دور المدرب

مع حقيقة المدرب تطورت أساليب كرة القدم وتشعبت وتفرعت، يقول أنخيل كابّا أن مستقبل كرة القدم يقبع في ماضيها، فالعديد من الابتكارات لها بذور زُرعت في الماضي، سارّي من ساكي والأخير من ميخلز، ميخلز من رينولدز وهكذا دواليك، الكل ينتسخ ويقوم بإضافاته ولمساته، وبتطور الأفكار والأساليب يتطور المدربون وتزدهر المدارس. وبتطور الكرة ومع الحداثة، أصبحت الفرق متشابهة مع فارق الجودة، ولكن ببقاء خصائص ومزايا البلدان وثقافاتها، الحديث هنا عن الفرق عموماً، فإذا كان الفريق الذي يبني اللعب بدءاً من الحارس سابقاً يشار له استهجاناً أو استحساناً، أصبحنا نستغرب الفرق التي لا تبني من الخلف، وهذا أمر إيجابي بحد ذاته، بغض النظر عن الجودة والكيفية والسبل. يبقى السؤال هل دور المدرب يتمحور حول الأسلوب؟ لا شك أن ثمة هموم مشتركة تجمع ما بين المدربين، كصنع توليفة ملائمة، تقوية الفريق بدنياً، تصميم خطة تدريبية، وإرساء الهدوء وضبط غرفة الملابس، على الرغم من ذلك فيصعب أن نضع تعريفاً موحداً يصف دور المدرب بالإطلاق.

في مقابلة مع بليزارد سُئل خوانما لـيـّو عن ماهية دور المدرب، مالمدرب؟ هو السؤال الذي طرحناه في المقال السابق، ولكن حتى خوانما لـيـّو لن يعطي إجابة شافية لمن يبحث عنها، إلا أنه ومن حيث المبدأ ستختار من سيلعب على حد تعبيره:

نتيجة بحث الصور عن ‪juanma lillo‬‏

ولكن أبعد من ذلك لن أحاول إطلاق دور، عطفاً على محدودية أهميتنا. هذه لعبةٌ تلعب بواسطة اللاعبين، ويبدو أن أولئك [المدربين] الذين يعبرون عن أهيمتهم يريدون إدعاء دور البطولة أو المكانة عبر الآخرين. دورنا أقل مما يريد كثيرٌ من المدربين إدراكه أو تصديقه. غير أنه ضمن تلك الحدود تستطيع رسم خطوطٍ عريضة لبعض الأمور، أولاً ينبغي أن تتحدث عن الفرق بين الصعيدين المهني والتكويني. ينبغي أن تسأل مالمدرب؟ بعضهم ديداكتيكيين أكثر، بعضهم لديه رغبة بطولية، فبعضهم أرثوذكسيين (تقليديين)، وبعضهم ليس كذلك. […] جميع المدربين محشوّون (أي يتشاركون) ببعض الأمور، غير أني أعتبر نفسي ديداكتيكي، أريد تبسيط الأمور بحيث يصبح اللاعبون واعين، وليس فيما يتعلقق باللعبة فقط. […] يجب أن تجعل اللاعبين واعين للأمور التي لا يروْنها، ليس أقل لأن اللعب كفريق يصعب شيئاً فشيئ في يومنا هذا”.خوان مانويل ليـّو

فلسفياً، يمكن أن نصنف المدربين على نوعين: الأول البراغماتي، وهو ليس بالطوباوي ولا يبحث عن الأسلوب ولا عن الكرة الفاضلة، مرن ويستطيع التكيف مع قائمة اللاعبين لديه، واستراتيجياً يستطيع التكيف مع الخصم. والآخر هو الأيدولوجي، وهو مدرب يمتلك أيدولوجيا (مجموعة أفكار ومفاهيم، أو عقيدة فكرية) يقوم بتطبيقها في أي فريق، تتطلب خصائص محددة. وعلى ذكر الخصائص فقد اتخذت هي الأخرى مساراً خاطئاً، فأي لاعب قادر على اللعب مع أي مدرب، ربما لن تجد مكاناً مع كلوب إذا لم تعطي أقصى ما لديك، يشاركه العديد من المدربين بذلك ولكن بإمكاننا أن نرى هنا أو هناك لاعبين لا يقدمون الكثير في الحالة الدفاعية، هذه المشكلة تتعلق بالتضحية والعطاء وليست لسبب كروي/فني محض. غير أنه جوهرياً، يا ترى مالذي سيقوم به لاعبٌ ما مع غوارديولا لن يقوم به مع سيميوني؟ غوارديولا يرغب بلاعب كرة قدم، ببساطة، ربما لأن القدرات التكتيكية والفنية والذهنية لم تعد الأساس في معايير كرة القدم التجارية المختلة، فازداد الطلب على “المحاربين” والعدائين وكثيرٌ منهم يمتلك إمكانات إدراكية/فنية متواضعة، ويجدون صعوبة في اللعب بمساحات ضيقة، وغالبهم حتماً ضحايا الفئات السنية، ذلك ما خلق نوعاً من التشويش وازدادت الحاجة للمدربين المعلمين/الديداكتيكيين –وهو غالباً صاحب فكرة وأسلوب- وهم أولئك المدربون الذي يعلّمون لاعبيهم المحترفين أساسيات اللعبة تكتيكياً، التمركز، توجيه الجسد، التخلص من الرقابة، استلام الكرة، التوقيت، الحركة والتفاعل وظيفياً مع الزملاء؛ كتبادل الأدوار أو شغل المساحات مؤقتاً إلى غير ذلك، تعليم كرة القدم متعلق بالأمور المغفلة بدعوى أنها اساسيات، هي بالعودة إلى الأسس، هذا ما يقوم به غوارديولا، سارّي، كونتي، بييلسا وغيرهم، أو في السابق مثل كرويف وساكّي وفان خال وآخرين. ذلك لايعني أبداً عدم وجودها لدى اللاعبين، أو وجود أي ميزة تكتيكية معينة، فكم من لاعبٍ انفجر وتألق مع بيب أو سارّي أو كلوب؟ الموضوع لا يتعلق بخلق موهبة، بل بالإضافة للاعبين، أو بإيقاد شمعة مطفأة، أو ربما الاكتفاء بوضع اللاعب بالمكان المناسب، الأمر متعلق بتوعية اللاعب كما يشير لـيـّو، فقد تتحسن تصرفاته تبعاً لذلك، “لا تتخذ نفس الموقع الذي يتواجد فيه زميلك، اضغط فوراً عند كذا وكذا” والأمر بالنسبة للمدرب المعلم عملي بالدرجة الأولى. وليس على خطى دزينغا عندما رغب بتغيير النظام الدفاعي قائلاً لمساعده المخضرم جيجي كانييه: “اخبرتهم أن يفعلوا ذلك”، فرد عليه كانييه قائلاً: “هذه الأشياء لا تقال فقط، بل يتم العمل بها”.

إن غاية مدرب مثل غوارديولا هو حل عُقد كرة القدم المتأصلة فيها قدر الإمكان، وذلك عبر تحديد الأدوار، بناء العادات؛ كاللعب بالمساحات القصيرة، اللعب بأقل لمسات ممكنة، أو حتى الاحتفاظ بها لدواعي معينة، فتصحيح الوضعية الجسدية، ذلك ما يجعل كرة بيب انسيابية وسلسة. بيد أن ذلك هو المنتج النهائي، فخلف هذه “البساطة” وليس “السهولة” عمل كبير، وقبل ذلك نظر ودراسة مستفيضة للعبة. كرة القدم كقوانين سهلة، ولكن أحد أكثر منغصات المدرب هو كيفية تبسيطها، فطبيعة اللعبة معقدة (تفاعل عناصرها العديدة في ذات الأثناء)، وتبسيطها يتجلى في محاولة فتح بصائر اللاعبين وتقليص عشوائية خياراتهم وسلوكياتهم، والأهم محاولة حسر العادات السيئة لدى اللاعبين قدر المستطاع، ذلك لأن التعقيد يزداد لأسباب تكتيكية فردية، حركة، أو استلام ليس بالصورة الصحيحة، أو رؤية متواضعة تجعل اللاعب يقوم بتصرف خاطئ أو أن يختار خيار تمرير خاطئ أو أن يتوقع توقعاً خاطئ… إلخ. إنما البساطة هي أكثر الأمور تعقيداً يمكن تحقيقه في لاعب كرة القدم، يقول دانتي بانزيري وهذا هو ديدن المعلم لأن هنالك العديد من المواهب وحتى النجوم يمتلكون نقاط ضعف وعادات سلبية يصعب عليهم الانفكاك منها عندما يكبرون.

إن استخدام أسلوب مثري قد يُبرز كذلك من قدرات اللاعب –كسبب- وليس فقط عبر أسلوبٍ كامل متكامل، فالكرة الفاعلة والتي تجعل اللاعب عضواً فعالاً فاعلاً قادرة على استخراج ما لدى اللاعبين، فكيف سيبدع اللاعب ويظهر ما لديه وفريقه يلعب بسلبية، كأن يقوموا بإرسال الكرات الطويلة نحو المهاجم، متخطين خطوط الفريق بالكامل؟ كيف سيبرز قلب دفاع يجيد اللعب بالكرة وفريقه يقوم بهذا الأمر؟ أو كيف سيلمع محور يُراد منه فقط افتكاك الكرات وعدم الاحتفاظ بالكرة؟ ستكون الكرة السلبية جناية لا تغتفر عندما تطبق على الفئات السنية. يتساءل الكثير لماذا الكرة في إسبانيا أو هولندا أو ألمانيا أو حتى بلجيكا –من بين بلدان أو مؤسسات هنا أو هناك- تنتج دوماً مواهب غزيرة، في الفئات السنية بالتحديد، إنما أحد الأسباب هي البيئة التي تشجع على الإبداع واستظهار الإمكانات، التحفيز على المبادرة وامتلاك الكرة، في الفعل والاستباق، وللحديث في ذلك شجون.

كذلك ينقسم المعلمون إلى نوعان: مدرب ديداكتيكي ومدرب دياليكتيكي، أمّا الديداكتيكي –تعني فن التعليم أو التعليم التوجيهي- فيأخذ بذلك صبغة تلقينية، إذ تُقدم الأفكار والمعلومات بشكل مباشر ومحدد للاعب، والتفاعل بين المدرب واللاعب أقل مما سيجده اللاعب مع المدرب الديالكتيكي. المدرب الديالكتيكي يميل إلى التعليم الجدلي، وبالحوار، وفي فسح المجال للاعبين بالتفكير بأقل املاءات ممكنة.

فان خال يمتلك نظرة جيدة لكرة القدم، ولكنها ليست نظرتي. فهو يريد لفرقه أن تكون فائزة، كما أن لديه طريقة عسكرية في تعليم تكتيكاته، أمّا أنا فلا، إذ أريد من الأفراد أن يفكروا بأنفسهم.

يوهان كرويف

كرة الهولنديان العظيمان كرويف وفان خال متشابهة، جداً، ولكن الأسلوب التعليمي/التدريبي يختلف بشكل نوعي، لم يكن كرويف يحبذ أنماط اللعب وتكرار الحركات والتمارين عدداً وشكلاً كفان خال، إذ كان أمْيل لتعليم الأساسيات التي ذكرناها، وقليلٌ من الأنماط والألعاب المركبة، بل يعتمد أكثر على الأنماط الحركية، يسير رالف رانغنيك على درب كرويف، فيشير في إحدى مقالاته أن فرقه تملك فقط نمطين أساسيين في الحالة الهجومية، الأمر شائع عموماً في المدرسة الألمانية الحديثة متمثلة في كلوب وتوخيل وناغلزمان وبقية الألمان، الأمر مماثل لدى الهولنديين وهم الرواد، كبيتر بوش وتين هاغ كأمثلة، الشيء ذاته شائع في بلجيكا والبرتغال وبعض البلدان أو أفراداً آخرين. هؤلاء المدربين يعملون بالتدريب الضمني، يطورون السلوكيات المرغوبة بالمباريات المصغرة والروندو أكثر، فيستخدمون سبلاً معينة لاستحثاث سلوك معين، وليس تلقينه مباشرة، إذ لا يفضلون أتمتة اللعب، بل يعطون إرشادات عامة، مبادئ أساسية، فيعوّلون أكثر على ذكاء اللاعب واستيعاب المغزى والمقصد، وليس عبر التحفيظ والتكرار. في المقابل ينتمي أريغو ساكي وفان خال كما أسلفنا للمدرسة الديداكتيكية، أسلوب تدريبي/تعليمي موجه، حرص على الهيكل والبنيوية، أنماط لعب وألعاب مركبة. وحالياً مدربين كبييلسا أو كغوارديولا وسيتيين وكونتي وسارّي وجامباولو وغاسبيريني وغيرهم، وهي أكثر انتشاراً في إيطاليا عن غيرها، ربما لطبيعتهم الأوركسترالية –كناية على تحكمهم بكل صغيرة وكبيرة- وهي ملحوظة في إسبانيا كما يقول راول كانييدا “الكل يجب أن يعزف من نفس الورقة“، وهذا ما يجعل هذه الفرق مميزة –أي قد تستطيع تمييزها- من بين عديد الفرق. ولا شك أن هناك طرقاً أخرى في التدريب، فهناك من يكتفي بتدريب اللاعبين بسياق المباريات، أقل تعليمياً، وهناك من لا يعلم قط، هناك من يهتم للفوز، وقدرات لاعبيه تحدد أسلوبه، هناك من يغرس بعض الأفكار ويفسح المجال للاعبيه في الابتكار، أما المدرب المعلم فهو أحوج إلى الوقت من غيره. كما أن المدرب الغير عابئ بالأسلوب وبالتعليم يمكن أن نضعه ضمن مدربي المدى القصير، حتى لو بقيَ سنيناً طويلة في نادٍ معين، فتغيرهم وتجددهم بتغير مواردهم علاوةً على حرصهم على الانتصار يطيل فترة بقائهم، بصرف النظر عن الأسلوب وجوده وعدمه، يفضل بعض هؤلاء الطرق المختصرة، إذ يتسمون بالإدارة أكثر وبالفنية أقل، فيدافع أمام القوي ويهاجم أمام الأضعف، يبادر أحياناً ويخاطر أحايينا، وهذه يقيناً لا تجعل للفريق نكهة، وهذه غالبية فرق كرة القدم اليوم، وفي عالمٍ يُأثر إبراز المحاسن والمفاتن، فرُبّ لقطةٍ لمدة 30 ثانية يتناقل فيها فريق ما الكرة كفيلة بإقناع السذج بأن الفريق س يلعب طوال الدقائق المتبقية هكذا، أو معاناة فريق باختراق خصمه وتدويره للكرة لخمسين تمريرة ستجعل من الهدف ممتعاً “بالضرورة”. ختاماً، العالم يطغى عليه التقليدية والعجلة في القيام بأي أمر أو عمل، الأسلوب هو الإبداع والاختلاف، على الرغم من ذلك، وجود الأسلوب أو عدمه لا يقلل من أي مدرب، لن يقلل من مدرب كمورينيو بمعرفته وفطنته بل وبتفوقه منهجياً في التحقيب التكتيكي، فالإعداد البدني لمورينيو متطور وعصري ويستحق صبراً وتقديراً. على أي حال، يصعب أن نضع المدربين بذات السلة، كما أن التصنيف ليس أمراً هاماً، إلا أنه ينبغي أن ننصف المدرب المعلم، العملة النادرة، فليس كل مدرب معلم كما يقول كرويف. ليس هنالك تعريفاً يصف بدقة ماهية دور المدرب، إذ أن هنالك أموراً مشتركة محدودة جرى ذكرها، عدا ذلك فالاختلاف ثراءٌ بينهم، في التعامل مع اللاعبين وفي التغذية، وفي تصميم التدريبات وفي الأولويات، أماً تكتيكياً فالمدرب لا يستطيع إلا أن يسيطر على القدر الذي يستطيع السيطرة عليه، بل يتعين عليه القيام بذلك، أمّا قرارات اللاعبين، والتعامل مع شواشية اللعبة، يعود بالنهاية للاعب، مراعين التبدل والتغير المستمر في حالات ووضعيات اللعب وفقاً للخصم والزميل والكرة والمساحة والتوقيت، أما المدرب فهو الموجّه والمرشد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: