بايرن ميونخ 2-2 هيرتا برلين

يبدأ بايرن موسمه بتعثُّرٍ ثانٍ بعد خسارته لكأس السوبر الألماني، وبعد صيفٍ متعثِّرٍ هو الآخر حيث لا يبدو مرضيًا بشكلٍ كبير للجماهير التي كانت تطمح بصفقات أفضل وأقوى من شأنها أن تجعل الفريق مُرِشَّحًا مرةً أخرى لبطولة دوري أبطال أوروبا.

أسوأ ما في التعادل مع هيرتا برلين هو أن الفريق لم يقدم شيئًا يجعله يتحسّر عليه، بل إن هدف التعادل جاء من ركلة جزاء ارتكبها مدافع الفريق الضيف بحماقة لم يكن لها أي داعٍ على الإطلاق، فأهدر تقدم فريقه وفرصة الفوز بالثلاث نقاط.

من شاهد فرانكفورت مع المدرب الكرواتي نيكو كوفاتش سيدرك قطعًا بأنه ليس بالمدرب السيء، وأنه حقق نتائج جيِّدة بفضل أسلوبه الذي نجح من خلاله في استغلال قدرات اللاعبين بالشكل الأمثل، خاصَّةً أنه أسلوب مقبول -بل ومنطقي جدًّا- في فريق كفرانكفورت، لكن في بايرن ميونخ؟ الأمر معقّدٌ بعض الشيء.

تمثّل مباراة هيرتا برلين مثالًا جيِّدًا على عدد من المعضلات التي تقف أمام كوفاتش. الفريق لم ينجح في التعامل مع الضغط العالي للضيوف، ولم يكن واضحًا في طريقته الدفاعية وكانت النتيجة أنه وجد نفسه عاجزًا، وبشكل مثيرٍ للشفقة، عن خلق الفرص الكافية للخروج بالـ3 نقاط، رغم أن الفريق سدد 17 مرة على مرمى جارستاين.

كانت نوايا وخطط برلين واضحةً منذ البداية بالتركيز على ضغط لاعبي بايرن ميونخ أثناء بنائهم لللعب من الخلف ومحاولة إجبارهم على اتخاذ القرارات الخاطئة وهو ما يعني بالضّرورة خلق فرص تهديف محققة لعناصر برلين.

ضغط لاعبو هيرتا برلين من خلال رقابة رجل لرجل مع لاعبي بايرن أثناء بناء الهجمة، وهو ما سبّب الكثير من المتاعب لحامل اللقب، فلم يكن هناك مخرجٌ واضح اتّبعه كوفاتش أو وجه لاعبيه نحوه، ممّا جعلهم يعانون في عديد الهجمات.

ومن الواضح بأن لاعبي برلين ركّزوا على منع خيارات التمرير لحامل الكرة ومن ثم الضغط بقوة عليه، فكان هناك تأمينٌ لكامل المنطقة من حوله (لضمان عدم قدرته على تجاوز اللاعب الضّاغط من خلال التمرير وبالتالي خلق تفوق عددي والقدرة على نقل الكرة للأمام) قبل أن يتم الضغط لاستخلاص الكرة. بالطبع لم تكن مهمة استخلاص الكرة سهلة أمام فريق يملك 3 لاعبين من طرازٍ عالٍ تقنيًّا في خط الدفاع (كيميتش – بافارد – ألابا)، وتياقو ألكانتارا أمامهم، ولهذا لم يُوّفَّقوا كثيرًا في قلب بناء بايرن الخلفي لهجماتٍ لهم على مرمى نوير -حدث هذا في مرات قليلة فقط-، إذْ أنَّ الفارق بين الإمكانيات الفردية كبير جدًّا، لكنهم نجحوا، كمجموعة، في تصعيب مهمة بايرن في نقل الكرة للأمام بالشكل الذي يريدونه.

الغريب أن كوفاتش لم يحاول التَّلاعب بهذا الضغط وتحويله لمصلحته، فأنت في النهاية تواجه هيرتا برلين، ويمكنك قلب الطاولة عليهم لو استخدمت بعض الأساليب الفعّالة أمام هذا النوع من الضغط العالي الممزوج بالرقابة الفردية. نجاح بعض الحالات -ومن ضمنها التي أدت لهدف ليفاندوفيسكي الأول- يثبت أن هذا الأمر ممكن، لكن قلّة حدوثها يثبت، من جهة أخرى، أنها لم تكن خُطَّةً من كوفاتش وإنما تصرفات تلقائيَّةً من اللاعبين.

في كرة الهدف الأول تراجع ليفاندوفيسكي للخلف ليخلق تفوَّقًا عدديًّا لزملائه أمام ضغط برلين العالي، وهذا بدوره جعل قلب الدفاع “شتارك” يتبعه لتلك المنطقة ليضغط عليه، ولكن المهاجم البولندي حصل على الكرة، وهنا كسب التفوق الذي كان يبحث عنه، ومرّرها لمولر، القريب منه، ومنه لكيميتش، الذي ينطلق للمساحة ومن ثم يمررها لقنابري ومنه لليفاندوفيسكي، وهدف.

أهم نقطتين من هذا الهدف:

– تراجع ليفاندوفيسكي للخلف: هذا التراجع أكسب الفريق التفوق العددي المطلوب أمام تقدم لاعبي هيرتا برلين، و وفّر خيار تمرير لحامل الكرة (ألابا، من رمية جانبيّة)، ومنه بدأت اللعبة.

لم يكن تراجع البولندي لينجح وينتج لو أن توليسّو لم يتقدم للأمام ليفرّغ المنطقة -التي توجّه نحوها ليفا- من لاعبي برلين. تبادل الحركات بهذا الشكل يمكن أن يؤدي نتائج جيِّدة لو طُبِّق كنهج مُتَّبَع من لاعبين بايرن، خاصَّةً وأن ضغط هيرتا برلين العالي لم يكن مثاليًّا -وهذا طبيعي للإمكانيات المتاحة، لكنه كان فعَّالًا وناجحًا في هذه المباراة-، وبالتالي من الممكن التلاعب بهم وخلق فراغات من خلال تحركات اللاعبين باستمرار.

ولا يجب أن يحدث هذا فقط لحظة بناء اللعب، بل يمكن استغلال ليفاندوفيسكي بشكل أفضل عبر تراجعه للخلف وتقدم توليسو (أو مولر مثلًا من اليمين)، فيُخْرج البولندي دفاع برلين من مناطقه ليتقدم لها أحد لاعبي الوسط، وهذا الأمر حدث في أمثلةٍ تُعَدُّ على أصابع اليد الواحدة خلال المباراة.

كانت أحد مشاكل بايرن ميونخ أثناء البناء هي عدم الترابط الجيد بين لاعبي البناء (نوير + المدافعين + تياقو وأحيانًا توليسو) ولاعبي الإنهاء/خلق الفرص (مولر + الأطراف + ليفاندوفيسكي وأحيانًا توليسو)، فلم يكن هناك نقل جيِّد للكرة من مرحلة لأخرى، وعندما يحدث العكس، فإن النتيجة بالغالب هي وصولٌ سهل وسلس وينتج عنه فرصة محققة.

يمكن أن نعزو هذا الأمر لتمركز مولر المتقدم بعض الشيء من أجل مساندة قنابري على الجهة اليمنى، وكان الحلُّ يأتي بالغالب عبر ذكاء كيميتش في تحركه للداخل أكثر (قريبًا من تياقو)، وهو ما يجعل التمرير له أسهل، ويعطيه خيارات أفضل من مجرد الوقوف بجانب خط الملعب، حيث يمكن حصاره بسهولة.

ومرةً أخرى، من الواضح بأن هذه التحركات من كيميتش أتت عبر تقييمه للوضع، وليس منهجًا اتبعه كوفاتش خلال المباراة، لأنها حدثت في مرات قليلة، ولم يتم استخدامها كثيرًا بشكلٍ يُشْعِرك أن الكرواتي هو من بنى هذه الفكرة.

لكن حتى عندما تصل الكرة للطرف، يكون الفريق مجبرًا على اللعب هناك، ولا يستطيع الوصول للعمق لعدم وجود لاعبين قريبين يوفرون خيار التمرير (فمولر تمركز وكأنه مهاجم، وتوليسو كان مراقبًا باستمرار ولم يكن تمركزه جيِّدًا حول منطقة الحدث، إما بعيدٌ عن حامل الكرة وإما قريبٌ جدًّا بحيث يسهل مهمة لاعبي برلين).

– ذكاء قنابري في الانطلاق نحو المساحة: يملك قنابري سرعة عالية وقدرة جيدة على الاختراق والتلاعب بخصمه، ونجح في استغلال المساحة المتاحة أمامه ليمرر لليفاندوفيسكي ويصنع الهدف الأول. لم يستغل كوفاتش قدرات قنابري بشكل جيد في هذه المباراة، وبالواقع، لم يستغل قدرات كومان أيضًا.

أمام فريقٍ يتقدم للضغط بهذا الشكل -كالذي شاهدناه من برلين-، ستظهر الكثير من حالات 1ضد1، وبالتالي يمكن استخدامها في خلق التفوق الهجومي، لأن أي مراوغة ناجحة ستُخْرج مدافعًا من اللعبة وتعطي فريقه التفوق في مناطق الخطر. هذا الأمر حدث بشكل متكرر في المباراة، بالتحديد من قِبَل قنابري، والذي كان مصدر إزعاج لهيرتا برلين. لم يقتصر الأمر على مهارته فقط، ولكنه استغل سرعته واستغل الأوضاع من حوله في التحرك بشكل ممتاز نحو المساحة ومن ثم استقبال الكرة والانطلاق بها بعيدًا عن المدافعين.

ومستوى قنابري، بل وذكاؤه في التحرك وأماكن طلب الكرة والانطلاق، هو أحد الإيجابيات القليلة لبايرن من هذا اللقاء. يجب على كوفاتش أن يستغله قدر المستطاع.

وبدون كرة لم يكن بايرن في حالة جيِّدة كذلك، فالفريق أظهر تشتُّتًا واضحًا بين الرغبة في الضغط العالي أثناء بناء برلين للهجمات، وبين الخوف من المبالغة بالضغط وبالتالي كشف المناطق الخلفية، فلم يقم لا بهذا ولا بذاك بشكل كامل، كما أن تقدم ثنائي الوسط (توليسّو ومولر) للأمام بشكل مبالغ فيه أحيانًا خلق فراغات كبيرة بالوسط، من الصعب تغطيتها، وكانت النتيجة أن الهدفين للضيوف جاءا باستغلال لحظات كهذه.

فرغم أن الهدف الأول جاء بضربة حظ إثر تغيير مسار تسديدة لوكيباكيو، إلا أن سهولة نقل الكرة للأمام بعد أن كان الفريق في حالة دفاع، يوضح لأي درجة كان خط وسط بايرن فارغًا إثر تقدم مولر وتوليسو للمساندة (والأسوأ، أن تمركزهما لم يساعد الفريق في بناء أو خلق فرصة خطرة).

والهدف الثاني جاء إثْر فراغٍ كبير بين خطي الدفاع والوسط، إذ أن الفريق حاول الضغط على لاعبي هيرتا (فتقدّم مولر وتوليسو مع المهاجمين للضغط، مما اضطر تياقو للتقدم بعض الشيء)، وبعد أن لعب الحارس كرة طويلة للأمام كان قروييتش وإيبيسيفيتش في صراع هوائي مع ثنائي دفاع بايرن، وحصل الأخير على الكرة بين الدفاع و والوسط، ومررها لزميله المنطلق ليسجل الثاني.

ما يزال أمام كوفاتش الكثير من العمل، خاصَّةً وأن دورتموند دعم صفوفه بصفقات ممتازة، وإذا ما استمر الفريق بهذا الشكل، فربما يجد نفسه بعيدًا عن اللقب.

الكاتب: @_Ahmed90_

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: