التمريرة، بين السيميولوجيا والتخاطر

كم عدد التمريرات التي تنتقل من قدم إلى قدم واللاعبان -أي الممرر والمستلم- لم يبرحا مكانهما؟ نادرة، نستطيع القول، غير أن هذا السؤال يستحث الجدل لنخرج بإجابات، أحدها -بالنسبة لي- أنه لا توجد تمريرة صحيحة أو خاطئة، وبالتحديد تلك التمريرات في المساحة، التمريرة الطويلة العالية أو البينية بصرف النظر عن الاتجاه. ولكن لماذا لا توجد تمريرة صحيحة؟ هب أنك تريد تمرير كرة قُطرية للاعبٍ منطلق رأسياً، بمجرد إطلاقك الكرة تجده انحرف قطرياً نحو القائم البعيد، كلا المسارين قد يأتيان بمردود إيجابي، ولكن التمريرة بدت عشوائية لتخرج خارج الملعب، من المخطئ هنا؟ هل كانت التمريرة خاطئة ومروعة وبلا فكرة كما تبدو؟ أم التحرك سيء؟ من هذا المثال سنعي أن الممرر ليس بمنفصل عن المُمرر إليه، والعكس من حيث تبادلية التأثير، التمريرة الجيدة مقترنة بتحرك يتناسق ويتوافق وفكرة الممرر، أو قد يمرر حامل الكرة وفقاً لحركة زميله. ولا يمكن لطالب الكرة أن يتحرك دون التماس جدوى هذه الحركة لحامل الكرة، اللاعب الجيد -كما ذكرت في المقال السابق- هو الذي يعيش حالة تراكب كروي، المفهوم الذي استعرته من ميكانيكا الكم بتحريف طبعاً، فالممرِر يتصور نفسه الممرَر إليه والعكس. يحتاج اللاعب التنبؤ بفعل زميله كي يحظى الفريق بفعالية، ربما ثمة حاجة للتخاطر.

يتفاعل اللاعبون داخل الملعب مستخدمين وسائل لغوية، واللغة بمعناها الأوسع يتخطى الكلام، فالإشارات والإيماءات لغة تواصل، اللغة لا تخص الإنسان وحده، فما يستخدمه اللاعبون هو سيمياء، أو سيميولوجيا كما أسماه دو سوسير (أحد آباء اللسانيات) كي لا يحدث خلط بين مرادنا وبين السيمياء المرتبط بالسحر والشعوذة. السيميولوجيا معنية بالعلامات والإشارات والدلالات اللغوية والرمزية سواءً الطبيعية كأصوات الحيوانات وأصوات الرياح وأصوات تدل على الألم مثلاً أو التي اصطنعها الإنسان كاللغة الإنسانية أو لغة الإشارة أو اللوحات المرورية. حينئذٍ لا شيء خارق يحدث بينما يتفاعل اللاعبون، فهم يتواصلون لفظياً ولا لفظياً، سواءً استخدموا شفرات كما في الكرات الثابتة أو لغة الجسد العفوية كرفع اليد طلباً للكرة أو ما شابه من علامات تدل على معنى معين. وضعية الجسد تواصل كذلك، فهيئة الجسد تحمل دلالة معينة، كأين أريد أن تكون الكرة، بل التمريرة ذاتها تواصل، فالطريقة التي أمرر بها الكرة لزميلي هي علامة أو رسالة، الكرة القصيرة رسالة إلى الزميل للاقتراب للكرة هذا لأنه ممنوع من الدوران، التمريرة للقدم البعيدة تعني الاستلام الموجه والتقدم بالكرة وهكذا. لكن ثمة ما يصعب تفسيره…

“في حالات النجاح الهائل، يكون لدينا انطباع بأنه قد يكون هناك نوع من التخاطر ما بين اللاعبين. هم يشعرون ويعرفون أنه بإمكانهم القيام بتمريرة دون حتى رؤية الزميل. ثم نخلق رقصة تصل بنا إلى خلق نوعٍ من السمفونية.” –إدغار موران

يحدث أن تكون سارحاً بخيالك وترمق شخصاً من بعيد يخال لك أنك تعرفه، بضع ثوانٍ وهذا الشخص يلتفت إليك مباشرة وكأنه يعلم أنك تحدق به، وكردة فعل ستشيح بناظريك وكأنك لم تكن تحدق به. هل تذكرت شخصاً ما بلحظة شرود ووجدته من حيث لا تحتسب يتصل بك؟ يسمى هذا بالتخاطر telepathy. التخاطر هو تواصل ليس باللفظي وليس بالإشارات ودون استعمال وسائط حسية بين المرسِل والمرسَل إليه، هذه الظاهرة غير معترف بها علمياً، فلم تأتي التجارب بنتائج متسقة ومكررة. مع ذلك لا زالت محط التساؤل، ذلك أنها ملحوظة في الأمثلة السالفة أو حينما يتفاعل اللاعبون، يستطيع اللاعب التمرير للاعبٍ آخر بلمحة بصر أو بدون لمحة بصر حتى، فهل يا ترى تتوارد الخواطر ما بين اللاعبين مع نسق اللعب المُلح؟ هذا في الواقع ضروري فيما بينهم، وهذا هو التناغم والتفاهم، نتحدث عن أمر غامض غير مفسر ولكن هكذا يتصرف اللاعبون، على اللاعب أن يقوم بالخطوة التحسبية، فالظهير مثلاً والكرة في الجهة الأخرى وظهر حامل الكرة مصوب نحوه سيشرع بأخذ خطوة للأمام، حامل الكرة بمجرد دورانه -ربما- يطلق التمريرة نحو هذا الظهير وبدون أي قناة تواصلية، لفظية أو جسدية. توغلات المهاجمين، انطلاق الجناح البعيد وقس على ذلك.

في All or nothing بيب يطلب من دي بروين أين يستشعر وضعية ما. هذا لأن حتى أهم مدرب في العالم يعي أن اللاعب ينبغي أن يكون حساساً وأن يقرأ شيئاً خفياً، أي يتنبأ بما قد يؤول إليه الحال.

ثمة حاجة ماسة لدى اللاعب لتطوير حاسة سادسة، استخدمها ها هنا على سبيل المجاز لا الإقرار لهكذا خوارق، فاللاعب الذي مرر دون أن يرى قد بنى -عطفاً على خبرته- خارطة يعرف بها أين يقع المرمى وأين قد يتمركز المهاجم وأين هم مدافعو الخصم، فضلاً عن إدراكه المكاني؛ أي أين هو في تلك اللحظة. تظل هذه الحاسة خاصة وليست لأي أحد، هذه القدرة الخلاقة هي ما تميز بيرلو أو توتي حينما يقذفان الكرة خلف المدافعين من لمسة واحدة، أو حينما يلعب كرةً بالكعب، ثم يقال بأن هذا اللاعب يمتلك عينين في ظهره، هي إحساس مع مخاطرة، تلك اللمسات وإن بدت جمالية إلا أن لها القدرة على فك مغاليق اللعبة، فقد تضطر أحياناً لعب الكرة بالكعب أو قد تخسر اللحظة التي تفوق بها الفريق عددياً واستراتيجياً (مركزياً). ومن ثم يبقى على عاتق الآخرين التحرك نحو الخشبات الثلاث تحسبياً وليس بالضرورة بتواصل مباشر، ماذا وإلا سيكون الفريق متأخراً ويناور عبر التمريرات من القدم إلى القدم، تلك السهولة التي ترفضها كرة القدم، اللعبة السهلة لا تقود لهدف، كما أن اللعب الصعب باستمرار سيبقي الفريق في حالة نفور وتحولات فجائية.

ختاماً أترككم مع اللقطات التالية:

حتى لو عدنا باللقطة لثواني لن تجد يوسف الثنيان يرى خلفه أو حوله، كان يركز محلياً ثم نشر بقدرته الخلاقة اللعب على المستوى الكوني (الشامل).
سامي الجابر فوراً يحول سلوكه لمهاجمة المرمى.
ربما لمح الثنيان سامي، لكن توتي لم يرى مانسيني بل توقع وجوده.
المسجل توغل من الخلف وهي حالة بالنسبة للممرر أعقد من الحالتين السابقين، شيئاً ما.
?

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: