التدريبات التحليلية

يقول كونستانتين برانكوشي أن البساطة تكمن في حل العقد، قد تكون تلك غاية المدربين الذي يعتمدون الأسلوب التدريبي/التعليمي الديداكتيكي، والذي يرتكز على التعليم الصريح وتقليص دور اللاعب في عملية التعليم، فيغلب على المدرب تصميم تدريبات منظمة وواضحة الأهداف وليس على اللاعب إلا التطبيق، وعلى الأكثر معرفة الأسباب، هذا النوع من التعليم/التدريب ينطوي على الإجابة. إذ يصبو المدرب هنا على توحيد السلوكيات واللغة المشتركة بين اللاعبين. يكون اللاعب واعياً هنا لما سيقوم به –كما ذكرنا في المقال السابق- إذ يسعى المدرب بهذه الطريقة أن يعوّد لاعبيه على قراءة لعب معينة لكل حالة، واضعاً نقاط مرجعية يرجع لها اللاعب في إتخاذ القرارات، مختصراً الوقت على اللاعب في المباريات أينما لا يكون هنالك متسع من الوقت للتفكير.

لطالما كانت طريقة تدريبي قائمة على أكبر قدر من النصائح، بحيث يكون اللاعبون على دراية بما سيقومون به في كل حالة.

أنتونيو كونتي

التدريبات التحليلية

التدريبات التحليلية هي اجتزاز حالة أو وضعية من سياق اللعب والتدرب عليها بشكل منفصل، من السهل للصعب ومن البسيط إلى المركب. يصعب أن يحيط المدرب بكل حالات اللعب في الخطة التدريبية وأن يصمم تمارين لكل حالة وموقف. ولذا من الحكمة اختيار الحالات الأهم، والحالات التي يمكن السيطرة عليها، وحالات مايكروية/جزئية في أسلوب اللعب إذا ما كان المدرب صاحب أسلوبٍ عميق، وذلك بغرض الاقتصاد في الوقت. يبدأ المدرب بالعمل على الحالة المنتقاة بالتدريج، من تمرين بسيط؛ أي بتمارين بلا خصم، أو بخصم غير فعال وساكن. لاحقاً وبعد اعتياد اللاعبين على التحركات المرغوب بها، سيضيف المدرب خصماً، ربما بمواقع معينة، وكذلك سيرفع النسق حينئذٍ يصبح التمرين مركباً. لاحقاً قد يضع المدافعين بمواجهة المهاجمين لو كانت الحالة المنتقاة هي بناء اللعب من الخلف مثلاً، وهذه قد لا تنتمي للتمارين التحليلية التقليدية لأن المستوى قد يوازي مستوى المباريات (تسمى أحياناً تمارين تركيبية)، غير أن الحالة ستكون محددة والتوقفات ستكثر للتصحيح والتعديل والشرح. يقوم المدرب أيضاً بالتشديد على العناصر أو الطريقة التي يريدها في تلك الحالة المنتقاة في التمارين التنافسية المشابهة للمباريات تعقيداً وشدة 5ضد5 أو 6ضد6… الخ، فالمدرب هنا قد يكتفي بالتصحيح والتوجيه، وهذا الأمر على أي حال سيقوم به في جميع المراحل من البسيط إلى المركب وصولاً للتنافسي، مع تكرار ممل واستيقافات للتصحيح والتوضيح خصوصاً في المرحلتين الأوليتين، ومع التكرار وتعليمهم وهم واعين تترسخ هذه التصرفات باللاوعي فيتذكر اللاعب –جراء المحفزات اللاشعورية- تلقائياً ما عليه فعله في أي وضعية.

سامبدوريا يعملون على خطة 4-3-1-2، تناقل الكرة بسرعة واختراق الخصم من العمق/حركة المهاجمين.
قبل ذلك عمل على الضغط العالي، نرى أن المهاجمين لا يقطعون الكرة بل فقط يكتفون بالضغط بالشكل المطلوب، مسار الركض والتمركز المبدأي.
من الدقيقة 8 يطبق الفريق عدة تحركات هجومية دون خصم/ضغط.
من أطروحة فارنتشسكو كالدزونا (مساعد سارّي)، نرى هنا ترجمة لوضعية معينة من التدريب إلى المباراة.
في المثال الأول أوردت تمريناً لتطبيق الحركة بلا خصم، ومن ثم سنرى ترجمة لها في المباراة.
لا تقع في وهم الباريدوليا، أياكس لا يقومون بالألعاب المسبقة الترتيب (في المقال القادم سنفصل إن شاء المولى)، هو تجلي فردي من فان دي بيك أكثر من أي شيءٍ آخر.

إن الدافع للمدربين الذين يطبقون أسلوباً تدريبياً ديداكتيكياً هو توحيد سلوك اللاعبين كما أسلفنا، قد يجد بعض اللاعبين أنفسهم بهذا الأسلوب، فالبعض قد لا يمتلك إمكانات ادراكية عالية، فالتفكير يأخذ وقتاً منهم مع سرعة اللعب والنسق، لذا فالأجوبة من المدرب ستكون شافية وافية له، ومع ذلك فحتى بييلسا الذي يطبق هذا الأسلوب التدريبي يعتقد بعقم السيناريوهات الماقبلية –إذا ما فُقدت- وإذا ما بالغ المدرب في ميكنة فريقه. عادة ما يثق مدربون ككونتي أو سارّي –من بين كثيرين- بما يحضرون وبالتدريب المكثف لصنع أسلوب بتحركات محددة لكل حالة، هجومياً ودفاعياً وفي الكرات الثابتة، فما تدربوا لن يغيروه بسهولة، فتبديلاتهم ستكون لاعب بلاعب، وأحياناً يضيفون لاعباً في الخط الأمامي في الدقائق الأخيرة عندما لا تكون النتيجة بصالحهم، إذ لديهم ثقة عمياء بأساليبهم، ولن يحتملوا تغير الدينامية والخطط والتحركات المسبقة عبر تغيير الخطة أو عبر تعديل مواقع اللاعبين، بيب غوارديولا أو بييلسا كذلك يثقان بما عملا في الأسبوع التدريبي بالخصوص وبالعمل الذي تم في الأشهر السابقة عموماً، رغم ذلك فلديهم شيء من المرونة في التعديل والتبديل، واثقين بقدرة اللاعبين على التكيف والتأقلم.

“يلعبون كرة قدم جذابة تمتع الجماهير، نفس الأمر الذي يقوم به أياكس ولكن بأقل عشوائية، السيتي أكثر انتظاماً.” فان خال عن سيتي غوارديولا، يكمل: “بيب رجل منظم وعلى اللاعبين اتباع ما يريد، بينما مع تين هاغ يستطيع اللاعبون القيام بأمور مختلفة عما يريد.”

“إنه عبقري حقاً، يرى أشياءاً لا يراها الآخرون. إنه يجعلك تفهم كرة القدم وكيف أنه يمكن التنبؤ بها، إنه عالم. يملك جواباً لكل سؤال يُطرح عليه، ودائماً ما يكون على صواب، هو يجعلك تفكر بجماعية وليس كفرد، باختصار كرة القدم معه رياضيات.”

كوليبالي عن سارّي

في مقابلة لإيلياكيم مانغالا مؤخراً سئل عن الفرق بين غوارديولا وسام ألاردايس، أجاب بأن  بيب يعالج كل وضعية وحالة، “من الأسهل كثيراً اللعب هكذا، لأن شيئاً ما لن يكون محض صدفة […] يعتقد الناس أن الموضوع مجرد تيكي تاكا! أتذكر أنه مرة قضى 10 دقائق في توضيح الكيفية الأفضل للدفاع ضد رمية التماس“، الغريب في الأمر أن مانغالا قال أن ألاردايس كان لا يحضر التمارين إلا قبل المباراة بيوم أحياناً كثيرة، ناهيك عن تطبيق أسلوب وتعليم! المدربون ليسوا سواسية، لن يكونوا كذلك لأنهم يحملون نفس الرخصة!

 بلا شك نطاق ما يسع المدرب التحكم به ليس كبيراً، لن يطلب غوارديولا من أجنحته كيفيةً معينة للفوز بحالة 1ضد1، هو فقط سيطلب منهم البقاء في الجهة المقابلة لحدوث هذه الحالات، هو فقط سيفتح عينيك لأمور قد تجهلها، لحالات حرجة واقتراح حل أفضل للاعب، فمن الأفضل أن تكون لمستك الأولى نحو مرمى الخصم إذا كان ذلك متاحاً، لكن الخيار متروك لك إذا تمت مضايقتك، في أن تقاوم الضغط وتحاول الدوران أو أن تعيد الكرة للخلف، فاللاعب بالمساحات الضيقة مضطر لاتخاذ قراره بسرعة فلا يتسنى له اختيار تكنيك معين أو وضعية معينة فلن يتيح له الخصم ذلك، وذلك لأن كرة القدم ظاهرة معقدة، فأحياناً ستجد مساندة وأحياناً لا، أحياناً ستكون مضغوطاً من أكثر من لاعب، ستكون محاصر على خط التماس وظهرك لمرمى الخصم وغير ذلك، فكيف للتكتيك المسبق في عالمٍ حركي متغير، ويحدث فيه اللامتوقع يبدو أمراً منطقياً؟ يتسائل مينوتي.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: