باراديم التمركز… أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم

“ثمة خطأ شائع جداً في كرة القدم ألا وهو النظر إليها كمرحلتين مختلفتين: واحدة للهجوم (عند الاستحواذ على الكرة) والأخرى للدفاع (بدون الكرة). هذه المراحل تتداخل في كرة القدم، بحيث يكون المنطق السابق صالحاً فقط للرياضات مثل كرة اليد، أو عندما تختلف المساحة الجغرافية للهجوم والدفاع، لأن ما يحدث في نصف الملعب ليس سوى تحول. […] أما كرة القدم فعلى العكس تماماً، ففي الوسط يقبع أساس اللعبة، لذا فإن ما هو حاسم حقاً -عندما يتعلق الأمر بالتمييز بين المراحل- هو أهمية التحول للدفاع بأسرع طريقة ممكنة بعد خسارة الكرة. وكذلك أن نكون في وضع يسمح لنا بالهجوم في أقصر وقت ممكن عندما نتوقف عن الدفاع (عند خسارة المنافس الكرة).” -راول كانييدا

“كيف يمكن أن يوجد الهجوم والدفاع إذا لم تكن لدينا الكرة؟ كيف يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر؟ ولكن الناس بحاجة إلى التواصل، لذلك هناك اختزال للمفاهيم، هناك تبسيط.” -خوانما لـيـّو

في اللعب التمركزي، التنظيم الهجومي يحدد أسلوب اللعب بالكلية. بمعنى أن الأسلوب ينطلق من رؤية اللعبة ككل “كلانية”، فلا تفرّق ولا تفصِل الحالة الهجومية عن الدفاعية، ولا ترى التحولات كحالات منفصلة. وتبعاً لذلك فاللعب يكون استرسالياً تواصلياً كما هي طبيعة اللعبة، ولكن سرطان تجزئة اللعبة والحشو في التنظير بدأ ينخر كلانية وشمولية اللعب. فبرأي كانييدا تمتد “الرغبة في التفتيت إلى الفصل بين الهجوم والدفاع والتحولات، متجاهلة كل ما يوحدنا في جميع الأوقات: اللعبة، الشمولية”. لقد طال هذا التقسيم والاختزال اللعبة من ناحية عملية، بمعنى أننا بدأنا نرى فرقاً جامدة، تلتزم بالخطة والتوزيع المكاني الساكن بإفراط، أو متكتلة حتى والكرة بحوزتها (اكتظاظ وتباعد سيء)، أو حتى متشتتة؛ أي متباعدة زيادةً عن الحاجة. أو فرقاً أخرى تدافع بالقرب من مرماها كنهج اعتيادي. وقد توهمنا عشوائية اللعب أن هجمتهم المرتدة الوحيدة التي سُجلت، أو تلك الكرة الثابتة التي تُرجمت، أو التجلي المنفرد من أحد اللاعبين والذي أعقب هدفاً أن أسلوبهم ناجع. أو أن هناك علاقة مباشرة بين الدفاع والشباك النظيفة أو بين الاستحواذ الممل وتسجيل هدف من رحلة فردية أو لأي سبب نابع من شواشية اللعبة وفوضويتها. ولكنهم لم يرفضوا فقط اللعب، بل رفضوا طبيعة اللعبة ونواميسها، فالمسألة تطال حتى الفرق التي تسمى هجومية، وما أفضله هو تسميتها فرق مبادرة وفاعلة ومستقلة الإرادة. وبهذا يذكر غارغانتا أن “الطريق لا زال طويلاً أمامنا لنقطعه في استيعاب أو أنظمة هذه الأمور، أي إدراك اتصال (الحالات) وفهم اللعبة على أنها تدفق مستمر.”

يصعب في الواقع فصل الحالتين -أو الأربع-، لأن اللعب في سيرورة مستمرة بين تلك الحالات. كل الفرق تهاجم وتدافع، تفضيل جانب أو آخر أو ظهور فريق يميل إلى أحد الجانبين راجع لعديد أسباب، رؤية المدرب وتأثيره، مستوى الفريق، روح المبادرة، طبعاً دون تجاوز ظروف المباريات. إن المدرب الجيد والمتمكن بالنسبة لي هو من يضفي لدانة وانتقال سلس بين هذه الحالات والتي هي في الأصل تواصلية ولكنها عشوائية، وعند خلق لغة مشتركة يَحلُّ الانسجام والتفاعل والتفاهم بين اللاعبين. في المقابل فالمدرب المتواضع -بوجهة نظر أوسكار كانو- يفصل ويفكك، “اختزالي ويرعبه اللايقين”. يريد كل شيء بالمسطرة والقلم، لذلك تجد فرقه كثكنة عسكرية فاقدة لعنصر الإبداع وابتكار الحلول ما يتماشى وطبيعة اللعبة التكتيكية، فتكون ساكنة وذابلة وبلا دينامية وحيوية، فاللاعب حافظٌ ومطيع وينتظر إشارة المدرب ولا يملك من أمره شيئاً، أما اللعبة فظاهرة حية وتنطوي على تقلب محموم ومستمر يتطلب يقظة، وتطرح -بلا توقف- مشاكلَ تتطلب حلولاً وابتكاراً من اللاعب، الأمر الذي لا يستطيع أعتى مدرب تلقينه.

هجوم ↔ دفاع ↔ هجوم ↔ دفاع

“الواقع ليس فيلماً مكوناً من فوتوغرام، إنه لا يعمل على هذا النحو؛ الواقع مستمر.” -فيرناندو سافاتير

“لا يوجد هجوم ودفاع، ولكن هجوم – دفاع – هجوم – دفاع … أي أن هناك علاقة مستمرة بين هاتين اللحظتين.” -روي كينتا

لا يستطيع جوزيه مورينيو أن يقول “ما إذا كان الأمر الأكثر أهمية هو الدفاع بشكل جيد أو الهجوم بشكل جيد، لأنني لا أستطيع فصل هاتين اللحظتين. أعتقد أن الفريق “كل” والعمل عليه سيكون “كلٌ” أيضاً.” نفس السؤال طُرح على مورينيو وبرؤيته البنيوية ووضوحه منهجياً يجيب: “لا يمكنني عزل وفصل المكان الذي يبدأ فيه التنظيم، سواءً في الدفاع أو الهجوم. لا يمكنني تحليل الأشياء بهذه الطريقة التحليلية. عندما أقوم بإعداد فريقي، أقوم بإعداده بنية الفوز، أدربه بالقدر ذاته دفاعياً وهجومياً. لذلك لا يمكنني القول من أين أبدأ في إعداد فريقي.”

كرة القدم تواصلية وسائلة، هي سلسلة متصلة “continuum” وتمتلك خاصية الثبات الذي لا يتزعزع بحسب فيتور فرادي، ثبات حالة اللاثبات. أو كما يشير نونو أمييرو هي “سلسة في المرور من حالة إلى أخرى، وستكون أكثر من ذلك عندما ندرك هذا الأمر وندرك الحاجة إلى «بناء» «الأجزاء» على طريقتنا في «اللعب» (مبادئ اللعبة بالنسبة لكل حالة من حالات ‘اللعب’ الأربع) تُصاغ حسب ‘كل شيء’ مرغوب”… تنفيذه. وبالنسبة له فهي تتطلب “تنظيماً شاملاً/موحداً للعبة”، بمعنى أن نحاول تنظيم اللعب حسب الظهور المستمر لمختلف الحالات تواصلياً ودون انقطاع، والتكيف مع واقع ومنطق اللعبة، ككل واحد عضوي. بأطروحته، يشير أمييرو بأن “تصور (وتدريب) المبادئ المتعلقة بكل حالة من الحالات الأربع للعبة -بشكل واضح- هو ما سيعبر بنا للوصول إلى فكرة لعب متماسكة، مما يؤدي بالفريق إلى الاستجابة بشكل تلقائي لهذا التعاقب الدائم بين «امتلاك الكرة» و«عدم امتلاكها» وهي «اللعب».”

ينتابك الإحساس بأن البعض يعتقد أن المباراة تقف لوهلة بين الحالات، أو أن هناك حد فاصل أو فاصل زمني بين حالة وأخرى. كرة القدم تواصلية والعلاقة بين الحالة والأخرى ليست سببية خطية، وإنما سببية دائرية، فعندما نمتلك “الكرة نخلق بالفعل ظروف دفاعية مستقبلية والعكس صحيح” يدلي أوسكار كانو بدلوه بهذا الصدد، إذ تعيد اللعبة انتاج نفسها باستمرار، وتكون العلاقات بين أجزائها وعناصرها سبباً ونتيجة في الوقت ذاته، هناك تأثير متبادل وحواري بين الحالتين، ليس الأمر وأن الفريق المبادر/المهاجم مُعرض لاستقبال الهجمات المرتدة لأنه هجومي، كما لا يعني أن الفريق المدافع سيجيد في الهجمات المرتدة، ليست علاقة خطية (أ سبباً لـ ب) بهذا الشكل، هناك تعقيد أكبر من ذلك، -وبغض النظر عن عشوائية اللعبة لوهلة- فالفريق المهاجم يتحاور ذاتياً وينبغي أن يتوخى الحذر، والفريق المدافع ينبغي أن يستعد للهجوم. بكلماتٍ أخرى أعني أن الفريق الذي يستقبل هجمات مرتدة بكثرة قد يعني أن هيكله غير مشيد بشكل مثالي وليس لأنه يلعب الاستحواذ. نحن لا نبدأ بالهجوم أو الدفاع، ولكننا حتماً نبدأ باللعب، واللعب بإجماليته، بكلانيته. إننا لا ندافع كي ندافع، هذا لا يبدو منطقياً، نحن ندافع ولكننا نحاول استعادة الكرة ونواصل الهجوم أو نبدأ الهجوم والعكس صحيح، فإذا هاجمت فأنت بمأمن ولست عرضة للهجمات، بديهي للوهلة الأولى، وهنا المفارقة فنحن نهاجم ولكننا بنفس الوقت ندافع عن أنفسنا عبر الهجوم. يخبرنا مانويل كوندي أن الوصية الدفاعية الأولى هي عدم التفريط بالكرة، تتضارب فكرة الهجوم والحذر بآن لدى فالدانو، ولكن -عند المدرب الأرجنتيني- ينبغي تحليلهما سويةً. الهجوم التمركزي سيكفل لنا التحول الجيد، وليس في كل الأحوال سنتمكن من إنهاء الهجمة كما في بعض الرياضات الأخرى، ولهذا يجب أن نكون مستعدين. كرة القدم ليست لعبة كرات ثابتة، كالبيسبول أو كثيرة التوقف أو أقل تحاورياً وجدلياً بين الفريقين بسبب القوانين ككرة السلة وكرة اليد. والفرق التي تتقوقع حول مرماها تحول اللعبة إلى هذا الطابع الميكانيكي، ولذلك ستتغلب على تعقيد اللعبة ولا يقينيتها عبر القيام بلا شيء، ومن يفشل عندما يقوم بلا شيء؟ هذه الفرق من حيث لا تعلم تختزل اللعبة في حالة واحدة وترفض تعدد أبعاد لعبتنا الجميلة ضمن جوهرها الواحدي، هي تدافع لكي تدافع، ونسيَت أنها تدافع لاستعادة الكرة، وقبل الهدف الضمني، أي منع الكرة من الولوج للشباك. يستخدم رافضو اللعب جميع السبل والوسائل لإفقاد اللعبة ديناميتها وتواصليتها؛ نزالات بدنية، ركل وضرب، شد وسحب، تشتيت وتمثيل، إضاعة للوقت، هم لم يأتوا ليلعبوا بل أتوا ليفوزوا، هم حضروا للكسب أيّاً كانت الوسيلة، فالغاية بكل ماكيافيلية تبرر الوسيلة. ولهذا لا أحبذ مباريات خروج المغلوب فسِمة الفرق الصغيرة كروياً وربما أخلاقياً تتسرب إلى نفوس بعض المدربين فيسيل لعباهم للكسب.

هنالك عدة نقاط ينبغي أن تؤخذ في الحسبان إذا ما أردنا انسيابيةً بين مراحل اللعب وخصوصاً إذا رُمنا البحث عن الهجوم المتواصل، والذي لن يحدث إلا عند تشييد هيكل جيد أولاً، حيث:

Manchester City 'malillo': Juan Manuel Lillo habría traído mala suerte en  FA Cup [VIDEOS] | Pasto

1) ينتشر اللاعبون ويتباعدون بشكل معقول؛ أي بصورة متصلة.

2) يتقدمون سوياً (الارتحال) وهذا يعني أن الفريق سيردم الفجوات والثغرات، فعندما يتقدم لاعب الوسط يلحق به خط الدفاع ويبتعد اللاعبون في الأمام، وحينما يتراجع خط الدفاع يتراجع البقية. التقدم للأمام يعني دفع الخصم لمناطقه والابتعاد عن المرمى، الأمر الذي من شأنه تعقيد فرضية ارتداد الخصم.

3) يتخذ اللاعبون -بناءً على قربهم أو بعدهم من الكرة- مواقع تتيح لهم التصرف وفق ما يطرأ، مثلاً الظهير البعيد لن يتقدم بل يتخذ موقعاً يتيح له التدخل حال خسارة الكرة، أو بالنسبة لغوارديولا لا يجب أن يقف لاعبيْ الطرف على ذات الخط بالقرب من الكرة، أو برأي لـيّـو؛ “يجب أن يطغى مفهوم ملموسٌ للغاية، (وهو): إذا لم أستطع التدخل في الدفاع، يجب أن أتخذ وضعية الهجوم: وإذا لم أستطع التدخل في الهجوم، يجب أن أضع نفسي للدفاع”.

4) في غالب الأحوال عدة تمريرات في بداية الهجمات تكفل إتمام ما سبق بصورة ديناميكية.

يصعب تشييد هيكل جيد بدون تناقل للكرة، يصعب التمتع بالاستقرار عند بناء الهجمات بدون اخفاض الرتم. ليس بالضرورة لـ 15 تمريرة كما يقول مجازاً غوارديولا، ولكن عدداً جيداً من التمريرات أو الوقوف على الكرة، أو التقدم بروية بالكرة، سيكفل للفريق والزملاء الترتب وضبط التموقع. كون الفريق يبدأ ببطء هو أمرٌ تقتضيه الضرورة وليس سلبياً في هذه الحالة، فبقدر السرعة التي تذهب بها الكرة بقدر السرعة التي ستعود بها، فليس من الحذق تمرير الكرة للاعبٍ متقدم والفريق ليس مستعداً ومنتشراً بشكل جيد. هب أن الكرة وصلت للجناح وهو معزول والفريق متراجع قليلاً، هنا الفريق لن يكون فعالاً هجومياً لأنه ببساطة لا يحظى بأي تفوق، أحياناً نوفق بتواجد لاعب ذكي يُخفض الرتم ويقاوم الضغط وينتظر المعونة من الزملاء وربما يعيدها للخلف. هذه التصرفات إن لم تكن جيدة بعيون الجماهير فهي في غاية الأهمية تكتيكياً، لاحظوها في فرق غوارديولا كثيراً ما تعود الكرة للخلف لهذا الغرض، ما نرغبه هو الكرة الذكية وليس الكرة السريعة. فرق غوارديولا تطبخ هجماتها على نار هادئة، ولكنها بذات الأثناء تستطيع سحقك بثوانٍ إذا تأتى لها ذلك. وهل تعلمون كيف يستعيد برشلونة الكرة بسرعة؟ يتسائل كرويف ثم يجيب: “لأنه ليس عليهم الركض للخلف أكثر من 10 أمتار، بما أنهم لن يمرروا الكرة لأكثر من 10 أمتار.” وكذلك لأنهم متقاربون، وما يقوم به اللاعبون ليس بذلاً للطاقة وإنما تعديلاً طفيفاً للتمركز لغلق المنافذ، أما اللاعبون البعيدون فيضمون للداخل، وبالتالي فالمراد في لعبة التحولات هو التركيز الذهني جنباً إلى جنب مع التشييد الهيكلي.

“التحليل الذي يتم إجراؤه عموماً حول قدرة استعادة برشلونة للكرة بعد فقدانها هو: رؤية ديكارتية كلاسيكية ستؤثر فقط على اللحظة، أو تقريباً على الصورة، وستميل إلى تمجيد مجهود استعادة الكرة الكبير وتتجاهل الأساسيات: اللعبة، “السلسلة المتصلة” ]…[ يجيد برشلونة استعادة الكرة بعد الخسارة عندما يقومون بعددٍ جيدٍ من التمريرات الجيدة ما يُفسح المجال للفريق واللاعبين ليكونوا سوياً ويُخضعوا الخصم.” -راول كانييدا

“لعِلّة تنظيم المساحة حوالينا قبل خسارة الكرة. ولهذا يخطئ -في كثير من الأحيان- من يقول أن عليك القيام بالعديد من التمريرات للوصول إلى المرمى. علينا القيام بتمريرات كافية لتنظيم أنفسنا على مستوى المساحة والوقت، وفي البعد الذي نقوم بتقديره في كل لحظة يمكن أن يكون أكثر فعالية للقيام بهذين الأمرين. أو للاحتفاظ بالكرة دون المجازفة بفقدانها، أو في المساحة التي سيكون علينا خطر فقدانها، ننظم أنفسنا بقصد احتمال خسارة الكرة، ومن ثم نمر إلى العكس (أي إلى الدفاع). نحن نسعى إلى التفوق سواءً كان عددياً أو تمركزياً أو إدراكياً أو اجتماعياً/عاطفياً للعمل على استعادة الكرة.” -باكو سيرولّـو

عندما نهجم فيجب أن نكون مستعدين للتحول للدفاع، ولكن في اللعب التمركزي ليس للتراجع وإنما لاستكمال الهجوم، وهذا لن يتم إلا باتباع النقاط الأربع أعلاه -كمبادئ- لدى أي فريق عموماً. واللاعبون -بالهيكل الجيد- يهاجمون ومستعدون للانتقال للدفاع، لأنهم متصلون ومتحدون، وخصوصاً عند خسارة الكرات عمودياً، إذ أن هناك صعوبة بالغة للخصم كيما يشن هجوماً ارتدادياً، لأن أقرب لاعب سيكون غالباً أمام الكرة. هذا لا يعني أن التمريرات العمودية سيئة، ولكن خسارتها وخصوصاً في مناطق متأخرة سيكون مكلفاً، لذلك نجد دوماً أن القلبين ليسا ببعيدين عن بعضهما البعض، وإذا ما ابتعدا يشغل المحور المساحة بينهما. لا يستحسن أن تسافر الكرة مسافة طويلة “أرضاً” عندما يحاول القلبان استدراج الخصم بتناقل الكرة أو في أغلب التمريرات العرضية. إنّ هيكل الفريق العريض أو تطبيق الملعب الكبير لا يعني تباعد كل لاعب عن الآخر بمسافة كبيرة، وإنما التدرج في التباعد، القلب عن الظهير عن الجناح، المحور عن لاعب الوسط عن الجناح… وهكذا.

“يجب أن تكون ردة فعلنا عند فقدان الاستحواذ قوية؛ هيكل ثابت تمركزياً وهيكل متحرك، لذلك، هناك لاعبون لديهم مواقع ثابتة في الملعب، وهناك لاعبون آخرون لديهم القدرة على الحركة بسبب ديناميتهم، هذا بالرغم من ضرورة الاحتفاظ الدائم على التوازن التمركزي.” -مورينيو

كما ذكرنا هناك لاعبون سيضمون للداخل وهناك لاعبون تتسم مواقعهم بالثبات وهم اللاعبون في العمق. إن اللااتصال بين الأفراد؛ أو بعبارة أخرى سوء الهيكل لن يجعلنا هجومياً تحت رحمة الفرديات والحوادث العشوائية وحسب، بل سيكون ضرراً على انسيابية اللعب وعلى التحول للدفاع. ولهذا يُقرّ روبيرتو دي دزيربي أنه منشغل بالهجوم أكثر من الدفاع وعلى سبيل التقريب يقول أنه يكرس “80% من الأسبوع التدريبي على الهجوم، دون التغافل عن التغطية الوقائية. وإذا قَصَرت العمل على الدفاع لـ20% فسنخسر جميع المباريات، بالمقابل، عندما أدرب مرحلة الهجوم فأنا أعتني بالتمركز بحيث لا نجد أنفسنا بحالة لا توازن عند ضياع الكرة، هنا فقد جمعت الحالتين في تدريب واحد.” دي دزيربي يرى أنه عندما يدرب فريقه هجومياً فهو يعتني أيضاً باللاعبين خلف الكرة والمعروفة بالإيطالية copertura preventiva أو مفهوم التغطية الوقائية كما ترجمة الأخ (@Mouhamdi_Alawi)، بحيث يغطي اللاعبون المناطق الخلفية أو البعيدة عن الكرة ضمن مواقع محددة وأكثر عرضة للاستغلال، العمق وبين الخطوط أو الميل نحو الأطراف إذا كانت الكرة على الطرف، وبالتالي فمدرب ساسوولو يدرب فريقه دفاعياً في حالة الهجوم، عد للنقطة (3) مقولة لـيـّو أو المفهوم الملموس والمفصلي بالنسبة له. بالنظر للحالة البدنية يتفق جوزيه مورينيو -على الأقل في بداياته- بمفهوم الدفاع عبر الاستحواذ، وعوضاً عن الضغط المستمر لأن التعب قد ينال منّا، سنحاول التقاط الأنفاس بامتلاك الكرة؛ “عندما يندفع الفريق بعيداً إلى الأمام، سيحتاجون إلى الراحة أثناء المباراة. وما الأفضل؟ الراحة بالكرة أم بدون الكرة؟ أريد أن يعرف فريقي كيف يستريح بالكرة، ومعرفة كيفية الراحة بالكرة يعني وجود لعب تمركزي جيد، أن يشغل اللاعبون المساحة بعقلانية وتكون لديهم القدرة على امتلاك الكرة حتى ولو -في بعض الأوقات- لا يكون الهدف التعميق”…؛ أي اللعب في العمق.

لا يمكن أن تفهم الهجوم دون فهم الدفاع، لأنك تقوم بما يناقض ما يقوم به المنافس، والمنافس يقوم بما يناقضك. أي لن تتمكن من بناء أسلوب لعبك دون محاولة فهم ما يواجهها ويضاددها، والعكس صحيح لا يمكن أن تكون مستوعباً للدفاع بلا استيعاب للهجوم ومعارضة المنافس وإقفال المساحات وتوجيههم كيفما نريد. استيعاب كرة القدم هو استيعاب كلـّ(ـي)، إذا أجدت في الحالة الدفاعية فأنت تعرف ضرورةً كيفية الهجوم، وإن أحسنت هجومياً فأنت تعرف ضرورة كيفية الدفاع، إذا كان فريقك مشتتاً حالة الهجوم فأنت لم تهاجم بصورة جيدة ولن تعود للدفاع بصورة سلسة. سيميوني وغوارديولا لديهما رؤية متقاربة لكرة القدم ولكنهما لا ينتهجان نفس النهج كأخذ المبادرة والبناء والتركيب لدى الكتلوني، ولكن سيميوني لا شك مدرب مميز في كرة القدم، تنتشر فرقه هجومياً بشكل جيد، تتحول بإتقان وليست جامدة بل سلسة وطَلِقة بين الحالات. بالضبط ككلوب أو رانغنيك أو سارّي رغم الفروق بين هؤلاء المدربين، إلا أنهم يرتكزون على نفس المرتكزات، ويتّبعون نفس الأسس.

ما يميز فرق غوارديولا وكذا الفرق السالفة -مع احتفاظها ببعض الفروق من ناحية هيكلية ومفاهيمية- هي احتلال مواقع متقدمة بعدد كبير ورغم ذلك يعسر على الخصم اصطيادهم في الارتداد. بمعنى أنهم بالرغم من سطوتهم الهجومية فهم محتفظون بالتوازن للأسباب الآنفة الذكر، إلا أن هذا لا يكفي بلا تحول سلوكي، فبمجرد خسارة الفريق الكرة تبدأ حالة من الهلع الإيجابي، أو كما يسمي هيلموت غروس الضغط المضاد الخاص به وبرانغنيك أنه فوضى منظمة، وهو يراها لدى غوارديولا حالة فريدة من نوعها. نسمع عن قاعدة الـ5 أو الـ6 ثواني لغوارديولا وهي تعود بالأصل لفان خال -وفقاً لغويلم بالاغ- أو هناك من ينسبها لساكي. يشبهها سيرولّـو بزمرة الذئاب حينما تتعاون للإيقاع بفريستها، بالنسبة له فهو نوع من أنواع التفوق، وإذا كان التفوق التمركزي سيعزل اللاعب الذي سرق الكرة، والتفوق العددي سيمكننا من تغطية بعضنا، فسيوفر التفوق “العاطفي التطوري لدينا مساحة فورية للتعاون، كزمرة ذئاب، كل واحد منهم يؤدي وظيفة لمهاجمة الفريسة. يتيح لنا هذا الموقف تفسير أنه عندما نخسر الكرة، فإننا نستخدم التفوق الذي يفيد الفريق في تلك اللحظة.” وبالنسبة لغوارديولا فـ”إذا استعدنا الكرة فهذا عائدٌ لاتصال وترابط اللاعبين خلال بناء اللعب، وليس بسبب قاعدة ستة ثوانٍ من الجهد.” في حين يرى بيتر بوش أن الخصم “يحتاج إلى أكثر أو أقل من خمس ثوانٍ للتموضع بصورة صحيحة، لذا علينا استعادتها على الفور.” إن هذه الأوصاف الرنانة -إعلامياً- تؤخذ حرفياً، ويعتبرها البعض غاية، بينما هي ليست إلا شكلاً من أشكال التواصل، وانتفاض اللاعبين بعد خسارة الكرة هي نتيجة الاعتياد في التدريبات لدى هذه الفرق وشحذ همم اللاعبين لاستعادة الكرة بأقرب وقت ممكن، فلا يمكن تحديد الوقت الذي نستعيد به الكرة أو حتى استعادتها من الأساس، ولكن هناك أهدافاً أخرى، أهمها الحفاظ على الهيكل المؤسس قُبيل خسارة الكرة، والحفاظ على التفوق إن كان عددياً أو مركزياً، وتبعاً لذلك سنبقي المنطقة حول الكرة تحت السيطرة، كما أن ضغط أقرب لاعب يعني تأخير الخصم ومنح الزملاء وقتاً للعودة إذا لم نكن مستعدين تماماً، أو كذلك توجيه اللعب لمناطق أقل خطراً.

ردة الفعل بعد فقدان الكرة -حتى ولو امتلك الفريق هيكلاً متيناً- ينطوي على عوامل نفسية/انفعالية، وبالضرورة هذه العناصر غير منفصلة، كون أي تصرف له أبعاد متعددة؛ نفسي، انفعالي، بدني، وفني. تركيز اللاعبين العالي مع اللعب سيساعد في التفاعل مع أطوار اللعب دون توقف، فالتقاعس أو الانشغال بالاحتجاج أو ندب الحظ بعد ضياع الكرة سيعود سلباً على الفريق. هذه التصرفات تتطلب محركاً داخلياً من اللاعب للتضحية والاستعداد لما يطرأ، ممارسة هذه السلوكيات تتطلب هذا الدافع، السلوك في كرة القدم مركب ومعقد تتحايث فيه العناصر، ليس مجرد تكتيك فقط أو نفسي فقط أو بدني/حركي فقط، نحن بحاجة لهذه العوامل سوياً، الداخلي منها والخارجي ليرى هذا التصرف أو السلوك النور ويبرز المفهوم: وحدة التعدد. التمريرة يجب أن يكون لها غاية، وليست حركة فنية منفصلة عن سؤال لماذا، وكذا الركض والحركة، والتفكير واتخاذ القرار يتطلب تنفيذاً إن كان فنياً أو حركياً.

في كرة القدم نبدأ بالتنظيم ومن ثم يتبعثر اللاعبون على المعشب، غير أن هنالك شبكةً رابطةً بين اللاعبين إذا ما خلقوا لغة مشتركة تتسم بالتناغم والتجانس، هناك تفاعل بين اللاعب وزميله والكرة والخصم والمساحة والوقت، هناك حالة من الانتظام الذاتي وإعادة الانتظام الذاتي المستمر. كرة القدم سريعة على أن نتنظم في التحولات، كونها تمثل الاختلال/اللااستقرار، بل وحتى في أكثر الحالات استقراراً لا نستطيع التيقن مما ستؤول إليه الأمور ولذا فشغل المساحات ومعرفتها والضبط المستمر للتموقع هو تسلسل تلقائي لطبيعة اللعبة. فعليه، لا يمكن معاكسة فطرة اللعبة والبحث عن خطوط سيمترية/هندسية نستطيع تمييزها، سكون ولا انسيابية بين الحالات، ولهذا الصورة التي نلتقطها عندما نحلل لا تقول الكثير، أو قد تكون مضللة. أمّا الهجوم بعدد قليل فقد يضمن لنا سلامة وأمان في التحول الدفاعي بيد أنه لن يضمن لنا هجوماً جيداً أو أسلوباً شمولياً. أو حتى اتباع اللعب المباشر دوماً لن يورث إلا فقدان الحيوية والطاقة وركضاً خلف الكرة في كثير من الأحوال أو وضعيات غير مواتية لهجوم فعال: لن نتمكن من خلق تفوق إذا لعبنا الكرة لمناطق ليس لنا فيها أي نوع من أنواع التفوق، عدا ذلك فنحن نرقب عشوائية اللعبة وهدايا السماء. تصبح تلك الفرق -خصوصاً المتقوقعة في الخلف- ليست محببة للعين وليست بتلك الانسيابية وهذا عائد للرفض الضمني لهذا التدفق المستمر في اللعبة، وعوم عكس التيار الجارف، كما لو أن بعض المدربين يمنون أنفسهم بوقت مستقطع بين حالة وأخرى، عندنئذٍ ندرك أنهم يجدون مشقة أو عجز في غالب الأحوال في تشييد أسلوب جامع وبهذا التعقيد والعمق. ذلك أنه بحسب سيرولّـو “عملية فهم أسلوب كرة القدم كهذا لا تتم في موسم واحد. إنها فلسفة لفهم اللعبة”.

بعض الأمثلة العملية

خصوصاً في أعلى الملعب يصعب الارتداد ضد السيتي، فهم في كثير من الأحيان متفوقون عددياً وتمركزياً وسلوكياً، فلا أحد من لاعبي السيتي مضطر للركض كثيراً، باستثناء زينتشينكو (كعضو ديناميكي) لأنه بطرف الملعب سيضطر للضم وملاحقة الجناح. ولهذا نستطيع إطلاق هجوم المنطقة على الهجوم التمركزي، فاللاعبون بالقرب من الكرة وتحكم تصرفاتهم الكرة كمرجع رئيسي مع التكيف الضروري كما نرى في تصرف زينتشينكو.
نرى في المثال الثاني التحول السلوكي للاعبين، المنطقة حول الكرة تحت السيطرة بهذه اللحظة. دخول اللاعب البعيد “ستيرلينغ”. انضمام الظهيرين وإغلاق العمق وبالطبع ضغط مباشر من اللاعبين القريبين وحلول للخلف فقط لحامل الكرة.
تم تخطي الضغط ولكن هذا لا يلغي جودة النوايا، المحصلة قد تكون سلبية في تصرف اللاعب؛ أي المقياس الدقيق/الصغروي، ولكن على المستوى الكبروي (الفريق / الهيكل) كل شيء مؤسس بجودة ولكن ليس كاملاً بالنهاية. وبالرغم من ذلك لا زال الأمر مستتباً، رودري أمام حامل الكرة وتساوي في العدد في الخط الأخير، ووضعية جسدية جيدة للقلبين والظهير الأيمن. من غير العقلاني مطالبة الفريق العودة بالكامل بل وليس منطقي أساسأً.
تخليق المثلثات يساعد في التباعد هجومياً ويساعد أيضاً في الارتداد الدفاعي وفي تدرج المسافات والمواقع، الأمر يتعلق بالزوايا.
انكماش مباشر حول الكرة، اللاعب المواجه لمرمى فريقه لا يسمح له بالدوران.
المثال الثالث؛ في منطاق متأخرة هناك صعوبة أكبر في الانتقال السلس، ذلك لأن الفريق للتو بدأ في تشييد الهجمة، ورغم ذلك فالسيتي نجح لحد كبير ف ياخماد الهجوم المعاكس، رودري ضاغط مباشر، تفوق عددي في الخط الأخير، انضمام اللاعبي الخارجيين.
هنا نرى أن الأمر استتب إلى حد ما، تفوق عددي للسيتي انكماش خط الظهر، والكرة انتهت إلى طرف الملعب وعادت للسيتي.

الأمثلة لا تنتهي هي بالملايين، كما يقول فينغر “أنت تلعب 11 ضد 11، هذا يعني ملياراً من المواقف المختلفة الممكنة … ولا يوجد موقف مماثل تماماً للحالة السابقة”. إن ما يتدرب عليه اللاعبين هو الحافز stimulus، وليس نمط محدد لأن كل وضعية تختلف عن الأخرى وكل حالة هي حالة جديدة، أما الحافز فلا تعني تحفيز اللاعبين وتشجيعهم، بل هو الحافز الداخلي، كما في مستثيرات الضغط. فعندما تفلت الكرة من المنافس يتولد حافز ومثير داخلي للاعب أي الآن سأضغط، وهو كذلك عندما نفقد الكرة، يتصرف اللاعبون ضمن مثيرات معينة تعلموها من خلال اللعب بأشكال مشابهة في التدريبات، كالتدريبات التمركزية، 4×4+3 كمثال، إذ بذلك تتخلق المحفزات الداخلية لدى اللاعب، طبعاً دون إغفال تحفيز المدرب وإلحاحهم للتحول السلوكي، يسبق ذلك التدرب على الهيكل الهجومي والتنظيم الدفاعي كمكلين لبعضهما وضرورة أساسية أو كما يقول خوسيه لويس أولترا: “من الواضح أنه من أجل “تنظيم” الدورات التدريبية و “بغية الفهم” مع اللاعبين، يمكن التمييز بينها، ولكن في الحقيقة فيما يتعلق باللعبة نفسها، فهي غير قابلة للتجزئة، لأنه عندما تهاجم، يجب أن تكون مستعداً بالفعل للدفاع (المراقبة، التغطية، الحركات والتوازن التعويضي، …) والعكس صحيح، عندما تقوم بالدفاع يجب أن تستعد فعلياً للهجوم (مواقع توسطية، حركات مسبقة في حالة استعادة الكرة حسب مساحة الملعب ومواقف المنافس وزملائه …).

إذا ما أردنا استخلاص سلوكيات السيتي عند خسارة الكرة فسنقول:

1) ينبغي استرجاع الكرة بسرعة وتقليص مدة التحول؛

2)إن لم نستطع فسنوجه اللعب ونغلق الحلول؛

3) وإن لم نستطع فيضغط أقرب لاعب ويتراجع البقية؛

4) باعتراف دومينيك تورنت مساعد بيب السابق، في حال خسارة الكرة وبوضعية غير حصينة فالإعاقة التكتيكية هي الحل الأخير.

“ندافع بطريقة معينة للهجوم بطريقة معينة، ونهاجم بطريقة معينة لأننا قادرون على الدفاع بطريقة متوافقة. يجب أن تكون الجوانب الدفاعية مرتبطة دائماً بالجوانب الهجومية، وإلا فلن نحصل على أسلوب جيد أبداً”. -جوزيه غيلييرمي أوليفيرا

الأمر سيان في حالة الدفاع، إذ ينبغي أن يكون هناك اتساق بين الفكرة الهجومية والفكرة الدفاعية، لا يمكن أن تبحث عن لعب تمركزي وتدافع بالقرب من المرمى. لا مجال للانتظار، ففي أسلوب غوارديولا حالة النفير عند استحواذ الخصم للكرة والتعطش للـ”هجوم” على الكرة ركن أساسي لانسيابية اللعب. هذا المفهوم الساكياني “أهاجم على هجوم الخصم” يعيدنا لمفارقة وجود الهجوم في الدفاع ووجود الدفاع في الهجوم. على غرار مقولة هيراقليطس يوجد الانسجام في اللاانسجام. أو مقولته الأخرى إننا نحيا بالموت ونموت بالحياة، والتي يعلق عليها موران قائلاً “أن الأمر لا يتعلق بمفارقة تافهة، فأجهزتنا العضوية لا تحيا إلا بعملها المستمر الذي تتلف جراءه وخلاله جزيئات خلايانا. ليست هذه الجزيئات وحدها تتلف، ولكن خلايانا ذاتها تموت، إن خلايانا تتجدد بلا توقف خلال حياتنا وبشكل دائم، باستثناء تلك المتعلقة بالدماغ وباستثناء ربما بعض خلايانا الكبدية.”

ليس ثمة أسلوب هجومي بل هناك أسلوب مبادرة، فاعلية، استقلالية في انتهاج اللعبة، هجوماً أو دفاعاً. أي أننا نحاول اللعب كما نريد، لا كما يريد الخصم. أن نبحث عن الكرة طوال الوقت، استحواذ، ثم استنفار بعد خسارتها، وشراسة عند حيازة الخصم لها. ولذا هناك أيضاً هجوم منطقة ودفاع منطقة، أو بالأصح، يوجد أسلوب المنطقة، يوجد الأسلوب التمركزي وهما متممان لبعضهما (كما سنرى في المقال القادم)، هناك وحدة أسلوب… فعلى خط وحدوية سبينوزا القائل بأن الكون شطر لا يتجزأ، فاللعبة شطرٌ لا يتجزأ، لا يوجد مدرب جيد هجومياً، وآخر جيد دفاعياً، اللعبة -وكذا عمل المدرب- ليست مجزئة، بل هي كيان لا ينفصم. ليس ثمة مهاجم ومدافع، هناك لاعب كرة قدم، تختلف الخصائص والمزايا بلا شك، ولكن إذا تمكّن اللاعب من التلاعب بالمنافس وهزم الدفاعات فهذا عائدٌ لأنه يفهم الدفاع، وإن كانت لديه نواقص بدنية قد تتطلبها المراكز الخلفية، هنالك خلط بين اللاعب الذكي الذي يستطيع الضغط وقطع مسارات التمرير أو تغطية المساحات وبين من يصارع ويركل ويعيق، الأول، ذلك الجناح القصير يعرف كيف ومتى يضغط ويدافع (قطع مسارات التمرير والتغطية… الخ) لأنه سيحاول البحث عن ذات الأمور عندما تكون الكرة بحوزة فريقه! والعكس كذلك، فأفضل المدافعين هم من يجيدون المفاهيم الهجومية، ولو أن الدفاع أيسر كونك تخرب وتُكسر، ولست تبني وتركب. وعلى خط مثنوية ديكارت تمتد الشرذمة والتفكيك والاختزال إلى وضع متخصص للتكنيك ومتخصص للهجوم ومتخصص للدفاع، بل ومتخصص لرميات التماس، وهذا ليس إلا إفراطاً في التخصص، اللعبة واحدة وأنت جيد بها بكليتها، فالمدرب الجيد والقدير محلل وتكتيكي واستراتيجي وقائد ومحفز و”مدير رياضي” وجيد للفئات السنية ولفرق الكبار، وينبغي أن يكون له دراية في الأمور البدنية، وجود مساعدين هو لتخفيف العبء وسد النقص المعرفي لا لتحمل المسؤولية، مثلاً مدرب الحراس أو المعد بدني قد يكون أكثر معرفة من المدرب في نطاق تخصصه. كرة القدم واحدة، اللعبة واحدة، والجيد جيد بها بكليتها…

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: