رالف رانغنيك.. صناعة الكرة

واجه رالف رانغنيك مقاومةً وتمنعاً في البداية، ألمانيا إذ ذاك لا يزال فيها دور الليبرو أو القشاش، ولا يزال دفاع الرجل لرجل بشكله القديم هو السائد، يتقدمهم أوتو ريهاغيل. يخرج رانغنيك في شاشة التلفاز ليعلن عن فكرته المستلهمة من ساكّي ولوبانوفسكي؛ خط دفاع رباعي وبلا قشاش! ليس ذلك وحسب، بل لن يلاحق المدافع المهاجم إلا في حدود منطقته، تتباين ردود الأفعال فذاك المتعجب وذاك الساخر، كسخرية وتهكم الاعلام به وتسميته بـ “بروفيسور الكرة”. كانت تعد هرطقة وقتئذٍ يقول رانغنيك.

يبدو أن هذا التهكم أصبح حقيقة لاحقاً، إذ دأب رانغنيك على تطبيق كرته وحمل فكرته في كل فرقه التي دربها، بدءاً من الفرق الهاوية وصولاً للدرجات الدنيا مع فريق “أولم” ووصولاً للبونديسليغا عبر شتوتغارت وكلا الناديين يقبعانِ في ولاية بادن-فورتمبيرغ في جنوب غربي ألمانيا. تلك المنطقة شهدت ثورة كروية في الثمانينات، وكان خلفها مدرب ومهندس مدني يُدعى هيلموت غروس، وهو الملهم لرانغنيك، ومعاً وصلا بكرتهما إلى القمة في ألمانيا نهاية التسعينات ولكنها نجحت فعلاً بالجمع ما بين الأداء والنتيجة في نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة عبر هوفنهايم.

قضى غروس مسيرته التدريبية خلف الكواليس، مسؤولاً عن المنهجية التدريبية والكشافة وهو دوره في أندية رد بُل حتى تنحى الصيف الماضي. غروس متصالح مع هذه الفكرة؛ أي البقاء بعيداً عن الأضواء: “أفضل أن أكون في الكواليس”، لم يخطط المدرب السابق لعدة أندية هاوية بمسيرة احترافية؛ “كمهندس مدني، كنت منخرطًا في بناء الجسور طوال السنوات الماضية وكانت مسيرتي المهنية مُرضية، لذا لم أكن مهتماً أبداً بالاحتراف في كرة القدم. كانت ولا زالت كرة القدم شغفًا، لكنها لم تتحكم بي.”

روجر شميدت وماركوس غيسدول وأنا شكلنا هيلموت غروس، وهو مدربٌ عظيم من فورتمبرغ، طبق فعلاً أسلوب الضغط والتغطية المكانية المناطة بالكرة في منتصف الثمانينات.

“التقيت هناك بمهندس انشائي كان قد تعلم التكتيكات ذاتياً وأصبح أول من يطبق التغطية الموجهة للكرة، نظام يجمع ما بين دفاع المنطقة والضغط الشرس، كان اسمه هيلموت غروس.”

-رالف رانغنيك
Adieu RB Leipzig! Fußball-Philosoph und Rangnick-Mentor Helmut ...
غروس ورانغنيك.

بقي هيلموت غروس مغموراً إلى يومنا هذا، غير أن صاحب الـ 72 عاماً كان العضيد واليد اليمنى لرانغنيك، وهذه العلاقة بدأت بين الثنائي منذ بداية الثمانينات. ومن الوهلة الأولى بدا التوافق والتوائم بينهما في رؤية كرة القدم. “غروس سبق عصره” يبين رانغنيك: “تعرفت به حينما كنت في الخاسمة والعشرين من عمري، أدركت فوراً بأنه كان مختلفاً.” درس المدربان عدة مدربين أبرزهم إرنست هابل وفاليري لوبناوفسكي وأخيراً أريغو ساكي، حيث يبدو ميلهما إلى الكرة ذات النسق والرتم العالي، وإلى الضغط ونصب الفخاخ لانتزاع الكرة ولكن في ثلث الخصم الأول وبالقرب من مرمى الخصم. ذهبت أحلام المدربَيْن إلى أبعد من ذلك فبدأا محاولة نشر أفكارهما وطرحها منهجياً في اتحاد منطقة فورتمبيرغ لكرة القدم، وكذلك في نادي شتوتغارت أكبر أندية المنطقة والذي كان يقود فئاته السنية غروس وقد اختار رانغنيك كمدرب وهو الخيار المثالي لتطبيق كرة غروس حسب تعبير الأخير، هذه الكرة التي بدأ صياغتها غروس في ناد من الدرجة السادسة يدعى غايسلنغن. لم تكن هناك لغة كروية، ولا مراجع لغروس ورانغنيك، إذ يشير الأخير إلى أنه “لم يكن هناك كتب ولا تمارين يمكن أن ننهل منها، حتى المعجم لا وجود له”، وهذا اضطرهما لصناعة المواد والكتيبات التدريبية. غروس ورانغنيك لم ينفكا القيام بذلك حتى اللحظة، أي تعليم المدربين أسلوبهم والحقيقة أن لهما الفضل الأكبر في ازدهار المدرسة التدريبيةوتبلورها في ألمانيا، عدد لا بأس به من المدربين مروا برانغنيك إما كمساعدين أو كلاعبين، أخيم بايرلورتزر مدرب ماينتز، أوليفر غلارزنر مدرب فولفسبورغ.

من بين المدربين الذين تخرجوا من تلك المدرسة الكروية توماس توخيل والذي شبهها بمدرسة أياكس وبرشلونة، بالإضافة إلى ماركوس غيسدول وهذا الأخير تدرب على يد غروس في غايسلنغن وهو من أطلق عليه لقب أريغو ساكي الكرة الألمانية، غيسدول اعتزل كرة القدم بعمر 27 بسبب إصابةٍ في ركبته وقال إزاء توجهه للتدريب “قدم إليّ وناقشنا المادة التي طورها في مدارس التدريب، كنت متحمساً”. هذا دوناً عن ذكر مدربين تأثروا بأسلوب رانغنيك كأليكساندر زورنيغز، أدي هوتر، روجر شميدت وغيرهم. غروس وكذلك رانغنيك أسسا لما سمي لاحقاً بـ konzepttrainers وهو مصطلح ألماني يطلق على المدربين الذيم يمتلكون أسلوباً واضحاً وطويل المدى.

“التعاون مع رالف رانغنيك وهيلموت غروس أثر فيّ، يمتلكون خبرة في هذا النوع من اللعب”، رانغينك أعجب بباديربورن الخاص بروجر شميدت وعرض عليه تدريب رد بُل عام 2012، شميدت لم يتردد في قبول العرض “حاولنا بناء فريق شاب بكرة قدم خاصة؛ كرة شرسة وضغط عالي.” يزعم رانغنيك أنه قادر على تحويل عدائي المسافات المتوسطة إلى لاعبين قادرين على تقديم كرته خلال 4 أسابيع “أعطني 16 من عدائي المسافات المتوسطة وسيكونون قادرين على تطبيق التغطية المكانية الموجه للكرة […] مكان الكرة هي الفكرة المركزية، نريد أن نكون حيث تكون الكرة”. رانغنيك كساكّي، لا يرى أن الجودة الفردية ستصنع كرة جماعية، قد تنتصر بفضل الفرديات لكن قد لا تقدم كرة تبهج الجماهير. مغمورون، دائماً هم لاعبوه، لأنه قادر على تطويرهم ما لم يتملكوا الحد الأدنى من المهارات بلا شك. فبفضل كشافيه يقتنص رانغنيك اللاعبين الأنسب لكرته، ليس فقط تكتيكياً-فنياً وإنما سلوكياً من حيث العطاء والتضحيات، كرته تنطوي على الكثير من الركض… الذكي بالضرورة.

كمناصريْن لدفاع المنطقة بدأ غروس ورانغنيك متابعة الفرق من هذا المنطلق، كانا معجبيْن بهولندا إرنست هابل، كانوا من الفرق القلائل الذين يطبقون دفاع المنطقة آنذاك “كان هابل أحد القدوات بالنسبة لنا، استعرنا بعض العناصر من عنده، كالدفاع برباعي وضبط التسلل”. ومن هابل إلى لوبانوفسكي، وهذا الأوكراني كان أحد المؤثرين بأسلوب غروس، هيلموت كان محظوظاً حيث شهد تدريبات دينامو كييف على الطبيعة خلال معسكر منتصف الموسم والذي أقامه الأوكران في جنوب غرب ألمانيا كعادتهم وقتها. رانغنيك لعب ضد لوبانوفسكي دينامو بفريقه الهاوي فيكتوريا باكنانغ عام 1983 ولم يخفِ اعجابه “أنا متأكد أنهم يمتلكون لاعباً زائداً”. كان ذلك بمثابة الانكشاف أو التجلي الكروي، لسان حال رانغنيك كان “يوريكا … وجدتها” يؤكد صاحب الـ60 عاماً “فهمت أن هناك طريقةً مختلفة للعب”.

“كنت أدرب في باكنانغ عام 1984 عندما لعبنا مباراة ودية ضد دينامو كييف لوبانوفسكي. كانوا يقيمون معسكراً تدريبياً شتوياً لمدة أسبوعين كل عام، يقبع بالقرب منّا، وكنا خصومًا بهذه المناسبة. لم أكن أصدق ما كنت أراه … حركتهم وحيويتهم، انتظامهم كان مذهلاً.”

-رالف رانغنيك

أكثر المؤثرين برانغنيك وغروس كان أريغو ساكّي، يشترك الثلاثي -رانغنيك وغروس وساكّي- بأنهم لم يركلوا الكرة على المستوى الاحترافي، رانغنيك هو الآخر لم يتخطى الدرجة الخامسة في ألمانيا، فِهم اللعبة وحتى الاختراع والابتكار ليس له علاقة بالاحتراف. يتحدث رانغنيك عن مثله الأعلى وملهمه: “لم يكن اسماً كبيراً، لم يحظَ بمسيرة لامعة كلاعب، كان يشبه لوي دو فونيس (كوميدي فرنسي)، لا يمكن أن نتصور أن نادياً ألمانيا سيعين رجلاً مثله آنذاك، كسر ساكي التابو”. رانغنيك وغروس كانا مهووسان بساكّي، استطاع الثنائي الحصول على أشرطة لمباريات ميلان ساكّي، بفضل معارف لهم في إيطاليا، غروس يتذكر: “ابتعت مسجل فيديو غالي الثمن، كان الأحدث في السوق آنذاك. ولكن سرعان ما اخترب لأننا كنا نعيد ونقدم الشريط لنرى تفاصيل تكتيكات ساكّي ومدربين آخرين”. يتذكر رانغنيك بأنه بمجرد أن تعرف بغروس شاهدا فيديو لمباريات ميلان ساكي، “لم يكن أحد يلعب بهذه لطريقة في ألمانيا”. أيضاً في إيطاليا كان هنالك رائد من رواد اللعب بالمنطقة والضغط الشرس، رانغنيك لا يفوت الفرصة. يختار رالف أن يصيف برفقة العائلة في شمال إيطاليا حيث جبال سودتيرول أو آلتو أديجي ثنائية اللغة إيطالية/ألمانية، هناك حيث معسكر الفريق الممتع والثوري فوجيا الخاص بزدينيك زيمان “زيمان كذلك كان رائداً في الضغط وتغطية المساحة (دفاع المنطقة) في كل أرجاء الملعب.”

يبحث رانغنيك وغروس عن فرق شرسة وحادة في الحالة الدفاعية، لا تبحث وكفى عن حماية المرمى، بل هناك سعياً حثيثاً لاستعادة الكرة في أقرب فرصة. ذلك لن يحدث إلا عند تقليص الوقت والمساحة ونزعهما من الخصم، يشرح غروس: “كانت فكرتي أنه يجب عليك الفوز بالكرة في أسرع وقت ممكن، هكذا نشأت فكرة التغطية المكانية الموجهة للكرة”. هذا لا يحدث عبر اندفاع عشوائي وإنما باستخدام آليات ضغط وتمركز جيد يستطيع الفريق إرغام الخصم على ارتكاب الأخطاء في التمرير. ثم هناك ما يُعرف بمصايد الضغط، نصب طعم للخصم، بحيث يفسحون قليلاً من المساحة في العمق وبمجرد دخول الكرة للعمق يُحاصر حامل الكرة وتُغلق بوجهه مسارات التمرير ويمنع من الدوران، هذا عطفاً على رفع النسق عند انتقال الكرة للطرف.

اللعب في العمق أمام لايبزغ جحيم، فبانتظار مستقبل الكرة كماشة متوحشة.

ترتكز كرة رانغنيك وغروس على الحالة الدفاعية، على الضغط وعلى المرتدات، وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال افتقاد الفريق للهجوم، حتى في الشوارع لا تخلو كرة القدم من دفاع وهجوم تحولات وكرات ثابتة. لكن استطالة الاستحواذ قد تكون له سلبياته وهذا ما لا يفضله رانغنيك، إنما يرى كرة القدم بطبيعتها سجال، أهاجم وأدافع وأتحاور مع الخصم. الهيمنة على الكرة أحياناً كثيرة هي كالطمع والجشع، كتجميع المال بلا طائل، “أريد أن نمتلك الكرة” لكن لماذا؟ بالطبع هناك إجابات مقنعة لدى غوارديولا أو كرويف، هناك مغزى من تناقل الكرة، حتى لو كان للاحتماء من هجمات الخصم.

جيسي مارش مدرب رد بُل سالزبورغ حالياً ومساعد رانغنيك الموسم الماضي يشرح أسلوب فرق رد بُلّ، البحث عن الحلول عمودياً لوصول سريع لمرمى الخصم، زائداً تكثيف العمق. وهذا بالطبع ينطوي على تكتيكات وآليات لا كلاماً مرسلاً.

في حالة الهجوم -والمتردات وهي حالة هجومية بالطبيعة- يبحث الفريق عن العمق حيثما يكون المرمى. ولا يرغبون بالخروج للأطراف. كذلك في الحالة الدفاعية، يسعون لتكثيف العمق، ولذا هم يفضلون خططاً كـ4-4-2 تبدو وكأنها 4-2-2-2 حيث يميل الجناحان للعمق، أو كـ4-3-1-2 وهذا ما صرح به رانغنيك سابقاً، 4-4-2 وتفرعاتها تبدو مثالية لتكثيف العمق وكذلك لتوفرها انتشارٍ جيدٍ.

يبحث الفريق عن العمق حيثما يكون المرمى، في الهجوم المنظم أو المضاد أو في حالات بين بين (الكرات العالية) نجد أن الفريق كما هو موضح في الصورة يغمرون العمق ويكثفونه ويهاجمون من خلاله. المهاجمين مستعدين للتوغل بمجرد استعادة الكرة.

ارتداد وتحول سلوكي انسيابي لدى لايبزغ، راقبوا استباق زابيتزر #7 وبولسن #9، لن أقول سريع لأن معظم المرتدات سريعة كون الخصم مفتوح أحياناً كثيرة.

في الحالة الهجومية “يعتقد الناس دائمًا أن حيازة الكرة فتراتٍ طويلة يؤدي إلى المزيد من فرص التهديف. لا يمكن إثبات هذا الارتباط إحصائياً”. يبدو أن غروس لا يحفل بالهيمنة عند الاستحواذ، هو يعتقد أنك لا تحتاج إلى الكثير من الاستحواذ للتقدم بالكرة وخلق فرص التسجيل، رانغنيك يصادق على قول رفيق دربه مشبهاً نقل الكرة من جهة لأخرى بكرة اليد، أو ما يسميه غوراديولا بـU shape أي تناقل الكرة بين الطرفين وحول هيكل الخصم وليس دواخلهم (عمق). عزا هيلموت غروس إقصاء فرنسا لألمانيا في يورو 2016 للاستحواذ قائلاً: “استحوذت ألمانيا كثيراً على الكرة. عندما تلعب على الاستحواذ، فإنك تقوم بتنحية الإيقاع تلقائياً من اللعب؛ أنت تلعب كثيراً في الأطراف”. ومع ذلك، فإنه يعتقد أنه إذا استحوذ الفريق على الكرة لفترة بشكل جيد “يمكن أن تؤدي إلى إرهاق ذهني للخصم”. لكنه يصر على عدم وقوع فرقهم في هذا الفخ “في لايبزغ نحن لا نتعب ذهنياً، عندما تكون الكرة بحوزة الخصم، فنحن نتطلع لأن يحدد الخصم إيقاع اللعب. ثم لدينا فرص أكبر لاستعادة الكرة بأنفسنا”.

عند امتلاك الكرة، يطمع رانغنيك باختراق خصومه بأسرع وقت ممكن، تبادل عمودي سريع للكرة، حركة سلسة. مثل زيمان، الذي يرى أن تمريرتين عرضيتين كثير وغير ذي جدوى. أحياناً تدفع الثمن عندما تفعل ذلك، خصوصاً حينما لا تحتمي بهيكل جيد عندما تمتلك الكرة، أي تقارب اللاعبين من منطقة الكرة وتغطية المناطق التي يستهدفها الخصم في المرتدات. يعتقد غوارديولا أنك بحاجة لما لا يقل عن 10 تمريرات كي تشيد هيكلاً جيداً، تناقلٌ للكرة بين القلبين، مثلاً، ويتقدم الهيكل ويرتحل للأمام ومن ثم يكون مستعداً للتمريرة الكاسرة، إن نجحت كان بها وإن لم تنجح فهناك مجال للانقضاض واستعادة الكرة. رانغنيك لا يرى أن ذلك ضرورياً… يهاجم فوراً، ولكن ليس باعتباط، لأن فرقه تتخذ شكلا وهيكلاً ضيقاً عادة، فاللاعبون متقاربون تلقائياً، والمنطقة حول الكرة مكتظة باللاعبين، كفرق ساكي.

لاكتظاظ العمق وبتوجيه اللاعبين لأجسادهم بشكل صحيح وإلقاء نظرات سريعة لما خلفهم يستطيع الفريق اغلاق مسارات التمرير، عدا ذلك فالفريق مضطر للعودة وسد الثغرات.

اشتهر مصطلح Gegenpressing مع كلوب قبل سنوات، وارتبط بالكرة الألمانية. “الضغط المضاد” هو ما تعنيه هذه الكلمة، هو ما أشرنا له في السطور السابقة. فحينما يخسر الفريق الكرة ويضغط بشكل شرس لاستعادة الكرة هو ما يطلق عليه بالضغط المضاد، هو قتل هجمات الخصم المرتدة من المهد. مرحلة مميزة في فلسلفة رانغنيك وغروس، جامحة وعنيفة وتبدو فوضوية؛ “عندما يلاحق ثلاثة لاعبين في سرب خلف كرةٍ فقدت للتو، قد تبدو فوضوية في بعض الأحيان، ولكنها فوضى منظمة وإبداعية للغاية”. هكذا يصف غروس الضغط المضاد الخاص بهم. ليس الضغط المضاد بالجديد، إذ تطورت من هابل مروراً بميخلز ولوبانوفسكي ووصولاً لساكي، وانتهاءً بشكلها الجامح عبر رانغنيك وكلوب وشميدت.

ساهم رد بُل لايبزغ مع الباحثين وخبراء التكنولوجيا في تصميم SoccerBot360 وهو تمرين واقع افتراضي لتطوير المهارات المعرفية/الإدراكي. بالإضافة لاستخدامهم تقنية Helix و footbonaut التي ساهم بتصميمها رانغنيك وكلتا التقنيتين من SAP.

كرة القدم في وقتنا الراهن ومع اضمحلال المساحات ومؤدى ذلك في كثرة التحولات وتقلب أحوال اللعب وسرعتها أصبحت تتطلب حدة ذهنية وتركيزاً مضاعفاً. على اللاعبين اليوم استقبال ومعالجة المدخلات الحسية بسرعة للتأقلم مع واقع اللعبة المعقد أكثر فأكثر. ولهذا يقول أليكساندر دزورنيغر أن التحولات في اللعب كثيرة وينبغي أن نكون متهيئين. رانغنيك وغروس يثقان بالعلم ويحاولان التعاون مع مراكز الأبحاث في تطوير القدرات المعرفية/الإدراكية، يقول غروس: “أكبر معدلات النمو تتم عقب تدريب الدماغ […] يجب على اللاعب أن يلاحظ ويتوقع ويحلل ويقرر بسرعة، ثم يتصرف بأسرع ما يمكن. إن إمكانات الدماغ هائلة ولا يمكننا حتى تقديرها”. يضيف غروس قائلاً: “هناك باحثون يطورون ألعاب كمبيوتر خاصة للاعبي كرة القدم طمعاً في تطوير مهارات التفكير هذه. كل هذه الأمور مهمة جدًا بالنسبة لنا في لايبزغ. لدينا -من بين أمور أخرى- علاقات وثيقة مع الجامعات، إننا نتعلم منهم، ولكن هنالك أمورٌ نقوم بها نحن”. يركز رانغنيك في تدريباته على المباريات المصغرة والمساحات المضغوطة لإرغام اللاعبين التأقلم والاعتياد على تعقيد اللعبة: “إننا ندرب بشكل ديناميكي ودائماً عبر حالات تكتيكية. نحن نتدرب على المباريات المصغرة، والتي تستغرق ما بين 30 و 60 ثانية فقط. ولكن في وتيرة لا تتحقق في كثير من الأحيان في المباراة. تتم مراقبة وتقييم جميع المعلمات البدنية باستخدام نظام GPS.”

“المدربون الألمان لم يُعرفوا أبداً بأنهم استراتيجيون مميزين”. يزعم رانجنيك، “كأس العالم التي رُبحت كانت تعتمد على القتالية والمهارات الفردية للاعبين”. على الرغم من أن سيب هيربرغر وأوتمار هيتزفيلد تميزا تكتيكياً إلا أن كرة القدم الألمانية كانت تفتقر إلى هوية خاصة. يميل غروس كذلك للجماعية وأسلوب الفريق حيث “أظهر المدربون الأصغر سناً مثل كلوب، وسترايخ وتوخيل أن كرة القدم في الأساس رياضة جماعية، وكما هو الحال في إسبانيا، من الممكن القيام بالكثير كمجموعة. ربما يجب على الإنجليز أن يتعلموا، النجم المدفوع الثمن بالكاد يمكن أن يحرك شيئاً. إيطاليا تقليدياً أرض التكتيك والعمل الجماعي الذكي”. في مقابلة مع سبوكس يرد على هونيس الذي يرى بأن الفرديات هي التي ستجلب لك النصر مدعياً -أي غروس- بأن التكتيكات طريقٌ للفوز؛ “.. ماذا سيحدث إذا تساوت كفة الفريقيْن؟ ماذا سيحدث إذا كان لديك لاعبين أضعف على الورق؟ هل يجب على المرء أن يستسلم على الفور؟ التكتيكات ليست إلا أحد جوانب كرة القدم، ولكنه جانبٌ مهمٌ جداً”.

عُرف الألمان بالذهنية القوية، وعقلية الانتصار، ولكن في أوائل الألفية الثانية، بدأت كرة القدم الألمانية في التغير. بلا شك -ولو بطريقة غير مباشرة- قدم غروس و رانغنيك مساهمة ملموسة في كرة القدم الحديثة في المنطقة الناطقة بالألمانية عموماً. تأسيس ثقافة تكتيكية وطريقة جديدة للتفكير في كرة القدم، مع التأكيد على أن العمل الجماعي يأتي أولاً.

في ميلان وهي وجهة رانغنيك المحتملة، ويبدو من خلال سير المفاوضات أن الألماني وضع شروطه، ماركوس شوبّ لاعب بريشيا السابق ومدرب هارتبرغ النمساوي سيكون الخبير بالكرة الإيطالية بالنسبة لرانغنيك. وضع الشروط خطوة مهمة، رانغنيك لا يهمه ميلان مهما كبُر اسمه، فالأندية كيانات لا وجود لها فيزيقيا جسدياً، والإنسان، أي إنسان أكبر من هذه الكيانات الوهمية، الأندية والشركات ليس لها قيمة بدون الإنسان، أفكار ووعي الإنسان هي التي صنعت الكيانات، ولكي يعود الميلان بطلاً ينبغي أن يعود بالأفكار التي يحملها الرجال، أو يأخذوا الأمور “من قاصرها” بالأموال، فلا حاجة للأفكار والاستراتيجيات كما يفعل رانغنيك فهو مطور لما حوله من لاعبين أو حتى مدربين فضلاً عن ثقته بالعلم، واستغلال الأموال بالشكل الصحيح. وأيّاً يكن فحقيقة النتائج أكبر من أي شيء. هكذا تسير كرة القدم، ببراغماتية، أعطني نتائج وسأبني لك تمثالاً، لا تهمني أفكارك ولا استراتيجيك، سيكون كلاماً جميلاً، نردده في الإعلام وقت الرخاء فقط ووقت امتحان الصبر تسقط الأقنعة.

“الفوز أمرٌ مهم، ولكن أن يكون لديك أسلوبك الخاص، أن يكون هناك من يستنسخ أسلوبك، ومن هو معجبٌ بك، تلك هي الهدية الأعظم”.

-يوهان كرويف

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: