك إلى حلول كالعرضيات أو براعة الأفراد في 1ضد1.
*هذه مجرد أمثلة فلا وجود لفريق مثالي، بمقدورنا التقاط لقطات سلبية أو إيجابية لأي فريق، إنما الفريق المميز تكتيكياً هو الأقل أخطاءاً والذي يبقى مشيداً ومتناغماً لأطول فترة ممكنة.

مبدأ الانتشار ومفهوم الهيكل ينبغي أن ينالا الإعتبار عندما نحلل أو ندرب كرة القدم، أما مبدأ الانتشار والذي تطرقنا له فيما سبق أهم وبكثير من التوزيع المجرد للاعبين، فالانتشار والذي نقصد به تباعد اللاعبين عن بعضهم البعض وتباين ارتفاعاتهم، هو تسلل وتخلل اللاعبين ضمن شكل الخصم علاوة على تعديلهم لوضعية أجسادهم وفتح مسارات التمرير وليس فقط التخفي خلفهم كتصرفات فردية. إن غاية الانتشار هو خلق تفوق مركزي ما يتيح لنا تطوير هجماتنا، فعندما يقوم بوسكيتس بإيصال الكرة لإينييستا بين الخطوط، سيقوم الأخير باستلام موجه يقرّب الفريق كثيراً من المرحلة النهائية وقد يشكل خطراً حقيقياً على مرمى الخصم، هذا الأمر ليس متاحاً كما في الصورة 1.

*نقصد بالتفوق المركزي ((لاعب حر بمساحة خالية يمكّننا من التقدم بالهجمة))

أمّا الهيكل فهو ثمرة الانتشار الجيد، هي كتلة الفريق تتقدم سوياً وتتراجع سوياً. الهيكل يعدّ بمثابة الهيكل القاعدي للسيارة “شاسيه”، إذ يضمن للفريق متانة وقدرة على التعامل مع ارتداد الخصم حال فقدان الكرة. سيبقى الفريق كما هو بتوازع اللاعبين في المنطقة القريبة من الكرة خصوصاً، ووفقاً لمركز كل لاعب. كما لا يجب أن نتجاوز الحالة الدفاعية، فعندما لا نمتلك الكرة يتعين علينا أن نتخذ مواقع قطرية كي نغلق مسارات التمرير، وأن نقطع الزوايا، وأن يغطي كل لاعبٍ ظهره، وهو ما يسمى بالتدرج الدفاعي، فلا فائدة من أن يكون شكل الفريق جذاباً وخطوطه متناسقة، والكرة ستمر بين الخطوط بسهولة، فكرة القدم ليست سيمّترية كما يشير غاسبيريني.

تعقب اللاعبين المكاني: مراكز اللاعبين ليست ثابتة في كل دقيقة، وإنما هي بالأحرى تمثيل سلس لمتوسط تصرفات اللاعبين.
حجم كل نقطة dot تمثل اضطلاع كل لاعب في الهجمة في الوقت الموضح أعلاه.

ولطبيعة كرة القدم الفوضوية، وتقلباتها تكتيكياً واستراتيجياً يصعب أن نجردها ونختزلها إلى هذه الدرجة المخلة؛ أقصد إلى 4-4-2 و4-3-3 الخ، فشكل الفريق في بناء اللعب ليس مثل شكل الفريق في الثلث الأوسط ليس مثله والكرة على طرف الملعب، وليس كذلك في الثلث الأخير، ناهيك عن تبادل المراكز والمعاوضة في التغطية، لا عجب أن يكون التطور القادم في كرة القدم هي اللامركزية، حيث يتبادل اللاعبون المراكز ويغطون بعضهم بعضاً ويحتلون المساحات بالتناوب بل ويخرجون عن السياق. للخطة في وقتنا الراهن أهمية كما ذكرنا في وضع الإطار العام وكمنطلق لتأسيس الأدوار والسلوكيات والعادات وليس أكثر، فكرة القدم لعبة عالية الحركية.

مميزة

بيان الموقع

يمثل هذا الموقع أو المدونة – أياً يكن المسمى – مشروعاً لرفع وعي وذائقة جماهير كرة القدم في وطننا العربي. يمثل “دكة” رؤية تحليلية نقدية للعبة بعيداً قدر المستطاع عن التكرار، آملين أن تأتي المواد المطروحة والتي ستُنتقى بعناية بفائدة إلى من يشاركوننا نفس الاهتمام ونفس الشغف فيما يتعلق بجوهر كرة القدم، أي تكتيكياً وفنياً وعلى مستوى المنهجيات التدريبية، أو ببساطة أن نرى كرة القدم كلعبة نحاول أن نفهمها ونستوعبها، إذ من واجب المتعلم الذي تكشّف وتبدّى له ما توارى عن الآخرين مد يد العون لا اخبائه ودفنه وهذا ظني في فريق العمل في هذا الموقع المتواضع.

ليس ذلك وحسب إننا في الحقيقة نمني أنفسنا في أن نرى تطوراً ونمواً على مستوى المدربين، فنحن في هذا متأخرون جداً عن الركب، إن كان تكتيكياً أو بدنياً أو في مدارس التكوين/الأكاديميات وما يصاحب ذلك من منهجيات وطرق عمل، فضلاً عن خلو الأطقم الفنية من المواطنين في مراكز كمحلل أو معد بدني، كشافين وإلى غير ذلك. إذ يحز في الخاطر أن تكون اللعبة الشعبية لدينا على امتداد وطننا العربي ورغم كثرة المشتغلين بها سواءً في الاعلام المرئي أو المقروء، أن ما يُطرح غالبه إن لم يكن جميعه بلا معنى، وجل ما يطفو على السطح ما هو الا ابتغاء شد الانتباه واثارة الرأي العام إلى أمور ليست في صلب اللعبة، وإن حدث وكانت في صلب اللعبة فالنقد لن يكون موضوعياً ولغة المحللين لا تتميز ولا تتمايز عن الجماهير العادية بشيء سوى بالقدرة الخطابية دون التحليلية، بيد أنه سطحي لا يرقى لأن يشفي غليل الكثيرين من الطامحين والمتسائلين عن الأسباب والغايات. كما يحز بالخاطر أن وطننا العربي الفسيح غير قادر على افراز المدربين (إلا أفراداً قليلون) وغير قادر على تأسيس مدرسة أو مدارس تدريبية معتبرة، ولا نشير هنا إلى مدرسة مجسدة تلقن وتأدلج، بل إلى مدرسة فلسفية تناقش وتعالج موضوع التدريب بوصفه العصا السحرية الذي سيرفع من مستوى اللاعبين وبالتالي اللعبة على المستويين المحلي والدولي، والأهم من ذلك عبر الحث على التنوع والاختلاف. إننا نأمل، وسنعمل على إيصال رسالتنا في إثراء المحتوى التدريبي/التحليلي العربي بتصميم وعزم واضعين كل نقدٍ موضوعي، وكل اقتراح بعين النظر والاعتبار، والله الموفق.

ملاحظات حول أسلوب شاختار…

الكرة الجميلة عملة نادرة في يومنا الحاضر، ما يجعل الناظر في حال الكرة اليوم يردد عبارة الأديب إدواردو غاليانو: “…أنا مجرد متسول أطلب كرة قدم جيدة. أمضي عبر العالم حاملاً قبعتي وأتوسل في الملاعب: -مباراة جيدة حباً بالرب”.

شكراً لله أن هناك غوارديولا والذي بلا إدارة متفهمة لعانى كغيره، فإذا تبنت الإدارة فكرة المدرب فيجدر بالإدارة أن تستمع إليه وتتشارك النجاح كما تتشارك الفشل، ولو أن إدارة الفرق فنياً ينبغي أن تتسامى على المدرب من حيث وجود ثقافة اللعب علاوة على المنهجية التدريبية التي تقتضي الاستمرارية وليس لمدرب بعينه؛ أياكس وبرشلونة كأمثلة. وعلى أي حال هناك ظواهر تدريبية كبيب وكلوب بنهوج مختلفة مع تبجيلي لبيب من نواحٍ عديدة. ثم هناك أنتشيلوتي وفيرغسون وغيرهم ممن هم قادة ومدراء أكثر من كونهم منغمسين باللعب والأساليب والانضباط التكتيكي، ولا تقلق، هم أيضاً لديهم خطط واستراتيجيات ولكن فرقهم لا تملك هوية متميزة يقف خلفها تدريب وتدقيق، الهوية التي يراها البعض توهماً على أي فريق هذه الأيام حتى بعد أسبوع واحد من التدريب، الهوية بالنسبة لي نتاج وقت وثقافة وخصائص لاعبين لا أجدها في فريق يصطف بشكل 4-3-3 ويقوم بأمور يقوم بها أي فريق في أي درجة ومستوى.

لازت أتذكر ذهولي لمقطع لفودجا دي دزيربي نشره جوزيبي مايوري على تويتر في 2016 (شخصياً ممتن له معرفياً)، ربما تقلصت اليوم دهشتي الطفولية التي رافقت خطواتي الأولى في هذه اللعبة الممتعة القبيحة المتناقضة التي لا تعترف بالأداء. على أي حال لا زلت أندهش حينما تلعب فرق غوارديولا ودي دزيربي من بين آخرين، دي دزيربي يبدو تلميذاً نجيباً لغوارديولا منذ أن كان في فودجا، آنذاك كشّر عن ظاهرة تدريبية محتملة. ظهور فرقه كما فرق غوارديولا تُنبي عن وصول رسائله وقدرة تدريبية لا تناقش. وإن كانت فرقه تبدي أنماطاً معينة إلا أنها ليست مبنية على الأنماط بقدر ما هي مبنية على اللعب المتناسق الذي يسبقه هيكلة وتمركز ومحفزات معينة تستدعي استجابات معينة بين الزملاء نراها في أنماط حركتهم، لاعبيه ربما يخضعون لمحاضارت تكتيكية وليس إلى أوامر ونواهي وحسب. هذا النوع من المدربين يكيف اللاعبين بمقدّراتهم بالطبع وليس مما هو ليس لديهم، وحينما يمتلك اللاعبين الخطأ، إن كانوا صعبي المراس أو غير منفتحين أو لا يمتلك المهارات المطلوبة في هكذا أسلوب فالفريق سيكون الضحية، يقع اللوم على الإدارة في اختيار المدرب وتتضاعف المسؤولية حينما لا تستمع إليه، المدرب هنا ملام كذلك فالتكيف سمة هامة في لعبة ليس بطلها المدرب، التكيف لا يعني التغيير الكامل للأفكار بل البحث عن طرق للوصول للاعبين ضمن نفس الأفكار أو التنازل عن جزء منها وانتظار سوق الانتقالات. اللاعب بدوره مسؤول تجاه المدرب كون الأخير وسيط لجعل اللاعب “لاعبَ فريق” لا يصول ويجول بسياق يخصه وحده، اللاعب في كرة القدم يصعب اعتباره حراً كما لا يجدي اخضاعه واستعباده، نعلم أن النظام المعقد “كلٌ” ليس مجموع أجزائه بل أكثر من ذلك وتلك هي التفاعلات والعلاقات والروابط والصلات بين اللاعبين، لكنه أيضاً “أقل” من مجموع أجزائه لأنه يأخذ من الفرد، فاللاعب لن يتجول في كل مكان، لكل لاعب حصته في الرقعة الخضراء، كما ولا يظهر كامل ترسانة مهاراته، لنقل -مثلاً- أن قلب الدفاع المراوغ لن يستعرض مهاراته بما أنه بموقع لا يسمح له بذلك، الظهير سيقلل من ذلك وفقاً لموقعه والمهاجم ليس مضطراً لتسجيل مقصيات وهوائيات كما يحلو له، بل سيأخذ النظام منه هذه المزايا من أجل الفعالية ومن أجل الغايات المرجوة من كل تصرف وفعل.

فلنرى كيف ظهر شاختار عند الاستحواذ أمام هايدوك -خصوصاً- مع وضع ظروف الفريق بالاعتبار.

شاختار يلعب لعب مركزي كما يقول الكتاب، غير أن شبان دي دزيربي يتبادلون المراكز بين الفينة والأخرى، والمراد هنا تبادل مراكز مقصود لا حلول ارتجالية. وحين أقول لعب مركزي فأعني الالتزام بالتمركز وفقاً للحالة ومكان الكرة ومكان الزميل إذ أن تبادل الأدوار مشروط، لكن كما نعلم كرة القدم نظام يتجه نحو العشوائية وأفضل الفرق هي التي تعالج هذه الحالات وهي التي تنتظم كما ينبغي للمفارقة.

الشكل العام هو 4-2-3-1 ينطلق منها الفريق لتشكلات مختلفة من 4-4-2 و 2-4-4 و 4-3-3 بل و2-3-5. القلبين غالباً قريبان من بعضهما، الظهيرين للداخل يخرجان للخارج وفقاً لاعتبارات معنية، زوج محاور غير متناظري الأدوار فأحدهما (#4 بوندارينكو) أكثر تنقلاً وتجوالاً، أما الجناحين فيلازمان خط التماس في كل طرف، خلف مهاجم وأمامه مهاجم، سولومون هو المهاجم غير أنه هو الآخر يسقط باستمرار للربط على الجهة اليمنى عادةً.

الفريق بحالة استحواذ، رغم ذلك نستطيع رؤية هيكل حصين في حالة فقدان الكرة، ما يبدو وكأنه تغطية وقائية هو تمركز يلبي استمرار تناقل الكرة.
قبل نشري للمقال تفاجئت بأن دي دزيربي يشجع لاعبيه على هذا التكنيك المشهور لدى لاعبي الصالات ويمكن ملاحظته لدى الحراس…(انظر: https://twitter.com/AhmadGamal1907/status/1538195385335914496)

يتسم شكل شاختار بمستطيل ذهبي بين لاعبي العمق، (ثمة خطة في الثمانينات تسمى بالمستطيل الذهبي بتشكل 4-2-2-2 ولا أقصدها هنا). يحتفظ هذا المستطيل بتقارب ولكن دون تسلل أي لاعب لمنطقة زميل آخر، أي أن المحورين مثلاً يقفان خلف مهاجمي الخصم وأمام وما بين محاورهم، المهاجمان سيان كذلك بين الدفاع والمحاور، والهدف بالطبع تخطي الخطوط والتفوق مركزياً بلاعب حر بين الخطوط بغض النظر عن المسافة، فاللاعب حر ما دام استلم الكرة وتوجه للمرمى دون وجود معارضة أو امتلك وقتاً لتمرير بينية أو أي سلك أي سلوك تهديدي. الظهير يضم للداخل أيضاً ما يوحي بتركيز شاختار على اللعب بالمساحات الضيقة في مراحل اللعب الأولى ثم انطلاقات الجناحين القطرية لاستقبال البينيات وكذلك توغلات المهاجمين الحاسمة إذا ما أفلحا في سحب المدافعين نحو المنطقة المكتظة التي شيدها رجال المدرب الإيطالي. عندئذ سنتقارب ككتلة ونرغم الخصم على التماهي معنا، يذكرني هيكل شاختار بهيكل نابولي ساري أو سامبدويا جامباولو، نموذج هجين لدي دزيربي، لنسميه بالـ”كرويفو-ساكياني” حيث يمتلك فريقاً قصيراً وجناحان بعيدان، هذه المناورات المحلية في مساحات ضيقة قد تؤدي إلى تفوق مستقبلي في المساحات الواسعة؛ أي على نطاق كلي (غلوبالي)، سنلعب ها هنا ونتبادل الكرات 1-2 ، أمام خلف فبينية… ثم تبدأ التوغلات في الأمام كحلقة ارتجاعية إيجابية. هذا الأسلوب يتطلب دقة “أكبر” على مستوى اتخاذ القرار وتنفيذ القرار بما أن عامل الوقت يتقلص بتقلص المساحة.

يسعى القلبين اجتذاب الضغط عند بناء اللعب، كما نرى مارلون يقف على كرته ناشداً المنافس للخروج والضغط، التمريرة تعتمد على الضاغط، فإذا غطى ما خلفه جيداً فالحل للظهير الذي سيكون طُعماً لاجتذاب الخصم بتموقعه القريب من القلبين، وإذا لم يكن الظهير متاحاً سيتبادل الكرة مع القلب الآخر “كورنيينكو” مجدداً أملاً باستفزاز خط ضغط الخصم الأول. في اللقطة التالية نرى مارلون يتقدم قطرياً متجهاً للمهاجم الثاني، عندها سيمرر الكرة للقلب الآخر الذي سيجد خياراً متحرراً للأمام أو سيتقدم بها لاجتذاب الضغط وكسره فوراً.

مارلون يتقدم بالكرة قطرياً كنمط.
حلقة جانبية، نزول المحور “المتنقل” بين القلب والظهير، أحياناً يتحرك ويتخذ الظهير #7 تموقع غير اعتيادي، ينطلق قاطعاً أمام الجناح underlap أو يتموقع بين الجناح والمهاجم. الظهير الأيسر نادراً ما قام بذلك.
لاحظ الظهير 7# كونوبليا متقدم ليشغل المنطقة الوسطى بين العمق والطرف.
شاختار عند بناء اللعب في مناطق متأخرة، لا يزال القلبان متقاربان، ونرى مجدداً الظهير الأيمن كونوبليا في المقدمة بما يشبه 2-3-5.
تدوير ومداولة لتفكيك خطوط الخصم حتى ظهور حل للقلب كورنييكو للجناح الأيسر في نهاية اللقطة، أشبه بالمحفز أو المستثير للاعبي الطرف.
أوقف الفيديو في 3:40 ولاحظ سقوط سولومون وتوغل المهاجم الآخر خلف الدفاع، سيمياء بين اللاعبين: بحيث يستثار اللاعب بمجرد استلام الظهير وكشفه للملعب (أي يستطيع التمرير للأمام).
ثانيتين لاحقاً سولومون يهجم قطرياً خلف ظهير الخصم المتقدم للضغط على الجناح نمط حركة نشاهده على الجانبين.
لعبة مشابهة للقطة السابقة: مجدداً اتصال وتفاهم بين الخط الأول والخط الأخير لا يمكن إغفال دور سولومون في سحب قلب هايدوك الأيمن، فهو والمهاجم الآخر في حالة نشاط للربط أو التفريغ أو التوغل القطري للخارج خلف الأظهرة.
يسقط المهاجم الثاني أسوة بسولومون لتشكيل مثلث مع #6 (ستيبانينكو في الدائرة) ومع القلب. هنا المهاجم إما يستلم استلاماً موجهاً أو يصل بالمحور الذي سيستلم بوضعية كاشفة. تمعن بوضعيتهما الجسدية؛ هما يمهدان لهذه اللعبة وستيبانينكو متأهب كرجل ثالث.
الصورة السابقة كانت محاولة فاشلة، هذه المرة لم يوفق الجناح في التقاط الكرة.
أراد محور هايدوك استباق اللعب ومنع وصول الكرة للمحور، سوداكوف #8 فاهمٌ لا بحافظ كما نرى في الصورة التالية، إذ استغل المساحة وتقدم بالكرة ليلعب بينية لم ترى النجاح.

ختاماً، يلعب شاختار باحتياطه تقريباً أدى كذلك لبعض التغييرات في المراكز بسبب الحرب التي ألمت بالبلد. وإن كانت هذه المباريات ودية إلا أنها استرعت اهتمامي، فمع هذه الظروف قدم لنا شاختار كرة مميزة ولا تخلو من فعالية، كرة دسمة ربما تعكس ما يقوم به دي دزيربي في تدريباته، كرة جيدة في عصر الكرة الحديثة التي تقف حداثتها عند التكنولوجيا أو تحول الفرق إلى وحدات عسكرية ممتثلة لا مبدعة، كما يقول بانزيري لا توجد كرة حديثة فإما كرة جيدة أو سيئة.

دانتي بانزيري، كرة القدم: ديناميات اللامتوقع…

هذه مقالة عن الصحفي الأرجنتيني دانتي بانزيري، متبوعة بقطعة مترجمة من كتابه.

كأي مهنة أو حرفة، للصحفي مناقب ومثالب، لكن شيئاً فشيئاً أصبحت هذه المهنة تستوعب من هب ودب من طالبي الشهرة الذين يقتاتون على شعبية اللعبة، يتحدثون حول اللعبة ولكن ليس عن اللعبة، موسمهم سوق اللاعبين الذي يرونه سوق نخاسة، يلاحقون الأشخاص لا منتجاتهم في مجالاتهم، عندما يتحدثون عن الكرة -وليس في الكرة حصراً- يرسخون للهراء ويقفزون إلى استنتاجات لا يسبقها تفكير، ليس هذا هو الحال مع البعض منهم واليوم ربما يكاد ينعدم من يجيد الحديث عن اللعبة حتى ممن هم في وسطها، لاعبون أو مدربون أو إداريون أو محللون. دانتي بانزيري (1921-1978) كان ولا شك أحد القلائل الذين أجادوا الحديث عن كرة القدم، ربما لن يحللها كبييلسا أو يفلسفها كخوانما لـيـو ولكنه يعي غموضية اللعبة كمينوتي ويدري -كمورينيو- بأنها لا تتخطى كونها رياضة في أقبية الأندية وإن تكدست بالتكنوقراط.

دانتي هو اسمه الأول، قد يكون تيمناً بالشاعر الإيطالي دانتي أليغييري، هذا الإسم الإيطالي الملحوق بلقب إيطالي أيضاً والذي كما يتضح يجعلنا نخلص بأنه أوريوندو، أي من سلالة مهاجرين طليان، إلا أنه لا يشبه دانتي الشاعر كثيراً رغم نظرته الرومنسية للعبة. بيد أنه على خطى الشاعر فقد أوقد جحيماً افتراضياً على أمثال زوبيلديا وبيلاردو، ذلك أن بانزيري اشتهر بقلمه اللاذع، ينتقد بلا تردد لا باحثاً عن الإثارة ولا منقباً عن جاه متسلقاً وصولياً حبيب الجميع، بل باحثاً عن حقيقة كصحفي مهني حاصداً بذلك الأعداء قبل الحلفاء. بانزيري صاحب رأي، يُذكر على لسان بانزيري أنه يتوجب على الصحفي أن يكون مستعداً لخسارة الأصدقاء، فلا الشعبية ولا الإعجاب من أهداف الرسالة الصحفية، كما ينبه زملاؤه الذين يملؤون المانشيتات بالأحكام والإطلاقات بأنهم مدعون وليسوا قضاة، “قد تبيع أقل ولكن ستكسب الكثير بالحقيقة” من مآثره كذلك.

بانزيري ومينوتي.

غادر بانزيري دنيانا في 14 أبريل 1978 أشهر قليلة قبل كأس العالم التي ناضل من أجل عدم إقامتها في بلاده، حتى أن كارلوس لاكوست أحد المسؤولين عن تنظيم البطولة حاول إقناعه بمنافع التنظيم، لكن بلا جدوى، معللاً -أي بانزيري- رفضه بأن الصحة والتعليم والإسكان أمورٌ خليقٌ أن يكون لها الأولوية. هذا دون ذكر استقالته من إلغرافيكو للأبد حينما ضُغط عليه كي ينشر دعاية لوزير الاقتصاد في بداية الستينات. في احتفاء إلغرافيكو بمئوية الصحفي الأرجنتيني ذكر التقرير أن أحد القراء بعث لهم أن رأيه يجب أن يكون أكثر أهمية من رأي المجلة لأن “الزبون دائماً على حق”، رفض بانزيري ذلك: “إلغرافيكو ليست متجراً أو محل لبيع الأطعمة الشهية. بين الزبون والحقيقة، سنواصل اختيار الحقيقة، التي نفهما كأفضل طريقة للدفاع عن الزبون”. مر بإقالات واستقالات من منطلق مبادئه التي لا يبديها فقط وإنما يعمل بها، إلى الحد الذي جعل ماتياس باوسو يصفه بالصعب المراس، بل ويزيد “تُرك لوحده. بدون قراء، وبدون زملاء، وبدون محررين”. بالبنط العريض وبينما تحتفي الصحف الأرجنتينية بإستوديانتس بطل ليبرتادوريس ثلاث مرات ينتقد بانزيري أسلوب أوزفالدو زوبيلديا: “إستوديانتس يمثل عنفاً طُبّق على كرة القدم من أجل الفوز” … “أنا أصر على تسمية إستوديانتس جمعية غير مشروعة لتحقيق نتائج قانونية”. لا يقف موقف بانزيري المناهض للمدربين عند هذا الحد، فلا يرى المدرب إلا منغص لموهبة اللاعب وحريته. نتسائل لو عاصر بانزيري كم المتعالمين اليوم؟ فلم يقتصر الأمر على المدرب، بل أصبح هناك علماء يعلمون بدقة ما على اللاعب فعله في كل لحظة، هناك علماء يعرفون كرة القدم بموضوعية مجردة وخوارزميات دقيقة دون أن يشاهدوا المباراة أصلاً. اللعبة مجال مفتوح وواسع، كل بلد وكل ثقافة بل وكل مدرب لديه نظرة ذاتية، الموضوعية في كرة القدم أمر يصعب فرضه عدا قوانين اللعبة وبعض المصطلحات التي اصطلح عليها المدربون وغدت عالمية. كرة القدم مجال مفتوح وواسع، وعليه؛ هناك من استغل هذه الفجوة، فصنعوا مجالاً يشبه التنمية الذاتية أو ما يعرف بمدربي الحياة، مانحين أنفسهم سلطة منح صكوك المعرفة في مجال ذاتي -غير علمي- ككرة القدم، وهو مجال يتخلله منطق طبعاً علاوةً على مجالات أخرى داعمة له.

من اليسير بمكان أن نستوعب كرة القدم -بالقدر الذي نستطيعه- كتكتيكات واستراتيجيات وحلول وقدرة على التحليل وحتى التنبؤ نسبياً على مستوى الفريق -وليس الفرد- دون أن نضع مساحيق لغوية ونعلي من شأن معرفتنا على هيئة مصطلحات. فإلى حدٍ ما، سنتعلم أكثر وأكثر عن كرة القدم من الفلسفة والعلوم أو الفلسفة وعلم الاجتماع كما يشير بانزيري، وليس “كيف تفوز باستخدام التيكي تاكا” أو “كيف تضغط بـ4-4-2″، ولو أن هذا سيكون مفيداً كبداية. يكمن فهم كرة القدم بالاعتراف بعدم فهمها، بعدم الإلمام بكامل خباياها، فتبقى أي رؤية لكرة القدم هي رؤية ذاتية على الأغلب، مينوتي يقول:

“98٪ من الصحفيين لا يفهمون كرة القدم. ليس عليهم أن يفهموها، دعني أوضح هذا؛ اجعلهم فقط يشعرون بالشعبية. هذه لعبة صعبة للغاية، ومعقدة للغاية، حتى أناساً مثلنا حاولوا منذ أربعين عاماً إيجاد منطق لم يفلحوا في فهم اللعبة. ما هو مرفوض هنا هو تلك السلطة التي تقول: “لو كنت مكانه فسأضع فلاناً أو علاناً”. هذه قلة احترام لا تنتمي للصحافة.”

نبرع جميعنا في وصف ما حدث حين يحدث ونعلل الأخطاء التي تتكرر من أفضل اللاعبين وأسوئهم أو نلوذ بالفرار إلى أمور لا يمكن لأحد قياسها كالحالة الذهنية، أو إطلاق أحكام اعتباطية تتعلق باللياقة، حتى أدهى خبراء اللياقة البدنية لا يطلقون تلك المزاعم برأي العين وحدها. بالطبع للتحليل وللنظرية في كرة القدم مكان -بالنسبة لي- ولكني أجد نفسي انتهج التعقيد في النظر للعبة، فاللعبة ليست حتمية المدرب المدبر ولا يمكن تجزئتها وترتيبها، إلا أنني اختلف في بعض النواحي مع بانزيري. فهناك منطقة وسطى بين المدرب وبين اللاعبين، غير أن اللعبة ستبقى للاعب، والمدرب يرشد ويهدي اللاعب سياقاً يبدع من خلاله لمصلحة الفريق، وهذا ما تقتضيه جماعية اللعبة. وأما التنظير فغايته “محاولة” فهم اللعبة وبلورة لغة تلتملم شتاتها دون أدلجتها وجعلها عقيدة، فلكل مدرب نظريته، أو بصورة أدق؛ نظرته. في نهاية الأمر، نطاق تحكم المدرب أقل بكثير مما يتصور فهو مكبل بلا يقينية اللعبة واللاتنبؤية في اللاعب، ابتكاراته الآنية التي تتدفق منه بانسياب، لمحات العبقرية أو ومضات البلاهة. وهذا ما يصر عليه بانزيري، الذي قال قبل خمسين عاماً أن اللاعب يتصرف من اللاوعي، قبل أي مدرب أو منظر، أدلى -كما سترون- أن اللاعب ليس باستطاعته شرح عبقريته… ووفقاً لأندريس بورغو فلم تجري إلغرافيكو أي مقابلات مع ألمع اللاعبين في مونديال تشيلي 1962، فاللاعبون -تبعاً لبانزيري- “ليس لديهم الكثير ليقولوه. إنما يتحدثون بأجسادهم، بأدائهم. لا أجد شيئاً مثيراً للاهتمام حيال ما يمكنهم قوله.” تصريح بيدري ليس عنا ببعيد حيث قال: “تخرج الأشياء من تلقاء نفسها في الملعب، وأنا محظوظ بعدم التفكير بما سأفعل.” أي أن الأفعال تخرج منه دون تفكير وحينما يفكر سيكون عرضة لانكباح انسيابيته وسرعة “قراراته”. ذلك أن الكرة السريعة تخرج من العقول السريعة كما يقول بانزيري، أيضاً قبل عشرات السنين من رانغنيك مثلاً.

أترككم الآن مع ترجمة الجزء الأول من عمله الأهم: Fútbol: Dinámica de lo impensado ويمكن ترجمته بـ: كرة القدم: ديناميات اللامتوقع…

غلاف الكتاب الذي صدر في عام 1967 .. لست ملماً باللغة الإسبانية ولكن ما أترجمه يستحق وإن ليس بالدقة المطلوبة.

اللعب-المرح والجد-المعاناة

“هذا الكتاب ليس للعب كرة القدم. أجدى أن نعرف أن الكتب ليست مفيدة للعب كرة القدم. فقط اللاعبون مفيدون… ولا حتى اللاعبين سيكونون مفيدين إن لم تسعفهم الظروف.”

بهذه الكلمات اختتم مؤلفٌ كتاباً عن قيادة السيارات في أكثر الشوارع ازدحاماً في المدن الأكثر اكتظاظاً بالسكان. أنا أكتب هذا الكتاب – ليسمح لي الناشرون بالاعتراف – بشك مماثل.

كي تلعب كرة القدم، فالكتاب لن يجدي.

لإدارة فريق كرة قدم فنياً، فهذا لن يجدي أيضاً.

لـ”رؤيةٍ أفضل” لمباراة كرة قدم… نسبياً.

قد يكون مفيداً لكيلا تُرى كرة القدم كما كانت تُرى.

وعن عدم جدوى ذلك الكتاب عن قيادة السيارة، وكذلك نظراً للفائدة المشكوك فيها لهذا الكتاب التقديمي عن كرة القدم، لا أعتقد أن الملام هو من يأخذ على عاتقه حمل التأليف: الصعوبة الأكبر في تعليم كيفية قيادة السيارات في مدينة، أو لـ”رؤية أفضل” لمباراة كرة قدم…، تنشأ عن ديمومة المجهول، وعن القدرة البشرية التي لا حصر لها على خلق وحل ما هو غير متوقع، منتجةً عفوية تدمر مراراً الأسلوب الذي اصطنعه الإنسان الذي -وعلى السواء- يخلقه ويدمره. كما لو أنه مزود بأعظم قدرة على تغيير الآراء التي تسجلها الخليقة حتى الآن.

وارن ماكالوك، من المعهد التكنولوجي في ماساتشوسيتس، قال في أبريل 1966… أنه “لا يمكن للكمبيوتر أن يغير رأيه أربع عشرة مرة في ثلاثة أعشار من الثانية كالإنسان”. وأضاف أن الإنسان يمكنه فعل ذلك لأنه يمتلك تريليون خلية عصبية حاسوبية بإجمالي مليوني مكون بيولوجي منفصل.

بالتأكيد لم يعتقد وارن ماكالوك أنه كان “يتحدث عن كرة القدم” عندما أدلى بذلك التصريح.

ولكن الإنسان المنشود في ذلك الاستنتاج العلمي هو نفسه الإنسان الذي يلعب وينتج دون تفكير كل ما تنطوي عليه مباراة كرة القدم بين اثنين وعشرين رجلاً، وكرة، إضافةً إلى عدد لا حصر له من الظروف الخارجة عن إرادة هؤلاء الرجال.

هو “الرجل العادي”، على الرغم من كونه دائماً نفس اللاعب، نفس الموهوب، الموهوب للغاية أو المتدني الموهبة، الذي سيخوض دائماً مباراتين مختلفتين حيث يلعب نفس الرجال وعلى ما يبدو نفس الظروف المرئية. بيد أنها ليست “نفس الشيء” أبداً فيما هو منفلت عن سيطرة البشر.

ذلك “الرجل العادي” هو الملام في “عدم جدوى” هذا الكتاب، وربما جميع أقران ذلك اللاعب.

إن هذا الرجل العادي، ليس فقط مختلف عن بقية الرجال ولكنه مختلف عن نفسه على الدوام، هو الذي سيخوض مباراتا كرة قدم مختلفتين “متماثلتين” يُفكر بهما بنفس الطريقة؛ رحلتان بالسيارة في مدينة كبيرة عبر نفس السائق ونفس رخصة القيادة.

والأدهى من ذلك بكثير حينما يكون الحديث عن لعبة كرة القدم أو قيادة سيارة، (ينبغي) التغلب على عوامل معارضة متغيرة وغير متوقعة بمثل تقلبات أفكار “الفرد منا” أو “فريقنا”.

في كل منافسة رياضية هنالك معارض/منافس يجب التغلب عليه.

حتى في أكثر المنافسات فردانية ستواجه ساعة غير مؤذية.

أما في الرياضات الفردية، فالمنافس المباشر سلبي.

وفي كرة القدم فهي صدامية. معارضة بمعنى الكلمة.

في رياضة الحركة الفردية، لا أحد يحرم أي شخص من أداته التنافسية الأساسية.

إذا تنافس رسامان في نفس الأثناء ولنفس الدوافع لتأسيس درجة معينة من القيم الفنية، فلن يجرد أحد الرسامين الرسام الآخر من فرشاته.

يقاتل الرياضي ضد المسافة، ضد الأداة، ضد السياج، ضد القضبان، ضد إجهاده… ولكن دون خصم يقيد حركته، أو يسلب منه القرص أو الجلة أو الرمح، أو عصا القفز بالزانة أو المطرقة.

تُلعب كرة القدم وفقاً للقانون المقبول للحق في نزع ملكية الأداة الأساسية للعبة.

وهذا الشرط -بالنسبة لكرة القدم، للرغبي، وكرة السلة، ولجميع الرياضات الجماعية ذات المعارضة المباشرة- يجعل المقارنات المتكررة المزعومة سخيفة، مستحيلة، أمام العديد من العقول المعرضة للانبهار بنورانية الجدلية التكنولوجية، والتي لا تميز بين التقنية والإنسانية في مساعيها للتوحيد، وفي هذه الموازنة الأسلوبية الشائعة بين نشاطات لاعب كرة القدم المحددة وأنشطة الموظف/العامل، أو أنشطة رياضي في أي مسابقة رياضية فردية، وحتى تلك الخاصة بفنان كوميدي. هذه المقارنات شائعة، وليس فقط بين المستجدين في كرة القدم؛ حتى بين مزعومي الأهلية في كرة القدم، إما بسبب ضعف قناعاتهم أو بسبب الخوف من التخلف، أو عدم العزف “على إيقاعات” العصر الراهن… المخادع.

ثمة حديث عن التفاني المنهجي لكل فرد في عمله (حتماً لاعب كرة القدم غير مستثنى من ذلك في المجتمع المعاصر) وجميعنا ممتثل لنفس عوامل المنافسة، ولكن دون أن نتذكر أبداً أنه بينما يفعل الفرد في كرة القدم ما يسمح به الخصم أولاً، ثم نفعل ما نرغب فعله بعدئذٍ…، يستجيب الأداء البشري -في جميع الحالات الأخرى للمقارنات المفتعلة- حصراً لما يستطيع بطل الرواية فعله بعيداً تماماً عن خطر قيام شخصٍ ما نزع البيانو عنه حين يعزف، أو الفرشاة التي يرسم بها، أو العمود الذي يقفز به أو الدراجة التي يُدرّج بها. لهذه الحالات قد يكون هناك تكنيك ولكن ليس بشكل دائم. أما بالنسبة لكرة القدم، فهراءٌ أن نتحدث عن التكنيك أو عن طريقة للعب بشكل جيد أو معيار للعب أو “رؤية أفضل” للعبة، ذلك أنه هناك الكثير من التقلبات والتغيرات والمفاجئات واللامتوقع والعفوي… هذا يفرض صلاحية العديد من التكنيكات. تكنيك اللامتوقع فوق كل ما هو متوقع. بل وأكثر من ذلك: اقتصار هذا التكنيك على استخدام أكثر أسلحة الإنسان تمرداً على الانقياد، أي القدمين، ودوماً بصورة أكثر عناداً من اليدين في نظام الدماغ. لا يمكن تنظيم العفوية بأي ترتيب مسبق. مضافاً على ذلك: لم نرَ قط، تحت أي ترتيب مسبق، ظهور رجل فاضل لمجرد أنه “تعلم” أن يكون فاضلاً. الجراح، الموسيقي، لاعب كرة القدم، يجب أن يولدوا جميعاً فاضلين لكي يصبحوا فاضلين من خلال مساراتهم الطبيعية المختلفة: بعضهم يتدرب، والبعض الآخر يبرز نفسه.

هناك علماء اجتماع وفلاسفة غالباً ما كانوا أفضل مؤلفي كتب كرة القدم التي أعرف.

أحدهم جوليان مارياس، والذي أحسن القول ودون أن يعي أنه “يتحدث عن كرة القدم” حين قال… عندما تعرف ما الذي سيحدث، لا شيء مما ظننت يحدث.

وحين إذ نُخطط للعفوية، لا تعود عفوية.

وإن استطعنا جعل كرة القدم غير عفوية، كما يحاول الكثيرون إقناعنا، لكنهم لم ينجحوا أبداً، فيمكننا أن نصدح سوياً مع ذلك الكاتب الذي كتب عن قيادة السيارات في حركة المرور الحضرية: “هذا الكتاب يستبدل -وبأفضلية- الدماغ البشري”.

ذلك أنها ستساعدنا في إمكانية ضبط – العفوية المنظمة بكل جوانبها المتوقعة واللامتوقعة – ومجموع تبدّل الآراء بمعدل أربعة عشر مرة لكل ثلاثة أعشار من الثانية الذي بوسع الإنسان عمله، والحق أن ذاك الإنسان هو الإنسان الذي يلعب كرة القدم.

سنكون -في هذه الحالة- بمأمن حين ننتقل من وسط بوينس آيرس إلى أكثر الطرق امتلاءً بالتقاطعات عبر طريق محدد مسبقاً ومخطط وخالٍ من التحويلات الآنية اللامتوقعة بسبب الاختناقات المرورية، أو الإغلاق المؤقت بسبب الحوادث التي ليس لها وقت ثابت، أو أعمال إصلاح الشوارع، أو مظاهرات طلابية تطاردها الشرطة، أو تقديم أوراق اعتماد من قبل دبلوماسي أجنبي.

هناك تشابه بين لعب كرة القدم والترحال بالسيارة مع «قواعد اللعبة» المقبولة وهي أنه في حالة كرة القدم تنتزع الكرة التي نلعب بها، وفي الحالة المقابلة يُغلق الشارع الذي نحتاج عبوره. والحل؟ تخطي الناس! (الشرط الأساسي للعب كرة القدم بشكل جيد).

ما هي الخطة “للهروب من الناس”؟ ثمة خطة واحدة ممكنة وحسب: الغريزة، الأربعة عشرَ تغيراً في الرأي في ثلاثة أعشار من الثانية التي تحققها تريليون خلية عصبية حاسوبية ومليوني عنصر بيولوجي منفصل عنها.

العبرة: كرة القدم فن اللامتوقع.

لو كنت “معلم قيادة” للاعب كرة اشترى سيارته الأولى دون أن يقود سيارة على الإطلاق. فلعبُ كرة القدم يا “تلميذي” يتميز بالمكر كيما تكون حراً على الدوام، دوماً أكثر حرية من الآخرين في مواجهة الخصم المباشر. لم يتطلّب عملي التربوي في قيادة السيارات أكثر من دقيقتين، وهو ما يكفي ليقول لي بلغة كرة القدم:

-إذاً، هذا يعني أنه من أجل قيادة السيارة جيداً، عليك أن تبدأ بنفس الطريقة التي تلعب بها كرة القدم بشكل جيد: تخطي الناس!

لاحظت في وقت قصير أنه أثناء اقتياد سيارة أو كرة يستخدم لاعب كرة خبير وسائق مبتدئ نفس الأسلوب: تكنيك القدرة على الحل والارتجال والتغيير واللعب العفوي عوضاً عن المُفكر فيه. إذ لا يقوم بالتصادم.

بالطبع، هذا الفرد ليس مشترياً محتملاً لذلك الكتاب الذي يقول فيه مؤلفه أنه “لا جدوى منه”، ولا هذا الكتاب الذي أشك في جدواه بالمثل…

العديد من التكتيكات، من التكنيكات، والعديد من الأفكار، تكتيكات وتكنيكات مضبوطة، ثمة خطة للاعب الكرة الجيد والمباراة الجيدة واللعب الجيد. إن الخطي والثابت، وإن كان عبقرياً ورائعاً، فصلاحيته تقتصر على لعبة واحدة، مباراة واحدة، لحظة واحدة. أما المفاجئ، ولو كان غير متسق، وإن لم يكن عبقرياً، فصلاحيته حاضرة في جميع الأوقات.

لا يصح تفسير كل ما سلف على أن النجاح في كرة القدم متوقف على الصدفة. لا، فلكرة القدم منطق، الكثير من المنطق، تقريباً منطقية دوماً. منطق عظيم… ضمن قانون ثابت يشير إلى أنه أثناء العملية والإخراج فما يُفعل يُفعل لأنه “طرأ” أكثر بكثير مما جرى التفكير فيه وأكثر مما فُعل بالفعل.

هناك حالة طبيعية واحدة فقط حتى الآن، في جميع الأزمان: انتصار الأفضل والأكثر موهبة، الأكثر مهارة بأقدامهم، والأكثر لدانة في عقولهم. من حين لآخر قد ينتصر الأقل قدرة في ثلاثية الموهبة-القدرة-البراعة. كاستثناء. القاعدة هي هيمنة الأفضل والأكثر موهبة، هذا هو منطق كرة القدم مذ وجدت، تُلعب كرة القدم بجودة أو رداءة، أي بطريقتين ممكنتين فقط للعب، ذلك أنه لا يوجد طريقة حديثة ولا قديمة في أداء كرة القدم. على الأكثر، كرة القدم السيئة وفيرة، والتي لا ينبغي الإقرار بصلاحيتها لكرة القدم الجديدة. ببساطة تُلعب كرة القدم بفظاعة، بالمزيد والمزيد من الرجال ذوي الكفاءة التكنولوجية وبعقول مجردة من إنسانيتها. هم لا يقومون بكرة قدم “أخرى”. كما لو أنهم لا يزالوا السائدين، في الوقت الذي يحاول فيه البعض جعل كرة القدم تَبَعاً للتفكير على حساب العفوية؛ كرة القدم تلك، على ما يبدو، ليست كرة قدم “أخرى” أيضاً، بما أنها تحقق الصلاحية الكاملة والهيمنة في ظل السيادة المفترضة الشبه مطلقة لما تدعى “الأخرى”، أو “اللحظة الآنية” كذلك.

“في السابق” هناك كرة قدم واحدة فقط: تلك التي تلعب منذ أضفي عليها الطابع الرسمي في (26/10/1863)، تلك التي اشتقت إثر الانقسام مع الرغبي، وحتى عام 1925، حينما اكتسب قانون التسلل شكله الحالي؛ لاعبان “خلف” الكرة. حتى ذلك الحين، كان المطلوب ثلاثة لاعبين، وبالطبع، كرة القدم التي تُلعب في هذه الظروف كانت بالتأكيد كرة قدم “أخرى”. منذئذٍ، لم يتغير إلا الصفات البشرية (سواءً البدنية أو الفنية أو التكتيكية) للإنسان-اللاعب. وصولاً إلى نغمة المعاناة التي تزداد في الروح الحية لما يعرف بالإنسان “الحالي”، لاعب كرة القدم الموازي لذلك الإنسان المقهور أضحى يلعب أقل شيئاً فشيئاً، ليصبح لاعباً مستأجراً أكثر فأكثر. ظلت كرة القدم واحدة: تلعب إما بجودة أو بفظاعة.

لا أحد يُعلّم. من يُعلّم. كيف يُعلّم

من “يعرف” حقاً ويقيناً كرة القدم، أو عن كرة القدم؟ يحدث غالباً لبس بين الذاكرة والحكمة.

أنا؟ لقد اصطُفيت لكتابة هذا الكتاب. هذا لا يثبت جدارتي. قد يثبت الثقة على الأكثر. ليس لديّ دبلوم أو أي شيء يثبت كفاءتي في كرة القدم. لديّ أفكاري وحسب، والتي هي ضرورةً تكيفاً واعياً أو غير واعٍ لأفكار آخرين. لا أحد يولد بأفكاره الخاصة. قطعاً جميعنا نمتلك أفكاراً يشوبها تأثيرات الآخرين. طالما يتعلم المرء، يجهل المرء من أين يتعلم (بوركيا؛ شاعر أرجنتيني).

أهَل الحاصلون على الدبلوم هم من يعرفون؟ من الضروري معرفة من أعطاهم الدبلوم ولماذا؛ ذلك أنه لا يوجد في كرة القدم كيان يشار له بالجدارة لمنح دبلومات المعرفة. هناك جهات معتمدة لمنح الدبلومات… من خلال الإقرار الذاتي، تمنح العديد من الدبلومات للكثيرين. خاصة وأن كرة القدم أصبحت مصدر عمل للفيفٍ من الأشخاص الذين لا يلعبون أكثر من الذين يلعبونها من أجل التربح. لا يستطيع أي شخص يمنح دبلومات أن يثبت أنه يعرف كل ما يمكن أن ينتجه لاعب كرة قدم بشكل غير متوقع. بل اللاعب نفسه لا يعرف وهو الذي -دون تفكير- “خرج” بتلك الأحداث اللامتوقعة.

هل اللاعبون العظماء هم من يعرفون؟ كم عدد اللاعبين العظماء الذين لا يعرفون أو يعرفون لماذا كانوا عظماء! أو لماذا فعلوا ما فعلوه كعباقرة. والأدهى من ذلك: كثر، الغالبية العظمى منهم، يتحدثون عن كرة القدم بقدر هائل من التناقض المطلق بين جدلهم اللفظي وإتقانهم الحقيقي الذي مارسوه بالكرة بين أقدامهم دون تفكير… بما أنهم “خرجوا” بالعديد من اللمحات العبقرية.

أو هل “يعرف” العديد من اللاعبين “السيئين” والذين -على النقيض من العظماء-، يبدو أنهم يفهمون كرة القدم جيداً ويحللونها بمستوى تعليمي وجدلي عالٍ متبدٍ وواضح؟ ينشأ الاعتراض على منحهم “الدبلوم”، في هذه الحالة، على حقيقة أن كل ما يعرفونه لم يعرفوا كيف ينقلونه إلى الملعب.

وهكذا نصل إلى ما كنت أخشى أن نصل إليه كسبب آخر للتشديد على أن “هذا الكتاب عديم الفائدة”: لا أحد “يعرف” كرة القدم حقاً ويقيناً. كرة القدم علمٌ خفي للتدريس الأكاديمي المستحيل. كرة القدم عملية/تجريبية.

أما الأشخاص الذين ربما يعرفون الكثير عن كرة القدم، نعم هناك من يعرف، الكثير ممن هم كذلك. وها نحن نعود إلى نقطة البداية: من هم أو من هو الذي يحدد ذلك؟ جميعنا يحدد ذلك بالنسبة لما يبدو لنا ملائماً أمام كل افتراض ملائم. “بالنسبة لي” فأكثر شخص يعرف عن كرة القدم في العالم – حتى اللحظة لم أجد أي شخص يعرف أكثر منه – هو الأرجنتيني كارلوس بويتشيلي. لكن لا أحد يستطيع منحه الدبلوم أيضاً. سأمنحها إياه، غير أنها ستكون بلا قيمة. وفي هذه الحالة، يعرف الكثير من اللاعبين السابقين، بل وغير اللاعبين الذين يتمتعون بحدس تمييزي بسيط الكثير عن كرة القدم بلا “اختبارات”. وأبعد من ذلك: لا يستطيع أيٌ منهم تعليمها. وعلى الأكثر، ودون التعرض لخطر الوقوع في الخطأ في غالب الأحيان، قد يتأتى لجميع من “يعرفون أكثر” انتقاء اللاعبين الجيدين المحتملين. هذا هو المكان الذي أضع فيه أكبر نطاق ممكن من الكفاءة والأهلية في كرة القدم: اختيار من وُلد ليلعب. ثم مساعدتهم على التدريب على ما ولدوا ليقوموا به. أنعلمهم، أبداً. أنصحح لهم، نعم. أنصنعهم، لا.

أمر مجهولٌ جديد يلوح لنا: ألا وهي معرفة كيفية اكتشاف الذين يولدون عارفين بكيفية اللعب، أيتعلق الأمر بفهم كرة القدم؟

الجذور دائماً واحدة فقط في اللاعب الجيد دون المساس بالتصحيحات الطفيفة التي سيلبيها الوقت والنضج، والجرعة الأقل جهداً من أجل أداء أفضل: ألا وهي ولادته. لا أحد يصنع اللاعبين. إذ لا يصبح اللاعب السيء لاعباً جيداً عادةً، عدا بعض الاستثناءات الشاذة لكل قاعدة، والتي تحدث أحياناً أيضاً. على سبيل المثال: خوسيه مارانتي، أحد أعظم المدافعين في كرة أمريكا الجنوبية، لاعب سيء في شبابه المبكر، حصن شامخ في عمر النضج الكروي. في المقابل، نعم، قد يتحول أو يُحوّل اللاعب الجيد إلى لاعب سيء. يحدث هذا أحياناً كثيرة. خاصة عندما يجعل اللاعب من نفسه “أداةً”.

بالتالي، إذا ولد اللاعب الجيد، وليس بفضل قلة، بل بفضل آلاف مؤلفة من الذين لاحظوه…، فإلى أي مدى باستطاعتنا الإشارة بأكبر قدر من المعرفة الكروية إلى المدرب الذي اكتشفه ووجهه نحو المسلك الذي ينقذه من المجهول الذي يبقى فيه آلاف الحالمين؟

إن عملية اختيار اللاعبين الذين ولدوا كلاعبين جيدين قد لا تكون كافية كمؤشر للحذق الكروي، إذا لم يتلازم الانتقاء مع التوظيف في الملعب، سواءً في “المركز” أو في الدور الأنسب للخصائص التي يتحلى بها هذا اللاعب بحكم طبيعته.

دوماً ضمن التنوع اللامتناهي الذي توفره لنا اللامساواة البشرية المستمرة، والذي يصل إلى أقصى مداه حين يجعل حتى الشقيقين التوأمين مختلفين، إذ علينا أن نجد، على سبيل المثال:

لاعبون يتمتعون بقدرات كبيرة بدون ذكاء كبير.

لاعبون أذكياء للغاية بقدرات ضعيفة في التحكم بالكرة.

لاعبون يتمتعون بالذكاء والمهارات بلا استعداد/مزاج للقتال، وهذا للتنافس الذي -كأي لعبة أخرى- تتطلبه كرة القدم من الجميع.

لاعبون يتمتعون بقدر معتبر من المزاج والروح القتالية دون براعة لتطبيق ذلك في معركة الخداع التي هي لبّ كرة القدم.

لاعبون ببنى بدنية متباينة للغاية.

لا أريد الاستمرار في التصنيف، لأنني أدرك مدى استحالة تجميع كل الأنواع البشرية وسط هذا التنوع البشري الفاقد للمعايير… الحالات المذكورة كافية.

كل هؤلاء اللاعبين ​​قادرين على اللعب بصورة جيدة كذوات يتمتعون جميعاً ببعض الفضيلة؛ هل يستطيعون فعل ذلك عند بناء أو تحطيم اللعب من مراكزهم التي اختاروها بأنفسهم من التوزيع غير الرسمي للأطفال؟

أحياناً كثيرة، نعم. مراتٍ كثيرة، لا.

في الحالة الثانية، أي في حالة اللاعبين أصحاب القدرة الأكبر على التدمير الذين وُجهوا نحو مهام بناء اللعب، أو العكس، حيث -وأبعد بكثير من تحديد اللاعب الجيد- نقيم درجة الحكمة لمدرب لاعبي كرة القدم كما يلي: سيقترب من فرصة إثبات أنه “يعرف” كرة القدم حينما ينجح بوضع هؤلاء اللاعبين في أكثر المراكز ملاءمة لطبيعة كل فردٍ منهم. سيقترب من هذه الفرصة إلى الحد الذي يجعله يعرف كيف ينصح ويقنع اللاعب بمحاولة القيام بدورٍ -غير مناسب- قد كلفه به، حيثما يكون اللاعب أقل قوة من حيث الإمكانات. لنُصغها بصورة أدق: ما ليس ملائماً “له”، فما مقدار الدقة لدى اللاعب المتواضع في التحكم بالكرة، وكيف هو التفاني في اللعب البدني من قبل اللاعب الضعيف بدنياً.

قد تكون المراحل التالية هي ما تكشف الرجل الأقرب إلى الحكمة في كرة القدم، الحكيم الحقيقي ربما، ولكن يستحيل دائماً إثبات ذلك:

  1. اصطفاء اللاعبين الجيدين من بين آلاف المتقدمين.
  2. وضعهم في أنسب المراكز حسب خصالهم التي ولدوا فيها والتي لا يمكن لكائنٍ من كان منحها إياهم.
  3. حثهم على الامتناع عن القيام بما لا يحسنون، أو ألا يفعلوا أقل ما لديهم في حدود ما ولدوا عليه.
  4. دع هؤلاء اللاعبين المختارين، محددي المواقع، والمُدرَبون… يفعلوا بعدئذٍ ما هو أحسن. دعهم يلعبون. بالتشجيع والإحساس بالتسلية الذاتية، كضمانة أكبر للتسلية لمن يتفرج، سواء كان ذلك برغبة في الانتصار المادي، أو بفكرة جمال فني حيث الإغراء الأكبر – والغاية الأعظم، أي الهدف – سيتحقق من جراء الإبداع التلقائي واللاعقلاني تقريباً دوماً من أولئك اللاعبين. دعهم يلعبون، فبحكم المؤكد أن الجميع يريد الفوز، لا أحد يحب الخسارة. والهدف هو ابن اللعبة أكثر من كونه ابناً للتسديدة.

المهمة، كما يتضح، لا تشمل أي مرحلة تعليمية معينة لأي شيء جديد ضمن حدود إمكانات اللاعب الطبيعية، أو التي يمكن للاعب نفسه اكتسابها.

إنما تشمل المهمة مرحلة ثالثة من التصحيحات وحسب، وبدقة أكبر، نصائح ينتزع بها المدرب من اللاعب أكثر بكثير مما قد يضيف.

في كرة القدم، يمكنك إيصال (تعليم) بعض الأفكار نسبياً. بينما يستحيل إيصال هبة/خصلة.

بجعبة الكثير منا أفضل الأفكار عن كيفية لعب كرة القدم.

بيد أن القليل منا ممن ينسق هذه الأفكار وبقدرة على جعل الكرة أداة سهلة الانقياد بين أقدامنا، وردود أفعالنا الانعكاسية reflexes على كل كتلة العضلات التي يجب أن تحرس الكرة وتحميها عبر الجري السيء على المستوى الرياضي من أجل الركض بشكل جيد على مستوى كرة القدم؛ هؤلاء القلائل الذين ولدوا بموهبة كروية مهجنة في غريزتهم… يُظهرون جهلاً في فن التعبير -في شكل أفكار- عما يعرفون فعله ببراعة بأقدامهم. يفضل معظمهم إظهار ما يعرف… عبر اللعب وليس عبر التحدث. لأنهم إن حاولوا التحدث… فقد نفترض أنهم لا يعرفون كيف يلعبون. وكما هو الحال غالباً، لا أحد يعلم لماذا يعرف ما يعرف.

لهذه العلة نقول أن كرة القدم هي علم غامض، إمبيريقي/تجريبي، ومن العصي تدريسها أكاديمياً، نقول هذا مع الوعي الكامل بمدى الجرأة بل والإساءة للعلوم الخفيانية/الغموضية التي يبدو مسموعاً أن للرياضة موقعاً بينها.

إن جدلية التسويق الوفير لكرة القدم بوصفها صناعة ترفيهية قد تجنت كثيراً لكي تظهر اللعبة على هذا النحو بحيث يُعلّم المزيد والمزيد من المؤمنين إمكانية جعل كرة القدم قابلة للميكنة.

ولكن في غضون ذلك، كرة القدم دائماً وأبداً كرة قدم واحدة وحسب – كرة قدم واحدة للاعبين ومفاجآتهم التي لا يمكن التنبؤ بها حتى لهم هم- رغم التسميات المختلفة التي يُراد بها تحويل اللعبة إلى “حديثة” و “استراتيجية” و “عملية” و “تكتيكية”، و” مدبرة” وسلسلة من المحتويات “الجديدة” المماثلة التي تفشل في تغيير حقيقة أن النصر الذي يتوق إليه الجميع، كأفضل طريقة لعب تؤدي إلى النصر، يظل إرثاً حصرياً لما يستطيع اللاعب (ولا أحد غير اللاعب) تحقيقه بقدر ما “يبتكر” من الأفكار الثابتة التي يسمح بها إيقاع الكرة التي تُلعب بين اثنين وعشرين… كائناً بشرياً تحت إمرة حكمٍ جزافيّ للغاية من اللامتوقع.

في ظل هذا الواقع غير المتغير لكرة القدم في أي عصر وأي جيل، قام الرجال “الأكثر معرفة بكرة القدم” بتغيير أوصافهم كذلك. ولكن، لسوء الحظ، كلما تغيروا، أصبح عدد الرجال الذين يبدو أنهم “يعرفون كرة القدم أكثر من غيرهم” أقل انجذاباً نحو كرة القدم.

في البداية، تحت أسماء أكثر ملاءمة للتواضع والحياء، وهن من سمات الموهبة، كان أولو المعرفة الواسعة في كرة القدم قادرين على القيام بالعمل.

لقد انجذبوا بطريقة ما. في وقت لاحق، تحت مسميات أكثر تمشياً مع مأسسة استعراض، عوضاً عن تصميم العمل لرياضة احترافية، هؤلاء الرجال أنفسهم استبدلوا بصخب أوصاف رنانة ومصطنعة ارتبطت بقومٍ جريئين أكثر من كونهم موهوبين، تولوا مناصب تعليمية لا وجود لها تحت غطاء اسم “مدراء فنيين”، عرفوا في كرة القدم كأدوات لأتمتة لا مسبوقة للعفوية، ساعيةً اليوم اقناعنا بأنها تصنع ما يسمى بـ”كرة القدم الحديثة”. دائماً “قديمة”. دائماً كرة القدم، الكرة الوحيدة، سواءً جيدة أو رديئة. تلك التي للاعبين.

بدأت تلك العملية بـ “الكبتن”.

اُتبعت بـ”الرفيق”.

ثم بـ”المفوض” (مدرب مخصص).

وأحياناً بـ “المدير”، يوم كان هذا النشاط رمزاً للأبوة الإدارية والإنسانية.

حتى ذلك الحين، كانت عملية “أولئك الذين يعرفون كرة القدم” مفيدة بقدرٍ محدود بحيث يؤثر فيه “الذين يعرفون” على الذين يعرفون كيفية اللعب، وأحياناً لا يعرفون سبب معرفتهم كيفية اللعب، أو بأفضل الأحوال يمكنهم فقط شرح ذلك بقولهم أن “هذا ما يشعرون به” (حيال كرة القدم).

بدأت العملية التالية متنكرة بزي الحاجة إلى “تكييف كرة القدم مع تقدم الإنسانية الحديثة”. تمر هذه العملية اليوم بالحاجة إلى الاستمرار في التستر جدلياً على غطاء الجدية لاستعراض دولي بسيط من العبثية، والذي يتظاهر بأنه يتغذى على البراءة. خصوصاً من مستهلكي “الخطط” و “التكتيكات” و “الاستراتيجيات” التي تكثر بين العديد ممن لم يلعبوا كرة القدم رسمياً، والذين يميلون إلى الاعتراف بإمكانية تنظيم العفوية. كل هذا، مدعوم ببشارات صحفية عبر نفرٍ من الجمنازيين المثقفين المسؤولين عن “التنظير” في كرة القدم، هو الذي بلور “تحفة الذهان التكنولوجي” الحالية:

1. المدرب

2. المدير الفني

3. معد بدني

4. عالم الحركة

5. مستشار فني للمدير الفني

6. جاسوس على الخصوم

7. مدير عام لكرة القدم

8. ياور المعسكر (للمدير العام في الشرفة)

9. طبيب

10. طبيب الرضوض

11. أخصائي تغذية

12. أخصائي أنف وأذن وحنجرة

13. باديكير، “عناية بالأقدام”

14. الأخصائيون الاجتماعيون (من أقارب اللاعبين)

15. الأطباء النفسيين – المحللين النفسيين

16. حامل المعدات

17. مستشار روحي (كهنة)

18. مدرسو اللغة

19. طبيب رياضي (درجة جامعية غير معروفة)

20. رجل الاتصال (بين المدراء واللاعبين)

21. مدير

22- أخصائي الأرصاد الجوية (لتوقع التغيرات في حالة الأرض ودرجات الحرارة)

الكثير، الكثير ممن يلعبون من الخارج والذين يفوق عددهم من يلعب داخل الملعب.

في شغف الظهور، لا يهم كثيراً ألا تكون كذلك.

والأمر هكذا، مع تزايد الشكوك حول من “يعرف” كرة القدم التي لا يستطيع أحد تعليمها، كلما ازداد “الخريجون” الذين يُفترض أن لديهم القدرة على تعليم كرة القدم التي لا يمكن تعليمها. إذ يمنع ذلك الطبيعة العفوية للعبة، والطبيعة الإنسانية المتغيرة للإنسان… وغدر كرة واحدة مُعدّة ليلعب بها اثنان وعشرون شخصاً.

الملفت للنظر أن غالبية الحاصلين على الدبلومات هم لاعبو كرة قدم سابقين، “لاعبون كبار” كما يتضح، أُعلن عن مهمتهم التربوية والإدارية من الناحية الفنية على أنها تهدف إلى اتباع المبادئ التوجيهية المنعوتة بـ”الحديثة” في كرة القدم. ولكن ها هنا ما هو أعسر على الاستيعاب، هو أن ما يستحيل تعليمه يُدرّس بطريقة عصرية: فقد تعلم المسؤولون عن تعليم كيفية اللعب، تعلموا ما يزعمون معرفته عن كرة القدم بينما تُلعب كرة القدم التي تسمى الآن “قديمة” بل وعلاوةً على ذلك، يُقال بأنها “لم تعد تُلعب”! أو متى لعب هؤلاء المدربون الحديثون كرة القدم؟ لعبوا في الوقت الذي يدعى بـ “العصر القديم”! وهل يمكنهم تعليم كيفية اللعب على عكس ما تعلموه في تلك الحقبة؟ يستطيعون. نعم، شفوياً. دعائياً. في هذه الحالة نواجه باطلاً مزدوجاً: أولاً، أن يعلموا من هرب من التعليم. ثانياً، أن يعلّموا ما يدعى بالطريقة الجديدة للعب كرة القدم، والتي لم يكن بمقدورهم أن يتدربوا عليها سابقاً لينشروها لاحقاً.

كل ذلك من أجل تحويل لعبة إلى شيء جديّ.

خلاصة القول: نسبياً، جميع من لعب منا (سواءً جيداً أو سيئاً)، وعاش اللعبة بشغف وشاهد كرة القدم لبضع سنوات… في وضع يسمح -بصورة أفضل أو أقل- من معرفة ما الذي يمكن فعله، ولكن كشهود على أمر واقع. كشهود أو كمؤرخين مخلصين أو أقل إخلاصاً. وليس كقدرة إلهية. لا يمكن لأحد، بعلمه بما يمكن القيام به… أن يقوم بما يجب فعله بحيث أن كل من يعرف… يستطيع فعل ما يعرف (اللاعب، الذي يُمنع عادةً من فعل ما يعرفه؛ يكون مدفوع غالباً بـ”ما ينساب منه”، دون معرفة، أو بدون تفكير).

الانتصارات والهزائم، الأداء الجيد أو الرديء، أبداً لها محدد واحد فقط: اللاعب. لا أحد يخسر باللعب الجيد. ثمة حالات – كثيرة – تخسر فيها على الرغم من أنك لعبت جيداً. لن تفوز بالاستغناء عن شعار اللعب الجيد. هناك حالات – قليلة – تفوز فيها باللعب السيء… كرة القدم منطقية. وهذا المنطق دائم. وبالطبع: يحدث أن تفوز رغم اللعب السيء للغاية، هذا لأن الخصم لعب بشكل أسوء. أو لأنه لا أحد يلعب، والمصادفة هي التي تحدد مسار المباراة أكثر من القدرات البشرية. لكن من لا يلعب لا يمكنه -مهما يكن-… تحديد مسار المباراة.

والأكثر من ذلك: هناك حالات لا حصر لها في المباراة بحيث نكتشف أن اللعبة الجيدة هي لعبة سيئة؛ وبنفس المقياس، فإن اللعبة السيئة… اتضح أنها جيدة. الشيء الوحيد الذي يمكن التنبؤ به نسبياً في كرة القدم هو الجزء الساكن منها: كالركلة الثابتة، إذ تظل الكرة ثابتة والمبادرة طوع أمرنا تماماً. ولكن بمجرد أن توضع الكرة في اللعب… يمكنك التفكير والتدبير بأشياء جمة. تستبدل معظمها بأخرى لم نكن نتوقعها.

اللعب والجدية

[…] جرى تخطي بعض الأجزاء (المترجم).

في غضون ذلك، ولكيلا أترك توغلي غير مكتمل “ضد” مثقفي العالم الذين يعتبرون الرياضة “لعبة” (كما لو أن الأطفال وحدهم فقط يمكنهم “اللعب”)، يجب أن أعترف بأن أفضل شيء قرأته عن كرة القدم حتى اللحظة… كانت دوماً بعض كتب علم الاجتماع والفلسفة…

وهذه ليست سخرية. أقول هذا بجدية بالغة. بالطبع: من بين ما يسمى كتب “كرة القدم”، فإن أكبر عدو لصبري حينما أرغب قراءتها هو أن الغالبية العظمى منها تحاول أن تكون (بعضها في الخفاء والبعض الآخر بشكل فاضح) شيئاً من قبيل دليل إرشادي كي لا تخسر مباراة كرة قدم أبداً.

أعتقد أن كرة القدم تدور حول اللاعبين، ولا يمكنني التعامل مع الكتيبات حتى لا أخسر.

لقد قلت أن كرة القدم هي علم خفي لما هو غير متوقع.

سأقدم أسباباً كي أفاقم الاتهامات وأضيف: كرة القدم هي أجمل لعبة ابتكرها الإنسان، وبوصفها مفهوماً للعب، فهي أفضل مقدمة للإنسان في الدرس البشري للحياة التعاونية.

التمريرة، بين السيميولوجيا والتخاطر

كم عدد التمريرات التي تنتقل من قدم إلى قدم واللاعبان -أي الممرر والمستلم- لم يبرحا مكانهما؟ نادرة، نستطيع القول، غير أن هذا السؤال يستحث الجدل لنخرج بإجابات، أحدها -بالنسبة لي- أنه لا توجد تمريرة صحيحة أو خاطئة، وبالتحديد تلك التمريرات في المساحة، التمريرة الطويلة العالية أو البينية بصرف النظر عن الاتجاه. ولكن لماذا لا توجد تمريرة صحيحة؟ هب أنك تريد تمرير كرة قُطرية للاعبٍ منطلق رأسياً، بمجرد إطلاقك الكرة تجده انحرف قطرياً نحو القائم البعيد، كلا المسارين قد يأتيان بمردود إيجابي، ولكن التمريرة بدت عشوائية لتخرج خارج الملعب، من المخطئ هنا؟ هل كانت التمريرة خاطئة ومروعة وبلا فكرة كما تبدو؟ أم التحرك سيء؟ من هذا المثال سنعي أن الممرر ليس بمنفصل عن المُمرر إليه، والعكس من حيث تبادلية التأثير، التمريرة الجيدة مقترنة بتحرك يتناسق ويتوافق وفكرة الممرر، أو قد يمرر حامل الكرة وفقاً لحركة زميله. ولا يمكن لطالب الكرة أن يتحرك دون التماس جدوى هذه الحركة لحامل الكرة، اللاعب الجيد -كما ذكرت في المقال السابق- هو الذي يعيش حالة تراكب كروي، المفهوم الذي استعرته من ميكانيكا الكم بتحريف طبعاً، فالممرِر يتصور نفسه الممرَر إليه والعكس. يحتاج اللاعب التنبؤ بفعل زميله كي يحظى الفريق بفعالية، ربما ثمة حاجة للتخاطر.

يتفاعل اللاعبون داخل الملعب مستخدمين وسائل لغوية، واللغة بمعناها الأوسع يتخطى الكلام، فالإشارات والإيماءات لغة تواصل، اللغة لا تخص الإنسان وحده، فما يستخدمه اللاعبون هو سيمياء، أو سيميولوجيا كما أسماه دو سوسير (أحد آباء اللسانيات) كي لا يحدث خلط بين مرادنا وبين السيمياء المرتبط بالسحر والشعوذة. السيميولوجيا معنية بالعلامات والإشارات والدلالات اللغوية والرمزية سواءً الطبيعية كأصوات الحيوانات وأصوات الرياح وأصوات تدل على الألم مثلاً أو التي اصطنعها الإنسان كاللغة الإنسانية أو لغة الإشارة أو اللوحات المرورية. حينئذٍ لا شيء خارق يحدث بينما يتفاعل اللاعبون، فهم يتواصلون لفظياً ولا لفظياً، سواءً استخدموا شفرات كما في الكرات الثابتة أو لغة الجسد العفوية كرفع اليد طلباً للكرة أو ما شابه من علامات تدل على معنى معين. وضعية الجسد تواصل كذلك، فهيئة الجسد تحمل دلالة معينة، كأين أريد أن تكون الكرة، بل التمريرة ذاتها تواصل، فالطريقة التي أمرر بها الكرة لزميلي هي علامة أو رسالة، الكرة القصيرة رسالة إلى الزميل للاقتراب للكرة هذا لأنه ممنوع من الدوران، التمريرة للقدم البعيدة تعني الاستلام الموجه والتقدم بالكرة وهكذا. لكن ثمة ما يصعب تفسيره…

“في حالات النجاح الهائل، يكون لدينا انطباع بأنه قد يكون هناك نوع من التخاطر ما بين اللاعبين. هم يشعرون ويعرفون أنه بإمكانهم القيام بتمريرة دون حتى رؤية الزميل. ثم نخلق رقصة تصل بنا إلى خلق نوعٍ من السمفونية.” –إدغار موران

يحدث أن تكون سارحاً بخيالك وترمق شخصاً من بعيد يخال لك أنك تعرفه، بضع ثوانٍ وهذا الشخص يلتفت إليك مباشرة وكأنه يعلم أنك تحدق به، وكردة فعل ستشيح بناظريك وكأنك لم تكن تحدق به. هل تذكرت شخصاً ما بلحظة شرود ووجدته من حيث لا تحتسب يتصل بك؟ يسمى هذا بالتخاطر telepathy. التخاطر هو تواصل ليس باللفظي وليس بالإشارات ودون استعمال وسائط حسية بين المرسِل والمرسَل إليه، هذه الظاهرة غير معترف بها علمياً، فلم تأتي التجارب بنتائج متسقة ومكررة. مع ذلك لا زالت محط التساؤل، ذلك أنها ملحوظة في الأمثلة السالفة أو حينما يتفاعل اللاعبون، يستطيع اللاعب التمرير للاعبٍ آخر بلمحة بصر أو بدون لمحة بصر حتى، فهل يا ترى تتوارد الخواطر ما بين اللاعبين مع نسق اللعب المُلح؟ هذا في الواقع ضروري فيما بينهم، وهذا هو التناغم والتفاهم، نتحدث عن أمر غامض غير مفسر ولكن هكذا يتصرف اللاعبون، على اللاعب أن يقوم بالخطوة التحسبية، فالظهير مثلاً والكرة في الجهة الأخرى وظهر حامل الكرة مصوب نحوه سيشرع بأخذ خطوة للأمام، حامل الكرة بمجرد دورانه -ربما- يطلق التمريرة نحو هذا الظهير وبدون أي قناة تواصلية، لفظية أو جسدية. توغلات المهاجمين، انطلاق الجناح البعيد وقس على ذلك.

في All or nothing بيب يطلب من دي بروين أين يستشعر وضعية ما. هذا لأن حتى أهم مدرب في العالم يعي أن اللاعب ينبغي أن يكون حساساً وأن يقرأ شيئاً خفياً، أي يتنبأ بما قد يؤول إليه الحال.

ثمة حاجة ماسة لدى اللاعب لتطوير حاسة سادسة، استخدمها ها هنا على سبيل المجاز لا الإقرار لهكذا خوارق، فاللاعب الذي مرر دون أن يرى قد بنى -عطفاً على خبرته- خارطة يعرف بها أين يقع المرمى وأين قد يتمركز المهاجم وأين هم مدافعو الخصم، فضلاً عن إدراكه المكاني؛ أي أين هو في تلك اللحظة. تظل هذه الحاسة خاصة وليست لأي أحد، هذه القدرة الخلاقة هي ما تميز بيرلو أو توتي حينما يقذفان الكرة خلف المدافعين من لمسة واحدة، أو حينما يلعب كرةً بالكعب، ثم يقال بأن هذا اللاعب يمتلك عينين في ظهره، هي إحساس مع مخاطرة، تلك اللمسات وإن بدت جمالية إلا أن لها القدرة على فك مغاليق اللعبة، فقد تضطر أحياناً لعب الكرة بالكعب أو قد تخسر اللحظة التي تفوق بها الفريق عددياً واستراتيجياً (مركزياً). ومن ثم يبقى على عاتق الآخرين التحرك نحو الخشبات الثلاث تحسبياً وليس بالضرورة بتواصل مباشر، ماذا وإلا سيكون الفريق متأخراً ويناور عبر التمريرات من القدم إلى القدم، تلك السهولة التي ترفضها كرة القدم، اللعبة السهلة لا تقود لهدف، كما أن اللعب الصعب باستمرار سيبقي الفريق في حالة نفور وتحولات فجائية.

ختاماً أترككم مع اللقطات التالية:

حتى لو عدنا باللقطة لثواني لن تجد يوسف الثنيان يرى خلفه أو حوله، كان يركز محلياً ثم نشر بقدرته الخلاقة اللعب على المستوى الكوني (الشامل).
سامي الجابر فوراً يحول سلوكه لمهاجمة المرمى.
ربما لمح الثنيان سامي، لكن توتي لم يرى مانسيني بل توقع وجوده.
المسجل توغل من الخلف وهي حالة بالنسبة للممرر أعقد من الحالتين السابقين، شيئاً ما.
?

كرة القدم، في رحاب التعقيد

هل أتاك حديث التعقيد؟

“أبسط حياة، أكثر الأفكار الممكنة تعقيداً، تلك هي ميولي.”

–باول فاليري

العالم والكون معقد، تبدو عبارة مبتذلة، إلا أننا في الواقع نفترض البساطة أكثر من التعقيد في طبيعة الأشياء والظواهر من حولنا، حتى أن أهم أداة بشرية ضلت تتحرى النظام والتبسيط والاختزال والتفكيك والحتمية منذ 4 قرون. عمد العلم الكلاسيكي النظر للكون كساعة محكمة الضبط، الحاضر كالماضي كما المستقبل، فالظاهرة المعقدة تُقارب عبر اختزالها وردها إلى أجزائها، الكائنات الحية كما الدراجة -مثلاً- يمكنك فهم كل قطعة وجزء ما يمنحك فهماً للكل وكيفية عمل هذا الكل. غير أن الأمر مع الكائنات الحية أو الأنظمة التي تتضمن الكائنات الحية ليست بتلك البساطة، والأمر لا يقتصر على كمية العناصر وحسب.

تشكل العلم الكلاسيكي على أفكار فلاسفة وعلماء لعل أبرزهم ديكارت ونيوتن من بين آخرين بالطبع. اشتهر ديكارت بالعقلانية، أي مركزية العقل والذات في البحث عن الحقيقة غير آبهٍ بالتجربة الحسية، كما تلمّس البساطة واليقين ودعانا لقصر اهتماماتنا “على الموضوعات التي يبدو فكرنا قادراً على اكتساب معرفتها اكتساباً يقينياً لا يداخله شك”. يرى ديكارت أن الحواس هي مصدر الأوهام وأما العقل فمبلغ الكمال ببداهاته وضرورياته وحدسه واستنتاجاته المنطقية والرياضية التجريدية بصرف النظر عن الواقع. فالمعرفة لديه بدهية/قبلية “a priori” وليست لاحقة/بعدية “a posteriori” والناتجة عن التجربة وإن لم يتنكر لأهمية التجربة. لم يرفض لابلاس -المتأثر بنيوتن- فكرة التعقيد، إلا أنه اعتقد أنه قائم على عدد صغير من القوانين العامة البسيطة. أما التعقيد فهو ظاهري وطافٍ على السطح ليس إلا. لربما هذا ما يرغبه العقل/الذات في رؤيته للواقع الموضوعي، أي أن يفرض النظام على الفوضى، اليقين على الارتياب، الوضوح على الغموض، التجانس على التمايز، الحتمية على الاحتمالية، الاختزالية على الكلانية، الخطية على اللاخطية، الفصل على الوصل، والضرورة على الصدفة، ما عدا ذلك ما هو إلا شطط وجهل، ولعله من طبيعة العقل أن يرى الترتيب والنظام ولو توهماً وانحيازاً وأبحاث علم النفس المعرفي ونظريات علوم الأعصاب تبين لنا ذلك.

لقد كشف الإنسان طبيعة سلبية وميتة، طبيعة تتصرف كالآلة المبرمجة متى تمت برمجتها فهي تتبع الأوامر المسجلة في هذا البرنامج. بهذا المعنى فإن الحوار عزل الإنسان عن الطبيعة بدلاً من أن يقربه منها. لقد انقلب انتصار العقل البشري إلى حقيقة محزنة، وبدا وكأن العلم يحقر كل شيء يلمسه.” –بريغوجين وستنجر

ترى العقلانية عالماً أصماً، عاجلاً أم آجلاً سيكون طوع أمرها، أفلا تؤدي الطبيعة دوراً؟ أليس ثمة علاقة جدلية وحوار “ديالوج” بين الإنسان والطبيعة؟ ليس أجدر من بريغوجين ليجيبنا: “لا يمكن إجبار الطبيعة أن تقول ما نريده، والبحث العلمي ليس حواراً من طرف واحد ‘مونولوج’…”. ليس الراصد -أي الذات- متلقياً سلبياً كذلك، لا يمكننا نفي دوره في تشكيل الواقع، فالمعرفة قائمة على العقل والتجربة على السواء، قائمة على الراصد/الذات غير منفصلٍ عن المرصود/الموضوع. وحين يحاول العالِم عزل نفسه عن الموضوع المدروس فهو كمثل ذلك الحيوان الذي بنى عريناً وظل يراقبه في رواية “العرين” لكافكا، هو بالخارج يراه ويطمئن له وحينما يكون بالداخل ينتابه القلق وبلا خلاص من هذه الحلقة المفرغة. لا وجود للموضوعية المطلقة، فالذات -أو العقل أو الراصد- هنا ليس بمعزل عن العلم الذي ينتجه، هو يكمل مسيرة الاصطلاحات والإجماعات كتراكمات ما لم يأتي “هو” بجديد، يجب أن يعلم الإنسان العلم -بتعبير موران- فقد طورت العلوم وسائل معقدة للغاية لمعرفة الأشياء الخارجية، ولكن لا توجد وسيلة لمعرفة نفسها. وكأننا أمام مفارقة طاليس الذي بذل ما في وسعه لمعرفة ما يدور في السماء دون أن يحترس مما هو تحت قدميه.

تؤدي المعرفة الموضوعية بحسب موران “إلى الحاجة إلى القضاء على الذاتية، أي الجزء العاطفي المتأصل لكل مراقب، لكل عالم، ولكنها تضمنت أيضاً القضاء على الذات، أي الكائن الذي يتصور ويعرف. ومع ذلك، فإن أي معرفة، بما في ذلك الموضوعية، هي في نفس الوقت ترجمة دماغية تبدأ من بيانات العالم الخارجي وإعادة بناء عقلي، بدءاً من إمكانات تنظيمية معينة للعقل. من المؤكد أن فكرة الموضوعية المحضة فكرة مثالية. تُنتَج الموضوعية العلمية من قبل الكائنات التي هي ذوات، في ظل ظروف تاريخية معينة، بدءاً من قواعد اللعبة العلمية. […] أيضاً، أعتقد أنه سيكون من الضروري الوصول أكثر فأكثر إلى المعرفة العلمية التي تدمج معرفة العقل البشري بمعرفة الشيء الذي يقبضه هذا العقل ويدرك عدم الفصل بين الموضوع والذات”. وتبعاً لأومبيرتو ماتورانا نصل إلى المعرفة من خلال أعضائنا الحسية عبر عملية إسقاط -رسم خرائط- للواقع الخارجي الموضوعي على نظامنا العصبي. إننا نشارك في صنع الواقع، ليس الإنسان -بإزاء الطبيعة- بقارئ وحسب، بل كاتب أيضاً وفقاً لباساراب نيكوليسكو… “رأى غاليلي الطبيعة نصاً مكتوباً بلغة رياضية يكفينا فك رموزه وقراءته. وهذه الرؤية التي اجتازت القرون تَبيّن أنها ذات مردودية مرعبة. لكننا نعلم اليوم أن الوضع أعقد بكثير. تظهر لنا الطبيعة بالحري وكأنها نص أولي: كتاب الطبيعة ليس كتاباً للقراءة بل للكتابة”. إذاً، يتحدد العلم وتتحدد المعرفة عبر طبيعة أسئلتنا، “ما نلاحظه ليس الطبيعة نفسها، بل الطبيعة وهي معرضة لطريقتنا في الاستجواب”، يقول هايزنبرغ. من ذلك، يلوح لنا إشكال فلسفي آخر ألا وهو تسليط الضوء على مشكلة دونما اعتبار للسياق وللعناصر المجهولة، فلنتأمل ذلك في أمثولةٍ لجحا الذي كان يبحث عن خاتمه:

Streetlight effect تأثير ضوء الشارع يعود جذوره لأمثولة جحا.

رأوا جحا ذات مرة يبحث في أرض لا شيء فيها فسألوه: عمَّ تبحث؟ قال: خاتمٌ سقط مني. قالوا: وهل سقط هنا وليس في الأرض أثر للخواتم؟ قال: بل سقط في الزقاق الذي هناك. قالوا: وما بالك لا تبحث عنه حيث سقط؟ قال: وأي جدوى للبحث في الظلام؟

إننا أمام مشاكل منهجية وأمام مشاكل فلسفية، رغم ذلك، لا مراء ولا ريب أن العلم الكلاسيكي حقق إنجازات هامة وتطورات غير مسبوقة، ثمة قوانين واكتشافات لا زالت صالحة حتى اليوم، غير أن ممارس العلم الكلاسيكي أضحى بمبادئه كالقابض على مطرقة يرى كل مشكلة مسماراً ويبحث فقط حيث يرى، وقد يرى بعيداً ويغفل عما يدنوه. النظرةُ هذهِ لا زالت منتشرة في المجتمع العلمي، فالعقل العلموي عادة يُخضع كل مشكلة وظاهرة للعلم، نازعين في معظم الأحيان إلى الحتمية والاختزالية. تلقت المثالية الحتمية أولى الضربات عبر المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية الذي ينص على أن العملية الطبيعية تسير باتجاه واحد لا عكوسي ما لم يكن هناك مؤثر خارجي على النظام، أي زيادة الإنتروبيا -مقياس العشوائية- في نظام معزول. ومع آينشتاين لم يعد الزمان مطلقاً، كما ولم تعد الميكانيكا الكلاسيكية قادرة على التعامل مع مستويات ما دون الذرة، فظهر ميكانيكا الكم، استنتج بوانكاريه استحالة معالجة مسألة الأجسام الثلاثة، تلك المشكلة التي لاحت لدى الملاحين نتيجة التزيح parallax، ثم أخطأ عالم الأرصاد لورنز حسابياً وظهرت نظرية الفوضى بناءً على اكتشاف بوناكاريه: الاعتماد الحساس على الظروف الأولية… ثم ظهر التعقيد، متحدياً الاختزالية والحتمية.

أول المبشرين، إدغار موران

edgarmorin.org/fr - @ 2021 Edgar Morin - contact@edgarmorin.org

هل التعقيد فرع فلسفي، أم علمي؟ أم فرع جديد يضم ويلاقح الفرعين المعرفيين السالفين محدثاً تحولاً بارادايمياً كما يبشر الفيلسوف البنائي أو فيلسوف التعقيد إدغار موران؟ لا يرى الفرنسي -مع ذلك- أن فلسفته أحادية التوجه ومنكفئة على نفسها، يوضح هذا في كتابه  Science avec conscience … “لا يتمثل الهدف من البحث في المنهج (سلسلة كتب المنهج لموران) على إيجاد مبدأ موحد لجميع المعارف، ولكن للإشارة إلى ظهور الفكر المعقد، لا يمكن اختزاله في العلم أو الفلسفة، ولكنه يسمح بالتواصل فيما بينهما من خلال إعمال عُقد حوارية”. ها هنا تقبع الغاية، أي إيجاد الخيط الذي يربط ما بين المعارف والعلوم والتخصصات، أي البحث عن العبرمناهجية، هذا لا يعني وضع المناهج والتخصصات في خلاط، فالتعقيد يحترم التعدد والتنوع، التعدد في الوحدة والوحدة في التعدد، واضعاً اعتباراً للأجزاء ومميزاً إياها.

وهكذا تتكون الأفكار، من عدة أفكار بسيطة مجتمعة، أسميها معقدة؛ كالجَمال، العرفان، الإنسان، الجيش، الكون.” -جون لوك

كأي منا، لم يأتي صاحب الـ100 عام بشيء من العدم، حيث اطلع على نظرية المعلومات وعلى السيبرنيطيقا وتأثر بوليام روس آشبي ونهل من نظرية النظم ومؤسسها لودفيغ فون بيرتالانفي مستمداً العديد من المفاهيم من هذين المجالين. جرى التطرق للتعقيد فعلاً عبر غاستون باشلار ووارن ويفر، غير أن أول من شيد هذا الفكر -كفكر- هو موران، بوصفه نهجاً قائماً بذاته في الستينات. يستهل موران أحد مقالاته بما يلي: “قبل أن يستحضر باشلار عام 1934 فكرة تعقيد العلم المعاصر، لم يُظهر لا العلم ولا الفلسفة اهتماماً صادقاً بالتعقيد بحد ذاته”. وفي ذات المقال أشاد بإسهامات فون نيومان وفون فورستر، كما وكان موران المعلن لهذا الفكر بمعية أونري لابوريت في مجموعة العشرة Groupe des dix، والتي كانت نخبة مثقفة فرنسية تجتمع في السبعينات. ثم الجانب العلمي للتعقيد، والقبلة هي “معهد سانتا فـِـي” في نيوميكسيكو لدراسة النظم المعقدة الذي افتتح في 1984، وكبار مفكريه جون هولاند وموراي غلين-مان وجون كوان، علاوةً على مفكرين وعلماء مستقلين كأونري أتلان وأومبيرتو ماتورانا وإيليا بريغوجين وجون لوي لوموان ورالف ستيسي وغيرهم. ولربما جاء الإنصاف والإقرار للتعقيد في جائزة نوبل للفيزياء للعام 2021 حيث منحت الجائزة بالمناصفة لمساهمات جورجو باريزي وكذلك لكلاوس هاسلمان وسيوكورو مانابي في النظم الفيزيائية المعقدة.

ما هو التعقيد؟

يعود جذر كلمة complexity إلى complexus من اللاتينية، وتعني: ما نسج معاً. لا يمكن حسر واختزال التعقيد في تعريف، ماذا وإلا انتهكنا أولى شروطها: لا للاختزال. “التعقيد ليس شيئاً يمكن ببساطة تعريفه ليحل محل البساطة” بحسب موران، ذلك أن “التعقيد كلمة تشير إلى مشكلة، ليست كلمة تشير إلى حل”. كتعريف عام نقول بأن النظام المعقد هو جملة العناصر أو الأنظمة الفرعية المتفاعلة والمتعالقة والمترابطة التي تشكل سياقاً شاملاً أو كلاً واحداً مُبدية خصائص انبثاقية جماعية. بالنسبة لجيروم سينغر فالنظام المعقد “نظام يتضمن العديد من العوامل المتفاعلة التي يجب فهم سلوكياتها الإجمالية. مثل هذا النشاط الكلي لا خطي، وبالتالي لا يمكن اشتقاقه ببساطة من خلاصة سلوك المكونات الفردية”. فيما يصف آشبي التعقيد على أنه درجة التنوع في نظامٍ ما.

الكل له صفات أو خصائص لا توجد في الأجزاء إذا عُزلت عن بعضها البعض، وبعض الصفات أو الخصائص للأجزاء قد تُثبَّط من خلال القيود التي يمارسها الكل.” -موران

…نظام معقد، بمعنى أن عدداً كبيراً من العوامل المستقلة تتفاعل مع بعضها البعض بطرق كثيرة جداً. فكر في الكوادريليونات من البروتينات والدهون والأحماض النووية المتفاعلة كيميائياً التي تشكل خلية حية، أو مليارات الخلايا العصبية المترابطة التي تشكل الدماغ، أو ملايين الأفراد المترابطين الذين يكونون مجتمعاً بشرياً.” -ميتشل والدروب

تتفاعل عناصر أو أجزاء النظام مع بعضها البعض ضمن قيود محلية ونطاقات زمنية، تتيح هذه التفاعلات انبثاق خصائص جديدة ليست موجودة في الأجزاء منفصلة، عندئذٍ يكون الكل المنبثق الجديد أكبر من مجموع الأجزاء، وهذه الجِدة ليست كمية وتراكمية بل نوعية تحدث بسبب الاتصالية والتفاعلية والتآزرية. خليقٌ بنا ألا نخلط بين التعقيد complex والمتعقد complicated، من اللاتينية plicum ما هو متجعد أو متطوّي، أو ما هو متعقد بالفعل -أي بفعل فاعل- وهذا يمكن حله وتفكيكه أو اختزاله إلى مبادئه الأولية، ولا ينطبق ذلك على ما هو معقد من حيث هو نسيج، plexum باللاتينية، والذي لا نستطيع تجزئته وتحليله، فلا يمكن تفكيك كائن حي، حيوان، أو نبات، ولملمة أجزائه مجدداً أو فهم انبثاق العقل أو التفكير من خلال الأجزاء؛ أي الخلية العصبية. لا و”لا يوجد حب في ذرة الكربون، ولا يوجد إعصار في جزيء الماء، ولا انهيار مالي في ورقة الدولار الواحد” كما يقول بيتر دودز.

فيديو تعريفي لعلوم التعقيد من معهد سانتا فــي.

الفرق بين الأنظمة:

الأنظمة البسيطة: تحتوي على أنظمة فرعية محدودة؛ مطرقة، مقص… وما شابه.

الأنظمة المتعقدة complicated: تحتوي على أنظمة فرعية كثيرة ولكن مخرجاتها متنبأ بها بناءً على المدخلات؛ مثلاً: الحاسوب، السيارة، الساعة… الخ. الأنظمة المتعقدة ميكانيكية وهي مجموع أجزائها وتُعالج بطريقة تحليلية (تصميم أعلى أسفل) فيمكننا فك الجزء المعطوب وتبديله أو إصلاحه، أو حتى تفكيك كل جزء من الحاسوب وإعادته وسيبقى صالحاً.

الأنظمة المعقدة complex: تحتوي على أنظمة فرعية عديدة -ليس بالضرورة ضخمة- ولكن ما يجعلها معقدة هو طبيعة هذه الأنظمة الفرعية أو العناصر، وكونها حيوية هي معقدة بحد ذاتها، مثلاً يكمن التعقيد في حركة المرور بأن الإنسان هو من يقود السيارة، فالكائن الحي لا متنبأ به، وعندما يتفاعل مع كائن آخر وآخر ضمن قيود وبيئة ينبثق التعقيد ويتطور النظام، بصورة أخرى العلاقات بين العناصر هي مناط التعقيد، فعند دراستنا للأسد لوحده وللشجرة لوحدها لن نفهم الغابة أو النظام الإيكولوجي. تعالج الأنظمة المعقدة بطريقة نُظمية تركيبية، (تصميم أسفل أعلى) فهي ليست مجموع أجزائها.

خصائص التعقيد

يفضل موران استخدام كلمة تنظيم organization بدلاً من نظام system ولا يبدو هذا الاختلاف جوهرياً مع نظرية النُظُم إلا أن موران يعلل استخدام كلمة تنظيم إلى أن التنظيم هو الذي يحول مجموع الأجزاء إلى كل. يتشكل التنظيم عبر علاقة حوارية بين نظام ↔ لا نظام ↔ تنظيم، تفضي بدورها للانتظام الذاتي والذي يفضي إلى انبثاق ما هو جديد، ثم نأتي لمبادئ خاصة بالفيلسوف الفرنسي وهي: مبدأ الحوارية؛ مبدأ العودية أو الارتدادية؛ والمبدأ الهولوغرامي. علاوة على الإجمالية/الغلوبالية والسياق وتعددية الأبعاد؛ والاعتماد المتبادل أو التواكلية، واللايقين والفوضى، وسنجيئ على ما سلف في قادم السطور، غير أن حبكتي ومقاربتي للتعقيد تختلف نوعاً ما عن موران بما أن ثمة تفسيرات مختلفة للتعقيد ولكن تتشاطر مبادئ أساسية بإمكاننا تعدادها. (انظر ميتشيل وهولاند في المراجع للاستزادة من المقاربة العلمية للتعقيد).

كرة القدم بوصفها نظاماً معقداً، لم يشفي غليلي ما كتبته سابقاً عن التعقيد، أعتقد أنك ستمر على شيء أو شيئان جديدان في هذا المقال.

كرة القدم نظام معقد، فمن ناحية نُظمية systemic هو نظام مؤلف من نظامين فرعييْن؛ أي الفريقين، الفريق يتألف من نظام فرعي ألا وهو اللاعب، بذلك، كرة القدم نظام مكون من أنظمة. يعتبر الفريق نظام متكون من مجموعة لاعبين يسعون لتحقيق هدف مشترك وهو تشكيل لَعِب بتناغم وانسجام بغية تحقيق الفوز. يتواشج الفريقان ليشكلا هذا النظام المفتوح البعيد عن التوازن far from equilibrium والفاقد لنقطة جذب ثابتة يستقر عليها النظام نتيجة التبادل الدوري المستمر للمعلومات -المادة والطاقة- مع البيئة الخارجية؛ بصياغة أخرى، تبديد الطاقة للحفاظ على حالة تغيّر دورية. أي تعريف للتعقيد سيكون قاصراً، ولكن النظام المعقد -مرة أخرى- من خلال كرة القدم هو النظام المتألف من عناصر (اللاعبين)؛ كل عنصر (لاعب) يؤدي مهمة معينة ضمن تموضع ديناميكي، شاغلاً مركزاً ومؤدياً لوظيفة؛ كرة القدم نظام تواكلي وترابطي، ينبثق عن الاتصالية والترابطية والتواكل المتبادل والتفاعل بين اللاعبين تنظيمٌ جماعي، بوصفها شبكة علاقات. ثم إن العلاقات والتفاعلات بين اللاعبين لاخطية ويعسر التنبؤ بها؛ والاضطراب الطفيف قد يتطور لدرجة إحداث تحولات جذرية كما سنفصل.

الانبثاق emergence

الانبثاق يعني ظهور خصائص وخصال وأنماط من عناصر بسيطة أو أقل تعقيداً لم تكن تمتلك تلك الخصال معزولة، الانبثاق يمثل الجدة والتخلق الذي يصعب فهمه. بالنسبة لجيفري غولدشتاين فالانبثاق هو ظهور بنى وأنماط وخصائص جديدة ومتماسكة أثناء عملية الانتظام الذاتي في الأنظمة المعقدة. مثلاً لا ذرات الكربون ولا الهيدروجين ولا الأكسجين مذاقها حالٍ ولكن حينما تتفاعل ينبثق عنها السكر. الكائن الفائق أو الخارق superorganism هو مجموعة من الحشرات أو الحيوانات المتفاعلة المتعاضدة المتناسقة التي تؤلف كلاً واحداً، فالنحلة ذات ذكاء محدود وقدرة محدودة على مجابهة المصاعب والحفاظ على النوع، ويصحب هذه الوحدة تقسيم عمل وهرمية بناءً على خصائص معينة، أي من حيث الحجم والقدرة التناسلية، غير أن العمل عشوائي على مستوى الأفراد وليس ثمة قائد مركزي.

الانتظام الذاتي self-organization

تشير هذه الخاصية إلى العملية التي ينظم بها العضو أو العنصر نفسه عفوياً ما يسفر عن نظام غلوبالي/كوني -أيضاً عفوي- جراء التفاعلات المحلية والمتجاورة للعناصر بعد حالة من الاضطراب أو الفوضى، يحدث الانتظام الذاتي دون قائد مركزي أو تحكم خارجي. يُحدِث الانتظام الذاتي مستويات/نطاقات جديدة من الانبثاق، الخلايا العصبية في الدماغ ذاتية الانتظام شأنها شأن أي عملية داخل جسم الإنسان، والأمر سيان بالنسبة لأسراب الطيور أو مجتمع النمل. الكائن الخارق هو انبثاق عن الانتظام الذاتي، ثمة آليات تنسيق ضمنية وغير مباشرة ما بين الحشرات، تسمى التنسيق الوصمي stigmergy، حيث تترك النملة أثراً كوسيلة تواصل واستحثاث للعمل اللاحق دون اتصال أو تواجد متزامن، تفرز الحشرات فيرومونات بحيث تجتذب الذكر للتزاوج أو إعلاماً بوجود غذاء أو تنبيهاً لخطر وشيك. نستطيع تمييز الأنماط من هذه السلوكيات الجماعية، تخلّق الأنماط انبثاق عن الانتظام الذاتي، وذات نفع لتوليف الكائن الخارق، فنرى تنظيم ومسارات مشي أو ما يعرف بهمهمات الزرازير murmuration والتي تطير بأنماط معينة لتوليف كتلة متحدة ضد الأخطار أو لتتبع مصدر الغذاء أو حتى كمصدر تدفئة، حينئذٍ نعي أن الأنماط تتخلق لخصائص العناصر المتفاعلة التي تتواصل بكيفية معينة وليس مما هو آتٍ من سلطة مفارقة خارجية أو داخلية، كنوتة يلتزم بها الموسيقيون. ولو أن بعض الألعاب والأنماط تبدو مدبرة لدى الإنسان وذلك عائد للقدرات العقلية ومستوى الوعي المرتفع جداً مقارنة بالكائنات المذكورة. يطور بعض المدربين أنماطاً معينة، إلا أنها لا تظهر بانتظام فللعبة أحكام، أحياناً لا تظهر الأنماط أو السلوكيات المرغوبة أبداً فيشتكي المدرب من عدم قيام اللاعبين بما تدربوا عليه. ذلك أن التنميط والتنظيم استحوذ على المدرب، ظناً منه أن هذا دوره فتكون النتائج مروعة للفريق ككل، على المدرب المراهنة على الانتظام الذاتي، فأنماط اللعب المدبرة غير عفوية وقد لا تكون كذلك حتى لو حفظها اللاعب لأن هناك مسار محدد يهيمن على حضور اللاعب الواعي فيشتته، أ يمرر لـ ب وب لـ ج …الخ، أما التنظيم والقليل من الأنماط الحركية قادرة على الإضافة للاعب وإرشاده، فكرة القدم نظام لاخطي وتشعبي (من bifurcation)، والمخرج لا يتناسب مع المدخل في أغلب الأحوال. لذا يكون التنظيم نقطة بداية ينبثق عنها أنماط ناتجة عن التفاعلات وفقاً لسياقات بيئية محددة تبعاً لأنخيل ريك وزملاؤه.

الطريقة التقليدية في فهم كرة القدم؛ عقلية الصوامع في ملعب التدريب، تحليلية؛ تعتقد أن الكل هو مجموع أجزائه. أما الرسم التوضيحي أدناه، فهي فهم كرة القدم من حيث هي نظام معقد.

من أين تبدأ كرة القدم؟ من نقطة البداية في منتصف الملعب، وهذا خيار اضطراري، والحق أنه لا بداية في كرة القدم… لا تبدأ كرة القدم بالتدريج، 1 × 1 ثم 2 × 2 وهكذا، يبدأ اللعب بإجماليته، يبدأ اللعب ككل، يصطف الفريقان بملعبهما بحالة تجانس homogeneity ويبدأ النظام بالتطور والتقلب والاضطراب عندما يتمازج النظامان الفرعيان (الفريقين) – إنتروبيا ↔ ثم نظام مجدداً مع توقف اللعب لأي سبب أو مع عودة الفريقين لحالة تجانس كعودة الكرة لحارس المرمى بوضعية مريحة. اللعب -على أي مستوى- هو انبثاق ناتج عن تفاعل اللاعبين، عن الانتظام الذاتي، لاعب واحد لوحده ينطط الكرة ويتلاعب بها هو لاعب أسلوب حر freestyle. هذا اللاعب الحر يستعرض فنياته وتكنيكاته وغايته تلك الفنيات، فيما كرة القدم -كلعبة جماعية- تتسامح مع درجة عادية من المهارات الفنية، ولا يكون للمهارات الخارقة معنى ما لم تكن مفيدة جماعياً، أي ضمن السياق الكلي. فالتمريرة الجيدة ليست التمريرة التي انتقلت من قدم إلى قدم، من اللاعب أ إلى اللاعب ب، بل التي تتيح تقدماً في الهجمة أو التي استدرجت خصماً واخرجته من موقعه أو التي أمنت الكرة كأضعف الإيمان. والأمر سيان بالنسبة للمراوغة أو المهارة. كذا وليس الجري والركض بدون سياق ذا مغزى، ولا التخطيط والتكتيكات كنشاط ذهني ذا منفعة دون قدرة على التنفيذ، كرة القدم متعددة الأبعاد، الأفعال مزيج الفكرة والتنفيذ، اللاعب مطالب بأفعال وسلوكيات هدفها التهديف ومنع سبل تلقيها، لذا، الأفعال البيوميكانيكية بالكرة وبدونها وسائل لتحقيق هاتين الغايتين. الفنيات والتكنيك دون سياق فريستايل، والجري والتسابق الخالص للعدائين، التفكير والتخطيط والاستراتيجيات للاعب الشطرنج، لاعب كرة القدم هو لاعب كرة القدم بكليانيتها، ليس فني أو بدني أو تكتيكي، قد يتميز بجانب أكثر من آخر ولكنه يبقى لاعباً قادراً على الإضافة من خلال خصائصه. كرة القدم أعقد من الألعاب السابقة، فهي ثرية الأبعاد؛ التكنيك واللياقة والمهارات الإدراكية والحضور الذهني تشكل الفعل الكروي/الأداء الكروي “ككل” ولا سبيل لنا للفصل بين تلكم المكونات، الفكرة لن تنجز بدون قدرة على التنفيذ، تصرف اللاعب هو انبثاق عن تلك الأبعاد، والتدريب مكان أينما نحاول تطوير الأفعال والتفاعلات وردود الأفعال، ليس لتطوير اللياقة أو التكنيك أو القيام بجلسات نفسية، يتطور اللاعبون من خلال اللعب، من خلال تدريبات كرة القدم، ولا يغرنّكم ما تعرضه بعض الأندية من تدريباتها فما هي إلا تدريبات تنشيطية وإحماءات. لا يعمل الجهاز الفني بعقلية الصوامع، كلٌ بعالمه، بل المدرب هو قائد العملية برمتها، هو المسؤول عن النجاح والفشل، ولهذا يعمل الجهاز الفني بتناغم بناءً على فكرة اللعب ومنهجية التدريب، ومعاونوه يساعدونه من المساعد الأول وحتى أصغر دور في العملية كالتحليل وجمع المعلومات.

الشبكة المعقدة: رسم بياني تجريدي يُظهر عقداً (عناصر) موصولة بحواف (روابط) ذات سمات طوبولوجية لا تافهة non-trivial، تستعرض هذه الرسوم أنظمة واقعية كشبكات الدماغ، شبكات بيولوجية، شبكات المناخ، الشبكات الاجتماعية، وشبكات الكمبيوتر. الشبكة أعلاه شبكة التمرير عبر بولدو وزملاؤه.

دينامية النظام

حافة الفوضى أين يكون للحياة استقرارٌ كافٍ لتحافظ على نفسها، وإبداعٌ كافٍ لتستحق اسم الحياة.” -والدروب

خطران يهددان العالم باستمرار: النظام والفوضى.” -بول فاليري

بينونية النظام المعقد، لا هي فوضى ولا هي نظام. بين ركود البحر وهيجان الموج ثم تبعثر جزئيات الماء بلا نمط. نرى مثال تقطير كوب الماء بالحبر، يكون كوب الماء قبل التقطير بحالة تجانس، ثم يزداد التعقيد بإضافة قطرة الحبر وبسلوك هيجاني يبدو متركزاً في مواطن معينة (تنوع وتغاير)، وما إن تنتشر جزيئات الحبر بالتساوي يعود للتجانس رغم عشوائية توزع هذه الجزيئات السابحة بحُرية، دون إغفال أن التعقيد سينخفض. يعتبر الكوب هنا نظاماً لاعكوسياً فلا يمكن إزالة جزيئات الحبر رغبة في ارتشاف الماء، وعلى أي حال كرة القدم نظام مفتوح عكوسي ولاعكوسي، يتأرجح oscillates بين نظام ولا نظام، يمكن أن يعود النظام مجدداً بفعل فاعل أو عبر الانتظام الذاتي، ولهذا أحرى بنا أن نشببه هنا بتفاعل بيلوسوف-جابوتينسكي وهو تفاعل كيميائي بعيد عن التوزان في الديناميكا الحرارية أيضاً. هذه الأضداد تعمل سوياً كي ينبثق النظام، يمكن أن يكون المدرب سبباً في تعقد الأمور to complicate أي التعقد السلبي، اللاعب كذلك حينما يتصرف تصرفات بلا سياق يتسبب في تعقد اللعب، مراوغة بلا جدوى أو إعادة الكرة للخلف رغم توافر الحلول للأمام، لا يتواصل، جسده مغلق التوجيه…الخ.

يتصف اللعب بالتقلب بين نظام ولا نظام، بين استقرار واختلال، نظام يقبع على حافة الفوضى edge of chaos، كحالة طورية انتقالية بين النظام والفوضى، فلا ينبعث من النظام والاستقرار أي جدة وحياة وتطور بل قد يؤدي النظام الزائد إلى تحجر بالمعنى الجيولوجي، ذلك أن الكائن الحي المتوازن ميت، يموت حقاً وليس مجازاً، يخبرنا فريتيوف كابرا أن المتعضِّية الحية -بوصفها بنية مبددة- “تتميز بدفق مستمر وتغيُّر في الاستقلاب الذي يتضمن آلاف التفاعلات الكيميائية. ويحدث التوازن الكيميائي والحراري عندما تخمد هذه السيرورات. بكلمات أخرى، فإن المتعضّية المتوازنة متعضّية ميتة. تحافظ المتعضّيات على ذواتها باستمرار في حالة بعيدة عن التوازن؛ وهذه هي حالة الحياة”. إن الفوضى المجردة ستؤدي إلى تفكك، حافة الفوضى هي منطقة من الاختلال المحدود التي تولد تفاعلاً ديناميكياً مستمراً بين النظام والفوضى؛ هذه المنطقة الوسطى هي التعقيد ومن هنا تظهر سلوكيات الانتظام الذاتي، أي اللاعب الذي يقرر ويبدع ويبتكر ويعالج. ثمة مفهوم مشابه لهاينز فون فورستر وهو النظام من الضوضاء order from noise، أو النظام من الفوضى لبريغوجين، وكذلك معادلة التنظيم لموران: نظام ↔ لا نظام ↔ تنظيم. حالة التطور في النظام المعقد صدفوية ومفاجئة ولا يمكن التنبؤ بها، كما أنها متقطعة، تُعرف هذه الدينامية بالتشعب bifurcation وهي الحافة أو الحالة الحرجة التي تؤدي إلى التغير، والنظام المعقد ديناميكي متقلب ومتغير -أي- تحولات ومراحل اللعب في لعبتنا. مراحل وحالات اللعب عرَضية تمنح اللعبة صفة التقطع discontinuity، والتقطع هو تقطع الهجوم والدفاع وأما اللعب فتواصلي.

وإن كنت قد أفردت مقالاً عن الفوضى مؤخراً، إلا أنني ألمحت إلى أن الفوضى في التعقيد ليست حتمية كما هو حال نظرية الفوضى/الكايوس. الفوضى تتعامل مع أنظمة ذات عناصر بسيطة وعدد قليل من العناصر، الأنظمة البيولوجية والإيكولوجية والاجتماعية ليست أنظمة حتمية خطية، وحتى مع افتراض إحاطتنا بالظروف الأولية ليس بمقدورنا التنبؤ إلا على وجه الاحتمال. الفوضى والارتجاع الإيجابي -الذي سنأتي إليه- مفهومان متشابهان، فمتغير صغير قد يتطور إلى ما يحمد أو ما لا يحمد عقباه. يعتقد موران أن كلمة الفوضى chaos يجب أن تحمل المعنى الإغريقي الأسطوري والذي يمثل أصل الكون، إذ رأى الإغريق كوناً منظماً يتبدى لهم من خلال المشهد المباشر والترتيب الذي لا تشوبه شائبة للسماء، حيث تستقر النجوم دائماً في نفس المكان. وإذا كانت الكواكب متحركة فستعود إلى نفس المكان مجدداً؛ “مع ذلك نعلم اليوم من خلال التصورات الموسعة للوقت الكوني أن كل ذلك النظام هو -في نفس الوقت- مؤقت وجزئي في كون الحركة والتصادم والتحول. […]. من الضروري تناول كلمة “فوضى” بمعنى أعمق وأكثر حدة من معنى نظرية الفوضى الفيزيائية”. تتخلق الحياة باستمرار على حافة الفوضى، بين دمار واستقرار، بين هدم واستعمار، تكوّن نظامنا الشمسي من الغبار الكوني الناشئ عن انفجار نجمي، تكون النفط والغاز الطبيعي من بقايا كائنات حية، قد يكون الموت إعلان لحياة جديدة.

حلقات الارتجاع

كيف يستتب النظام في كرة القدم؟ سنستقي من السيبرنيطيقا مفهوم حلقات الارتجاع؛ فالارتجاع السلبي يشير إلى الإخماد؛ بمعنى قمع أو كبح الانحرافات والحفاظ على النظام؛ المدربون والقوانين مصدر بث للنظام في اللعبة، تتقلص بذلك العشوائية والاضطراب والتشوش. الارتجاع السلبي آلية تحافظ على الاستقرار في النظام، ففي الجسم نظام داخلي استتبابي homeostasis يحافظ على درجة حرارة معتدلة، ومستوى معتدل من السكر في الدم والعديد من الوظائف المماثلة للحفاظ على استقرار الجسم. وأما الارتجاع الإيجابي فهو تضخم أو تفاقم الاضطراب واللااستقرار من اضطراب صغير، والذي قد يكون عاملاً لازدياد التعقيد وخلق شكل جديد من التنظيم أو التغير الجذري، مثلاً؛ في الاستتباب هناك آلية تجلط الدم التي تمنع النزيف عند الإصابة، أو كأثر ضار؛ قد يؤدي الارتجاع الإيجابي إلى تكوين أورام إثر إطالة عمر الخلايا وهذه حالة مهددة للحياة من جراء إبعاد النظام الداخلي عن التوازن. هذه الحلقات الإرتجاعية الإيجابية عندئذٍ قد تكون مفرغة vicious circles أو حميدة virtuous circles، الحلقات المفرغة لا تؤدي للاستقرار، ذلك أن الحدث أو الموقف السيء يتغذى على نفسه ويزيد الأمر سوءاً، فيما تؤدي الحلقات الحميدة إلى نمو وتحسن. في لعبتنا، سلسلة تمريرات سريعة تحفز اللاعب التالي إكمال اللوحة عبر تمريرة أخرى ترفع النسق، هذه السلسلة الغير متوقعة تؤدي إلى تبدل سلوكي؛ أي إلى تحركات نحو المساحات الناشئة وهي ناجمة عن تنشيط مواقع كانت خامدة، وأما لدى الفريق المدافع فسيزيد الاضطراب وسيحاولون التغطية والقيام بحلول وقائية كالتراجع بوصفها آلية ارتجاع سلبي وتثبيط، أو تفاقم في الاضطراب والأخطاء كارتجاع إيجابي مع تسارع وتيرة اللعب.

حلقات الارتجاع تحيلنا إلى اللاخطية، إلى العلائقية أو السببية الدائرية، أ يسبب ب، وب يسبب أ، نظام الثرموستات يثبّت على درجة حرارة 20° في الغرفة مثلاً وعندما تنخفض درجة الحرارة إلى ما دون ذلك يقف من تلقاء نفسه، درجة الحرارة هنا سبب وأثر. الإنسان في تكوين المجتمع منتِج ومنتَج، هذا المجتمع -بعاداته وتقاليده- يشكل وعيه ويعود هو ينتج هذه الثقافة عَوْدياً عبر التربية والممارسة. في الاقتصاد البائع مستهلك، وفي النظام البيئي المُفترِس هو نفسه فريسة. اللعب التمركزي الجيد للفريق في حالة الاستحواذ من شأنه التأثير على التحول للدفاع وتلافي الهجمات المرتدة، وعليه يؤثر الهجوم في الدفاع والعكس. لاعب جيد في التمركز يساهم في تحسين اللعب التمركزي للفريق ككل، لعب الفريق ككل يحسن من الفرد، هكذا بشكل دائري. المشكلة المحلية (اللاعب الفرد) قد تتطور لمشكلة غلوبالية/كونية (الفريق ككل)، مثلها كمثل محاربة الجهاز المناعي للعضو المزروع الجديد.

الحواريـة

يقودنا المثال الأخير لمبدأ الحوارية أو الجدلية، حيث يلتقي الضدان؛ النظام والفوضى، الموت والحياة، الدفاع والهجوم، فتدخل الجهاز المناعي لمحاربة العضو الغريب والذي زُرع لاستمرار الإنسان قد يكون بحد ذاته قاتلاً. والحياة تستمر بالموت المبرمج للخلية الحية عند تكاثر الخلايا، حيث تحافظ على استمرار الكائن الحي، دون الموت المبرمج للخلية سيكون الكائن العضوي عرضة للأمراض القاتلة. هنا يجتمع النقيضين، أو الثالث المشمول النافي للثالث المرفوع لستيفان لوباسكو، فبالموت حياة، والالكترون له هوية مزدوجة، فهو جسيم وموجة في ذات الأثناء كما يخبرنا ميكانيكا الكم. نُبقي الكرة بحوزتنا فنهاجم وندافع في نفس الوقت، نضغط باستمرار على الكرة في الحالة الدفاعية ولكن كسلوك هجومي عدواني. اللعبة ديناميكية وذات تدفقٌ مستمر وسيال، أي أن اللعب حالة واحدة وليست حالتين أو أربعة حالات، بل تجليات مختلفة لكيان لا ينفصم، فكل حالة غير قابلة للتجزئة، دفاع ↔ هجوم، مدافع ↔ مهاجم…الخ.

الجزء داخل الكل ولكن الكل داخل الجزء كذلك؛ لم يعد الأمر نزوعاً صوفياً وحسب، فكل خلية تحمل نفس المجموع الجيني للكائن العضوي ككل. يتجسد هنا مفهوم العالم الأكبر والعالم الأصغر، فاللاعب بوصفه إنساناً “ليس قطرة في محيط، بل المحيط كله في قطرة” يقول جلال الدين الرومي، إذ هو صورة مصغرة من الفريق، بوصفه فركتالة كمستوى صغروي، أو كسرة هولوغرام تضم جميع معلومات المجسم المصور، فخصائصه تتوائم مع الأسلوب، إينييستا، تشافي، بوسكيتس كلاعبين للعب التمركزي. غراتسيانو بيلي أو لوكاكو صور مصغرة لأسلوب أكثر بدنية، وهذا ليس للحصر فبمقدورهما التكيف مع أساليب أخرى، ربما، فالأنظمة المعقدة أنظمة تغايرية ولاتجانسية heterogeneous تقبل التنوع والتعدد بعيداً عن الثنائيات الحدية، إما / أو. وهكذا أيضاً يصمم المدرب تمارينه، فالتمرين شكل مصغر من الأسلوب ككل، كل تمرين يحتوي على مبادئ الفريق ومفاهيمه وأنماطه ولكن على مستويات. يتخطى التعقيد الكلانية التي لا ترى إلا الكل، فالكلانية والاختزالية ضدان ولكن التعقيد يضمهما ويقصي شوائبهما، فالكل ليس مجموع أجزائه، كما أن الكل يتضمن أجزاءً ينبغي فهمها، غير أن فهمها يجب ألا يكون معزولاً عن السياق وعن الغلوبالية، الفرد في كرة القدم نسبي وليس مطلق، ليس ثمة تصرف إلا ويكون حوارياً، حتى حركة الزملاء تؤثر في تصرف حامل الكرة بالسلب أو الإيجاب. لاعب كرة القدم -من عالم الكوانتم- متشابك entangled مع الآخر لا منفصل عنه، أيضاً اللاعب الذكي هو من يتصرف كما لو أنه اثنان، هو حامل الكرة وهو المنافس أمامه، هو الممرر وهو المستلم، إذ سيتصور نفسه بموقف زميله… اللاعب الذكي بحالة تراكب كروي، superpositioned..!

وإذ كانت جميع الأشياء مسبِبة ومسبَبة، مساعِدة ومساعَدة، مباشرة وغير مباشرة، وكانت جميعها متصلة برباط طبيعي غير محسوس يربط أبعدها وأكثرها اختلافاً، فإني أجزم باستحالة معرفة الأجزاء دون معرفة الكل أو معرفة الكل دون معرفة الأجزاء.” –بليز باسكال (خواطر باسكال ص32)

[…] أنت تلعب ضمن سياق الفريق. إذا استلم اللاعب الكرة في منطقته، وجلس لاعبو الخصم جميعاً على العشب وجرى بالكرة بطول الملعب وراوغ حولهم وسجل هدفاً… لا يزال هذا ليس عملاً فردياً لأنهم إذا لم يجلسوا، فلا يمكنه فعل ذلك. ما يفعله اللاعب الآخر هو ما يفرض عليك هذا القرار أو ذاك. يتحدث الناس عن “أفعال فردية”، لكن لا توجد أفعال فردية.” -خوانما ليـّو

تطوير قدرات اللاعب تنطوي على التفاعل والتواصل والتكيف ضمن مهاراته وضمن سياق الفريق، كما أن الفرق تتطور بتطور التفاعلات والعلاقات ما بين الزملاء مقابل الخصم، ذكاء جمعي وذكاء فردي، الذكاء الفردي والمهارات الفردية تؤتي أكلاً على المستوى المحلي (مكان الحدث) ما قد يتفاقم كحلقة حميدة على المستوى الكوني والغلوبالي (تطور الهجمة واضطلاع لاعبين أكثر). تحدث خوانما ليـّو لبليزارد عن التقييم الفردي واضعاً باعتباره السياق قائلاً: “عقليتي هي التفاعلات والصلات. إذا قلت، ’هلمّوا نقيم الظهير الأيمن‘، سأقول، ’لكن من بجانبه؟ من أمامه؟ من هو الأقرب إليه؟‘..” أضيف؛ ما هو أسلوب مدربه؟ وأما التعلم -من ناحية أخرى- فهي عملية فردية، لعل كرويف يوضح الفكرة بشكل جزئي، ذلك أن الفرق تتطور غير أنها “لا تتعلم. الأفراد داخل هذا الفريق يتعلمون. التطوير عملية شخصية حتى عندما تُجرى في بيئة الفريق”. فهناك مهارات وسلوكيات عامة غلوبالية في كرة القدم، كضرورة لدى اللاعب، لكن الفريق بعازة مهارات اللاعب المخصصة كيما يكون قادراً على تمثيل أسلوبنا، لا أظن كريستيانو رونادو قادراً على الإضافة أو الاستفادة من اللعب في فرق كلوب أو بيب مثلاً. عندئذٍ تطور اللاعب ونموه يكون ضمن نطاق معين، ضمن حدوده بصورة أدق، مارادونا بعظمته كان يغلب عليه استخدام قدمه اليسرى، لم يأته متنطع قائلاً سأطور قدمك اليمنى أو سأجعلك ضارب رأس وما شاكل. المدرب المتمكن لا يعلّم بل يجعل من نفسه مصدراً للتعلم وهناك فرق، اللاعبون يكتشفون ما هو لديهم من خلال المدرب، إذ يمكّنهم المدرب من استخراج ما في قوتهم إلى الفعل.

التكيف والتطور

ومن الفقرة السابقة نعلم أن كرة القدم نظام تكيّفي ناجم عن التفاعلات الهائلة اللاخطية الغير ملحوظة، وليس بين الزملاء وحسب بل وبين الفريقين. التكيف خاصية هامة في النظم المعقدة، وكما نعلم من البيولوجيا فالبقاء للأقدر على التكيف والتأقلم، العجز عن التكيف إيذانٌ بالموت وانقراض النوع. ينطوي التكيف على تفاهم الزملاء حين يتفاعلون، أي تناسق أفعالهم وقراراتهم المتزامنة، كيف هي وضعية زميلي من حيث التموقع مكانياً أو التمركز جسدياً، أو الانطلاق زمانياً؟ أو كيف هي وضعية حامل الكرة، وكيف يمكنه تمرير الكرة إليّ؟ لا يمكنني فرض فعل معين على زميلي، فإذا أردت كرة بينية وليس بمقدور زميلي التمرير إليّ، أكان ذلك لانسداد مسار التمرير، أو ريثما يدير حامل الكرة وجهه نحوي سأصبح في موقف تسلل وما شابه، وعليه يجمل بي أن أتكيف وأعدل وضعية جسدي أو مسار الجري. يعمل اللاعبون بأنانية إيثارية، أساعدك كي تساعدني، أريد أن أسجل لمصلحتي الذاتية (هدف صغروي) وفي الوقت ذاته سيصب في مصلحة الفريق (هدف كبروي) كجدلية تكامل بين الأنا ونحن، وهنا تتمتع العناصر داخل النظام باستقلالية نسبية. بيد أنه علينا أخذ العبرة من الإيكولوجيا، من حيث أن التنافس داخل النوع قد يسفر عن انقراض النوع، التنافس بين الزملاء ينبغي أن يكون في مصلحة الفريق، والإنسان شديد التعقيد بالمقارنة بالحيوانات الأخرى حينما نتحدث عن التعاون والتنافس. يتعلم الذكاء الاصطناعي من البشر، وحين نفترض جدلاً تبادل الأدوار، يجدر بنا أن نستلهم الحكمة من لعبة الحياة لكونواي، فالخلية المعزولة تموت، اللاعب دون مساندة لن ينجو من حيث الأداء وسيبدو سيئاً. الخلية المحاطة بعدد زائد تموت بداعي الاختناق، يخيل لي الفريق متقارب بافراط عند الاستحواذ ويكاد يصطدم أحدهم بالآخر فيما يُلغى وجود لاعب فلا يرجى منه جدوى، كما ستتعذر الحلول ويتعذر اختراق الخصم، يلزمنا أن نعلم أن الاتصال المفرط يخلق نظاما هشاً وليس جيداً وليس على المستوى الهجومي فقط بل على المستوى الدفاعي كذلك.

13 Best Copa America Final 2016, Chile vs Argentina ideas | copa america  final, argentina, america
الترابط المفرط overconnectedness يجعل الفريق أقل من مجموع أجزائه، وكأن ميسي يواجه لاعباً واحداً أو يواجههم تباعاً مندفعين يتجاوزهم بلمسة واحدة.

أما التكيف على المستوى الكبروي، فهي الاستجابة أو التعامل مع حالة الطرد، أو استقبال هدف مبكر، أو مع تغييرٍ جذري للخصم من حيث الخطة أو النظام الدفاعي…الخ. التكيف قد يعني التعايش أو الاعتياد وقد يعني التنازل، قد يعني فعل أو ردة فعل، ففي الأنظمة ما يعرف بالمتانة robustness وتعني قدرة النظام على مقاومة التغير والاختلال أو التكيف معه، إذ أن الهدف هو الحفاظ على الاستتباب وعلى هيكل ووظيفة النظام عبر كبح المؤثرات الخارجية، مثلاً سنحافظ على شبكات الاتصال والترابط بين الزملاء هجوماً أو دفاعاً. فباللعب التمركزي سنحافظ على مسافات مناسبة فيما بيننا، وبتقارب وتباعد جيدين سيجد اللاعب خيارات تمرير ومساندة دائمة وفي حال خسارة الكرة نحاوط الكرة وندحض المساحات المؤدية للعمق. في الدفاع يتخذ كل لاعب موقع دون إثقال الحمل على لاعب معين، فلا يستطيع أي لاعب الدفاع لوحده، إنما توزيع المراكز والمناطق والاتصالية وتوفير التغطية المتبادلة هو ما يفضي إلى هيكل حصين. أما مقاومة الاختلال، فتعني الحفاظ على أسلوبنا والتوكيد عليه، إن كنا نلعب بدفاعٍ عالٍ فسنضغط على الكرة دوماً وسنجعلها مغطاة، وليس علينا التغيير والتكيف حين نواجه خصماً يريد استغلال ارتفاع خط الدفاع. ثمة أمور لا يمكنك مقاومتها لبعض الأسباب المذكورة، الصمود في ظل الظروف القاهرة هي مرونة أو مطواعية resilience تنطوي على بعض التنازلات، استجابة للاضطراب والنفول منه للعودة للوضع كما كان، أو التكيف مع الحالة القاهرة. تنطوي على الاحتياطات تحسباً لريبية ولا يقينية كرة القدم، كوجود خطة بديلة أو تعديل محتمل وفق معطيات معينة، لاعب، خطة وما ماثل. الفرق بين المتانة والمطواعية هو أن الأولى تحاول الحفاظ على الوظيفة فيما تعني الثانية محاولة استعادة الوظيفة والحالة الأولية. التكيف -بأي معنى- ضرورة على المستوى الصغروي (بين اللاعبين وضد المنافسين) بوصفه نظاماً تعالقياً تواكلياً، ومرات كثيرة خياراً جبرياً على المستوى الكبروي (الفريق). النظام المعقد نظام هش fragile فإذا ما استُهدفت نقطة معينة وكَثُر الدق فيها من شأنه أن يحيق بنا الضرر، كمحاولة استغلال نقطة ضعف، أو نقطة قوة لدينا نحاول استغلالها وتعريض نظام خصمنا للهشاشة. ثم إن اللعب البسيط المنمط قد يأتي بنتائج عكسية، وإذا ما كانت لدينا ثقافة لعب (خطة ب، ج، ود ضمن أسلوبنا الرئيسي) فالفرق التي تنتهج نفس نهجنا أو لديها أفضلية نوعية ستفضح نظاماً هشاً وعلى النقيض من المتانة، رد الفعل والتحسب والمطواعية من خلال تحليل الخصم قد ينقذنا.

يتحتم علينا تصور اللاعب/الفريق بمواجهة مخطط صلاحية وعر يلزمه استراتيجية تكيفية تقتضي بدورها تعليماً تشعبياً عوضاً عن التعليم الخطي، فلا نجاة مع البساطة والحلول المعلبة، اللاعب بتفاعله مع البيئة قادر على الخلاص، آلية ذلك هي انتقاء الخيار الأمثل والأكفأ من بين خيارات عديدة، ليس الأمر بالسهل، سوء الاختيارات/القرارات عاقبته تعقد اللعب وسوء الأداء الجماعي، اللاعب الأفضل من ينتقي القرار الأفضل من ترسانة المهارات الحركية-الفنية-التكتيكية لديه. واللاعب مع السنين والخبرة يرشح ويصفي أفضل الخيارات والقرارات، أو جملة مهارات قادر على تكييفها على مختلف الحالات بناء على المكاسب “كثواب” من كل فعل أو قرار وهذا يعني التطور. كآلية الانتقاء الطبيعي؛ يبقى الخيار أو الاستراتيجية الأفضل والأسرع، يعتلي الخيار أو الحل المنتقى قمة الجبل في مخطط الصلاحية fitness landscape، في حين أن الحلول التي تتسم بكفاءة مقاربة ترتفع على قمم أخرى كذلك، وكلما انخفضت تضاريس المخطط كلما تساوت الحلول، أما المخطط ذو القمة الوحيدة فيعني أن الحل لا منازع له. مخطط كرة القدم وعر ومتعدد القمم، بيد أننا بحاجة اصطفاء الحلول الأفضل فردياً وجماعياً وحتى على مستوى انتقاء وتصعيد اللاعبين والمدربين، انتقاء الأسلوب ضرورة حتمية، فالتركيبة أو التوليفة الجماعية قد تفشل مع تدني الانتقاءات فتهوي إلى قاع مخطط الصلاحية: لن ننجو. دأب الفريق وديدنه الإستمثال، أي الحل الأمثل أو الأقرب للمثالية، وما يعرف بالخوارزميات الجينية الذي أطلقه جون هولاند أحد طرقها، تحاول هذه الطريقة محاكاة آليات التطور البيولوجي، كالانتقاء الطبيعي والطفرات والتوريث، أي إيجاد حلول عشوائية لمشكلة ما، ثم تتفحصها مصطفية ما هو أصلح وأفضل وربما تلاقح تلك الحلول لإيجاد ما هو أفضل من الصفات الأفضل لتلك الحلول. إننا لا نصل إلى أسلوب، ذلك أن خلق لغة مشتركة -كقواعد سلوكية وعلاقات- رحلة لا منتهية، يحدد أسلوبنا الظروف والبيئة علاوةً على ملعب التدريب وفقاً لخصائص اللاعبين وثقافة النادي ومستوى النادي وأفكار المدرب، حينها نقتنص تلك التركيبة المنجية زائداً الطفرات العشوائية التي قد تقفز بنا إلى الذروة، ذلك أن التمارين ستُبدي ما لم يكن بالحسبان مع الاستكشاف، والتجربة والخطأ، والتعديل والتبديل. التدريب في كرة القدم سيرورة لا صيرورة، إذ أن الذروة ليست ثابتة، أسلوبنا يمثل قمة المخطط من بين قمم أخرى ومن واقع متغير يتغير فيه المشهد باستمرار. لا وليس هناك ذروة أداء من الناحية البدنية في واقع التعقيد، خزانة اللاعب لا تُملأ في الشهر الذي يسبق الموسم، وإنما يبقى الفريق في حالة إعداد وتحضير متواصل، يوضع في الاعتبار الزمن ما بين المباريات وكثافة المنافسات، التوقفات والترحال والإجهاد…الخ. الكائن الحي متجدد، والشاب يمتلك نظام استتبابي قوي -بحكم السن- والجسم بعملياته الأيضية (البنائية والهدمية) قادر على تركيب وإعادة تركيب الطاقة ما من شأنه الحفاظ على لياقة اللاعب، بخلاف التحسن اللياقي-المعرفي بعد الأداء-الاستشفاء الجيد أو ما يعرف بالتعويض المثالي.

مخطط الصلاحية هو تجسيد مرئي للعلاقة بين الأنماط الجينية والنجاح التناسلي، والصلاحية أو اللياقة تعني قدرة النوع على البقاء والتكاثر. انظر نموذج NK أيضاً وهو نموذج يستخدم لمحاكاة النظم المعقدة.

التعقيد والنهج النوعي

قد يظن المرء أنه مع كل النجاحات التي حققتها على مدى القرون القليلة الماضية، كانت العلوم الموجودة لتتمكن منذ زمن بعيد من معالجة قضية التعقيد. لكنهم في الحقيقة لم يفعلوا ذلك. وفي الواقع، فقد حددوا في غالب الأحيان إطارهم خصيصاً من أجل تجنب الاتصال المباشر به. في حين أن فكرتهم الأساسية لوصف السلوك من حيث المعادلات الرياضية تعمل جيداً في حالات مثل حركة الكواكب حيث يكون السلوك بسيطاً إلى حدٍ ما، غير أنها تكاد تفشل عندما يكون السلوك أكثر تعقيداً.” -ستيفن ولفرام

[…] لطالما أخبرنا العلم أن الأشياء تحتاج إلى القياس والوزن؛ لكن العلاقات لا تُقاس ولا توزَن، بل تحتاج لأن تُخطَّط [تُصوَّر]. لذا فثمة نقلة هنا أيضاً من القياس إلى التخطيط [الخطاطة].” -كابرا

استطلاعات الرأي، أو اتجاهات المشاريع، أو الإحصاءات الصناعية -وكلها تستخدم الجمع- ذات فائدة فقط إذا كانت تصف الخصائص الخطية للأنظمة المضمرة. من الأسهل كثيراً استخدام الرياضيات عندما يكون للأنظمة خصائص خطية لدرجة أننا غالباً ما نبذل جهداً كبيراً لتبرير افتراض الخطية. تُكرَّس فروع الرياضيات بأكملها لإيجاد وظائف خطية تقريبية معقولة عندما لا يمكن تحديد الخطية بشكل مباشر. لسوء الحظ، لا يعمل أي من هذا جيداً مع الأنظمة التكيفية المعقدة “cas”، إن محاولة دراسة cas بهذه الأساليب يشبه إلى حد كبير محاولة لعب الشطرنج من خلال جمع إحصائيات حول طريقة تحرك القطع في اللعبة.” -جون هنري هولاند

تَعتبر منصة Systems Innovation أن التعقيد “نوع جديد من العلم مدفوع بصورة أقل بالنماذج والمعادلات، وبصورة أكبر بمجموعات البيانات الكثيفة في الزمن الحقيقي. وهذا يعني أننا لم نعد نحدق في النماذج، بل لدينا الآن تصويرات بيانية visualizations بالمتناول تمنحنا المزيد من الثراء والحدسية، ومن نواحٍ متعددة معنىً حقيقي لماهية هذه النظم المعقدة”. استعير مفهوم اللاخطية في النظم من الرياضيات، فناتج النظام اللاخطي غير متناسب مباشرة مع مدخلاته، وكما هو معلوم معظم الأدوات الرياضية خطية، الحساب، الجبر، التفاضل، أما الأدوات الجديدة فهي اللاخطية والفركتال والفوضى والنماذج البصرية، يبدو أن المعادلات الخطية غدت قاصرة عن فهم العلاقات والشبكات والانبثاق والفوضى والعدد المهول من المتغيرات والسلوكيات اللامتوقعة؛ يقول كابرا بهذا:

عندما نقوم بحلِّ معادلة لاخطية بواسطة هذه التقنيات الجديدة لا تكون النتيجة صيغة حسابية بل شكلٌ بصري، نموذجٌ يرسمُه الحاسوب. لذلك فإن الرياضيات الجديدة هي رياضيات النماذج والعلاقات. إن ما يدعى “جواذب” أمثلة على هذه النماذج الرياضية؛ فهي تصوِّر ديناميَّات منظومة ما بواسطة أشكال بصرية مرئية.

هولاند، ص43.

النماذج/النمذجة في الأنظمة المعقدة ليست لـ “التنبؤ” بالمقام الأول، خصوصاً مع عبثية هذه الفرضية على المدى الطويل وعلى المستوى الصغروي تحديداً، ما تستهدفه النمذجة هو “شرح” الأنظمة المعقدة، لن يأتي متحذلق ليقترح على النمل طرقاً أفضل لإيجاد الغذاء. نرى على الجانب مثال على النموذج القائم على الوكيل، agent-based model، بعضها بسيطة مبنية على قواعد سلوك بصيغة تعبيرات شرطية “if-then”. الوكيل هنا هو العنصر أو العامل الفاعل وقد لا يكون بالضرورة فرداً واحداً.

تقوم هذه النماذج بمحاكاة أفعال وتفاعلات وعلاقات الوكلاء أو العناصر في بيئة ما أملاً في فهمه، عقلانية هؤلاء الوكلاء محدودة، ويتخذون قرارات لمصلحتهم الذاتية، كما أنهم ذاتيي الانتظام، قد يتواجد هؤلاء الوكلاء في الزمان والمكان ويقيمون في شبكات أو في أحياء تشبه الشبكة، تُرمّز بعدئذٍ مواقعهم وسلوكياتهم على شكل خوارزميات في برامج الكمبيوتر، وبذلك تتولد أنظمة ذات تعقيد يشبه تعقيد العالم الحقيقي ويصعب فهم النظام من خلال الوكلاء؛ تماماً كما لا يمكننا فهم فريق كرة القدم عبر الأفراد، بل عبر الانبثاق الناتج عن تفاعل الأفراد. أشرنا فيما تقدم للشبكات ومخطط الصلاحية والخوارزميات الجينية وزد على ما سبق الشبكة العصبونية الاصطناعية، وهن نماذج تستخدم أيضاً لمحاكاة النظم المعقدة، إضافةً إلى الأتمتة الخلوية، نموذج الفصل لشيلينغ، معضلة السجين في نظرية الألعاب، برامج محاكاة للواقع كالمجتمع الاصطناعي، اللعبة الجادة، Boids، Sugarscape،…الخ، وجميعها نماذج قائمة على الوكيل.

Conway Gameof Life Pixel Art GIF - Conway Gameof Life Pixel Art Spread -  Discover & Share GIFs

لعبة الحياة التي أتينا على ذكرها مثال لما يدعى الأتمتة الخلوية، هذه الأخيرة مثال على الوسائل الرياضية الجديدة لقدرتها على التقاط ونمذجة ومحاكاة الأنظمة المعقدة والأنظمة التطورية الديناميكية.

إن الرياضيات أداة من بين أدوات أخرى كاللغة الكتابية علاوةً على خطوات علمية كالملاحظة والتجربة والتحقق/التثبت والتنبؤ، تزيد أهمية الرياضيات بحسب التخصص، استخدام الرياضيات وحسب ليس بحد ذاته علماً، (انظر الجدل بين الرياضيين والفيزيائيين). إذا كان موضوع الدراسة كوكباً يهيم في الفضاء بمسارات معينة بلا إحساس ولا عقل ولا تجربة ذاتية، فيمكننا اللجوء للميكانيكا الكلاسيكية وصياغة خوارزميات لوصف تلك الظواهر، لكن كلما اضطلع الإنسان كفاعل، كتجربة ذاتية وكموضوع دراسة، كلما ازدادت صعوبة تطبيق الخطية والنماذج التحليلية، وحتى النماذج المذكورة تحاول تمييز الأنماط واستكشافها إلى حد تقريبي وكخادوم بالدرجة الأولى. كلما ازداد التعقيد وازدادت العشوائية لا يغدو المنهج التجريدي كافياً، لا ولا تقبض النماذج الإحصائية جمرة الحقيقة المطلقة، فلا يمكن تطبيق نهج تجريدي صارم على لعبة يكون فيها البطل الإنسان العفوي والغريزي والمتغير، الإنسان ليس آلة ولا يمكن التنبؤ بسلوكه، أضف عليه إنساناً آخر وآخر … ضد آخرين، حكم، وكرة تتنطط وتحلق، ثم العوامل الخارجية من مدرب وجمهور وطقس وأرضية. “لهذا السبب يمكن أن يعطينا العلم إجابة عن سلوك جزيء الماء أو نواة نجم ولكن ليس عن سلوك بني آدم” يقول جون غريبين. في الاقتصاد، أثبت عالم الرياضيات آلان ليويس في منتصف الثمانينات أنه لا يمكن -لكائنٍ من كان- إجراء الحسابات الموصوفة بالعقلانية التامة perfect rationality وهي طريقة اتخاذ قرار في الاقتصاد التقليدي تفترض إحاطة الفاعل بكافة المعلومات ومتبعاً خطوات منطقية. “وهكذا” -وفقاً لآلان ميلز- “بصرف النظر عن مدى تطور قواعد سلوكهم، لا يمكن للعناصر في نظام معقد (مثل البشر) أن يكونوا عقلانيين تماماً. لذلك، بالنسبة للأنظمة المعقدة في العالم الحقيقي مثل الأنظمة الاقتصادية، فالعقلانية التامة محض خيال”. يتعامل عالَم الاقتصاد التقليدي المُحدث مع البشر كما لو أنهم حواسيب تتصرف بموضوعية، بالمقابل صاغ هيربرت سايمون مفهوم العقلانية المحدودة bounded rationality أين اقترح نهجاً سلوكياً، فالبيئة ومحدودية المعلومات والوقت واللايقين -كقيود- تدعو إلى حلول مرضية لا مثالية. يحث الاقتصاد السلوكي على دراسة واستبصار عالم الاقتصاد كما هو وليس كما يراد له أن يكون، هذا لأن الفاعل واللاعب الرئيس فيه هو الإنسان، وميزان الربح والخسارة مرتبط بنقاط مرجعية شخصية كما استنتج كانيمان وعاموس تفيرسكي (انظر المراجع). لعل الانهيارات الاقتصادية أدت دورها في إيقاظ الاقتصاديين التقليديين من غفلتهم عن حقيقة أن علم النفس والسلوك اللاعقلاني يلعبان دوراً أكبر بكثير كما يصرح عالم النفس والاقتصاد السلوكي دان آريلي، “واحداً تلو الآخر، كقطع الدومينو، تساقطت البنوك المؤسسية -التي يعمل بها اقتصاديون رائعون (عقلانيون) أذكياء، أولئك الذين اتبعوا النماذج القياسية”. وفي نفس الصفحة يضيف السائر على خطى كانيمان وتفيرسكي وريشتارد ثالر أنه “[…] نظراً لطبيعتنا الخطاءة النزواتية، وميولنا اللاعقلانية، يبدو لي أنه ينبغي أن تستند نماذج السلوك، والأهم، أن تستند توصياتنا للسياسات والممارسات الجديدة إلى ما يفعله الناس فعلاً، وليس عمّا ينبغي عليهم فعله في ظل الافتراض بأنهم عقلانيون تماماً.”

لكم أن تحزروا من أين أتت فكرة الـ money ball؟ … أثر مجال الاقتصاد المتخم بالنماذج والعروض البيانية والبصرية على متخذي القرار في الرياضات الأمريكية، تسربت لاحقاً نحو كرة القدم، -ولها إيجابيات بالطبع كخادوم/بروكسي- ولكنها حطّت بواقع الأمر من العقل/الذات، يتضح أن غياب خلفية فلسفية رصينة توقع المرء في أغاليط فاتكة -كما سنرى مع ماكنامارا- لعل أهمها بيع فكرة الموضوعية وإقصاء الذات، وعليه آرائهم لا تعد آراء بل نصوص مقدسة مرتلين العبارة التالية: بلا داتا/بيانات لست إلا شخصاً لديه رأي. لطالما قلت بأن الفتى يبدأ برأي أو فرضية أو مقدمة ويعززها بالأرقام وليس العكس، في ظل ضخامة البيانات جونز وسيلبيرزان يشددان على أن “الحل الوحيد للتعامل مع هذا البحر من البيانات هو أن يكون لدينا فرضيات، أي أن يكون لديك رأي يوجه البحث حول كتلة البيانات”. بالنسبة لبيتر دروكر فـ “لا ينبع القرار الفعال، كما تدعي العديد من النصوص المتعلقة باتخاذ القرار، من توافق في الآراء بشأن الحقائق. إن الفهم الذي يقوم عليه القرار الصحيح ينبع من تصادم وتضارب الآراء المتباينة ومن التفكير الجاد في البدائل المتنافسة. إن الحصول على الحقائق أولاً أمر مستحيل. لا توجد حقائق ما لم يكن لدى أحد معيار صلة بالموضوع”. لا يمتلك الطاهي/الرسام/الفنان بيانات ليثبت أي شيء في صميم حرفته، برأي دروكر “عدم إبداء رأي بعد التعرض لمجالٍ ما لفترة طويلة ينم عن عين غير ثاقبة وعقل كسول”. يا ترى ما الحقائق التي سيستند عليها الطاهي الماهر؟ هل هناك ذوق معياري يعتمد عليه؟ الطهي مهنة تنطوي على الفن ومعرفة الطاهي معرفة تجرباتية (heuristic حدس مهني) قائمة على الخبرة، على فطرة سليمة لا يداخلها تحذلق، أسلوب المدرب وتفضيلاته هي تحيزات، يبحث المدرب عن الطريق المرضي -وليس المثالي- في انتهاج اللعب والتدريب بناءً على تراكم خبراته ومعرفته، فيما يحاول بعضهم تجنب الخسارة أو تجنب المخاطر كسلوك أميل إلى الاعوجاج… استخدام سبل خوارزمية بخطوات محددة لتطبيق أسلوب معين لا يبدو متاحاً في كرة القدم كمجال لا محدود ومنفلت عن السيطرة. التجرباتية بلغة كانيمان تعني إرشاديات الحكم كحلول عاجلة لمشكلة ما، إذ خط خطاً فاصلاً عمّا يسميه بحدس الخبير، إلا أننا نرمي لكلتيهما هنا وخصوصاً الثانية، يستطيع المدرب التفكير ببطء وتمعن واستخدام طرق منطقية وخوارزمية ولكن أمام سيل المعلومات سيكون كحمار بوريدان الذي أردته التحليلات المفرطة قتيلاً، عندئذٍ، نصل أوكام سيكون عاملاً جوهرياً في تعيين أسلوب معين وتقفي معلومات معينة، يَحسب البعض أنهم سيتغلبون على لايقينة وغموضية اللعبة بجمعهم كمية هائلة من المعلومات، من قبيل تمييز استعدادية اللاعب بمعلمات بدنية أو التعرف على أسلوب الخصم ببيانات واحصائيات فضفاضة. أما اللاعب، بالمقابل، فمقيد بزمن وتصفية معلومات وحالة نفسية…الخ، بحيث تكون “إرشاديات الحكم مفيدة جداً، إلا أنها تقود أحياناً إلى أخطاء منهجية جسيمة” بلسان كانيمان، الشطر الثاني يمكن إسقاطه على المدرب، أما اللاعب فسيخطئ وسيخطئ وسيخطئ. من ذلك، على المدرب أن يتعامل مع اللاعب وفق هذه القيود، ولا يخال له أنّ اللاعب قادر على نقل ما قيل له أو وصف له على أنه حل “أمثل” بيسر.

تتضمن الإجراءات الحسابية تحديد جميع الحالات التي تعد حاسمة في اختيار العمليات المزمع تنفيذها، وذلك بغاية احتضان جميع الظروف الأولية المحتملة، في حين يمكن اعتبار التجرباتية فن الاستكشاف (موران، 1973) أو علم إيجاد الحلول (موليه، 1995). وكيما تكون فعالة، يجب أن تأخذ الخوارزمية -المتعلقة بلعبة كرة القدم- في الاعتبار جميع البدائل الممكنة، وهذا يتعارض مع العشوائية وعدم القدرة على التنبؤ في المواقف العديدة والمتنوعة التي تحدث أثناء اللعب. عوضاً عن ذلك، تبدو الإجراءات التجرباتية -لأنها لا تدافع عن مثل هذا التدقيق- أكثر ملاءمة لطبيعة اللعبة التي لا يمكن التنبؤ بها تماماً (غروهاينييه، 1992). رغم ذلك، كما يفيد غارغانتا (1997)، فقد أثبتت الخبرة أن كلا الإجراءين مهمان فيما يتعلق بتحديد وتفسير الإجراءات العديدة التي شكلها اللاعبون والفريق على مدار تاريخ اللعبة. تظهر الإشكالية بشكل خاص على مستوى التكامل والتوافق ما بين الإثنتين.” –أوليفيرا وغارغانتا وتوليدو

ليس هناك أسلوب مثالي في نشاط ككرة القدم، رؤية الراصد (المحلل أو المتفرج) وتمييزه لهذا الأسلوب أو ذاك رؤية ذاتية، يتميز البعض بفراسة وحدة نظر وآخرون لا، مدعمة بممارسة وتدريب ومشاهدة وتدقيق واستكشاف لا تأويلات اعتباطية. الطاهي ليس عالماً منخرطاً بأبحاثه ونظرياته وتجاربه بل وقد لا يعرف شيئاً في الكيمياء، مدرب كرة القدم ليس عالماً وقد لا يتساءل كيف يحدث التعلم أو كيف ترتفع اللياقة أو كيف يتعامل مع اللاعبين باختلافهم بلا مطالعة لعلم النفس، بيد أنه قادر على التعليم وعلى تجهيز اللاعب من كافة النواحي مستعينا بمتخصصين بمجالات تتداخل واللعبة، ولكن شريطة ألا نحيد عن الجادة كما يحذرنا جوليو غارغانتا: “نظراً لأن كرة القدم ليست علماً، فيمكن أن تستفيد كثيراً من المساهمات العلمية، طالما التزم الباحثون بقاعدة ذهبية: احترموا خصوصية اللعبة، مما يعني أنهم يجب أن يتوخوا الحرص كي لا يشوهوا المصفوفة التي تمنحها الهوية”. أولئك المتخصصين علاقتهم بتجهيز الفريق ارتباطية وليست سببية، أكثر ارتباطاً بقليل من ارتباط المهندس الزراعي بأرضية ملاعب الفريق.

مساري التدريبي كان 3 سنوات في علوم الرياضة، وبعد ذلك سنتين في منهجية كرة القدم. ذلك أن علوم الرياضة تأخذنا إلى جادة لا نستطيع فيها أن نستوعب هل وأن كرة القدم رياضة أم علم، كرة القدم ستبقى دائماً، دائماً “رياضة” على الأقل من وجهة نظري.” -جوزيه مورينيو

تتطلب اللعبة أولاً الرصد قبل القياس، التجرباتية قبل الخوارزمية، تأويلية/هرمنيوطيقية أكثر من كونها وصفية، تقييم العملية عوضاً عن تقييم الوضع الراهن أو الحدث. وبوصفها مجالاً إنسانياً -أي تحت سقف العلوم الإنسانية، وليست علماً دقيقاً- فهي أميل للكيفيات من الكميات، ماذا وإلا اكتفينا بحفنة تكنوقراط تدير الفرق بدلاً من الاستفادة من خدماتهم الكمالية. سأحرف أنالوجي الرجل الأعمى والرجل الكسيح لشوبنهاور، يمكننا اعتبار الرجل الأعمى النماذج والخوارزميات التي لا ترى، والرجل الكسيح النظر والتبصر، الأعمى وسيلة والكسيح هو المرشد، يبدو أننا نحط من قدر العقل/الذات بهذا التمثيل، ذلك أن كل النماذج والإحصائيات تبدأ من الإنسان، من العقل، ولا تتخلق من تلقاء ذاتها أو تتكشف بتشكيلات الغيوم، بهذا ينجلي فساد الموضوعية المطلقة التي “يحلم بها” محلل بيانات ساذج. اللاعب ليس آلة، الإنسان ليس آلة، بناء على مدخلات معينة سنحصل على مخرجات محددة، كرة القدم -رغم فرادتها- ليست قائمة بذاتها بل عابرة للتخصصات سواءً بوصفها رياضة، لعبة، مجال إنساني، اجتماعي، نفسي…الخ. بالنسبة لغارغانتا وزملاؤه فمن المهم إفساح المجال لنوع آخر من النهج، ذو طبيعة نوعية. رصد السلوكيات ينطوي على خطوة مقارباتية من أجل الكشف عما يكمن وراء المظهر القابل للقياس أو “المرئي فقط” أو “المعروف بالفعل”. وهذا يعني الابتعاد عن العفوية إلى تصور تخصصي، وبالتالي تمييز المعلومات ذات الصلة من أجل الانتقال من “النظر” إلى “المعرفة”. عندئذٍ، نعي أن الذات هنا ليس مجرد إنسان غريزي تلقائي بل إنسان متعلم مثقف يفهم كرة القدم، مارسها وحللها، لا يمكن اعتبار حدس الخبير المتمرس لا عقلاني يخبرنا الموسوعي هيربرت سايمون (انظر المراجع) فعلاج المشاكل مبني على عملية تحليلية بمعية تلميحات ذهنية أو استحضار معلومات مضمرة في الذاكرة، أي أن القرار يتخذ بناءً على معرفة سابقة واستنتاج منطقي، وليست بالضرورة خبط عشواء، يقول الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد أنه “من الخطأ التفريق بين الإدارة “التحليلية” أو الإدارة “الحدسية”. الحدس والحكم -على الأقل الحكم الجيد- مجرد تحليلات محفوظة في العادة وفي القدرة على الاستجابة السريعة من خلال القدرة على التمييز”. ثم يضيف “لا يمتلك المدير الفعال رفاهية الاختيار بين النهج “التحليلي” و “الحدسي” للمشكلات. إن التصرف كمدير يعني التحكم في مجموعة كاملة من المهارات الإدارية وتطبيقها عندما تصبح مناسبة”. متخصصو كرة القدم إن صح لنا هم رجال كرة القدم، وأنا لا أتحدث عن الرُخص، فهي كما رخص قيادة السيارة ليست إلا إقراراً بقدرتك على القيادة وليست مقترنة ببحث علمي أو فهم للميكانيك، مدرب أو محلل كرة القدم ليس متخصصاً بالمعنى الصارم، فما هي نظرية كرة القدم؟ على ما تستند؟ ما هي المنشورات العلمية -المنشورة في المجلات المرموقة- التي تتحدث عن كرة القدم من حيث هي كرة القدم؟ لا يوجد. ما ينشر هو التحليل الحركي وما هو متعلق بعلم الرياضة والأداء وعلم النفس التربوي والرياضي، أو الكرة بوصفها مقذوفاً في الفيزياء والديناميكا الهوائية، ليس ثمة علم اسمه علم كرة القدم، المدرب يتعلم من التخصصات السابقة وقد يكون متخصصاً بأحدها، لكن الأساس هو أن يفهم كرة القدم، تفاعل وتحرك وتغطية وتبوء مساحات ولعب مركزي وضغط ومراقبة …الخ. ثم دور اللاعب في تطبيق ما سبق علاوةً على المراوغة والخداع وهو الجزء الغالب في اللعبة.

تلاحق النماذج الكرة وحسب، أي نموذج سواءً دفاعياً أو هجومياً، نستثني المعلمَات البدنية التي تستخرج المسافة التي قطعها اللاعب ولا تحفل بأين ولماذا، بل تحفل بالكم والسرعة ليس إلا. إحصائيات التمرير تخبرنا بوصول الكرة للمستلم، ولكن ليس بأي وضعية وأي حال وهل المستلم مُساند أم معزول، لا أتحدث عن تخطيها وكسرها للخطوط لأن حتى هذه التمريرات قد تكون غير ذي جدوى، تمريرة عالية تتخطى العديد من اللاعبين ولكن قد لا تضيف أي شيء للهجمة، وتصور أن مستلم الكرة الهوائية كان تحت ضغط ثم استلمها وخطى بها خطوة أو اثنتين ثم قطعت أو فلتت منه، التمريرة وصلت ولكن الوضعية ليست مريحة للمستلم، يمكن أن تتجاوز الكرة 4-5 لاعبين صوب لاعب معزول. الأهداف المتوقعة تخبرنا عن احتمالية ولوج التسديدة للمرمى، ثم إن اللاعب صاحب المعدل العالي من الأهداف المتوقعة يسجل من الفرص الأكثر سهولة، وليس من أنصاف الفرص كما نهلل أحياناً، ما الأفضل هنا؟ التمريرة الحاسمة المتوقعة xA أو ما قبل ذلك من تمريرات في البناء xGB أو سلاسل الاستحواذ التي أدت لتسديدة xGC ليست أكاسير كرة القدم، تبدو أفضل من غيرها إحقاقاً للحق. لكن ماذا عن اللاعبين غير المضطلعين بالهجمة؟ أو المضطلعين بالهجمة وربما أثروا بها دون أن يمسوا الكرة؟ ماذا عن نواياهم، هل يمكن نمذجة ما هو داخلي؟

BFW Film Room: Comparing Thiago Alcântara and Leon Goretzka's style of play  - Bavarian Football Works
ولَكم يضيف هكذا استلام مموه ومكار للفريق نوعياً.
أغويرو لم يلمس الكرة، إلا أنه لعب دوراً حاسماً في الهجمة.
Cole and Yorke vs Barcelona on Make a GIF

العلاقات والتواصل والزوايا والذكاء أيضاً لا توضع في الاعتبار في عالم الاحصائيات. وأما اللقطة السابقة فهل يحتسب سحب المدافعين وخلق المساحات؟ أو هل يحتسب توغل أغويرو للعمق، الأمر الذي ترك هوة في الطرف الأيمن لليونايتد؟ ماذا عن المدافعين وتفاعلهم أمام الخصوم ماذا عن تغطيتهم، ما الذي بوسعنا قياسه؟

يصعب صياغة النواحي التكتيكية والفنية والتحفيزية بمعادلة أو مقياس “metric”، قد نستطيع تجميع بيانات ومعلَمات من ناحية بدنية وفيزيولوجية، فبعضها هام صحياً، أما كروياً وتكتيكياً فتحتاج لعين ثاقبة، يعلم المدرب من هم أنسب اللاعبين إذا كان يملك أسلوباً معيناً، لا يجلب غوارديولا لاعباً بناءً على عدد تمريراته الصحيحة أو حتى التمريرات المفتاحية أو الكاسرة للخطوط، بل عمّا يراه من سلوك: تمركز وكيفية استلام ومقاومة ضغط وحركة ناجعة وتبصر للمساحة، وإلى أين يمرر. من يستقطب بناءً على الإحصائيات كمن يبحث عن الطاهي الأفضل بناءً على الإحصائيات وليس على الذائقة…  أو كأننا نعين موظفين بناءً على درجاتهم، لا على معرفتهم، الأمر الذي اعترفت غوغل بتهافته. من أفضلُ مغنٍ؟ إحصائياً من يتصدر أعلى المبيعات أو معدل الاستماع أو عدد حضور حفلاته، ذوقياً وحتى موسيقياً قد يكون مستواه متدنٍ. تصميم مقاييس معينة هي أمور للتسهيل ولاختصار الوقت، وهي رافد لا أصل. ثمة مشكلة مع بعض الإحصائيين وليس الإحصائيات، ذلك أنهم عالقون بمغالطة الكمية أو مغالطة ماكنامارا والأخير هو وزير الدفاع الأمريكي السابق إبان حرب فيتنام والذي اعتمد حصراً على الإحصائيات متجاهلاً ما لا يمكن قياسه، الأمر الذي أدى لخسائر وخيمة، يقال بأن ماكنامارا أخبر ضابط القوات الجوية إدوارد لانسديل أنه لا يستطيع قياس المشاعر، لذا لا يجب أن تكون مهمة. بهذا يحذرنا كوكيير وماير-شونبرغر أن “استخدام البيانات وإساءة استخدامها من قبل الجيش الأمريكي أثناء حرب فيتنام تُعد درساً مقلقاً حول محدودية الداتا/المعلومات بينما يتجه العالم نحو عصر البيانات الضخمة. فقد تكون البيانات المضمرة ذات نوعية رديئة، وقد يشوبها تحيز. يمكن أن تُحلل بشكل خاطئ أو تُستخدم بشكل مضلل. والألعن هو أن البيانات يمكن أن تفشل في التقاط ما تدّعي تحديده كمياً.”

قبل إسدال الستار، يجب أن نتعلم في كرة القدم من النهج السلوكي في الاقتصاد ولكن بتفسير مختلف، ضع بحسبانك أن الفاعل في الاقتصاد -كمستهلك أو كمستثمر- لديه متسع رحب من الوقت بالمقارنة بكرة القدم، في لعبتنا الوضع أعقد بكثير، اللاعب يقرر في معظم الأحيان بجزء من الثانية، فنماذج مثل الخوارزميات الجينية أو الشبكة العصبونية الاصطناعية تُطبق في تعلم الآلة وليس البشر في وغى اللعب وتعرضنا لها كان تشبيهاً، على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي طُور عبر محاكاة آليات طبيعية، إلا أن سرعة وفعالية وتقفي نطاق أكبر من الخيارات -لقدرتها في معالجة البيانات الضخمة- قد يكون أفضل في معظم الأوقات لدى الآلة. اللاعب لا يحسب المسافة أو السرعة أو ينشغل بأي قانون فيزيائي قبلما يمرر الكرة، هو يقوم بتلك العمليات عفوياً وفي التو واللحظة، ولا يجدر بالمدرب العمل في تدريباته كما لو كان اللاعب يتصرف بعقلانية خالصة، اللاعب يقوده اللاوعي ويستخدم آليات مختصرة في اتخاذ القرار، وأي تصرف مرغوب ينبغي أن يرسخ في اللاوعي حفظاً واستيعاباً وهذا ما سنرجئه لمقال منفصل. كرة القدم ستبقى أبداً لعبة عتيقة كما يصف دانتي بانزيري، وأي نهج مزعوم العصمة والدقة لا يوجد إلا في عالم المُثُل الأفلاطوني، فلننزل للواقع الأرسطي، للذاتية وللرأي المدعوم بالبيانات والمعلومات.

كلما كانت الرياضة أكثر تعقيداً، تضاءلت الثقة في الأساليب القائمة على الإحصائيات فقط. هذا لا يعني أنه يجب أن نتبع حدسنا فقط. وهذا يعني أنه يجب أن نبدأ بمعرفة ما نعنيه عندما نقول إن كرة القدم معقدة. -دافيد سمبتر

التعقيد ليس محض صفة، هذا ما اعتقدته عندما كنت أقرأ عن التحقيب ولمحت بكتاب كارلوس كارفاليال “developing a know how” تصدير فلسفي مقتضب لمست منه أنه ينبغي أن أبحث عن هذه الكلمة complex systems، عالمٌ تعددت مشاربه فُتح لي… على ما أظن. مصدر التعقيد في كرة القدم نابع من التفاعلات والروابط ما بين اللاعبين منذ التمريرة الأولى في هذه اللعبة في القرن التاسع عشر وليس نابع عن المدرب، المدرب قد يعقد complicate الأمور، أعاد لي هذا جملة لا أتذكر أين سمعتها: “فزنا رغم وجود المدرب”، أحياناً يكون المدرب مصدر تعقيد غير نافع. التعقيد ليست صفة حسنة وليست بالسيئة، وقطعاً ليست مديحاً، بل هي توصيف موضوعي للعبة، التعقيد تراكب أشياء/عناصر/أجزاء تتواصل وتتفاعل وتؤثر وتتأثر وينبثق عنها أنماط وبنى وهياكل يمكن تمييزها. يجدر بنا دراسة التعقيد بعيداً عن مبادئ العلم الكلاسيكي الثلاثة: الحتمية والاختزال والفصل، ذلك أننا سنمنح الأولوية للدراسة النوعية وتمييز الكيفات والعلاقات والنظام، عوضاً عن الكمية، والمادة والمكونات. منظور التعقيد والرؤية النُظُمية سينمي استيعاباً أكبر للعبة، كمدرب أو كمحلل أو كمحاضر بل وكلاعب. آمل أن هذه المقاربة النظمية للعبة والتقدمة للتعقيد أبانت لك عزيز القارئ أن التعقيد بالرغم من فضفاضية هذه الكلمة إلا أنها خاصة ومحددة حينما يُقال: نظام معقد.

المراجع

كتب موران: 1: الفكر والمستقبل مدخل إلى الفكر المركب. 2: المنهج ؛ معرفة المعرفة: أنثروبولوجيا المعرفة (الجزء الثالث).

RESTRICTED COMPLEXITY, GENERAL COMPLEXITY. EDGAR MORIN (مقالة)

INTRODUCTION A LA PENSEE COMPLEXE. MorinEdgar.

Seven complex lessons in education for the future, Edgar Morin.

JOURNEY INTO COMPLEXITY, Alberto F. De Toni, Luca Comello.

Complexity: The Emerging Science at the Edge of Order and Chaos. M. Mitchell Waldrop.

http://maaber.50megs.com/issue_august03/deep_ecology1a.htm

Using network science to analyze football passing networks: dynamics, space, time and the multilayer nature of the game. J.M. Buldu, et al.

Timescales for exploratory tactical behaviour in football small-sided games. Angel Ric, et al.

Complexity Science. An introduction (and invitation) for actuaries. Alan Mills.

https://www.jstor.org/stable/1914185?origin=JSTOR-pdf. Daniel Kahneman and Amos Tversky.

Predictably Irrational : The Hidden Forces That Shape Our Decisions. Dan Ariely.

https://www.technologyreview.com/2013/05/31/178263/the-dictatorship-of-data/. Viktor Mayer-Schönberger and Kenneth Cukier.

THE Effective Executive, The Definitive Guide to Getting the Right Things Done. Peter Drucker p143,144.

Making Management Decisions: the Role of Intuition and Emotion By Herbert A. Simon Carnegie-Mellon University.

HIDDEN ORDER, How Adaptation Builds Complexity. John H. Holland.

Complexity a Guided Tour – Melanie Mitchell.

أوه فورتونا.. الحظ والصدفة

مارتين لاميز -أستاذ كلية الرياضة وعلوم الصحة في جامعة ميونخ التقنية- استنتج في دراسته عن دور الصدفة والحظ في كرة القدم إلى أن 47% من الأهداف قد لعب الحظ فيها دوراً أساسياً؛ شملت دراسته متغيرات كتغير اتجاه الكرة بعد ارتطام الكرة بأحد المدافعين، ارتداد الكرة للمهاجم من الحارس أو من أحد الخشبات الثلاث، الأخطاء من الحراس أو المدافعين والتسديد من مسافات بعيدة. إن الدراسات مثل هذه لا تقدم ولا تؤخر، غير أنها تضفي مصداقية لهذه الإدعاءات لمن يرفض تلك البداهات. ولكن هل تسديدة من مسافة بعيدة -مقصودة- يمكن اعتبارها صدفة؟ أنا متشكك خصوصاً مع تكرر هذا الحدث الذي يجعل منه احتمالاً، سواء وصف بالمحتمل أو بعيد الاحتمال، كرقم بين 0و1 في نظرية الاحتمال، لكن التسديد من بعيد احتمال وارد، وليس عرضاً “ممكناً” كتسجيل مانويل نوير مقصية في المباراة القادمة وإن اقتربت احتمالية ذلك من صفر. هذا ناهيك عن احتمالية حدوث حدث صدفوي عشوائي في سير الهجمة التي أدت إلى هدفٍ لم يأتي بالصدفة بتقدير لاميز، هذه الإحصائية مليئة بالفجوات، ربما شأنها شأن أي إحصائية في مجال عشوائي/فوضوي لا يكون فيها الغاية إلا المقاربة لامتلائها بمعايير غير موضوعية.

عامل الصدفة في كرة القدم عامل طبيعي، ولكن ما هي الصدفة أصلاً؟ قد نقول: هي أي فعل أو حادث حدث دون قصد أو تخطيط أو خارج إرادة الفاعل، لاعب يقوم بلعب عرضية فتنحرف نظراً لما يعرف بتأثير ماغنوس في الديناميكا الهوائية فتلج الشباك، يهرع هذا اللاعب راكضاً كالمجنون وكأنه سجل هدفاً مارادونياً. والعكس صحيح حينما ترتطم الكرة بقدم مدافع ويتغير اتجاهها نحو المرمى. وإذا ما سلمنا -بداهة- بعامل الصدفة فسيلزم منه تسليمنا بعامل الحظ، وما هو الحظ غير صدفة سيّرتها المقادير لصالحك.

كم من ناجحٍ -أياً كانت معايير النجاح وإن غلب عليها البلى والانحطاط- عزا نجاحه للعمل الجاد فقط، نافياً دور الحظ، والذي قد يأتي على شكل ثروة والديه، مسقط رأسه أو جيناته أو ثقافة موطنه، إن كنت جامايكياً فستصحوا على منافسات الميدان والمضمار (من بينها رياضات الجري) بوصفها رياضة شعبية هناك. أو تولد في عائلة تحمل طفرة جينية كالتي لدى بطل التزلج الفنلندي ييرو مانتيرانتا وهي طفرة هرمون الإريثروبويتين الذي يسبب إفراط في إنتاج كريات الدم الحمراء والهيموغلوبين المحمول داخل كريات الدم الحمراء والذي يجعل الإنسان أكثر قدرة على أداء رياضات التحمل. لاعب سلة موهوب في أمريكا قد يذيع صيته في NBA -وبالتالي عالمياً- وآخر بنفس الموهبة في بلد كأوزبكستان -كمثال- لن يسمع به أحد، لاعب قدم أرجنتيني بمقابل لاعب فنزويلي وقس على ذلك من ظروف وحظوظ أو فرص.

الحظ، ومن منا لم يندب حظه، لعل الناجح حين لا تجري الرياح كما يشتهي سيندب حظه، الذي -لانعدام اتساقيته- سيجحده في ظروف أخرى، يعزى ذلك لانحياز إدراكي يعرف بالانحياز للمصلحة الذاتية، أو تضارب فيما يعرف بمركز الضبط في علم نفس الشخصية. يسأل سائل: هل هناك حظ في الأساس؟ يبدو سؤالاً من زاوية مادية أو حتموية، كي لا أكرر ما ذكرته في الفقرة السابقة، الحظ هي الظروف وطوبى لمن اغتنمها. كسؤال إلحاقي، أهذا يعني أن هنالك محظوظون؟ ريتشارد برُكتور في كتابه “الحظ والصدفة” لا يرى ذلك، ذلك أن النجاح في فرصة ما تعني أن الناجح كان محظوظاً وليس الحظ صفة فيه، أي حالفه الحظ في لحظة معينة وليس لنا أن نسميه محظوظاً كصفة لازمة له. قد اتفق إلى حدٍ ما، فلا تعني الظروف الجيدة حتمية النجاح، بل إن بعض الظروف الغير جيدة قد ترفع من حظوظك؛ كأن تكون برازيلياً فقيراً فتطابق الصورة النمطية للأسطورة القادمة. وهذا على المدى الطويل، أما على المدى القصير فالحظ والنصيب متقلب.

From the Narrow Desert: The Wheel of Fortune: Miélot and Dürer (15th  century)
فورتونا العمياء وعجلتها في أدبيات العصور الوسطى.

عن الحظ، يقول بوئثيوس في “عزاء الفلسفة”:

“تخطئ إن ظننت أن الحظ (فورتونا) قد أدار لك ظهره، فالتغير هو طبيعة الحظ ودأبه وديدنه، وهو في تقلبه نفسه إزاءك إنما كان حافظاً لعهده وثابتاً على مبدئه! وهو ذات العهد وعين المبدأ الذي كان به من قبل يتملَّقُك ويغويك بسعادة زائفة.”

ملحمة “أوه فورتونا” لكارل أورف، كلماتها تعود إلى القرن الثالث عشر لشعراء مجهولين في بافاريا، كتبت باللاتينية بوصفها لينغوا فرانكا في أوربا يومئذٍ.

الأوهام والانحيازات… صدفة المدرب

الصدفة أو الحظ لا وجود لها في العقل الحتموي الشاحب، فثمة تسلسلات مستمرة أدت إلى ما أدت، أو حتمية حدوث ما حدث. أو العقل الخرافي الذي يجد ربطاً سببياً بين حدثين ليس ثمة علاقة بينهما والتي اعتقد بها عالم النفس كارل يونغ وتُعرف بـ”التزامنية” ولا تعدو حالياً كونها استسقاطاً؛ والاستسقاط يعني ربط أحداث غير مترابطة وإضفاء معنى أو توهم أنماط في بيئات أو نشاطات عشوائية. الصدفة أو الحظ عوامل مرفوضة لدى الدماغ أحياناً، توهم النظام والأنماط أو الكمال أو المعنى ينشأ عن آليات دماغية في الحقيقة، إذ للدماغ قدرة على ردم الفجوات أو “ملء fill-in” المعلومات المفقودة في إدراكنا الحسي كالنقطة العمياء في العين. أو رؤية شكل هندسي بأكمله على الرغم من أن أجزاءً منه مغطاة أو مفقودة amodal completion، ضف إلى ذلك تلوين الأشياء، أو قراءة نص مليء بالأخطاء بشكل صحيح، تدعى هذه الظاهرة typoglycemia وكأنها آلية تصحيح دماغية، بل هناك آلية تستيعد الصوت المفقود phonemic restoration effect. وهناك ما يعرف في علم النفس العصبي بترجمان الدماغ الأيسر والذي يلملم شتات معلومات متناثرة ويبني حكاية أو يضفي سببية في الأحداث ليس لها وجود. من جراء ذلك تنشأ نظريات المؤامرة مثلاً.

وللعجب تطال هذه السلوكيات الحيوانات كما بينت تجارب بروهوس سكينر في الإشراط الاستثابي. من صور ذلك ربط فوز الفريق “س” في الديربي إذا لُعب في شهر نوفمبر، أو تسجيل اللاعب الفلاني إذا لعب فريقه مساءً فقط، التفاؤل باليد الساخنة في كرة السلة، أو التشاؤم من نتيجة 2-0 كأخطر نتيجة في كرة القدم. والأدهى هو توهمنا أنماط لعب مقصودة صيغت بالملي بواسطة المدرب، وهذا نتيجة فرط التحليل الذي يصاحب ويعقب المباريات، “أراد المدرب فلان القيام بكذا ورد المدرب المنافس بكذا”، دائماً لدى البعض أجوبة ناجمة عن فرط تحليل أو إضفاء عمق ومعنى ودلالة لأمور قد لا تحتمل ذلك، على لوحة عادية، أو على تفصيلة هامشية في مشهد درامي مثلاً. من أشكال الانحياز الإدراكي أن يتوجه انتباه البعض نحو فريق معين أو مدرب معين، فريق مميز يلعب كرة مميزة ولكن على نحو مفاجئ نجد مقاطع “احتفائية” بالفريق أمام فرق هزيلة بل وتُصور على أنها استثناء عن السابق، يتبادر لي مثال واضح حالياً، شاختار دي دزيربي. رالف رانغنيك يُعين كمدرب لمانتشستر يونايتد، ما الذي سنراه؟ حالة نحن رغبوياً نريد ظهورها، حيث جرى توجيه انتباهنا لها لبروباغاندا مسبوقة، gegenpressing أو الضغط المضاد الذي اشتهر به، حتى ولو كانت اللقطة أو الاحتفاء على حالة واحدة يمكن أن تراها في ساحة ما بالقرب منك، سلسلة تمريرات لمدرب قال بأنه يحب الاستحواذ، أيضاً سترى ما يماثلها في فريق هواة. هذا التضخيم والمبالغة في رؤية الأمور قد يفسره وقوع المرء تحت سطوة انحياز انتباهي يعرف بوهم التردد frequency illusion فتكون مأخوذاً بفكرة تدور في ذهنك كنت قد تعلمتها أو سمعت بها، كمثال، أن تفكر بشراء سيارة معينة وتجد انتباهك توجه لا إرادياً نحو السيارات المماثلة للسيارة التي اخترتها، بل وتعتقد أنها فجأة بدأت تظهر في كل مكان! 

“نحن نلهث خلف الأنماط بحيث لا يبرز انتظام بالصدفة، وإنما بواسطة سببية ميكانيكية أو لنوايا أحدهم. لا نتوقع أن نرى انتظاماً ناتجاً عن عملية عشوائية، وعندما نكتشف ما يبدو وكأنه قاعدة، فإننا نرفض بسرعة فكرة أن العملية عشوائية حقاً. تُنتج العمليات العشوائية العديد من المتواليات التي تقنع الناس بأن العملية ليست عشوائية قبل أي شيء.” –دانييل كانيمان

تَخلّق أنماط لعب وتَكرر سلوكيات معينة، كسلسلة تمريرات، ضغط مضاد جماعي أو فردي قد يحدث بشكل تلقائي عفوي. وأن يتكيف اللاعب كفرد مع المجموعة أمر ممكن دون قيادة مركزية (مدرب)، يحدث ذلك عبر متغيرات تنبثق نتيجة تفاعل العنصر مع بقية العناصر المجاورة في النظام، يعرف ذلك بالانتظام الذاتي في النظم المعقدة. في أحد المقابلات سُئل ماركو روزه عندما كان مدرباً لغلادباخ عما يجري خلف تسجيل الفريق لأكبر عدد من الكرات الثابتة في فترة ما في البونديسليغا… “ربما نكون أول فريق في البونديسليغا يسجل أكبر عدد من الأهداف من الركلات الثابتة (دون) أن نتدرب عليها على الإطلاق”. ربما في ذلك شيء من المبالغة، قد يكون الفريق تدرب عليها كبقية الفرق ولكن لمهارات اللاعبين في الكرات الثابتة وقدرات بعض اللاعبين في الهوائيات هو السبب وليس المدرب والتدريب، بالتالي هذه صدفة إذا ما رُبطت بالمدرب -بما أنه لم يخطط لهذه الأحداث- ولكنها ليست كذلك بالنسبة للاعب حينما ينتوي شيئاً ما.

في مقدمة طبعة مستحدثة لكتاب الصحفي الأرجنتيني الكبير دانتي بانزيري Dinámica de lo” impensado” كتب إزيكييل فيرنانديز مورِس التالي:

“كان هذا أهم انتصار لـ(تاتا) مارتينو كمدرب للباراغواي. إذ صمد على الصفر-صفر طوال 120 دقيقة أمام برازيل نيمار وروبينيو وباتو. ففاز بركلات الترجيح وتقدم إلى الدور نصف النهائي. “نهج تكتيكي ذكي” من قبل مارتينو قِيل في الراديو. سلط الصحفي التلفزيوني الضوء على “النظام الجماعي” لدى الباراغواي. وعلى موقع لإحدى الصحف الكبرى تحدثوا عن “عمل تكتيكي عظيم”. لكن مارتينو ترك الجميع في حالة تسلل: “لم يجري أي شيء كما خططنا له”. فلم يتحدث عن نهج أو نظام أو تكتيكات. […] “فزنا” -قال- “بالحظ”. كان بانزيري ليصفق له بحفاوة. في الواقع، أضاعت البرازيل ما يقرب من اثني عشر حالة محققة، إما تداعت الكرة بمليمترات، أو ارتطمت بالقائم أو أنقذها حارس المرمى. لم تدافع الباراغواي بشكل جيد. كما أنهم لم يقوموا بهجوم مضاد.”

لدى البعض -وفي معرض طرحنا المدربين- انحياز إدراكي يعرف بوهم التحكم، أي ميل الشخص إلى المبالغة في تقدير قدرته على التحكم في المواقف المعتمدة على الصدفة بشكل كبير أو التي ليست في المقام الأول بين يديه. كمن يرمي حجر النرد بطريقة معينة متوقعاً ظهور رقم معين، ولا أبالغ إن قلت أن هناك من يظن بأن له تأثير في المباريات من على المدرجات. بل المدرب نفسه لا يؤثر في مجريات الأحداث إلا بشكل ضئيل للغاية، يقول غرايام بوتر مدرب برايتون للغارديان بأن هناك اعتقاد “ثقافي بأننا يجب أن نكون قادرين على التحكم بالأمور. بيد أنه في واقع الأمر هناك مليون شيء لا يمكن السيطرة عليه. لأن كرة القدم في الأساس لعبة اللاعبين، ليست لعبة المدربين. ليس بمقدورك التوقف كل خمس دقائق وإجراء التعديلات. يمكنك القيام ببعض الأشياء على الهامش، ولكن فقط للاستعراض، حقاً. في الغالب يتعين على اللاعبين تحمل المسؤولية”. ناغلزمان لا ينفي ذلك، مؤكداً أن دور المدرب يكمن في التدريبات… “كمدرب تتمنى أن يكون لك تأثير كبير في المباريات، ولكن بصراحة، ليس ثمة تأثير كبير. الأهم هو التدريب: هناك ستتمكن من تقديم النصائح لفريقك بأكبر قدر ممكن”. وعلى أي حال، لا يقف المدرب إزاء ذلك موقف المتفرج، يعبر رانغنيك عن نهجه في اللعبة، إذ يسعى إلى “تقليل عامل الصدفة والسيطرة على اللعب.”

“ما يفعله المدرب هو أن يحاول زيادة مؤشر الأرجحية عندما يتعلق الأمر بالفوز بالمباراة. كمدرب، كل ما يمكنك فعله هو الحد من دور الصدفة بقدر ما تستطيع. أظهرت كرة القدم مرات عديدة أنه لا يزال بإمكانك الفوز 1-0 حتى بدون العبور لمنتصف ملعب الخصم ولا لمرة واحدة. أرسنال تعادلوا 1-1 أمام برشلونة ولم يسددوا أي تسديدة على المرمى. نحن نعمل في نشاط يوجد فيه العديد من المتغيرات والصدفة واحدة منها. يمكنك الدفاع باستماتة ثم التسديد في كل مرة تحصل فيها على الكرة، ولكن هذه ليست إلا تسديدات، ليس هناك لعب.” –خوانما ليـّو

خط التدرج بين المهارة-الحظ لموبوسين. على اليمين تكون اللعبة أميل إلى المهارة والعكس تذهب نحو الحظ.

بالطبع كرة القدم ليست قماراً، لا تعتمد على الحظ/الصدفة بصورة مطلقة، بل بنسبية وإن بدت وتجلت كثيراً، هي ليست كرمي النرد أو عجلة الروليت بوصفهما لعبتان لا تتضمنان اتخاذ قرار ومهارات فنية واستراتيجية. في ثنائية الحظ-المهارة خلص مايكل ماوبوسين في دراسة إحصائية إلى أن النجاح في NBA أميل إلى كفة المهارة، فيما تميل كفة النجاح في مسابقة هوكي الجليد NHL إلى الحظ. كرة القدم أقرب للهوكي بالطبع، بل وجاءت في دراسته بين اللعبتين المذكورتين بناءً على الخمس مواسم التي درسها. يكمن تعقيد كرة القدم في استخدام الأقدام، وهوكي الجليد باستخدام العصا والتزلج علاوة على توزيع غير مألوف نوعاً ما في المراكز، فالمسمى بـcenter يغطي المنطقة الوسطى بالكامل، دفاعاً وهجوماً، ويبدو تمركزه على الورق كرأس الحربة، هذا إضافة إلى تبادل المراكز بين البقية مع بقاء مهام محددة ولكن بصورة أقل من كرة القدم، وهذا ما يجعل كرة القدم أقل عشوائية. في كرة القدم، اللاعب العادي أو الأقل على مستوى التكنيك قد يجد له مكان في أفضل دوريات العالم، القصير أو الطويل، الهزيل أو الضخم، فلا مواصفات معيارية للاعب الجيد، لا يمرر كل اللاعبين كبيرلو ولا يراوغ كل لاعب كرونالدينيو ولا يجيد كل حارس كنوير أو يتميز بقدميه كالأخير أو كإيدرسون، لا يوجد مقياس للاعب الأفضل، وهذا ينطبق على أغلب الألعاب الجماعية ولكن في كرة القدم ليست المهارة هي المحدد الرئيس للفوز، فالنظام الجماعي قد يطغى على خصم يملك بعض الفرديات الأفضل وللمفارقة كلما ازدادت الصدفة والعشوائية في لعبة ما -كتبعات للتعقيد- كلما تقلصت أهمية المهارة، ففي الرياضة الفردية كالتنس وألعاب القوى يكاد يكون القول الفصل للمهارة لانخفاض الصدفة واللامتوقع والمنفلت عن السيطرة، يسري ذلك على ألعاب كالشطرنج.

قد نتوقع احتمالياً -في كرة القدم- وبصورة لا يقينية أن يحقق السيتي نتائج مقاربة للمواسم المنصرمة، فاعتماداً على متوسط فوز مانتشستر سيتي في السنوات الماضية قد ينافس على الدوري أو يحققه، الأمر سيان مع بايرن ميونخ، وهذا يعتمد على قدرات الفريق ومهارات لاعبيه وخبرة الفريق والإدارة، ولا شك، القليل أو الكثير من الحظ والصدف التي ينتفع منها الفريق نظراً لقدرتهم على الوصول المتكرر إلى مناطق خصومهم وحصولهم على كرات ثابتة أو دربكات قرب المرمى، ولهذا يفضل بيب أن يبقى فريقه في مناطق المنافس، حيث أن عامل الحظ والصدفة سيتقلص باضطراد مع ندرة الفرص لدى الخصم، فكلما ابتعدنا عن مرمانا كلما تقلصت الصدف، وكلما اقتربنا من مرمى الخصم وهددناهم كلما ازدادت فرصنا وحظوظنا في اغتنام الصدف السعيدة، هذه الصدف تتجلى على شكل أخطاء، تغير في اتجاه الكرة لأسباب مختلفة، سوء الأرضية مثلاً، أو تداخل زملاء في كرة ففقداها، والخطأ أو سوء الحظ لا يؤدي ضرورة إلى هدف مباشر بل يساهم في نمو هجمة فرصها كانت شبه معدومة. يثير الضحك أن يقول المدرب أننا لن نترك شيئاً للصدفة، ولكن في الوقت ذاته، واجب المدرب أن يعمل في التدريبات على النوايا والمقاصد الجماعية، أي الخلق والبناء وليس فقط الاستناد على الحظ، أو التنكر للحظ، و”تذكر أن فورتونا لا تحب أن يشعر الناس بسعادة غامرة تجاه خدماتها، كما وأنها تُعِدّ خدعاً مريرة للأغبياء الذين يُثملهم النجاح”، يقول روبير هوديني… ثم أوه فورتونا، ڤيلوتْ لونا…

الفوضى قانون الطبيعة، النظام حلم الإنسان..

ثمة خلط ومعاناة مع كلمة نظام في لغتنا، فحين نريد ترجمتها تظهر لنا الكلمات التالية: order, organization, system, regulation وبصورة أقل كلمات مثل: discipline, regime. ولكن في الحقيقة لكل كلمة خصوصية لا محض ترادفات، فكلمة order تعني الترتيب أو النظام الذي يقتضي ترتيب أو تعاقب أو تسلسل، أما system فتعني مجموعة من العناصر المترابطة التي تشكل كلاً موحداً. غير أنه -من ناحية الاشتراك اللفظي- ما الإنجليزية عن ذلك ببعيد، كأي لغة، بالرغم من انفتاحها على التجديد. فحينما تصادف كلمة order في الفيزياء فيقصد بها الترتيب أو النظام الخفي، في السياسة -لا على التعيين- تعني إعطاء الأوامر، أو القيادة المبنية على الأمر والذي نحن بصدده بصورة أخص.

في هذا المقال سنتحدث عن النظام التكتيكي، أي الأسلوب المنمط أي المبني على الأنماط وعلى التلقين، النقد سيطول مدربين أو مدرب بعينه كمثال فقط، وهم من بين الأفضل بالنسبة لي إن لم يكونوا الأفضل. يكتوي لاعبو أنتونيو كونتي من نظامه وصرامته ليس فقط على مستوى الأسلوب، بل قد يتدخل حتى في حياة اللاعب الشخصية، ناهيك عن البرامج الغذائية والصالة الرياضية. تسير الأمور على النحو المطلوب بالنسبة لكونتي في البداية ولكن سرعان ما يبدأ الفريق بالملل وتصبح فرقه مكررة في كثير من الأحيان، وهذا يناقض ناموساً من نواميس عالم التدريب، المدرب يحتاج وقتاً، كونتي ينجح في البداية على ما يبدو، وربما يعود ذلك لأسلوبه المبني على الهيكل الثابت والأنماط والرقابة الفردية والقوة البدنية والدفاع المستقر في وسط الملعب، وحينما يحصل على اللاعبين المناسبين يكون قد قطع شوطاً لا بأس به وهذا ما يجيده أيضاً عندما يتفق مع الأندية التي يقودها، أما حينما لا تأتي الظروف على النحو المرغوب فسيقال كغيره من المدربين، وهذا ما حدث له مع أريدزو وأتالانتا، كونتي مدرب المشاريع القصيرة المدى وليس كما يُعتقد.

Antonio Conte: Why I Left Cesc Fabregas Out Of Chelsea Win

“بصفتي مدرباً، أول ما فكرت به منذ اليوم الأول كان أنني أردت إيجاد حلول للاعبي فريقي عندما تصل الكرة إليهم، لأنني لم أستطع فعل ذلك (كلاعب).” -كونتي

“حظيت بمدربين كبيب [غوارديولا] الذي يقوم بالكثير من التمركز، لكن كانت لدينا حرية داخل هذا. أما مع كونتي، فالحرية غير موجودة، كان يخبرني أين يجب أن أمرر الكرة.” – سيسك فابريغاس

النظام أولاً

رفض كارلو أنتشيلوتي إبان تدريبه بارما فرصة التوقيع مع روبرتو باجّو، لم يُخفِ مدرب الريال ندمه في عدد من المقابلات لاحقاً. كان لدى أنتشيلوتي مبرراً وقتئذٍ، حيث كان متعلقاً بنظامه، بأسلوبه، فلم يكن باجّو مناسباً لأسلوبه، هنا تأتي مركزية المدرب، هو أولاً ثم اللاعبين. هل فعلاً هناك لاعبين لا يناسبون أساليب معينة؟ هل يبالغ المدربون بهذه الأحكام؟ ألا يمكن أن تكون هذه الأحكام اعتباطية في الأساس؟ هل يجب أن يتأقلم المدرب مع اللاعب أو العكس هو الحال كون اللاعب هو المركز في اللعبة وفي أي لعبة. يخسر الفريق والمدرب واللاعب أحياناً بسبب هذه الدوغمائية، بل أن ماركو جامباولو وصف نفسه بـ”الطالباني” الذي قد يغير الخطة أو مركزَ لاعب ولكن ليس مبادئه. جامباولو مدرب لامع، بين أوساط المدربين هو مدرب مرموق وذو مكانة، يحضر إلى تمارينه الكثير من المدربين الطامحين، يُدعى لإلقاء محاضرات في نقابات المدربين. المحلل والمدرب الميلانيستي إيمانويلي بوتّوني يصف جامباولو بأنه “أحد أكثر المدربين المرموقين من الناحية التكتيكية. يعلّم زملائه، مدربُ دُرِس من قبل جميع المدربين الإيطاليين لفترة”. لكن جامباولو -مثل زيمان- إما يصعد بك أو يخسف بك، تكون فرقه بطيئة في البداية بل بشعة ولكنها أشبه بالتحولات أو الاستحالات في البيولوجيا، metamorphosis، فلا يمكن أن تحدث عمليات التطور بين ليلة وضحاها، ناهيك عن تغيير السلوكيات والعادات -لدى اللاعبين- والتي هي عملية معقدة تنطوي على تغيرات نفسية ومعرفية.

في مقابلة مطلع 2020 استعاد برونو فيرنانديش ذكرياته مع جامباولو والتي لم تكن بالرائعة، معرباً أنه كان “لجامباولو طريقة غاية في التحديد، يجب أن يكون اللاعبون متناغمون بنسبة 100٪ على طريقته. في إيطاليا صانع الألعاب فقير إلى حدٍ ما: في خارج إيطاليا يلعب دائماً 90 دقيقة لأنه يعبر عن نفسه في المساحات، ومن الصعب أن يلعب مباراة مثالية بالكامل لأنه يجب أن يخاطر”. لم يقدم فيرنانديش ما كان مأمولاً منه في سامبدوريا ربما لأنه “في أسلوب جامباولو صانع الألعاب يتحرك بصورة أقل” كما وأنه أحس بالانعتاق في البرتغال إذ يضيف “لقد وجدت الحرية في سبورتنغ”.

“اليوم أصبح متحجراً نوعاً ما لمبادئ معينة. يفتقر إلى الجنون، فبالنسبة له كل شيء يجب أن يكون كاملاً. في هذا يشبه سارّي، لقد كان الأخير هو من يذهب لمشاهدة تدريبات ماركو، وليس العكس.” –جوفاني غاليوني

أنا كم نصحتك يا صديقي، لعل هذا لسان حال غاليوني… “ماركو، لقد أخبرتك بهذا عندما كنت في بداياتك وأكرر ذلك الآن: أطلق خيالك، وإن لم تخاطر تغدو قابلاً للتنبؤ”. فالتر ساباتيني هو الآخر يصف نقطة ضعف جامباولو الوحيدة -على حد قوله- المدير الرياضي كان مستعداً للتوقيع معه في روما، ولكن تشيزينا كان قد فاز به قبلاً، بعدئذٍ وقع اختيار روما على لويس إنريكي بناءً على تقارير من جامباولو كان قد طلبها منه ساباتيني. بالنسبة للمدير الرياضي يجب أن ” يتغلب ماركو -إذا أراد- على تلك المعيقات الصغيرة التي يعاني منها جميع المدربين تقريباً، نوع من الخوف دعنا نضع الأمر على هذا النحو… يريد دائماً أن يكون واثقاً جداً من المنتج الذي يقدمه ولكن في بعض الأحيان في كرة القدم هناك أيضاً الصدفة التي تؤثر على (ما يريد). لا يمكنك أن تطلب منه ذلك لأنه عالِم وبالتالي فإن كرته لا تتوقع الصدفوية. أنا متأكد وأنا شاهد على الصدفة، والتي تكون أحياناً رائعة وخيرة. بل في بعض الأحيان تفوز بالصدفة.”

إقصاء العشوائية والصدفة ليس من العلم في شيء، العلم الحديث الذي يتبنى التعقيد ولا يخجل من القصور ولا اللاكمال خضع وطأطأ رأسه للصدف وللامتوقع. ليس المقصود بالصدفة هنا أن “ننزل إلى الملعب وسنرى” وحسب، بالطبع من واجب المدرب النظر في التفاصيل، اختيار الأسلوب والعمل على المبادئ، لكن ليس بمقدورك إعطاء اللاعب كتيب حلول في لعبة ذات تدفق سريع، “عندما يحدث كذا قم بكذا”. أحداث المباراة بطلها اللاعب، ما تستطيع القيام به هو إرشاده، هو تعويده على سلوكيات وعادات معينة وليس إلى حد التنفير، باكيتا سئل عن الفرق بين جامباولو وبيولي وذكر بأن كثرة التفاصيل مع جامباولو مشوِّشة. لا شك تختلف استعدادات اللاعبين وثقافتهم، ففي إيمبولي أو سامبدوريا ستجد من يضحي ومن هو قابل للتعلم، في بعض الأحيان يظن اللاعب أنه ليس بحاجة للتعلم فهو في ميلان أو ريال مدريد، والمعيق هنا للمدرب هو الرفض، تلك الأماكن ربما أنسب للمدراء أكثر من الفنيين، أنسب لتناغم الفرديات من كلٍ أكبرَ من مجموع الأجزاء.

لا يعني -ما تقدم- بأي شكلٍ تقسيم المدربين إلى هذه الثنائية، قد يجمع مدرب ما بين الاثنتين، أو يرجح كفة الإدارة أو كفة اللعب، أو ربما حسب الموارد والمستوى. أسلوب الزعامة قد يفلح مع كونتي، يفلح مع شخصيته ومع استعداد النادي لتحمله، فيما سارّي الذي يدخن مع لاعبيه لا يهتم إلا بالملعب، جامباولو كذلك والذي يبدو بأنه لا يبني علاقة مع لاعبيه، فابيو كوالياريلا ذكر أنه لم يقابل جامباولو في مكتبه إلا مرتين طوال 3 سنوات، ولكن الفريق كان يؤدي جيداً وهذا الأهم، يتفق المدربون المذكورون في الأسلوب التدريبي ولكنهم يختلفون في إدارة الفريق، بالطبع يحبون أن يفرضوا أسلوباً معيناً وبتفاصيل معينة، تنجح أحياناً وتفشل أحياناً. ولكن تعاطي الإعلام أو الجمهور معها يتباين في معظم الأحيان، فقد تمجد أحداً وتذم آخراً رغم انتهاجهما ذات النهج، وهذا يعتمد على النتائج، إذا فاز الفريق فسيُضرب بالمدرب المثل في الصرامة، فيما سيُذم الآخر في تزمته الزائد…

“يخلق الزعيم (boss) الخوف، بينما يزرع القائد (leader) الثقة. يمد الزعيم أصابع اللوم بينما يصحح القائد الأخطاء. يعرف الزعيم كل شيء، فيما يطرح القائد الأسئلة. يجعل الزعيم العمل شاقاً، في حين يجعله القائد ممتعاً. الزعيم مهتم بنفسه، بينما يهتم القائد بالمجموعة”. – راسل إوينج

متى ما وضع المدرب أو القائد أهدافه الشخصية كأولوية فقد جعل الأمور تتمحور وتتمركز حوله -من حيث يدري أو لا يدري- عندئذٍ يصبح زعيماً وليس قائداً، يلقن ويأمر ولا يشرك لاعبيه في العملية، لديه قوالب جاهزة، اختزالي وحتمي. أياً كانت نتائجه أو جودة أداء فرقه، فللفوز ألف طريق. إن القاعدة في الطبيعة هي الفوضى، ولكن حلم الإنسان هو النظام كما يقول هينري آدامز، حلم المدرب هو النظام، وليس كل مدرب طبعاً، حينما نقوم بترتيب غرفة أو مكان فستحل فيه الفوضى مجدداً، هذا ما تخبرنا به الطبيعة الانتروبية في الحياة، هنا لا إشكال إذا كان المدرب -بين شد وجذب- يحاول دفع فريقه إلى النظام ولكن يجدر به أن يقبل الفوضى كحسنة وكمنطلق للتنظيم أيضاً، أي بحسب فالدانو “يجب أن يكون نقطة البداية فقط، إلا أن العديد من المدربين يبتعدون بالأمر ويتخذونها نقطة البداية والنهاية، أي أن كل شيء نظام”. يؤمن عالم الفيزيولوجيا العصبية الفنلندي ماتي بيرغستروم أن النظام الفاقد للفوضى لا يتطور، ثمة فوضى محمودة ينبغي حقنها لمحاكاة سلوكيات الانتظام الذاتي، أي استخدام عمليات احتمالية بدلاً من العمليات الحتمية الصارمة كما يعتقد فرادي.

“غالباً ما تولد الفوضى الحياة، فيما يولد النظام العادة.” هينري آدامز

المدرب المتمكن بالنسبة لأوسكار كانو مورينو هو من:

  • يجعل اللاعب بطل عملية التعليم، يعرف أن العقل يفكر “بالأفكار”؛ في المقابل يرى أن المدرب لا ينبغي أن ينشغل بالتلقين، فالعقل لا يفكر “بالمعلومات”؛
  • يقدر الإنسان ككائن تحويلي للسياقات؛ ولا ينبغي أن يتأقلم مع المدرب؛
  • يعترف بالشك كمصدر طبيعي للمعرفة؛ وليس عبر السبب والأثر، إذا قمت بكذا سيحدث كذا، كما أن المدرب الأقل وعياً اختزالي ويرعبه اللايقين؛
  • ينتشئ الأسلوب عندما تتلاقى قدرات اللاعبين، (أي بتفاعل اللاعبين)، وليس عبر المدرب وما يعرف أو عمّا يعتقد أنه يعرف.

يعجَب الناس بالنظام وبالترتيب والدقة والصرامة، يستحسن كثير منهم الجماعية المفرطة والامتثال للأعراف أو اللباس الموحد بوصفه يمثل التقاليد، يضيقون ذرعاً من الأذواق التي لا تعجبهم ولو قُدر لهم لوحدوا المأكل والموسيقي وما شئت أضِف. هذا ما طبق إلى حدٍ ما في أجزاء من العالم بداية القرن العشرين، ذلك التوحد المُشِلّ والامتثال المرغوب والأنظمة التعسفية والصرامة الماسخة سمة من سمات الشمولية، كالأنظمة الفاشية أو النازية. هنا نستطيع القول بأن النظام المفرط صورة من صور التخلف، من رفض الاختلاف والتنوع، من رفض الغموض واللايقين، ومن ادعاء العلم اللانهائي. أما الفوضى المفرطة فهي الأناركية، التفكك، العماه، والعدمية. اللعبة كما العالم، لا سبيل للانبثاق والتخلق والحياة إلا أن يتعايش النظام مع الفوضى، نريد تنظيماً يحمي اللاعبين وهو “الجزء العلمي” الذي ينطوي على التخطيط والتعليم والدقة والتحليل، ونريد إبداعاً وخلقاً يأتي بالجديد “الجزء التلقائي” الذي ينطوي على اللامتوقع وتفاعل اللاعبين مع اللعب، هذا بحسب فلسفة فرادي،  إننا نريد رزانة ونريد جنوناً، الجماعية تفيد الفرد شرط ألا تقيده، والفردانية تفيد الجماعة شرط عدم الحياد عنها، المدرب يتأقلم مع اللاعب واللاعب يتنازل للمدرب لما فيه مصلحة للجماعة، كما اليين واليانغ هذه تكتمل بتلك.

فوضى…!

كاوس أو في الإغريقية القديمة Χάος هو اسم الآلهة الأولى في الميثولوجيا الإغريقية حيث تعبر عن الفراغ أو الهوة أو الظلام الدامس الذي سبق نشأة الكون حيث اللامكان واللاشيء. هذا أصل الكلمة إيتمولوجياً، أما علمياً فقد اندلعت شرارتها الأولى على إثر ما يعرف بمسألة الأجسام الثلاثة والتي استعصت على الحل حتى على أكثر الرياضيين فذاذة، إلى أن أوجد بوانكاريه الحل: لا يبدو أن ثمة حل لهذه المشكلة. اكتشف الرياضي الفرنسي أن هنالك حساسية مفرطة للحالة الأولية أو الابتدائية لنظامٍ ما، عرفت لاحقاً بتأثير الفراشة، وهي أن أي تغير -مهما كان صغيراً- سيحدث عواقب هائلة وغير متوقعة. فتأثير الفراشة تعبير مجازي للمصطلح العلمي “الاعتماد الحساس على للظروف البدئية” أو “Sensitive dependence on initial conditions”. ظهر تعبير تأثير الفراشة بإحدى محاضرات عالم الأرصاد الجوية إدوارد لورنز كعنوان بديل في سبعينيات القرن الماضي، حينئذٍ تأخر لورنز في إرسال العنوان فوضع أحد المنظمين العنوان كالتالي: “قابلية التنبؤ: هل تُحدث رفرفة أجنحة فراشة في البرازيل إعصاراً في تكساس؟”. [1] ارتقت الفوضى لصفة العلمية إثر خطأ حسابي كان يعتقد لورنز بأنه هامشي، أراد الأخير تكرار محاكاة قام بها فعلاً لأنماط الطقس غير أنه قام بتقريب متغير واحد فقط رغبةً في الاختصار ما أدى إلى نتائج مغايرة كلياً، إذ أزال آخر ثلاثة أرقام -من ستة أرقام- بعد الفاصلة والذي أفضى بالحاسوب إظهار نتائج مختلفة تماماً.

Scientists Say They've Found a Way to Solve The 'Oldest Open Question in  Astrophysics'
مسألة الأجسام الثلاثة: تمكن نيوتن من وصف حركة الأرض حول الشمس، فالحركة بين جسمين يجذب أحدهما الآخر وبنقطة جذب واحدة أبسط في التنبؤ بحركتهما -بالنسبة لبعضهما- في الحاضر والماضي والمستقبل. ولكن عندما نضيف جسماً ثالثاً فسيصبح التوقع مستحيلاً وفقاً لبوانكاريه، ولكن ضمن ظروف معينة قد يكون ذلك ممكناً كما سيوضح فابيو باكوتشي بقوله: “إذا بلغ جسمٌ واحد -في مجموعة من ثلاثة أجرام- من الخفة بحيث لا يطبق أي قوة كبيرة على الجسمين الآخرين، فإن النظام يتصرف كنظام ثنائي الجرم بصورة تقريبية للغاية”. أي أننا بهذه الحالة نستطيع التنبؤ بحركة تلك الأجسام. ولكن لماذا يتعسر التنبؤ بحركة الأجسام الثلاثة في الحالة الاعتيادية؟ يجيب باكوتشي بأن “هنالك ببساطة الكثير من المتغيرات في نظام المعادلات هذا التي يجب فرزها ووضعها في حل شامل. ولكن كيف سيبدو الأمر بالنسبة للأجرام في كوننا حين تسير وفقاً لمعادلات حركة غير قابلة للحل تحليلياً؟ نظام من ثلاثة نجوم، مثل نظام رجل القنطور. يمكن أن تصطدم أجرامه ببعضها البعض أو على الأرجح قد يُقذف ببعضها من المدار بعد مدة طويلة من الاستقرار الظاهري. بخلاف عدد قليل من التكوينات المستقرة غير المحتملة للغاية، تقريباً كل حالة ممكنة لا يمكن التنبؤ بها على نطاقات زمنية طويلة. لكل منها عدد ضخم من النتائج المحتملة، تعتمد على أصغر الاختلافات في الموضع والسرعة. يُعرف هذا السلوك بالفوضى من قبل علماء الفيزياء، وهي خاصية مهمة لأنظمة الأجسام ن.” يضيف الباحث في الفيزياء الفلكية أن “مثل هذا النظام لا يزال حتمياً، مما يعني أنه لا يوجد شيء عشوائي فيه. إذا انطلقت أنظمة متعددة من نفس الشروط بالضبط، ستصل دائماً إلى نفس النتيجة. لكن عند وضع تعديل طفيف في البداية، فسيصعب التكهن بالنتيجة.” [3]

لا تقتصر الفوضى على كوكبنا بل تصل إلى مستويات كونية، هب أن كوكباً -عطارد مثلاً- تغير موقعه بأقل من مليمتر واحد فقط فالنتيجة قد تكون مرعبة، قد يصطدم بالزهرة أو يهوى نحو الشمس بحسب تجربة لاسكار وغوستينو. [2] قام الأخيران بإبقاء الظروف الأولية كما هي ما عدا تعديل موقع عطارد تعديلاً طفيفاً، هذا التغير سيؤثر على النظام الشمسي بأكمله على المدى غير المنظور والبعيد جداً بالنسبة لنا، هذه التجربة من بين تجارب عديدة تثبت بأننا نعيش بكون فوضوي غير مستقر. شكلت نظرية الفوضى بلبلة في المجتمع العلمي إذ ساد الاعتقاد من أيام غاليليو وصولاً لنيوتن أن الكون لا يحمل غموضاً ولا فوضىً ولا شواشاً، فبالفيزياء الكلاسيكية وقوانينها بإمكاننا معرفة المستقبل والتنبؤ به بتمعن الماضي وحالته الراهنة كسلسلة سببية حتمية. أما وصفنا له بالفوضوي فهو عائد لجهل فادح… يقول الحتميون. تعتبر فيزياء نيوتن عندئذٍ “حتمية” تتصور الكون كآلة خاضعة لتسلسل منطقي سببي بعيد عن الصدفوية والعشوائية والشواش. طور بيير لابلاس مفهوم الحتمية العلمية لاحقاً استناداً على نيوتن وكان شيطانه “شيطان لابلاس” يعبر مجازاً عن قدرة المرء على معرفة مستقبل الكون بناءً على حالته الراهنة وفقاً لقوانين الميكانيكا الكلاسيكية النيوتونية، يقول لابلاس:

“ربما ننظر إلى الحالة الراهنة للكون باعتبارها نتاجاً لماضيه وسبباً في مستقبله. إذا كانت هناك قوة ألمعية تستطيع في لحظة معينة معرفة جميع القوى التي تحرك الطبيعة، وجميع مواضع الأشياء التي تتألف منها الطبيعة، فضلاً عن كون هذه القوة كبيرة بما يكفي لإخضاع هذه البيانات للتحليل، فسوف تتمكن من جمع كافة حركات الأجساد الكبرى في الكون، وحركات أصغر الذرات في معادلة واحدة. وبالنسبة إلى هذه القوة، لن يكون ثمة شيء غير مؤكد، وسيكون المستقبل تماماً مثل الماضي ماثلاً أمامها.”

بهذه الكلمات لا ترى هذه الرؤية إلا نظاماً order وتتعامل مع اللانظام أو الفوضى disorder على أنه نقص وعجز عن كشف النظام المضمر الخفي، رافضة الغموض واللايقين والشواش والاضطراب والثالث المشمول ومقولات ميكانيكا الكم وما يحيط بعالمنا الظاهري والمجهري. ورغم تخطي ميكانيكا الكم للفيزياء الكلاسيكية وانبلاج علم حديث بباراديم حديث، إلا أنه لا انفكاك من الحتمية والسببية الخطية أو العلم الكلاسيكي الذي يعرفه إدغار موران بأنه “ذلك العلم الذي يؤسس المبدأ الذي يقوم عليه التفسير على النظام والتبسيط”.

Referee Alain Hamer tosses the coin. Arsenal 1 (Print #1350026)

هناك ثلاثة نظريات تحاول تفسير كوننا، تبعاً لتحولات باراديمية (نماذجية) على المستويين العلمي والفلسفي، فيزيائياً هناك المكيانيكا الكلاسيكية (تتضمن نسبية آينشتاين) وهناك ميكانيكا الكم، إضافة للفوضى. أما الكلاسيكية فكما علمنا هي حتمية صرفة أين يسير نظام ما بشكل معين وفقاً للماضي وبناءً على الحاضر، أما ميكانيكا الكم فتعتقد بالاحتمالية ولكنها تنقسم لتفسيرين أحدهما أنها احتمالية حتمية أي لا زالت تستظل بالقوانين الحتمية ووجود نظام خفي. كمثال بسيط حينما يرمي الحكم القطعة النقدية مجرياً القرعة بين الفريقين لضربة البداية أو لاختيار الملعب هناك احتمال 50% كي تجيء القرعة من صالحك بيد أن النتيجة بحسب هذا التفسير لن تكون صدفة، فإذا أعدنا إجراء القرعة بنفس الشروط الأولية أي بحساب كل العوامل بدءاً من وضع الحكم العملة بيده وسرعة وموضع القذف وحتى سرعة الرياح وثبات يديه وأقصى ارتفاع للمقذوف إضافة لعشرات العوامل الأخرى التي نستطيع أو لا نستطيع إحصائها ستتكرر نتيجة القرعة مرة أخرى! أما التفسير الآخر وهو السائد في ميكانيكا الكم هو تفسير كوبنهاغن، وهو قائم على الاحتمال ولا تنفي أن ثمة حوادث عشوائية محضة على المستوى المجهري. أما نظرية الفوضى فهي حتمية حيث تقول -وبرغم ظاهرية شواشية الكون- إلا أنه ينطوي على أنماط متكررة وترتيب خفي وحلقات تغذية راجعة وترابطية وانتظام ذاتي وتكرار وتشابه ذاتي (فركتال)، فالفوضى تشابه الحتمية الاحتمالية. إذاً فنظرية الفوضى في الميكانيكا والرياضيات -كتعريف- معنية بدراسة السلوك العشوائي الظاهر أو غير المتوقع في الأنظمة التي تحكمها قوانين حتمية. والمصطلح الأكثر دقة هو “الفوضى الحتمية” رغم ما يحمله من تناقض.

لا يَجُبّ البارادايم الجديد ما قبله كلياً، فالعديد من الأنظمة البسيطة التي لا تتضمن عوامل عشوائية هي حتمية (الميكانيكا الكلاسيكية)، البندول أحادي الطرف مثلاً، وبقي كذلك حتى مع الثورات العلمية، يتبع البندول البسيط أحادي الطرف حركة دورية خطية وليس حساساً للشروط الأولية ويمكن توقع تطور حركته، بينما يستحيل التنبؤ بحركة البندول المزدوج عندما تختلف حالته الأولية، ولكن نظرياً -ونظرياً فقط- يمكن حسابه إذا استطعنا معرفة حالته أو ظروفه الأولية بالضبط كشيطان لابلاس وهذا ممتنع عَمَلياً، ورغم ذلك سيبقى البندول المزدوج حتمياً رغم فوضويته، بالضبط كالقرعة بالعملة أو حتى رمي النرد.

لنقتحم المايكروكوزم أو العالم الصغروي الخاص بنا، عالم كرة القدم، إذا كان عبثياً توقع نتيجة إجراء القرعة بالعملة ذات الوجهين، ذات الاحتمالين، أو فضاء العينة الذي يساوي { 1 ، 2 }، فما هو التوصيف المناسب لتوقع مآل هجمة ما في المباراة. مثلاً؛ كرة بين قدمي اللاعب “س” كاشفٌ للملعب ودون ضغط، تنطوي حالته الراهنة على: وضعية جسده، موضع الكرة عن قدمه، موقع المنافس، موقعه هو، خيارات التمرير، ما الذي رآه قبلاً ويراه الآن، تواصله (خارجي)، حالته النفسية (داخلي)، نتيجة المباراة، أرضية الملعب…الخ. نتحدث عن حالة ضمن نطاق ثوانٍ، نَقَل اللاعب “س” الكرة للجهة المقابل للاعب منطلق “ص”، هذا المنطلق لديه حالة مختلفة، سيستقبل كرة عالية ينظر إليها وهي قادمة، ومضافاً لتعامله مع جسم خارجي (الكرة) هو يحاول ضبط جسمه، سرعته وتباطؤه، دون ذكر المنافس وموقع المرمى، بهذا الكم من المتغيرات والاحتمالات ناهيك عن القدرات الفردية نعلم أننا أمام لعبة بعيدة عن الميكانيكية، أوَهل بإمكاننا إحصاء كل العوامل المذكورة لنتوقع الحدث السابق؟ لن نذكر عوامل الديناميكا الهوائية للكرة المُحلقة وعوامل فيزيائية أخرى، أجل، كرة القدم بهذا التعقيد، وهذا التعقيد كامن وطبيعي لم يفتعله أحد. إننا نتحدث عن حدث واحد، عن جزء من هجمة واحدة، ما بالك بهجمة كاملة، يضطلع بها تحركات 22 لاعباً، 3 حكام، حالات الأشخاص الداخلية والخارجية التي تتطور مع كل ثانية باستقبال معلومات جديدة وتتعرض لأحداث صدفوية أو انحجاب الرؤية أحياناً، إذا ما وضعنا كل ما سبق في الحسبان كيف يمكننا توقع نتيجة مباراة ما أصلاً؟ في كرة القدم كذب المتوقعون ولو صدقوا، نعم هناك احتمال أكبر لفوز ريال مدريد على مايوركا مثلاً، لكن توقع النتيجة وعدد الأهداف والمسجلين مثير للشفقة وما هو إلا محض تخريص وضرب من الدجل وليس موضوعنا في الواقع.

playlist من أهداف عشوائية.

هذه اللقطات غيض من فيض، في الحقيقة هذه الحوادث تتسبب بشكل مباشر بهدف أو تمريرة أخيرة، لكن خليقٌ بنا ألا ننسى أن حدثاً في وسط الملعب قد يؤدي لتحول دراماتيكي للهجمة، وهذه طبيعة اللعبة، مضطربة، وحساسة جداً لأي طارئ، خطأ في التحكم بالكرة، في سرعة التمريرة، في انعزال حامل الكرة حيث لا يملك حلولاً ليصرّف الكرة، أو لخطأ في التفاهم والتواصل أو قراءة خاطئة للعب…الخ. لا حصر للاحتمالات كما ذكرنا في مثال اللاعب “س” والذي افترضنا بأنه مرتاح بكرته. يخضع اللاعبون لعمليات معرفية/إدراكية طوال الوقت، وهم عندئذٍ يتخذون قرارات أينما كانوا وكل قرار قد يؤثر على مسار اللعبة، وبذلك لا يتعلق الأمر فقط بحامل الكرة أو اللاعبون القريبون منها. قد تؤثر وضعية جسد لاعبٍ بعيد عن الكرة، أو بحركة خاطئة، أو تقدمه أو تأخره سنتيمترات -كظرف ابتدائي- لحرف هجمة محتضرة إلى هدف محقق، أو على العكس قد يجتث هجمة من مهدها كانت خطراً محدقاً لو تخطته الكرة.

تنبعث أسئلة أمام هذه الأهداف وخصوصاً في مستوىً كهذا، لكنها تخبرنا يقيناً أن كرة القدم لا يقينية. ثمة حدث فوضوي حاسم في اللعبة، تصرف لاعبي ريال مدريد؛ خروج كاسياس للامساك بالكرة داخل المنطقة كما يبدو، إلا أن الكرة فقدت سرعتها بسبب الاحتكاك، روبرتو كارلوس -وعلاوةً على اتكاليته- فقدْ فقدَ الرؤية لإيتو منذ أن خرجت الكرة من أقدام رونالدينيو، ربما لفرط الثقة أو لاعتقاده أن إيتو سيستسلم! هذا الهدف نتج عن خطأ في التفاهم والتواصل. إن ما حدث لا بد وأن يحدث وفقاً للظروف الأولية، هذا ما يقال في الحتمية والفيزياء الكلاسيكية. وهذا يتحقق رياضياً، أي نظرياً فقط في الحقيقة في نظرية الفوضى، تماماً كالسفر عبر الزمن أو فرضية الأكوان المتعددة في الفيزياء. من ناحية احتمالية يصعب أن نقول بأن هذا سيحدث حتماً، بل إن ما حدث كان احتمالاً من بين احتمالات، لا نتحدث فقط من نواحي تكتيكية/فنية بل من نواحي نفسية وذهنية كذلك، نحن أمام نسيج معقد قد يُحيّد قراراتنا. أمّا احتمالياً -في هدف إيتو- قد يشتت روبرتو كارلوس الكرة، أو قد يعيدها لكاسياس الذي سيقف بموقع أنسب، أو يعترض إيتو …الخ بصرف النظر عن الحالة الأولية. هنا قد تعترضنا مسألة الإرادة الحرة، بوصفها أيضاً حتمية، أي أن اللاعب مسير وقراره مقرر مسبقاً لعوامل تربوية وبيئية وجينية ونفسية، وليس المجال هنا للخوض في ذلك.

هذه الفوضوية والعشوائية لا تنتقص من كرة القدم، بل تجعلها متجددة وحية، كل مباراة هي حدث جديد خبيءٌ بأحداث جديدة، الفوضى تفضي إلى اللامتوقع وإلى الإبداع، لو كان كل شيء متوقعاً لما لعبنا أو حضرنا المباريات. لا تقلق شواشية اللعبة ولاخطيتها إلا صاحب التفكير الخطي الميكانيكي، بل أعزو -شخصياً- انخفاض جمالية اللعبة إلى المدربين الذين يكدحون دفع اللعبة إلى هوة الرتابة حيث يكبلون اللاعبين ويطالبوهم الاصطفاف والقيام بلا شيء حيث لا فشل، ولكنه تناسى أنه أيضاً لن ينجح ولن يأتي بالمفيد ما لم يخاطر ويكسر الرتابة ولن يمتلك إلى تسول هبات الخصم والركلات الثابتة وحوادث اللعبة العشوائية التي ينتفع منها للمفارقة. هذا هو التنظيم المرغوب، فريق يصطف بخطوط سيمترية مميزة ولكنه متخشب، يكافح سهم الزمن، يكافح الطبيعة الإنتروبية، فبدون أن يقصي الشواش أو ينظفه -باعتباره وسخاً بالنسبة له- سيهيم حائراً، وسيتكدر صفوه، في لعبة صفوها متكدر مضطرب. حينما لا تكون الكرة بحوزته يتفرج، يوجه اللاعبين بأن يقفوا ولا يخاطروا بفوضى منظمة، ربما لعدم معرفة بالضغط وأصوله أو ضبط المكائد والمصائد، بالتالي سيفضل القيام بلا شيء.

“إننا نجد أنفسنا في عالم حيث تنطبق العكوسية والحتمية على حالات بسيطة متناهية فقط، بينما اللاعكوسية والعشوائية هما القاعدة.” -إيليا بريغوجين وإيزابيل ستنجر [4]

مثّل سهم الزمن والانتروبيا أول لكمة للحتمية التي تعمم العكوسية، قبل حتى الاعتماد الحساس للظروف البدئية، يعتبر دوران الكواكب، أو دوران عقارب الساعة مثلاً نظامان عكوسيان حيث يمضيان بترتيب سببي خطي، فالماضي يتكرر باستمرار. أما القانون الثاني للديناميكا الحرارية، أي الانتروبيا فتفترض أن الكون يسير نحو الفوضى، فلا يمكن إعادة لمّ أجزاء كأس زجاجي مكسور، أو عكس عملية صنع شاي بحيث نعيده إلى ماء فقط قبل إضافة أوراق الشاي، إن انتشار جزيئات الشاي -أي إنتروبية الشاي- هو فوضى وليس تنظيم وبذلك يتشكل النظام من الفوضى! كأس الشاي نظام معزول تزداد فيه الانتروبية ولاتنخفض، فيما تعتبر كرة القدم نظام غير معزول، وعليه يمكن أن تنخفض إنتروبيته عبر الانتظام الذاتي أو التنظيم المتعمد. كرة القدم تتموج بين النظام واللانظام، يحاول المدرب أن يؤسس نظاماً وهذا لب دوره. هنا يخبرنا محامو التحقيب التكتيكي أن المدرب حينما يستلم الفريق يكون الفريق دون نظام وبفوضى مجردة وهو -بالتدريبات والتعليمات- يجعل الفريق يلعب بفوضى حتمية، أي أن ثمة انتظامات وأنماط وترتيب خفي، يكون هذا الترتيب أو التنظيم على شكل سلوكيات الفرد وانتظامه الذاتي مراهنين ليس فقط على الأسلوب بل وعلى ذكاء اللاعب وإبداعه، وهذا ضروري للغاية فالمدرب لا يعرف بدقة ما الذي سيحدث، فاللايقين سمة أساسية في كرة القدم بوصفها نظاماً فوضوياً وبالتالي تتطلب تصرفاً فورياً من اللاعب. برأيي، تكمن القوة في التعامل مع الفوضى، أو باستخدام الفوضى حتى، مثلاً الضغط المضاد لهيلموت غروس ورانغنيك، مبني على الركض نحو الكرة بفوضوية ولكن ليس بعشوائية، أي أنها فوضى منظمة، أي أن كل لاعب يضغط مؤمّناً ظهره وقاطعاً مسار التمريرات وعلى دراية بما يجري خلفه وأمامه. وفيما يبدو اللاعبون بحالة هلع يتقاذفون بكل اتجاه، تُفهم الإنتروبيا على أنها مقياس لدرجة الحرية، وفي حالة الضغط المضاد أو التحركات في الثلث الأخير عند شن الهجمات، هو نظام يتشكل من فوضى، ويراد به خلق عشوائية لدى الخصم.

إذا حوت اللعبة عنصر العشوائية -أي الفوضى المجردة- فيجب أن يتدرب عليها اللاعبون، إذ أن التمارين التي تتضمن العشوائية واللاتنبؤية هي التي تهيأ اللاعب للتعامل مع اللامتوقع في المباراة، فلا يجب التعويل على التدريبات النمطية التحليلية كثيراً، فكل حالة يواجهها اللاعب حالة جديدة وليس لها حل مسبق، هذه هي النقطة الحرجة التي تفصل بين الفريق الـمُدرَب جيداً والفريق المُميكن والمبرمج كثلة روبوتات. فالتعامل مع اللامتوقع واللامتنبأ به ينطوي على الإبداع وسرعة البديهة، وهذا لن يحدث في ظل أوامر ونواهي على طول الخط. بالنسبة لبوردوناو وفيّـانويفا “…ينبغي أن تكون العشوائية واللاتنبؤية حاضرة عند تصميم التمارين. […] إذا كانت اللعبة لاخطية (تحوي المجهول) فالتمارين -وإن بأقل تعقيد- يجب أن تكون لاخطية كذلك وتمنع أي علاقات سببية مباشرة”. وفقاً لمورينيو “لا يمكن أن يكون التمرين آلية ميكانيكية مغلقة. يجب أن تحتوي، على قدر أكبر أو أقل من التعقيد، على درجة من العشوائية، من الصدفوية، من اللامتوقع…، ما هو أهم هو عقول اللاعبين، أن يعرفوا الغاية ممّا يفعلونه وألا يفقدوا نمط الاتصال مع الكل أبداً.”

Dani Olmo im Interview: In der Bundesliga lässt man dich nicht atmen -  Sport - SZ.de

“نستطيع اللعب في كل مباراة بخطة مختلفة، غير أننا في النهاية نلعب بنظامٍ ضمن اللانظام. نحن أحرار إذا ما أردنا تبادل المراكز، أو ترك مواقعنا، أو إيجاد المساحات الخالية وشغلها، ولكن دوماً ببعض الأتمتة التي يجب استيفائها. مثلاً، إذا قام المهاجم بحركة ما، يجب أن يقوم صانع الألعاب بحركة -بالمقابل- كردة فعل. هذا يعتمد على المركز الذي تتخذه. ولهذا السبب نمتلك لاعبين متعددي الاستخدامات، … إننا نتبادل المراكز كثيراً ضمن نظام.” –داني أولمو متحدثاً عن أسلوب ناغلزمان

سيُبنى على هذا المقال مقالات متصلة، ولهذا بدأ المقال بمقدمة طويلة عن الفوضى عموماً وهي تنطبق على العديد من الميادين؛ إن كانت العلمية أو دون ذلك سواءً في الاقتصاد أو السياسة، تفشي الأوبئة، وإلى كرة القدم. كرة القدم فوضوية chaotic ولكنها أيضاً عشوائية random وتتمتع باللانظام disorder، كرة القدم في الواقع نظام معقد -يتخطى الفوضى- وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً. برأيي المتواضع يمكننا بناء توقعاتنا على الاحتمال، كمدربين، كممارسين، كمحللين أو كمشجعين، في توقع النتيجة، في اللعب، في التدريب، كرة القدم ليس مكاناً يكون فيه أ سبباً لـ ب، لعبتنا ليست ميكانيكية وليست نظاماً مغلقاً حتمياً خطياً، بل حي ومفتوح فوضوي و”معقد” في المقام الأول… بمقتطع من كتاب ليونارد سميث “مقدمة قصيرة جداً: نظرية الفوضى” نختم هذا المقال، كونوا بخير.

“أجبرتنا دراسة الديناميكيات الفوضوية على القبول بأن بعض غاياتنا غير قابلة للتحقيق في ظل الخواص المزعجة للنظم اللاخطية. وبالنظر إلى أن أفضل نماذجنا عن العالم لا خطية – نماذج الطقس، والاقتصاد، والأوبئة، والدماغ، ودائرة مور-شبيجل الكهربائية، بل وحتى النظام المناخي في الأرض – يترتب على هذا الاستبصار نتائج تتجاوز العلم، تصل إلى دعم عملية اتخاذ القرار وصناعة السياسات. مثالیاً، ستسهم الاستبصارات المستقاة من الفوضى والديناميكيات اللاخطية في مساعدة واضع النماذج المناخية، وهو الذي يشعر بالثقة في تفسير حدود معرفتنا الحالية، عند توجيه سؤال إليه يعرف عدم منطقيته، ويقدم المعلومات المتوافرة، حتى إذا كانت أوجه القصور في النموذج تشير ضمناً إلى عدم وجود توقع احتمالي مرتبط بالسياسات، ساعد الفهم الأفضل للعمليات الطبيعية الكامنة متخذي القرار لعقود طويلة ولا يزال يساعدهم. تتخذ جميع القرارات الصعبة في ظل عدم اليقين، وقد ساعدنا فهم الفوضى على تقديم دعم أفضل في عملية اتخاذ القرار.” [5]

1: ورقة لورنز: https://static.gymportalen.dk/sites/lru.dk/files/lru/132_kap6_lorenz_artikel_the_butterfly_effect.pdf.

2: تجربة لاسكار وغوستينو، https://www.nature.com/articles/nature08096.

3: https://www.ted.com/talks/fabio_pacucci_newton_s_three_body_problem_explained/transcript?language=ar#t-128131

4: نظام ينتج عن شواش، بريغوجين وستينغر. ص41.

5: مقدمة قصيرة جداً: نظرية الفوضى، ليونارد سميث. ص172.

انظر أيضاً: نظرية الفوضى : علم اللامتوقع، جيمس غليك.

التحقيب التكتيكي، وفقا لفرادي ومورينيو. (كتاب الكتروني).

أسعد بنشر كتابي الذي أسميته بالإسم أعلاه، كنت قد أعددت كتاباً قبل قرابة السنة من الآن حول الفئات السنية والتعلم الضمني، عالجت قضايا مختلفة سواء تعليمياً أو تربوياً، وبينت تعقيد اللعبة عملياً ومعرفياً/ابستمولوجياً، انتقدت التركيز المُسف على العنصر الفني (تكنيك)، المدرب الذاتي التمركز وإلى غير ذلك. في هذا الكتاب سأتحدث عن الجزء البدني المزعوم الأهمية والمتوهم انفصاله. هي امتداد للاختزالية، فمن يختزل التكنيك سيختزل البعد البدني، فهناك مدرب تكنيك، كذا مدرب “لياقة” أو حتى مدرب ذهني، كل ٌ وضع تخصصه مركز العملية، في التحقيب التكتيكي، اللعب، التكتيك هو المركز، من حيث أن التكتيك هو الهدف من كل حركة وتكنيك ومجهود، بل يتخطى الأمر ذلك، كما سنرى… قراءة ممتعة.

كرة القدم لعبة، لا علم…

بقي هذا المقال في الدرج لكثرة الاستطرادات -رغم أهميتها- فأنا أعتقد بالعبرمناهجية، حالة المقال لن تختلف كثيراً عمّا كانت عليه في الدرج ولذا آثرت نشره ولتستبيحوني عذراً. كما أضفت قطعة مترجمة لجوليو غارغانتا بعد المقال.

تمر على مسامعنا عبارة “كرة القدم أصبحت علم”، وخصوصاً بعد إطلاق تقنية معينة، أو نموذج احصائي، أو شخمطات مدرب لن يفهمها هو نفسه. وطالما نعيش في عالم الكلام العام والمرسل فليس من تعريف محدد حول كنهها، ليس لأنها تفتقد لذلك، وإنما لأن هناك لبساً وتشويشاً حول كلمة “علم”. في الوقت الحاضر لا تتضاد كلمة العلم مع الجهل وحسب، خصوصاً في الأوساط العلمية وفي فلسفة العلم، العلم هو ما يعرف بالإنجليزية بـscience، وجدير بالإشارة أنني هنا لا أطلب احتكار المصطلح ضمن هذا النطاق، فبلغتنا العامة نفهم كلمة علم ضمن السياق، وتأتي بعدد من المعاني، كأن يكون ضد الجهل بمعلومة أو خبر أو مجالٍ ما، هذا دون ترادفها مع كلمة المعرفة. لكن إطلاق هذه الكلمة يشوبها خطر إذا كان القصد إعلاء مرتبة مجال ما، أو إيرادها عشوائياً في أي طرح فكري، فيصدّر لنا بعضهم كلامه أو مكتوبه كعلم دون معرفة بماهيته. فما هو العلم كمنهج محدد ومناط بالعالم الطبيعي؟

العلم هو منهج يحاول تقصي وتتبع وتفسير الظواهر الطبيعية وبناء الفرضيات بغية التوصل لنظرياتٍ مبنية على الأدلة التجريبية، هذا مع خضوعها للاختبار وقابلية التخطئة. يتبع المنهج العلمي خطوات معينة، بدءاً بالمشاهدة والرصد أو التكهن ثم وضع الفرضية ومن ثم التجربة والاختبار وقابلية تكرار الاختبار. يكتسب أي شيء صفة العلمية عندما تكون الفرضية أو الموضوع أو الادعاء قابلاً للتخطئة والتفنيد، مُعرّضاً عواصف الأسئلة النقدية الحادة دون شفقة، هذا مع بقاءه موقوفاً ولا يقينياً وفقاً لتطور البيانات والمعلومات التي ما تلبث تستجد.

وبينما يُعتبر الأحياء حقلاً علمياً بحتاً، فكرة القدم ليست كذلك، لكن عند تقديمنا أي ادعاء فإننا نحاول إثباته بالمنهج العلمي، فإذا ادعى أحدهم -شريطة أن يكون متخصصاً- أن تمرين الروندو يطور اللياقة أو يزيد من عدد اللمسات لكل لاعب، فسيقوم تجريبياً بالتحقق من هذه الفرضية، وإن كانت أمراً واضحاً بالبداهة، يقوم المتخصص -على سبيل المثال- بالتجربة عبر عدد من اللاعبين لفترة معينة (أسابيع مثلاً) بمقابل لاعبين يقومون بالتدريب بطرقٍ تقليدية، يضع المتخصص الطريقة المستخدمة method ومن ثم يضع التحليل للبيانات المسجلة وأخيراً استنتاجاته conclusion. ينال البحث الحقيقي القبول في المجتمع العلمي عبر مراجعة الزملاء المؤهلين قبل النشر. بذلك علمنا أن المنهج العلمي طُبق لتأكيد أو تفنيد فرضية ذات صلة بكرة القدم، وهذا على سبيل التبسيط فالأبحاث لا تنقطع وتتضمن بروتوكولات معينة ومعطيات مختلفة لاستقصاء فرضية كالتي ذكرناها، مدعمةً بالنهاية بالأدلة، كمعدل ضربات القلب أو مستوى حمض اللاكتيك، معدل المسافات المقطوعة باختلاف السرعات وما شابه، بالطبع مقارنة بالعينة الأخرى.

ولكن ما الذي يمكن إخضاعه للتجربة في كرة القدم تكتيكياً وفنياً؟ فادعاءات من قبيل: 4-3-3 أفضل من 3-4-3، أو هل أن دفاع المنطقة أفضل من المراقبة رجل لرجل، أم هل أن كانتي أفضل من جورجينيو أمام المدافعين، لا يمكن إثباتها أو نفيها هنا، فتبقى ادعاءات وقناعات شخصية ذاتية حتى لو دُعمت بالاحصائيات، لأننا قد نجد أن عينات الدراسة أو معاييرها محوّرة لتجيء على ما يرغبه البعض أو أن يتغافل البعض عن بعض العوامل أو المعايير وبالتالي تفتقد للموضوعية والمصداقية. يبدو أننا استنتجنا الصعوبة البالغة في ذلك، لكل مجال أو لعبة، أو فن، جانب موضوعي متفق عليه ولكنه لا يغدو بذلك علماً بالمعنى الصريح، لا يخضع كل شيء للمنهج العلمي وللتجربة، المنهج العلمي هو طريق من بين الطرق للمعرفة.

موضوعي؟ ماذا تعني هذه الكلمة؟

تتردد على آذاننا عبارة “العلم موضوعي”، موضوعي تعني النظر إلى الواقع كما هو، ويفترض أن يكون مستقلاً عن إرادتنا وخلفياتنا الثقافية، أي أنه لا يخضع للآراء ولا الأهواء ولا الرغبات أو التصورات الذاتية. أما الذاتية فبخلاف الموضوعية، يكوّن الشخص انطباعاته بناءً على الفكر وبناءً على شعوره أو اعتقاداته وميوله. مثلاً سقوط الأجسام سببه الجاذبية هذه حقيقة موضوعية، أما اعتقادك بأن غوارديولا أفضل مدرب في العالم هذا رأي، الأولى لا يماري فيها إلا جاهل ينظر لظاهرة الجاذبية المُتحقِقة واقعاً بتفسيرات واهية ذاتية وبدون الأدوات اللازمة، كانت فكرية أو تقنية، أما الثانية فهي رأي أو تفضيل شخصي ذاتي لا يمكننا جعله حقيقة موضوعية. ولكن قد تتدخل العاطفة في تفضيل اللاعب أو المدرب هذا أو ذاك فيكون معيار الأفضلية قائم على الانتماء أو حتى القبول الشكلي وتأثير الهالة، أنا أشجع ريال مدريد إذاً أفضل لاعب هو لاعب الريال وأفضل مدرب هو مدرب الريال وأفضل مدلك هو مدلك الريال… الخ. كذا ولن أقول بأن غوارديولا أفضل مدرب أو حتى مدرب مميز لأن التعصب أعماني، ولذلك تبدو الموضوعية تتويجاً فكرياً للمرء بعد القراءة والبحث وبعد جهدٌ مضنٍ في مصارعة النفس. بالطبع لا يجدر بنا التسليم بهذه الثنائيات، بيد أنه لا شك أن هناك رؤية ذاتية للأمور وهناك رؤية موضوعية، لكننا جميعاً نتأرجح بين الأولى والثانية، وحدها الآلة ستعمل بموضوعية ووفقاً للنظام المغروس فيها بلا ميْل أو نزوة، دون نسيان أن معايير الآلة غرسها الإنسان أيضاً فمرتكزاتها ذاتية للمفارقة!

نستطيع أن نقسم الكرة إلى قسمين متكاملين؛ أولهما من حيث موضوعيتها؛ أي القوانين، كنظام الفوز، فمن يسجل أكثر من المنافس يفوز، بخلاف أنظمة خروج المغلوب، ثم هناك قوانين كالتسلل وتحريم لمس الكرة باليد عمداً أو التدخلات العنيفة. إضافة لقواعد اللعب؛ كالتمرير، التسديد، الرأسيات، الضغط أو المراوغة… الخ. بعدئذٍ العلائق بين اللاعبين وتفاعلهم مع وضد بعضهم البعض، إذ أن كرة القدم نظامٌ يتكون من نظاميْن فرعييْن؛ أي الفريقين: 11 ضد 11، والفريق يتكون من نظام فرعي آخر ألا وهو اللاعب. يتفاعل الفريقان ضمن نطاق محدد وهي مساحة اللعب وضمن منطق اللعبة الداخلي. بإيجاز تنتهي الموضوعية في كرة القدم إلى هذا الحد، أي أن قوانينها وأنظمتها ومنطقها منفصلة عن ذواتنا، كمشجعين أو مدربين أو محللين. فالمدرب يرى كرة القدم رؤية ذاتية/شخصية ولا تخلو من الموضوعية بالطبع، ولكنه بمشاهدته ولَعِبه كرة القدم بنى تصوراته ورؤيته عن “كيف” تُلعب كرة القدم بعد فراغه من معرفة “ماذا”؛ أي كرة القدم موضوعياً، وماهية اللعبة على حقيقتها.

بالعودة إلى تعريفنا لكرة القدم نجد أنه تعريف نابع من نظرنا لكرة القدم كموضوع، فنسلط الضوء على ماهية كرة القدم من حيث هي، وليس حيثما نرغب أن تكون أو كما نتصورها بوجداننا، أي من دواخلنا وليس بالنظر إليها كشيء خارجي. قد يتفق الجميع على ماهية كرة القدم. بالمقابل عندما أقول بأن “كرة القدم لعبة جميلة وممتعة تستقطب الجماهير، … ” فهذا ليس تعريفاً موضوعياً، بل هو شعر نَصِفُ به كرة القدم من مبعث حبنا لها، ولكن هذه الكلمات لن تفضي إلى معرفة محددة، إذ لن يتفق من يحب كرة القدم مع من لا يحبها مع العبارة الثانية، إذ أن ذاتك المحبة لِلُّعبة قررت أنها جميلة وأصعب الألعاب وأفضلها، أما عندما تنحي حبك لها قد تفهم اللعبة أكثر فأكثر وستصبح أكثر من مجرد مشجع، ومن ثم ستعبر بعدئذٍ لفلسفة اللعبة باحثاً عن الغائية والمعنى، لماذا نلعب كرة القدم؟ أو لماذا نلعب بهذه الطريقة أو تلك؟

“الذات” كمدرك أو كراصد، بمقابل الكرة وهي “الموضوع” المستدرك أو المرصود، الكرة هنا لا تعدو كونها رمزاً، فنحن لا نتأمل الكرة كمادة، جلد أو غيره، وإنما نتأملها فلسفياً؛ أي بحث ماهية المساحة أو التمريرة أو كيفية الهجوم والتمركز، أو التموضع في الحالة الدفاعية، أو الجماعية والفردية، البراغماتية أو المثالية، أو أساليب التدريب… إلى غير ذلك.

كرة القدم لعبة الآراء حسنة وسيئة في الوقت ذاته، الرأي يغدو أقوى بالمعرفة والحجة، وبالطبع كرة القدم تغلبها الأهواء، أي أن مورينيو مثلاً كذات يرى كرة القدم كموضوع بعقله ووجدانه وقلبه، فالإنسان ليس موضوعياً إلا بقدر ما، قد تزداد موضوعيته ويتضاعف تعقله في رؤية الأمور مع البحث الصادق والاطلاع والتفكر والتأمل، ومع كبح جماح العاطفة التي ترى الواقع مغبشاً ضبابياً لتكدسه بالماقبليات والانحيازات. مع ذلك، وطالما بقي بشراً فسيبقى مليئاً بالانحيازات ولكنه قد يصبح واعياً بانحيازاته وسيحاول إزالة غشاوة المترسخ في اللاوعي أو النظام 1 عند كانيمان حيث التسرع والأحكام المسبقة والصور النمطية. لذا نجد في الأوساط العلمية والأكاديمية ما يعرف بـ peer review، تترجم بمراجعة الأقران أو مراجعة الزملاء كما ذكرنا أعلاه، وهي عملية يقوم الباحثون وزملاء التخصص بتعريض ذلك البحث أو تلك الأطروحة للفحص والاختبار فإما أن تخرج منها سالمة أو يمكن اعتبارها ناقصة لأنها لم تستوفي الشروط ولا تتكئ على أدلة رصينة، أو أن تكون هراءً ببساطة. هناك تشكك في العلم، قد نثق بالشخص ولكن ليس بالمعرفة الصادرة عنه وهذا سارٍ على الجميع، أنا أثق بك وقد تثق بي، ولكن ينبغي أن تكون شيمتنا التشكك في المعرفة والعلم، أو كما يقول أرسطو: إني أعز أفلاطون، ولكن الحقيقة أعز عليّ منه، لكن كي نتقدم لا ريبة أننا نثق بالعلم كنهج لا كأشخاص. المفاهيم عندنا مقلوبة بهذا الصدد، فتُقبل الفكرة من مشهور وترفض من مغمور، وتستحب من محبوب وتُردّ من مكروه، يعرف هذا التحيز بمغالطة المنشأ أو مغالطة الأصل، أين يكون معيار استحسان الفكرة أو استهجانها هو مصدرها؛ أي قائلها أو العامل بها. ويا للغرابة أن يتهكم البعض أحياناً أو يسخر من صاحب فكرة دوناً عن الفكرة، ففي المعرفة يُعرف الحق لذاته لا من قائله، فكون نادي برشلونة قابع في إقليم كتالونيا حقيقة موضوعية ولسنا بحاجة لأحد كي يؤكد لنا ذلك.

“ألا يعلم الفاعل/الذات شيئاً؟ ألا يعيش شيئاً؟ ألا يمتلك طرقاً لتفسير العالم؟ ألا يمتلك طرقاً للمعرفة؟ هل وأن الذات لا يشعر، ليس لديه مخاوف، أماني؟ لماذا لا توضع كل تلك الأمور في الاعتبار؟”

-فرناندو هيرنانديز، عالم نفس إسباني.

إن الكون بما فيه كان موجوداً ولكن الفكر؛ -أي الذات المفكرة- هو من عرّف الواقع ورسم ما استقبلته حواسه على شكل نظريات ومفاهيم، “العالم، كما ندركه، ما هو إلا صنيعتنا” كما يقول هاينز فون فورستر. فقد احتلت تصورات الإنسان ووعيه من غابر الأوقات وعي الأخلاف، ومع حدة الأسئلة تتجدد المعرفة، وصولاً للثورات العلمية المتتابعة إلى اقتحام عالم ما دون الذرة، لتزداد الحاجة لأدواتٍ ترصد اللامتناهي في الصغر، فضلاً عن اللامتناهي في الكبر، فالعين المجردة لم تعد كافية. وهذا يدفعنا لسؤالٍ جوهري؛ هل هناك واقع موضوعي منفصل عن الراصد أو منفصل عن الوعي؟ هل الواقع كما هو أو أن الواقع من ابتكار تصوراتنا؟ ألا تتدخل الذات في طرح الفرضيات؟ وإن كان العلم موضوعي على الإطلاق فلماذا تحل نظريات محل نظريات أخرى باستمرار؟ أليس بسبب أخطاء الراصدين الأسبقين ونقص في المعلومات والبيانات وقصور المنهج؟

كان الصراع محتدماً بين آينشتاين ونيلز بور بهذا الشأن، لم يكن بور يعتقد بوجود واقع موضوعي بمنأى عن الراصد، فلا يمكن تحديد موضع الجسيم -بحسب ميكانيكا الكم-، إلا حين رصده ومراقبته، فهو قبلئذٍ في كل مكان. هذا الواقع الاحتمالي كان مرفوضاً من قِبل آينشتيان، فلم ترُق له فكرة أن القمر غير موجود عندما لا يَنظر إليه. قطة شرودنغر -كتجربة ذهنية- مثالٌ للواقع الاحتمالي اللاحتمي، فلن نعلم ما إذا كانت القطة حية أو ميتة إلا حين نفتح الصندوق، فهي في الوقت ذاته حية وميتة -وتُعتبر في وضع التراكب الكمي- إلى أن تمتد أيدينا وتتدخل طلباً لليقين، يُعرف هذا في فيزياء الكم بانهيار الدالة الموجية، أي انهيار كل التراكبات ما عدا حالة واحدة، وهذا ما نص عليه مبدأ اللايقين، فإن حددنا موضع الجسيم بدقة كبيرة فلن نستطيع تحديد سرعته والعكس بالعكس. شرودنغر أراد بهذه التجربة الخيالية مناهضة مدرسة كوبنهاجن بقيادة بور، فهو يقول إما حية أو ميتة، وليس هذه وتيك في نفس الوقت… لا يقف غموض عالم الكم عند هذا الحد فالالكترون مثلاً يجمع هويتين في آن، فيتصرف كموجة وجسيم في نفس الوقت، أطلق عليه نيكوليسكو بكتابه “بيان العبرمناهجية” الثالث المشمول -عكس الثالث المرفوع (إمّا ميتة وإما حية والاحتمال الثالث تم رفعه)- هنا يتبادر السؤال الأضخم والأزلي هل يشكل الوعيُ الواقع تبعاً لتفسير فون نيومان وڤيغنر الذي ربما هو -اليوم- سؤال فلسفي لا علمي، هل يسبب الوعي إنهيار الدالة الموجية؟

لقد ظن العلمويون أن العلم اقترب من فك شفرة الكون، ليفاجئهم عالم الكَم بفيض من الأسئلة عن الكون ودور الذات أو الوعي أو الراصد، عن كون لا حتمي، ليس بآلي، فتبعاً لبور “لا وجود لعالم كمومي، هناك فقط وصف فيزيائي مجرد. من الخطأ أن نعتقد أن مَهمة الفيزياء أن تكتشف ماهية الطبيعة. الفيزياء تهتم بما يمكننا أن نقوله عن الطبيعة”. بل وحتى مفهومي الزمان والمكان أصبحا متعلقين بالراصد مع نسبية آينشاين، وبتعبير هوكينغ فإن “قوانين الفيزياء نفسها قد تعتمد إلى حدٍ ما على الراصد”. يخال لي أن الاستنتاج من هذا أن الواقع -وضمنياً العلم- ليس موضوعياً بالإطلاق طالما تتضارب وجهات نظر الراصدين، وطالما احتاج الواقع لراصد… راصدٌ واعٍ كوسيط، أي الإنسان، فالآلة ليس لها وعي. فيرفض شرودنغر فكرة استبدال الإنسان بالآلة بشكل كامل، إذ أن “…حواس المراقب يجب أن تتدخل بالنهاية. فأكثر السجلات دقةً لا تخبرنا بأي شيء عندما لا يتم فحصها”. وبحسب هايزنبرغ “لم يعد العلم بموقع المراقب/الراصد للطبيعة، بل بالأحرى هو يعترف بنفسه كجزء من التفاعل بين الإنسان والطبيعة”. فريتيوف كابرا يدلي بهذا أن “المراقب البشري يشكل الحلقة النهائية في سلسلة العمليات الرصدية، ولا يمكن فهم خصائص أي جسم ذري إلا من حيث تفاعل الموضوع مع المراقب.”

فلسفياً، يرى المثاليون والعقلانيون بأسبقية الفكر على المادة، وتكون المرصودات نتاجاً للراصد. يرى الماديون -على الضفة الأخرى- أن المادة سابقة على الوعي أو الفكر، فالإنسان بتجاربه وبملكاته الحسية يتعرف على الواقع والظواهر، وبالتالي يكون الوعي نتاجاً للمادة. تتطرف اتجاهات حديثة معتبرة الإنسان محض دمية بيولوجية، أي يكاد يكون شيئاً أو موضوعاً مدفوعاً بغرائز حيوانية، وتختزل عملية التفكير مثلاً في التفاعلات الكيميائية والكهربية في الدماغ، إننا نتحدث عن العلموية التي تُزيح الفلسفة -بوصفها أداةً معرفية- إلى مرتبة سفلى، وتحاول الإجابة عمّا هو خاضع للتجربة وما سوى ذلك، فيحاولون بذلك احتكار المعرفة رغم عجز العلم عن الإجابة عن مفاهيم ميتافيزيقية كالعقل أو الوعي أو عن الأسئلة الوجودية، بخلاف المسائل الأخلاقية، عندئذٍ، لا تعتبرها إلا ترهات لا طائل منها وما هي إلا طروحات فلسفية، وبالتالي تفصل التكامل الضروري بين العلم والفلسفة، أو بين الموضوعية والذاتية.

الإنسان ذاتي وموضوعي في آن، هو مزيج متكامل ومتفاعل، ففي الجانب الأيسر من الدماغ نفكر ونحلل ونحسب، وفي الجانب الأيمن نبدع ونتخيل ونتعاطف، لا يمكننا شجب الذاتية باعتبارها لا عقلانية على طول الخط فتصوراتي الذاتية لن تعكس بالضرورة ما لا يطابق الواقع، ولا يمكن تزكية أياً كان من الأهواء أو قصر النظر أو أن نعتبر زاوية رؤية عالمٍ ما مطلقة، فكأن الإنسان سيصبح آلة عندما يرصد أو يحلل أو يتأمل. هل وأن العلم قائم بذاته بدون راصد أو بدون أسئلتنا، هل المنهج العلمي قائم بنفسه أم بالمعايير التي وضعها الإنسان؟ يعتقد البعض من الفلاسفة التجريبيين مثلاً أن الذات تتأثر ولا تؤثر في المعرفة، أجادل وأقول: لو كانت لا تؤثر لما تطورنا جيلاً بعد جيل، ولما حدثت تطورات مذهلة علمياً وتكنولوجياً ومعلوماتياً. تتطور المعرفة والعلم بالأشخاص، كوبيرنيكوس وابن حيان والخوارزمي ونيوتن وآينشتاين وهايزنبرغ وغيرهم، كم من اكتشاف علمي كان مجرد خيال أو حدس عبقري؟ كم من اكتشاف عظيم حدث بالصدفة؟ أو بُني على فرضيات تبدو بعضها مضحكة، أو هرطوقية سلبت البعض حريتهم أو أودت حتى بحياة بعضهم للتهلكة؟ لا يمكننا جز العالِم عن العلم، ولا الراصد عن المرصود، فبحواسنا ندرك الواقع وبالتجارب والخبرات يتشكل الوعي، يولد الإنسان وعقله صفحة بيضاء، والغرائز لا تعني أن ثمة معرفة سابقة، فهذا مشترك حيواني، إذ أن الحيوانات تمتلك غريزة الحياة فتبحث عن لقمةٍ لسد رمقها وتلك غريزة البقاء، التكاثر والخوف كلها وسائل بقاء تدفعها الغريزة. يمكننا تحرّي الموضوعية عبر اقتفاء الدليل وتنحية العواطف قدر الإمكان، عبر نقد الزملاء، وعبر الاختبار المتكرر على مداد السنين. إننا بإعادة المراجعة ومساءلة واستنطاق المفاهيم والقوانين المتراكمة تحدث طفرات علمية، أو كما أطلق عليها توماس كون: التحول البارادايمي.

من ناحية أخرى، تستهوي النزعة العلموية في كرة القدم تكميم كل شيء زاعمةً امتلاك ناصية الحقيقة وأن ثمة مصفوفة أو صيغة خوارزمية تستطيع توقع الأهداف أو تقترح لنا اللاعب الأنسب في مركز الظهير الأيسر لفريقنا أو تفترض أن تحسين الأداء ينطوي فقط على ما يسهل قياسه، اللاكتيك، التحمل، كريات الدم الحمراء، فاللاعب بالنسبة لهم جسد فقط؛ فـ”القياس الكِمي وتعديل أداء الفريق من خلال البيانات الموضوعية يمثل إغراءً لا يقاوم للأشخاص الذين يعيشون حول الرياضة ولكنهم لا يفهمونها حقاً.” يقول خاڤيير مايـّـو وقس على ذلك. تنحو هذه النظرة المفرطة الموضوعية نحو إقصاء الذات والفكر وإحداث شبه قطيعة مع الإنسان، ضاربة به عرض الحائط وجاعلة منه أجنبياً غريباً وهامشياً فيما أنتج وأبدع، تلكم محاولة بائسة لإقناعنا أن كرة القدم أصبحت علم ونحن الرجعيون نقاومها، وليسوا هم من يرون العلم جداول قاتمة ورسوم بيانية ومنحنيات خاوية وقياس ما يقاس وما لا يقاس، وربما لا يعرفون شيئاً عن الابستيمولوجيا/نظرية المعرفة أو فلسفة العلم، وما ينطوي عليه سؤال كيف نعرف أننا نعرف؟ فلنعتبر الإحصائيات جزءاً صغيراً لا يتجزأ في كرة القدم، وليس كرة القدم.

للمفارقة ينطلق بعضهم من منطلقات ذاتية/شخصية للمحاماة عمّا يصدره هو لنا كعلم، غير أن ذلك مُنطلقه انحيازه لتخصصه فهو يرى اللعبة من منظوره كمحب للياقة أو الإحصائيات أو كمشتغل بهما أو بأحدهما، هو يختزل اللعبة ويقلصها إلى لياقة أو إلى منطق رياضياتي. وآخر مهتم بعلم النفس يختزلها بالذهنية والحافز، ومن ثمَّ يقنعنا -كل واحدٍ منهم- بأنه لا ينطق عن الهوى وأنه سلطة ومرجع نعود إليه، وهو إذاً ذاتي التمركز بوعي منه أو بلا وعي. فيما يتعلق بالإحصائيات مثلاً، قد يسأل أحدهم: هل تلك الأرقام صحيحة؟ حسناً، نعم، ولكن ما الذي تعنيه تلك الأرقام؟ أو من أسّس في بادئ الأمر لهذه المصفوفة ومعاييرها؟ أليس بشراً مثلنا؟ ومن بعد ذلك أين الوسيط البشري المفسر لتلك الأرقام؟ وحيث أن النماذج المستخدمة في الذكاء الاصطناعي أحرزت ما أحرزت يعتقد بعضهم أن هذه الخطوات لا تشوبها شائبة في أي مجال، في الشعر، في الفنون، في الألعاب وما شابه. لا شك أن استخدامها أحياناً مفيد واقتصادي فيما يتعلق بالوقت، لكن ليست هي اللعبة، تطور كرة القدم ليس متعلقاً بتطور الأدوات والأمور الخارجية، تطور اللعبة تطور ابستيمولوجي معرفي، تطور فلسفي/علمي، أي برؤية كرة القدم من بوابة التعقيد ونظرية النُظم والديناميكا اللاخطية. لكن هذا التطور لا يرى القشور، بل يرى اللايقين في كوننا، الانبثاق أو التولد، الإنتظام الذاتي، يراها بشكل ما كما في البنى المبددة لبريغوجين حيث ينتج النظام من اللانظام، وفي نظرية الفوضى التي تتمثل بجلاء ووضوح في كرة القدم حيث السلوك البسيط القادر على قلب المباراة رأساً على عقب، يشابهها كذلك ما يُعرف بالارتجاع الإيجابي في نظرية النُظم بحيث يزيد الاضطراب جراء اختلالٍ طفيفٍ في النظام. ومن ثم هناك ما استقته كرة القدم من الفيزيولوجيا -كحقل بيولوجي- لمعرفة ماذا يدور في جسم لاعب الكرة أثناء وبعد اللعب وفي تطوير الأداء، بخلاف العمليات المعرفية واتخاذ القرارات من العلوم الإدراكية وعلم النفس ودراسات المخ والأعصاب وغيرها من العلوم التي ستضيف لكرة القدم، كل منها جزء لا يُجتزأ على حدةٍ من لعبتنا التي تعتبر بينمناهجية أو عبرمناهجية أو عابرةً للتخصصات، شأنها شأن بقية المجالات والميادين والعلوم تتقاطع وتتداخل سواءً العلوم الاجتماعية أو الطبيعية أو الشكلية/التجريدية أو التطبيقية.

قد يكون الخبير بارزاً على المستوى العالمي في تخصصه ولكنه لن يبصر العنصر الأساسي الذي يضع الموقف في سياقه. لذلك، يقوم الغوروهات (من guru) الذين يأخذون أدواراً متاخمة لموظفي الإدارة باختبار فرضياتهم الخاصة والتحقق منها في إطار إعادة بناء جزئية للواقع، بعيداً عن قيود المنافسة، ومتحصنين بمعرفتهم الخاصة. بالقيام بذلك، تُطوَّر النظريات بعيداً عن ظروف اللعبة الحقيقية (كانو، 2009)، دون احترام التفاعل بين الأنظمة الفرعية للاعبين والبيئة (أراوجو وزملائه 2005). ينبه (أوكونور وماكديرموت 1997) مجازياً حول هذا الإجراء بالقول بأن أحداً لن يفكك البيانو للبحث عن صوته. ونظراً لإمكانية جمع الكثير من البيانات أثناء المباراة، يمكن وعلى الدوام العثور على تبرير رقمي لتبرير الهزيمة من قبل كل متخصص.

[…] تفخر الأندية الحديثة حين تُشبَّه بفرق فورمولا 1 الراقية، حيث يتولى المهندسون مسؤولية الأداء الصحيح لكل قطعة من أجزاء السيارة. في ظل هذا الباراديم النظري، فإن التجميع المثالي للأجزاء سيسمح بتحقيق كل متفوق ومعرفة كاملة لموضوع الدراسة. وقد أدى ذلك إلى فرط التخصص في الواقع، ما أدى إلى القضاء على جميع المصادر التي يمكن أن تهدد اليقين المطلق (موران، 1994)، لأننا نفضل تصور الواقع كنموذج بسيط يمكننا فهمه (كريشنا، 2004، في كانو، 2009).”

-خاڤيير مايـّـو
El preparador físico del Madrid, bajo sospecha por las lesiones | Fútbol |  deportes | elmundo.es

قد يطبق العلموي العلمَ في كرة القدم، لكن ليس علم كرة القدم الذي يعتقد، بل يطبق نماذجه وفرضياته كغاية واللعبة هنا وسيلة، وعبثاً لا تعدو كونها موضوع تجربة، أي أن المراد هو العلم وكرة القدم فأر تجارب وبما أنها لعبة جماهيرية فهي استثمار واتحاد مسموم لسلطتي العلموية ورأس المال، الإحصائيون ومدربو اللياقة يشدون طرفاً والمستثمرون والاقتصاديون يشدون طرفها الآخر ويبدو مصير اللعبة إلى الأفول، مع عبارات نتنة مثل كرة القدم أصبحت صناعة، أو أصبحت علم، وليست لا كروكيتا إينييستا أو عبقرية بيب، أو حدس دي يونغ أو تمريرات بوسكيتس الخداعة. ما الذي يجعل برشلونة فريقاً قوياً أو يصدر مواهب مميزة، باكو سيرولو رجل علم بنفسه لكنه يعي أن اللعبة يطغى عليها اللعب واللاعلمية، وهي فن لها جانب حدسي تخيلي أكبر، ولها خيط غير مرئي، لها روح، ليست كالشطرنج يمكن أن يقوم الحاسوب بمعالجة البيانات الضخمة بسرعة كبيرة ويقوم بحساب كل الاحتمالات بفترة وجيزة ويختار الاختيار الأفضل. غوارديولا يعلم من هو اللاعب المناسب له، ألبيرت بوج يعرف الخصائص التي ينبغي الانتباه لها في الشباب، يعرفون كيف يطورون اللاعبين عبر اللعب، واللعب فقط. فاللاعبون اليوم أدوات ليس إلا والمدربون شيئاً فشيئاً لن يكونوا إلا إداريين. في صيف 2007 وفي أبهة التحاليل البدنية والاختبارات اللياقية والمنحنيات المرتسمة في الشاشة يسأل بيرند شوستر -إبان تدريبه ريال مدريد- متخصص الأداء فالتر دي سالفو بلهجة ملؤها التهكم “ما الذي سأقوم به في هذه الأثناء؟”. سيتبين لنا من تعبير الصحفي المدريدي كارلوس كارباخوسا حالة تحول ملعب كرة القدم إلى مختبر قائلاً: “…التعليق التالي من شوستر في ذات الحصة إلى رئيس ذلك ‘البوفيه’ الطموح من المعدين البدنيين يلخص الوضع بشكل أفضل: “فالتر، في مدرسة التدريب يجب أن يدرجوا موضوعاً جديداً، وهو المكان الذي يمكن لنا نحن المدربين أن نقصده ريثما تقومون بعملكم”. ختاماً، كرة القدم يتكامل فيها الذاتي والموضوعي، الأجهزة والمسطرة والقلم لها فوائد كبيرة، لكن إذا لم تكن هناك نظرة نوعية فنحن نشذ عن الجادة. بهذا يقول مايـّو في كتابه Complex Football أن ثمة تضارب بين البيانات الموضوعية وبين نظرة المدرب الذاتية، فالمدرب يرى أداء اللاعب من خلال سياق اللعبة، والأكثر غرابة لماذا تكون أرقام اللاعبين الأكثر فائدة أقل في لياقياً؟ يقول خافيير بالنص: “لمَ يبدو اللاعبون الذين لا يحققون أفضل الأرقام في اختبارات اللياقة البدنية أكثر اتساقاً مع أداء الفريق مقارنة بالذين يبرزون في أنشطةٍ كالجري بلا كرة أو القرفصة والقفز؟”. هذا دون التغافل عن أن قوانين اللعبة ليست موضوعية بل هي اصطلاح الخبراء والقائمين عليها، أي ذاتية تصبح موضوعية حين تُعتمد لمصلحة اللعبة وأحياناً تكون ليس في مصلحتها.

أقدم لكم إضافةً لتواضع ما كتبت شيئاً ذا جودة، التالي مقتطفات من أطروحة لجوليو غارغانتا بعنوان: Futebol e ciência. Ciência e futebol.

نواجه في الحالة الأولى العلموية التي تجرم الذاتية وتثبط وتسخف من النهج النوعي باسم الموضوعية والصرامة الزائفة، والتي -في رأينا- غالباً ما تتورط في شبكة من أخطاء اختلاف المنظر (أو التزيّح). أمـّا الحالة الثانية، فنواجه ميليشيا الخبراء (أصحاب الخبرة) والذين يقعون -في غالب الأحيان- تحت تأثير “المرموط وذيله في فمه”، حيث يحاولون شرح وتبرير النجاحات والإخفاقات في ظل خطاب مغلق يستهلك نفسه ويستنكر نفسه، أما شعاراتهم المفضلة فهي: “أنا رجل كرة قدم”، “ولدت وأنا ألعب كرة القدم”، “أهم شيء أن أشتم رائحة غرفة الملابس”، أو “كذا وكيت هي كرة القدم”.
كرة القدم في الحقيقة ليست علماً، قد تكون هذه إجابتنا. لا يوجد شيء في الدنيا يعتبر علماً بحد ذاته. ما يضفي الطابع العلمي على موضوع الدراسة هي طريقة تنفيذ النهج العلمي. إذا لجأنا في أي دراسة إلى الوسائل والأساليب التي تمتثل وتخضع لمبادئ ذات طبيعة علمية، فيمكننا إنتاج معرفةٍ تساهم في التطور، سواء أكان ذلك في كرة القدم أو في إنتاج الفلين أو في صناعة شامبو الشعر. يتعامل العلم مع المشكلات، وعند البحث عن إجابات لها، غالباً ما يستثير أسئلة جديدة أو متجددة حول هذه المشكلة أو حتى حول مشاكل جديدة. لهذا السبب، تعتبر النتائج العلمية مناهج مؤقتة يجب التلذذ بها لفترة من الوقت ومن ثم نتخلى عنها بمجرد ظهور تفسيرات أفضل (داماسيو، 1994). لهذا، العلم غير مريح لمن يهوى الإجابات النهائية أو لأولئك الذين يتعاملون بصورة سيئة مع تطور الأفكار. السيرورة التطورية تجعل حجة الخبرة لباساً لا يناسب الذين يكررون -لسنوات متتالية- ما قاموا به في السنة الأولى من عملهم. غير أن هذا يناسب المهتمين والمنفتحين على الإسهامات الجديدة، مستفيدين منها لإعادة صياغة ممارساتهم اليومية وإثرائها. إذا نظرنا إلى تاريخ البشرية، فإن المعرفة تتشكل مع الغاية العامة والمتمثلة في ضمان نجاح تفاعلات الفرد مع البيئة المحيطة به (كاراسا، 1997)، هذا ما يجعل الأفكار والتفسيرات حول الأشياء والعالم ليست إقطاعيةً للعلم أو ملكية خاصة للعلماء. وُجدت الأفكار مذ وُجد الإنسان، وستظل الأفكار موجودة أبداً، ليس فقط لتوجيه الفعل، ولكن أيضاً لرعاية ذلك الوجه السحري الذي نسميه القدرة الإبداعية أو الإبتكارية. العلم، باعتباره أحد الطرق الممكنة للوصول إلى المعرفة، يقدم نفسه كأداة معرفية/إدراكية لإنتاج استراتيجيات البقاء (كاراسا، 1997) ولتأكيد الإنسان وعلاقته بالمشاركة. من معرفة (الشيء) إلى فعل (الشيء) ثمة طريق طويل، ربما بنفس الطول ما بين الفعل إلى المعرفة (كاراسا، 1997). وهكذا، يبدو واضحاً أن كل تقدم في الفعل (التطبيق) يفيد المعرفة (النظرية)، تماماً كما أن كل تقدم في المعرفة يفيد الفعل (موران، 1990). تتطلب كرة القدم حالياً التخصص في الوظائف والمهام المختلفة – من اللاعب إلى المدرب، ومن الطبيب إلى أخصائي العلاج الطبيعي، ومن رئيس القسم إلى رئيس النادي – لذا فهي تتطلب من اللاعبين المزيد والمزيد مهارياً ومعرفياً، سواء كماً ونوعاً.
على مداد السنين، قام العلم بإضفاء الطابع المؤسسي، ضمنياً أو صراحةً على مفهومين يشكلان الإطار المفاهيمي للموقف العلمي الحديث: (1) نحن موجودون في عالم موضوعي، له قدرة على أن يكون معروفاً بشكل موضوعي ويمكننا من خلاله إعلان الافتراضات المعرفية التي تجعله يظهر كواقع مستقل عن الذات التي تريد أن تعرفه؛ (2) نصل إلى المعرفة من خلال أعضائنا الحسية من خلال عملية إسقاط -رسم خرائط- للواقع الخارجي الموضوعي على نظامنا العصبي (ماتورانا، 1974).
ما نشاهده ليس الطبيعة نفسها، بل الطبيعة التي تحددها طبيعة أسئلتنا. هذه الأسئلة التي نطرحها على الواقع، -أي فرضياتنا- لا تعدو كونها افتراضات نرغب في إثبات طبيعتها والتي توجه بحثنا في استكشاف الشيء.
تمثل وضعية الذات -بوصفه مراقباً/راصداً- وجهة نظر ثنائية، ذلك أنها تتيح وتُحِد بنفس الوقت من إمكانيات المعرفة (بالنسبة للذات).
يروي فرانز كافكا قصة حيوان يبني وكراً يأتوي إليه. وما إن يكون بالداخل مغطىً، يبدأ بالقلق حيال ما إذا كان المدخل مخفياً جيداً أم لا. يخرج للتحقق من ذلك، لكنه بفعله هذا يخرب التمويه. يدخل مجدداً ويعيد ترتيب التمويه، ثم يقلق مرة أخرى، يخرج، يدخل، يخرج، فيدخل. لا يمكن أن يكون بالداخل لأنه يريد رؤيته من الخارج. لا يمكنه أن يكون بالخارج لأنه يجب أن يكون بالداخل.
كي تكون آمناً داخل الوكر، عليك أن تكون في الخارج تراقب. هذه معضلة العالِم في علاقته بالعلم الحديث.
نظراً لأن كرة القدم ليست علماً، فيمكن أن تستفيد كثيراً من المساهمات العلمية، طالما التزم الباحثون بقاعدة ذهبية: احترموا خصوصية اللعبة، مما يعني أنهم يجب أن يتوخوا الحرص كي لا يشوهوا المصفوفة التي تمنحها الهوية.

مقال مترجم لخوانما ليـّو

DEFENSA EN ZONA EN EL FÚTBOL. UN PRETEXTO PARA REFLEXIONAR SOBRE EL JU -  Librería Deportiva

هذا المقال هو مقدمة لخوانما ليـّو كتبها لكتاب المدرب البرتغالي نونو أمييرو عن المنطقة في نسخته الإسبانية.

لقراءة الكتاب حمله من هنا .

إليكم المقال:

إذا كان هذا الكتاب بين يديك فسوف تدرك بأنك تتعامل مع رجل يجعل من النمل أمراً غامضاً. ليس ذلك وحسب، فهذا المجهود الهائل الملاحظ في كل صفحة من الصفحات سيجعل من قرائه مبتهجين كبهجة حشرة الزيز. لقد أبدع نونو أمييرو عملاً رصيناً للغاية أُعيدت صياغته بُغية التنقيب عن مفاهيمٍ أشاركها إياه. يؤكد المؤلف مرة أخرى على أن كرة القدم -في الخلفية- ما هي إلا نسخة جيب لكتاب الحياة.

مع أن الأمر قد يبدو كذلك، إلا أن نونو لا يجمع آراء الآخرين وحسب، بل يرفضها ويثريها ويضعها في نقاش فكري خصب. هذا الفتى دودة كتب، محاربٌ بصرامةٍ أكاديمية، غائر في كهوف المعرفة، لكنه اتخذ خطوة إلى الأمام مقارنةً بأقرانه الذي يبشرون بذات الأمور. وهو بعيدٌ عن استخدام قرض المعرفة المودع من قبل أشخاص مؤهلين تأهيلا عالياً، فقد شكك بها في بعض الحالات وأقام تبادلاً بين المرجع المنتقى وبين مساهماته. إنه لا يفسر ويشرح فقط، بل يجلب لمعاناً وعذوبة لمغامرة الخروج بأفكاره الخاصة. هو خبير في فن الحجاج والجدل. يدحض المصادر ذاتها التي ينهل ويشرب منها، وهو -حيثئذٍ- يجد مصدراً إبداعياً قوياً. إنه يستجوب أولئك الذين يعتبرهم معلمين له، وبتلك الجرأة هو يكتسب أهليةَ أن يكون معلم.

أولَج نونو المشرط في لب (دفاع) المنطقة وتطورها، محطّماً المفاهيم الراسخة فعلاً في اللاوعي لدينا، كما هو الحال -تقريباً- مع كل ما هو واضحٌ وجرت الموافقة عليه دون تفكير مسبق. ذلك أنه وضع عدسةً مكبرة على ما هو واضح قصد التشكيك فيه. إنه يخرب التفكير النمطي في محاولة لفضح تحيزاته ودوغمائيته. يفعل ذلك بدقة فرعونية، وباحترام كبير، زاحفاً تحت زبدٍ من المفاهيم التقليدية. إنه يشعر بالحاجة إلى إيجاد صيغة/معادلة لهذه اللعبة، بحماسةٍ يدعو -تقريباً- لطبيعة رياضياتية في اللعبة ولكنه في الوقت نفسه يعرف أن ليس ثمة شيء من ذلك. إنه رهينة لهذه المفارقة الغير قابلة للحل. لهذا السبب عاد إلى البحث بعناد وإصرار يذكرنا بأسطورة سيزيف. وعلى العكس من شخصية سيزيف في الأساطير، لا يتسلق نونو جبلاً، بل يسافر في دائرة متحدة المركز. من الجزء إلى الكل، ومن الكل إلى الأجزاء، ومن الجوهر إلى التفاصيل، ومن التفاصيل إلى الجوهري، ومن الطابق السفلي إلى العلية ومن الشرفة إلى الطابق الأرضي، وهي رحلة تكمن قيمتها في البحث وليس ما سيجده المؤلف أو يصل إليه. وهذا ديدن جميع الرحلات، فإن الهدف هنا أيضاً هو الطريق والطريق هو الهدف.

يتعين على القارئ ألاّ يسيء فهم عنوان هذا الكتاب. قد تسبب طريقة تعميد هذا العنوان لبساً وخلطاً مُتفهماً. قد يبدو وأن كل شيء مقطعٌ إلى أوصال، كل شيء مفصول، أو أن المؤلف قد استسلم لمساعي التجزئة، أو أن ما بين يدينا ليس عملاً شمولياً/كلانياً متكاملاً. حسناً، لا، إنه عمل يربط كل شيء بكل شيء. يوجد أدناه محاماة للعب المنطقة، وليس لدفاع المنطقة. لذلك فهو ليس عملاً جزئياً، ولا يتوقف عند الدفاع، ولكنه يناشد اللعبة ككيان لا ينفصم. في جزء من الكتاب، علاوة على ذلك، فقد لُمس باب النموذج النُّظُمي خلسة ولكنه لم يُفتح [1]. وهو نموذج يتكيف مع احتياجات اللاعب، وبالتالي مع احتياجات اللعبة. وهذا النموذج الذي هو في طور الظهور يناقض النموذج الكلاسيكي القادم من خطية الرياضات الفردية، ذلك أن هذا النظام الديناميكي ينشر اللاخطية المستمدة من الرياضات الجماعية ذات المهارات المفتوحة والغنية بالتعقيد ككرة القدم. يأتي النموذج القديم من العلموية الزائفة التي تُكيف الواقع مع الاهتمامات الغذائية لدى العديد من التخصصات التي تصبو البقاء على قيد الحياة عبر جعل كل واحدة منها أهم من الأخرى. كل واحدة منها تجعلنا نعتقد أن جزئها الخاص هو الكل. متناسين أن الكل أكثر من مجموع الأجزاء، “بالرغم من أن الأجزاء لا تتراكم، وإنما تتفاعل” وتتباين. ومن الطبيعي أن ينتشر هذا الاعتقاد الخاطئ بقدر ما تضمن الحفاظ على العديد من الوظائف. لكن ليس لدي شك في أن مستقبل التدريب في هذه الرياضة يكمن في النموذج النُظمي ورؤيته الكلانية. وهو نموذجٌ، -بما أنه يؤمن باللاعب- يستميل ويلتمس عملياته المعرفية وذكائه الإدراكي.

من المعلوم أن جوهر كرة القدم هو المنطقة. إذا دَفعت بمجموعة من الأطفال كيما يلعبوا كما يحلو لهم، فسيضعون أنفسهم غريزياً في المساحة المتاحة لهم للعب بها. لن يهرع أحدهم في مطاردة أي أحد. لن يُبدي أي من هؤلاء الأطفال سلوكاً بوليسياً، أو أي رغبةٍ في السجن. هذا ما سوف يعلمونك إياه لاحقاً لسوء الحظ، عندما ينال جبن المدرب وغروره الذي يأسره أسبقية على طبيعة هذه اللعبة.

سأدافع عنها مجدداً، المنطقة ليست فقط حليفةٌ طبيعية للمبادرة، ولكنها تقريباً ضرورة بيولوجية للبشر. إنما هي توزيع أكثر عقلانية وطبيعية لمجموعة ما في المساحة/المكان. أنت تقف حيث تبرز قدراتك. تصبح المهارة أداءً عندما تكون في مكانك الطبيعي وتتفاعل مع الآخرين الذين سيقومون بذات الأمر. تلك الحركة وهذا التآزر غريزي، والقيام بالعكس، أو قبل ذلك أمر اللاعبين بالعكس هو تشتيت للغريزة. كما قلت منذ سنوات عديدة، كي تلعب في منطقة ما، عليك أن تعيش في منطقة ما. اللعب نشاط تستحسه وتستشعره أولاً ومن ثم تقوم بتنفيذه. إننا نعلم أن قيم المنطقة هي الإلتزام والتضامن وتبادل المساعدة والتعاون والتعاضد. من يعرفون كيف يعيشون بهذه الطريقة هم من يعرفون كيف يلعبون بهذه الطريقة. توزيع المساحات وتوزيع الجهود خاتمته توزيع المنافع. ومن ثمة بالطبع، تقسيم المسؤوليات. إن زبدة المنطقة التقاسم، المنطقة مفهوم أساسه التكامل لا التفكك. والغريب في الأمر أنها تتعارض مع الفكرة الراسخة سلفاً والتي تدعو إلى الفردية طوال الوقت. بل ويُأكّد على ذلك بصورة أكبر في عالم كرة القدم، الأمر الذي يجعل اللاعبين يعتقدون خطئاً أن بإمكانهم استخدام مواهبهم دون الاعتداد بالآخرين. هناك بحث علمي صارم للغاية خلُص إلى أن الفائدة القصوى للجميع لن تتأتى إلا بالتعاون. وعلى الرغم من أنها تبدو وكأنها ممارسة إيثارية، إلا أنها ممارسة أنانية. وبلا شك، ليست أنانية بالمعنى الاعتيادي، بل أنانية إيثارية، أنا أساعد الآخر لكي يساعدني. إذا كنا نعيش في قمة وذروة المنفعة، فإن المنطقة ترضي هذا الدافع دون الحط من قيمة أي شيء آخر. في رياضة جماعية مثل كرة القدم فالمبدأ الإرشادي هو الذي يربط كل شيء ويحسنه. آملين أن يدركه القارئ ويضعه موضع التنفيذ.

____

[1] انظر نظرية النظم أو نظرية الأنظمة، Systems theory، وهي معنية بدراسة النظم المعقدة.