الفيديو التحليلي

إن استخدام الجلسات التحليلية وبالرغم من أهميته هو أمرٌ حديث، يتحدث مدرب هوفنهايم ألفريد شرودر في مقابلة مع  vi.nl أنه لم يعرف الفيديو التحليلي إلا في آخر موسمٍ له كلاعب 2008/09، كان ذلك مع مدرب فيتيسّه ثيو بوس آنذاك. “لم نرَ فيديوهات (تحليلية) قبل ذلك، لا لفريقنا ولا للخصوم”، الإيطاليون كانوا سباقين في هذا الأمر، فيشير فيكتور سانتشيز أنه شهِد فيديو تحليلي لأول مرة بعهد فابيو كابيلو في ريال مدريد. “بسن الـ22 كان ذلك اكتشافاً بالنسبة لي” يكمل مدرب ديبورتيفو السابق: “قبل هذا الوقت لم نناقش لقطات فيديو للحالة الهجومية والدفاعية للخصم وكيفية مواجهتها.”

لم يكن “جميع” المدربين في السابق يحللون خصومهم، والقصد هنا قبل المباراة، ففي المباريات يتعرف الفريقان على بعضهما في الدقائق الأولى استراتيجياً. أما قبل المباراة فكان البعض يرسل جاسوساً، البعض يرسل كشافين لمشاهدة مباريات الخصم المقبل. ما بالك وإشراك اللاعبين في هذه العملية! أمّا اليوم فأضحت ذات أهمية كبيرة، وكل الفرق المحترفة وحتى بعض الفرق النصف محترفة تمتلك متخصصاً للتحليل، أو على الأقل تدرس خصومها.

لقد سهلت التكنولوجيا اليوم وذللت العديد من العقبات، حيث تعفينا اليوم -ولو جزئياً- من إرسال الكشافين/المحللين وتكبيدهم عناء السفر والترحال لمشاهدة الخصم القادم، إذ توفر عديدٌ من المنصات المباريات واللقطات وبصورة بانورامية شاملة للملعب من الدفاع إلى الهجوم، بل وبوسعنا انتقاء الحالات المرغوبة، فبضغطة زر نصل للحالة المرغوب بها، بل وبإمكاننا تصميم مصفوفة خاصة بنا للحالات والمواقف التي نرغبها. وبالرغم مما تخبئه الكرة من خبايا، ولاتنبؤيتها التي لا نستطيع بالطبع أن نتحاشاها، إن كان تكتيكياً أو انفعالياً/عاطفياً، عندئذٍ نطاق ما يسعنا تحليله نطاق جزئي ولكنه حاسم أحياناً، إذ نستطيع أن نتعرّف على سلوكيات وعادات الخصم جماعة وأفراداً، مبادئهم والكيفية التي ينتهجون بها المباريات ويبقى الجانب الغامض من اللعبة متروكاً للدعاء!

التحليل في كرة القدم هو عملية تجميع المعلومات والبيانات حول الخصم أو فريقنا، ومحاولة تمييز الخصائص ونقاط القوة والضعف والتي على ضوئها نتخذ التدابير المناسبة ونقوم بانتهاج استراتيجية مضادة لذلك الخصم أو على مستوى فريقنا في التحسين والتطوير. كلمة scouting وتعني الكشافة، هي تشير للمحلل وخصوصاً فيما يتعلق بالإحصائيات، في إيطاليا كان الطاقم الفني يضم عضواً يطلق عليه “التكتيكي”، هذا الدور لم يكن يضع باعتباره الجانب الإحصائي. اليوم هناك الـMatch analyst وهو المسؤول عن الدورين، وربما يكون هناك متخصص للتكتيك وآخر للإحصائيات.

“بإمكانك تحليل أمورٍ كثيرة، أما أنا فأميل للتكتيكات. أفكر كمدربٍ يريد استخدام فيديو لكتابة تقرير تكتيكي يعود للفريق بالنفع.”

كارليس بلانشارت محلل بيب غوارديولا.

يقسّم دانييلي دزوراتّو (مدرب إيطاليا U16) عملية التحليل في أطروحته التي خصها عن إعداد الفيديو التحليلي للخصم كالتالي: 1- مرحلة الرصد: أين نجمع معلومات مفصلة عن سلوكيات الخصم مجموعةً وأفرادا. 2- الإعداد: في هذه المرحلة نحاول معالجة المعلومات التي جُمعت. 3- التطبيق: أخيراً سنستخدم تلك المعلومات المُعالجة لإستراتيجيتنا في مواجهة الخصم.

لا شك تختلف النماذج وطرق العمل وبروتوكولاته من مدرب لآخر، ومن محلل لآخر. بعض المدربين يسند المهمة برمتها للمحلل بالتعاون مع المساعد، بعضهم يتولاها بنفسه مع الأخذ بمشورة المساعدين. لارس كورنيتكا مساعد ناغلزمان ومحلل سابق لدى رانغنيك وروجر شميدت وعمل كذلك مع غوارديولا، مثلاً، لا يمانع من استجلاب المعلومات ممن لعبوا مع الخصم السابق، أو حتى الاستفسار عن مدرب الخصم ممّن يعرف المدرب. حتى الشروحات وطريقة المونتاج تتمايز وتختلف، الفيديو كمادة مرئية تتحدث عن نفسها بنفسها، فلسنا بحاجة للإسهاب بالشرح، “أستخدم الفيديو لشرح أفكاري، وبدونها ستكون التدريبات متعبة” يؤكد غوارديولا. الأسهم والإشارات ذات أهمية أيضاً فيزعم دزوراتو أن الرسومات تساعد بعض اللاعبين الذين يمتلكون رؤية قاصرة لتطور اللعب أو عواقب التمركز الخاطئ. عدد المباريات يختلف كذلك، هناك من يحلل آخر 3 إلى 5 مباريات، فيما يتعلق بالكرات الثابتة تزيد عدد المباريات إلى 7 أو حتى 10 كما يعمل فيكتور مانياس محلل أوناي إيميري. تقديم وعرض الفيديو -لا على التعيين- عند دييغو بيريز محلل باكو خيميز السابق ومحلل نادي ليل الحالي يعرض فيديو للفريق بعد المباراة بيوم للوقوف على أداء الفريق، ومن ثم يقومون بعرض فيديو للخصم قبل المباريات بيومين، بعدئذٍ فيديو خاص بالكرات الثابتة للخصم قبل المباراة بيوم واحد.

“خلال المباريات نسجل بكاميراتنا الخاصة تحليلاً حياً، حيث نرسل اللقطات إلى الدكة، -تلك اللقطات- مقتطعة لمفاهيم معينة بحيث نعرضها بين الشوطين للاعبين. أو يطلب المدرب أحياناً حالة معينة نصورها ونصححها. تلك اللقطات مقتطعة لمفاهيم مثل، بناء اللعب، الضغط، الأخطاء الدفاعية، الكرات الثابتة، الخ، ونقوم بأخذها إلى غرفة الملابس… هذا ما نقوم به أسبوعياً فيما يتعلق بالتحليل، ربما أكثر أو أقل.” -دييغو بيريز

“نحن نستعمل العديد من الأدوات والمنصات التي يمكن من خلالها الوصول لمقاطع الفيديو والبيانات في غضون ثواني، لكل نادي، يحصل اللاعبون بعدئذٍ على هذه المعلومات عبر تطبيق على هواتفهم […] إننا نقوم بهذا الأمر ليس فقط كأداة مساعدة للتعلم للقيام بردة فعل أفضل في بعض الحالات، ولكن أيضاً من ناحية تحفيزية، ثم نقوم بقصقصة لقطات ملخص للاعب طمعاً في دعمهم.”

لارس كورنيتكا

تحليل المباراة يبدأ بجمع المعلومات العامة “المبادئ”: هجوم > تحول من الهجوم للدفاع – دفاع > تحول من الدفاع للهجوم – الكرات الثابتة. عادة نضع الأطر العامة للخصم في الحالة الهجومية؛ خطة الخصم في الحالة الهجومية (3-4-3 مثلاً)، بناء اللعب (مثلاً: منوع ما بين كرات قصيرة وطويلة)، مرحلة الخلق وتطوير الهجمة (تكثيف الأطراف)، مرحلة الإنهاء (عرضيات مبكرة، عرضيات عكسية cut-back). بعد ذلك سنتعمق في تحليل الخصوم؛ أيّ المبادئ الفرعية، ونعني بذلك جزء من أجزاء الفريق، أو سلوكيات الفريق في جزء من أجزاء الملعب؛ كيفية بناء اللعب من الخلف مثلاً عدداً وتموقعاً، تصرفات الظهيرين مثلاً ما إذا كانا يتقدمان سوياً، أو كظهيري غوارديولا الوهميين واللذان يدخلان للعمق. ماذا نقصد بتكثيف العمق؟ تقاطع الظهير مع الجناح والزيادة العددية من قِبل أحد لاعبي الوسط لخلق مثلث، سقوط المهاجم وسحبه للمدافعين فاسحاً المجال لأحد لاعبي الوسط التوغل نحو المنطقة. تقدم الظهير خلف دفاع الخصم في مرحلة الإنهاء لمهاجمة القائم الثاني… إلى غير ذلك.

مثال: خلق مثلثات وزيادة عددية على الأطراف. نرى القلب الأيسر يتصرف كظهير عادي في الحالة الهجومية لأتالانتا.
مثال: قطع بابو غوميز بالكرة للداخل هي بمثابة إشارة لتحركات اللاعبين من الجهة الأخرى: المهاجم يأخذ مراقبه فاسحاً المجال لكريستانتي الدخول للمنطقة.
مثال: متغير لقطع أو قص بابو هنا الظهير سبيناتزولا يتوغل في قناة بين القلب والظهير طالباً الكرة وجاذباً نحوه فاسحاً المجال لإيليتشيتش.

ثم في الحالة الدفاعية؛ بأي شكل يقف الخصم؟ (5-4-1)، ما هو النظام الدفاعي؟ (مراقبة رجل لرجل)، ما هي منطقة الضغط؟ (عالي؛ في ثلث الخصم الأول)، هل يمتلكون استمرارية في الضغط العالي؟ سنبحث عن الحلول لمواجهة هذا النوع من الدفاع، كيف نستطيع إخراج الكرة من الخلف، مثلاً: عبر سقوط أحد لاعبي الوسط على رأس منطقة الجزاء للزيادة، أو حتى لعب كرات طويلة موجهة إذا كان الخصم أقل على مستوى الهوائيات. في المراحل المتقدمة من الهجمة، مثلاً، سنطلب من المهاجمين القيام بحركة مضادة، أي التحرك لجهة ومن ثم يغير الإتجاه فيتحرر من الرقابة، أو تحرير الزملاء بواسطة السقوط المتكرر، أو حتى التوغل للاعبي الوسط للزيادة العددية.

الحركة المضادة سلاح فتاك إذا ضُبط أمام الفرق التي تدافع رجل لرجل بغية التحرر من الرقابة.
استراتيجية نابولي ضد لاتسيو الذي يطبق نظام رجل لرجل، نرى استغلال نابولي للقنوات الجانبية كثغرة يستهدفها لاعبي الوسط للتوغل،
مستفيدين من انجذاب القلب والظهير للمهاجم والجناح على التوالي.
مثلاً لو كان خصمنا يلعب بدفاع منطقة، بمثل خصائص نابولي “فريق ضيق” يمكننا نقل اللعب للجهة الأخرى قياساً على أنهم سيتبعون الكرة وسيضيقون المنطقة حول الكرة. هنا نرى تعامل السيتي بحيث يغيرون اللعب ويستغلون انبلاج ثغرة ما بين القلب والظهير. أحياناً على عمق الملعب يمكن أن نلعب إلى أحد الجتهين وبتسريع وتيرة اللعب تظهر الثغرات كهذه.
خط الدفاع العالي، يمكننا استغلال جمود خط الدفاع لدى فرق المنطقة خصوصاً.
يمكننا اصطياد الفرق جامدة أحياناً، ربما ضمن استراتيجية المدرب أو إبداع اللاعبين. غالباً ما استلم توتي الكرات وظهره لمرمى الخصم، بالتالي سيبقى الدفاع ثابتاً ولكنه سيفاجئهم بلعبة من لمسة واحدة خلف ظهورهم.

ثم التحولات، في التحول من الهجوم للدفاع؛ يبادر الخصم في أخذ خطوة للأمام عوضاً عن العودة، كل لاعب سيضيق على خصمه المباشر والقريبون من الكرة سيضغطون فوراً، ولكن ماذا عن هيكلهم قبل خسارة الكرة، قد يتقدم لاعبيْ الوسط باستمرار فنستطيع أن نركز على هذه البؤرة في تموقع المهاجمين استعداداً للارتداد. بعد ذلك في التحول من الدفاع للهجوم؛ في تعامل الخصم عند استعادتهم للكرة، الترتيب الماقبلي للمهاجمين عند الفوز بالكرة في منطقة متأخرة، أو ردة فعل ظهيري الجنب لحظة الفوز بالكرة. إلى حدٍ كبير التحولات مسألة سلوكية خصوصاً في الهجمات المرتدة.

ثواني فقط خسر شالكه الكرة واستعادها عبر الضغط المضاد الجزئي، تأهب لاعبو مونشنغلادباخ تلقائياً وغيروا موقفهم إلى الهجوم “انتشار”. شالكه يستعيد الكرة ويقوم بمرتدة.

أخيراً الكرات الثابتة؛ ركلات الزاوية، رميات التماس، الكرات الثابتة عموماً. سنحلل هنا الخصم في الكرات الثابتة هجومياً؛ كم عدد اللاعبين داخل المنطقة؟ يغلب على الفرق اللعب بخمسة ولكن في حالات معينة يزيدون أو يقلصون بناءً على النتيجة والوقت. هل يفضّلون التركيز على القائم الأول، هل يقومون بخدع وألاعيب؟ أو يقومون بعمل اعتراضات لتحرير زملائهم من مراقبيهم؟ كم عدد المنفذين؟ مالإشارات التي يستخدمونها، إيماء باليد، أو قفز اللاعب الثاني -أي المنفذ الثاني- فوق الكرة. هل تمركز اللاعبين خارج المنطقة ليس كما يجب؟ أي يمكننا مداهمتهم بالمرتدات؟ ومن ثم الخصم في الكرات الثابتة دفاعياً، مالنظام الذي يطبقونه؟ نظام هجين / جزء يراقب رجل لرجل وجزء آخر يقفون بمنطقة محددة سلفاً، هل نستطيع استغلالهم في القائم الأول، بالكرة الثانية إلى القائم الثاني، هل قوة الخصم في الهوائيات قد تجعلنا نفكر بالكرات القصيرة، الخ. في كتابه The Evolution يذكر مارتي بيرارناو أن مساعد غوارديولا دومينيك تورّنت والمحلل بلانشارت لاحظا نزعة سلبية لدى شتوتغارت في ركلات الزاوية، إذ يميلون للعب كرة قصيرة لإينسوا الذي سيرسل عرضيته نحو المرمى، ولكنهم للتغطية لا يوجد إلا المحور سيري دي والبقية “8” لاعبين داخل أو حوالي المنطقة، عند عرض الفيديو زعِم تورنت أنه إذا ما تمكن اللاعبون من افتكاك الكرة من إنسوا سيخلقون خطراً حقيقياً. ذلك ما تم ولكن عرضية إينسوا الضعيفة التقفها فيدال ليقود المرتدة، 6 لاعبين للبايرن أمام سيري دي، وهدف “درسناهم، ودرسنا كيفية القيام بذلك وذلك ما تم فعلاً” يقول بلانشارت.

استخدم سوسيداد مؤخراً هذا التنظيم لصد ركلات ميسي المباشرة.
screening أو الحجب أو الكشف في كرة السلة مشابهة لعملية اعتراض المراقب هنا، الفريق المدافع هنا يستخدم رجل لرجل.

علاوة على كل ذلك ينبغي أن نتعرف على سلوك الفريق من الناحية الاستراتيجية، هل يسلك الفريق وينتهج نفس النهج أمام أي خصم، هل يبادر الخصم على ملعبهم؟ هل يتحفظون خارج قواعدهم وما إلى ذلك. يضعها دزوراتو في الحسبان، فهو سيحلل الخصم عندما يحلون ضيوفاً في آخر مبارياتهم، “إذا لعبنا داخل أراضينا، فالفيديو الذي سنعده للخصم سيكون في آخر مباراتين له خارج ارضه، وآخر مباراة على أرضه”.

ثم على المستوى الفردي، التشكيلة الأساسية المحتملة، تحليل سلوكيات الأفراد، خصائصهم ومزاياهم ومثالبهم ونقاط ضعفهم، مثلاً كان كرويف يعتقد أن خوسيه غاراتي مهاجم أتليتكو في التسعينات والذي أذّى برشلونة كثيراً لا يكون فعالاً إلا عندما يُراقب، إذ يجني المساحة عبر سحبه للمدافع، “أتعلمون، لن نراقبه” يقول كرويف، وعليه فنقطته المرجعية فقدها وظل الطريق. ليس فقط على المستوى التكتيكي المحض، وإنما أيضاً على المستوى التكتيكي-الفني في اللمسة والقدرة على اللعب في المساحات الضيقة، قد يكون أحد لاعبي الخصم صاحب قدرات ضعيفة في السيطرة على الكرة وبالتالي سيكون أحد مثيرات الضغط لدينا، ففور استلامه للكرة سيكون إشارة للفريق أو اللاعب القريب في بدء الضغط. كذلك على مستوى الرؤية والإدراك، فاللاعب “س” لا يسترق النظرات خلفه فيكون محطة ضغط. حتى المستوى النفسي يمكن تحليله، في استفزاز لاعبٍ ما (لا أؤيد ذلك، لكن هناك من يقوم بذلك). لا يمكن إغفال الجانب البدني، فقد تؤثر على بعض المدربين قدرات الخصم البدنية على خياراته، سنستخدم قلب قوي بدنياً وفي الهواء أمام خصم قوي بهذا الجانب وهكذا. كما لا يجب أن ننسى الحراس أيضاً إذ يهتمون بمعرفة خصومهم، في الكرات الثابتة أو ركلات الجزاء، والعكس بالعكس فيدعم المحللون المهاجمين بتحليل حارس الخصم، والظهير والجناح المواجه له …الخ. وعلاوة على ما سلف سنحاول إلقاء الضوء على الحالة البدنية للاعبين، واحتمالية أن يكونوا مرهقين، أو استغلال قلة المجهود أو انخفاضه.

بلانشارت يعطي مثالاً للتحليل الفردي؛ إذ يبين تصرف جورجينيو في الحالة الدفاعية، حيث يذكر أنه جورجينيو يمتلك نزعة للقفز فوقاً، مخلفاً وراءه مساحة.
هذا العيب سيستغله الفريق بدءاً من ملعب التدريب، إذ سيحاكي أحد اللاعبين سلوك جورجينيو. نرى أن هذه النزعة تكررت فعلاً، ولم تكن محض حالة عشوائية.

“ارفد بيب غوارديولا عمله الميداني بمقطع فيديو لتمركز توتي المحتمل والذي أعدّه كارليس بلانشارت:

“أنظروا – توتي سيغطي تشابي ألونسو، ولكنه لن يتمكن من القيام بذلك لفترة طويلة، لذا يا تشابي لا تقلق في البداية، سيضغط توتي بقوة في العشر دقائق الأولى ولكني أضمن لك أنه سيقف وسيدعك حراً طليقاً. ولهذا السبب نستطيع اللعب بثلاثة في الخلف؛ بن عطية على اليمين، بواتينغ في المنتصف وألابا يساراً. ولكن دافيد، أريد فقط أن تكون مدافعاً عندما يهاجموننا، بهذه الحالة يجب أن تألف سرعة جيرفينيو، ولكن عدا ذلك أريدك لاعب وسطٍ إضافي […] أسمعوا جميعاً، هذا ما سيحدث، إنهم يعتقدن أنه بمقدور توتي أن يوقف تشابي ولكن بعد 10 دقائق سيستسلم، وسيتمكّن تشابي من إخراج الكرة بيسر. لام سيُترك تماماً، وألابا سيمنحنا تفوقاً عدديا على الطرف الأيسر، بالضبط في المكان الذي لم يضعوه بحسبانهم …”

بيب غوارديولا من كتاب بيرارناو السالف الذكر.

إن التحليل نوعان فما سبق يدعى التحليل النوعي، مدعوماً بلقطات وصور للحالات شريطة أن تكون متكررة، أمّا النوع الآخر فهو التحليل الكمي؛ وكما يشير الاسم فهو يتعلق بالاحصائيات والأرقام المجردة، عدد الأهداف المسجلة والمستقبلة، خلق الفرص، نسبة الاستحواذ، المنطقة الأكثر استهدافاً، وأيضاً على المستوى الفردي، البينيات والتمريرات الحاسمة، عدد مرات الاعتراض …الخ. التحليل والتفكير –النوعي خصوصاً- ينطلق من منظور ذاتي/شخصي فكلٌ يرى اللعبة من منظور خاص، لا يرى اثنان المباراة بذات الكيفية ماذا وإلا هناك مَن نقل مِن الآخر! يزعم دزوراتو مثلاً أنه ينبغي أن يرى المحلل اللعبة بذات الرؤية للمدرب، ويعني بذلك الحالات التي تشد المدرب أكثر، من الممكن أن يتناغم المدرب والمحلل ولكن أن يشاهدا المباراة بنفس الطريقة أمرٌ صعب. يرى أندريا مالديرا وهو المحلل السابق لميلان والذي يعمل حالياً لمنتخب أوكرانيا رفقة شيفتشينكو أن المحلل الجيد هو الذي يقدّر ويقيم أي حالة بأقصى موضوعية ممكنة، دون أن يضع نفسه مكان المدرب “هذا لا يعني أننا لن نقول برأينا ولكننا سندعم آرائنا بالأرقام والبيانات، وبالطبع بالفيديو مصداقاً لدورنا”.

رؤية المباراة هي رؤية ذاتية، فكرة القدم ليست علماً بالنهاية، لكن أي ادعاء ينبغي أن يُدعم بإثباتات، وبالتالي يصبح موضوعياً، وإلا سيكون الزعم هراءاً محضاً، وربما عاطفياً، أو أن تؤثر الأفكار المسبقة -نظراً لضيق رؤيتنا لكرة القدم- على تحليلاتنا فنعتمد على ما يريده المدرب عوضاً عما يحدث فعلاً. فعندما نحلل فريقاً ونزعم أن الفريق “ص” يركز في هجومه على عمق الملعب، يتعين علينا إثبات ذلك، تكرر تموقع عدد من اللاعبين في عمق الملعب، مدعوماً بمتوسط تمركزهم احصائياً، وصول الكرة إليهم وتطور هجماتهم من خلال العمق، أو حتى حال عجز الفريق تطبيق ذلك معللين ومبرهنين. فلا يكتفي المحلل بعرض المشكلة، كأن نقول الفريق “ع” يعاني دفاعياً في الكرات الثابتة، ولكن ينبغي أن يعلل ويذكر الأسباب، بل ويطرح حلولاً لاستغلال ذلك أو حتى معالجته إذا كانت المشكلة تخصّنا. كما يمكننا الاهتمام بالحالات العشوائية ولكنها تتكرر في أي مباراة كرة القدم وقد لا تنم عن أسلوب الخصم، قد تكون تجلياً فردياً، أو لعبة جماعية عرَضية.

أمّا الأرقام والإحصائيات ففائدتها ضئيلة، فيشير دزوراتو مقتبساً لفرانكو فيراري: “لا تكشف (الأرقام) عن أسباب حالة ما، أو نتيجة ما، كما لا تعبّر عن التفاصيل ولا عن العلل المحتملة، وهذه التحقيقات تمثل الركيزة الأساسية لعمل المدرب.” فيما يؤكد سيموني مونتانارو محلل فينتشينزو مونتيلا السابق وكارلو أنتشيلوتي مؤخراً في نابولي أن “(للحالة الدفاعية) أستعمل الطريقة القديمة: مشاهدة المباريات وتعريفٌ واضح للنظام الدفاعي المطلوب تحليله”. بينما يستخدم في الحالة الهجومية معلَمات منتقاة وذات فعالية فنياً وبدنياً “وهي الأمور التي تهمني أكثر بالمقارنة ببيانات الأهداف المتوقعة (xG) الجامدة.”  يصعب أن تستبدل العين المرتبطة بالدماغ البشري وبقدراته العالية على الرصد والاستنتاج في الأنظمة المعقدة، على الربط وعلى التعرف وتمييز الأنماط. تقوم خلايا الدماغ وعددها بالمليارات بتسجيل الأحداث والخبرات والمعلومات، فتخزن ويسترجعها الإنسان وقت الحاجة، هذه آلية عمل الذاكرة البشرية باختصار مخل. الممارسة كِمّاً ستنعكس على النوع مع مشاهدة المباريات، ولكن ذلك يتطلب نباهة أيضاً، فعندما نبدأ بمحاولة التحليل، ستكون رؤيتنا محدودة إلا أنها ستنمو مع مرور الوقت، ثم سنستطيع الربط بين الكرة وحاملها والخصم ولاعب بعيد والمساحة، ثم سنعبر لمرحلة أكبر وهي التنبؤ وهو ما ينبغي أن يقوم به المدرب خلال المباريات وعليه يعدل ويبدل. وعلى أي حال سيظل اعتمادنا على مزيج بين رأي العين والأرقام والبيانات -على الأقل حتى وقتنا الراهن- فالتقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي يقفز لخطوات مذهلة… غير أن الحس والذوق ليس له بديل.

قد يتخطى التحليل أسلوب لعب خصم أو نقاط قواهم وضعفهم، إلى تحليل الحكام، حتى بعض الحكام أنفسهم إذا أوكلت لهم مهمة قيادة المباراة يقومون بتحليل الفريقين، من نواحي تكتيكية كالاعتراض في الكرات الثابتة، وبلا شك من ناحية نفسية سلوكياً، إنفعالاتهم، تمثيلهم، وما إلى ذلك. قطعاً لن يؤدي التحليل الجيد للخصم إلى نتيجة جيدة دائماً، فكرة القدم لعبة بالغة التعقيد وفيها الكثير من المفاجآت. حتى جاسوس ريال مدريد والذي تجسس على تدريبات ميلان ساكّي لم يُفد فريقه، إذ انتهت تلك المباراة بخماسية مقابل لا شيء للميلان. فيمَ يعترف بييلسا أنه يرسل جواسيسه للتخلص من قلقه، يركز دييغو بيريز –في فترته مع خيميز- على فريقه هو أكثر من الخصم، الفيديو التحليلي هو تفادي المفاجآت قدر المستطاع.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: