طبيعة المعرفة الكروية

ما نوع المعرفة في كرة القدم؟ وهل هي معرفة أساساً؟

قد نجد أنفسنا أحياناً نتفوه باستنتاجات أو نحمل اعتقادات قفزت عن التحقق، أو حتى لم نتسائل في بادئ الأمر عن مدى إمكانية التحقق من صحتها في الأساس. تأمل التحليل أو الخطاب التالي، تأمل كل عبارة:

المدرب “فلان” عبقري، قرأ الخصم وكتبهم وأحسن في التبديلات ليقلب النتيجة، قلت بين الشوطين أن أهدافهم اقتربت لأنهم أطالوا التهديد والضغط، أعتقد أن خطابه للاعبين ما بين الشوطين قلب المعادلة، فريق قوي ذهنياً. أما عمل المدرب فواضح لا يحجب بغربال، تَحسب أن لاعبيه مقيدون بسلاسل بمواقعهم ليشكلوا الخطوط المتقاربة، وكل لعبة مدبرة وكأنه يديرهم بعصا تحكم. المدرب “علان” بالمقابل، بعد التقدم 2-0، وهي -كما نعلم- أخطر نتيجة في كرة القدم لم يضاعفوا النتيجة عندما سنحت لهم الفرصة، ولذا من يُضِعْ حتماً سيستقبل. لكن بعد ذلك وبدلاً من أن يتراجع ويحافظ على التقدم ظل يهاجم، انتشار الفريق كان سيئاً ولياقياً لم يستطيعوا مجاراة الخصم، ثم انهاروا ذهنياً كما رأينا، بوضوح تفوق المدرب “فلان” على “علان” تكتيكياً.

قد أحتاج صفحات لأحلل كل عبارة، كالعبارات الجوفاء من قبيل: قراءة الخصم، أو التفوق التكتيكي، أو إدارة المباراة بخلاف التخريص بلا براهين عن الحالة البدنية أو الذهنية مدحاً أو قدحاً، أو اقتراب الخصم من التسجيل لأنهم ظلوا يهددون والعكس أن من يُضع سيستقبل، في محاكاة جلية لمغالطة المقامر. ماذا عن الإجادة في التبديلات؟ يقحم المدرب لاعباً فيسجل ويهتف الجميع “يا له من تبديل”، رغم أن الكرة كانت تتهادى أمامه بعد انحرافها نحوه بالصدفة، أما الشوط الأول فبطيّ النسيان، يحلو لي مقارنة ذلك بتصريح مالديني عن الانزلاق، “عندما أنزلق فاعلم أنني قد ارتكبت خطئاً قبلاً”. بأي حال، وجود البدلاء ضرورة، فلا يمكن الاعتماد على 11 لاعبٍ طيلة موسمٍ يلعب فيه الفريق المتوسط ما لا يقل عن 40 مباراة، إصابات أو تقهقر لياقي -بحسب الخبراء اللياقيين ومقاييسهم. يبدل المدرب أيضاً لأغراض تكتيكية كإضافة مهاجم في الدقائق الأخيرة للحاق بالنتيجة أو مدافع للحفاظ عليها وهي أمور تستطيع جدة زيمان القيام بها، في الوقت الراهن قد يُنتقد المدرب عندما يتأخر في التبديل، أضحى التبديل فرض عين على المدرب، أصبح غاية بحد ذاته وليست طوارئ تستلزم حلولاً. وبالمثل الانزلاق حل تكيفي إن تأخر المدافع ولا يعيبه بشيء. بعد هذا التحليل الباهت للمحلل الافتراضي لا عجب أن يتسرب إلى المدرب وهم التحكم ويخال نفسه مسيراً للمقادير.

وهم المعرفة، هو ما نعانيه نحن البشر، للدماغ آليات توهمنا بأننا نعرف، لدينا انحيازات توجه أحكامنا وقوالب منفلتة عن التحقق تُقدم طازجة على الشاشات وصفحات التواصل، بعضها كما تقدم وآخر مزوّق مزيّن بلغة تقنية وهو لا يرقى كثيراً عن خطاب المشجع البسيط، إذ هو مملوءٌ بافتراضات مضمرة أو دوكسات مسلم بها، ولو عدنا للإغريق لوجدناهم يسمون الخطاب المعرفي “إبيستيمي”، أما الخطاب العامي أو المبني على اعتقادات شائعة يسمى “دوكسا”. نعم، إن المعرفة في كرة القدم في رتبة دنيا، عن اللعبة بحد ذاتها وحسب أتحدث، معتقدات وعبارات لا تستوقف أحداً، تمر زلالاً في السائد من الخطابات، مترادفات واستدلالات دائرية ومصادرات على المطلوب، أو احتكام لسلطة وما شاكل، هذا ما يشكل الخطاب الإعلامي وبالضرورة الخطاب الكروي الباهت. فالمسألة لا تعدو كونها خطابة ولغة لا تخلو من الرطن.

ما هي المعرفة؟ أجاب أفلاطون عن هذا السؤال في محاورة ثياتيتوس، ليقدم أقدم تعريف للمعرفة: المعرفة هي اعتقاد صحيح مبرر، أي أن نوقن بأننا على معرفة حينما “نعتقد” بـ”صحة” أمر ما ونستطيع “تبريره”، فإذا سُئِلت عمّن كان هداف كأس العالم 2002 فستجيب: رونالدو. ولكن أكنت تعلم علم اليقين أن رونالدو كان الهداف، أكنت متابعاً للبطولة أو أحداثها حينها، أو قرأت عن هذه المعلومة؟ أم أجبت لأن أشهر لاعب حينها كان رونالدو وإجابتك كانت تخميناً وسهماً طائشاً؟ إذا كانت تخميناً فقد أصبت لكن بلا تبرير يدعم معرفةً حقيقية. إدموند غيتييه قرر في الستينات التوغل بالمسألة مشككاً بتعريف أفلاطون الذي لم يتزعزع؛ جادل غيتييه بأنه ماذا لو اعتقدنا أو آمنا بصحة شيء وطابق الواقع بالصدفة، أتعد هذه معرفة؟ فقد تمتلك اعتقاداً صحيحاً مبرراً رغم فساد أحد مقدمات الاستنتاج. على سبيل التمثيل:

أحمد وخالد تقدما لوظيفة المدير الرياضي للنادي “س”، خالد على يقين بأن أحمد سيفوز بالوظيفة لأن الذي سينال الوظيفة هو من يمتلك بجيبه 5 نقود، لدى خالد براهين قوية: فقد ألمح رئيس النادي اعتزامه تعيين أحمد، كما أخبره أحمد أن بجيبه 5 نقود أثناء انتظار المقابلة الروتينية. يتغير قرار رئيس النادي في النهاية وينال خالد الوظيفة، بجيب خالد 5 نقود دون علمه، لتصدق قضيته الاقترانية: سينال الوظيفة من بجيبه خمسة نقود، لدى خالد اعتقاد صحيح مبرر رغم أنه لم يعلم أن بحوزته خمس قطع نقدية ولم يعلم بأنه هو من سيفوز بالوظيفة.

أمثل بمثال شبيه بمثال برتراند رسِل والساعة: دخلت ملعب كرة قدم وساعة الملعب تشير إلى تقدم الفريق “س” 2-1، ساعة الملعب تلك متعطلة ولكنها تشير فعلاً إلى النتيجة الصحيحة بمحض الصدفة، فهي تشير إلى نتيجة مباراة سابقة أو أياً يكن سبب النتيجة المعروضة، تنتهي المباراة على نفس النتيجة وتخرج عالماً بالنتيجة النهائية رغم عدم علمك بتعطل الساعة، الشروط الثلاثة المذكورة متوفرة في الواقع، النتيجة صحيحة، أنت تعتقد بذلك، وهي مبررة فالساعة مصدر للمعلومة.

إحدى محاولات علاج معضلة غيتييه هي موثوقانية ألفين غولدمان، فالاعتقاد -وليس التبرير- ناتج عن عملية إدراكية موثوقة. أما مقترح المعصومية infallibilism فيشير إلى أن التبرير ينبغي أن يكون يقينياً وغير مشكوك فيه البتة. وهناك من يعترض على أمثلة غيتييه لتخللها افتراضاً خاطئاً، فاعتقادك بأن ساعة الملعب سليمة هو افتراض خاطئ، يعرف هذا بمبدأ “No false lemmas”، أي: لا حد أوسط زائف أو لا ليمّة زائفة. غيتييه يرى بأنك تمتلك ما يبرر لك الإيمان بصحة شيء ما غير أنك لا تمتلك معرفة، وأما الردود عليه تتقفى العملية وحيثياتها، هذه الردود وإن جانبها الخطل لا تستطيع إنكار علمك بالنتيجة الصحيحة.

لا مندوحة من التحقق من صحة المعتقدات أو الافتراضات، ولكن إلى أي مدى؟ فكل افتراض أو اعتقاد يحتاج لبرهان لو احتج علينا أحدهم بحجة الارتداد regress argument وهكذا إلى ما لا نهاية، فلا شيء ذاتي الصحة، والحقيقة معلقة لدى الفلسفة البيرونية مثلاً التي ناوشت أفلاطون قبل مئات السنين من غيتييه. يؤدي هذا بنا إلى نقطة بداية المعرفة، أو مسألة المعيار التي طرحها البيرونيون قبل ما يزيد على ألفي عام، يختزلها رودريك تشيزولم بسؤالين ملحيْن فحواهما 1) ماذا نعرف؟ … 2) كيف نعرف؟ … السؤال الثاني يتعلق بمصادر المعرفة، لعل العقل والتجربة أكثر المصادر موثوقيةً وهناك من يضيف النقل والحدس. تنفلق الفرق لتضعَ فرقة أفضلية العقل والاستدلال والحدس وهم العقلانيون ومن يفضل التجربة الحسية كالتجريبيين، ومن يجمع ما بين الاثنتين كالموقف النقدي لإيمانويل كانط، فالتجربة تستلزم مقولات وضرورات عقلية، كالسببية أوالزمان أو المكان وما شابه؛ هذه المقولات قوالب فطرية “قبلية” تسبق التجربة الحسية الـ”بعدية” غير أن تلك القوالب بلا محتوى تجريبي معقول ليست إلا قوالب فارغة. بالعودة لتشيزولم، فسؤال “ماذا نعرف” معني بالاعتقاد الصحيح المبرر بغض الطرف عن المصدر أو الوسيلة التي تأتي تالياً، يسمي تشيزولم هذا الاتجاه بالانصرافية particularism، فيما تعـتـني المنهاجية methodism بطريقة وكيفية حصول المعرفة، فسؤال ماذا نعرف يقتضي ضمنياً وجود معرفة. فيما الاتجاه الثالث هو الاتجاه الشكوكي skepticism الذي يرى استحالة تبرير معتقداتنا ليذهبوا لتعليق الحكم، فلا محالة سنصطدم باستعارات أغريـبـا الخمسة؛

  • 1) تعارض الآراء بين الفلاسفة والناس عامةً؛
  • 2) وتغير الأشياء بتغير العلاقات أو الظروف أو بتغير منظور المرء، أو النسبية اختصاراً،
  • 3) ثم حجة الارتداد التي أتينا على ذكرها،
  • 4) فالاستدلال الدائري، أي أن تكون النتيجة ضمن المقدمات، (أ) صحيحة لأن (ب) صحيحة، و(ب) صحيحة لأن (أ) صحيحة، مثال ذلك: أ) نلعب اللعب التمركزي، ب) لأنه يمنحنا خيارات تمرير أكثر، وإذا عكست (أ) و (ب) فستنقلب النتيجة مقدمة: لدينا خيارات تمرير أكثر، لأننا نلعب اللعب التمركزي.
  • 5) أخيراً الحجة الدغمائية؛ تشير الدغمائية أو الجزمية في الفلسفة البيرونية إلى قبول افتراض حول مسألة غير واضحة. بصياغة أخرى التسليم بصحة الافتراض دون تحقق: اللعب التمركزي جيد وكفى…

“وعلى أي نحو ستبحث يا سقراط عن شيءٍ لا تعرف مطلقاً ما هو؟ فأي شيء مما لا تعرف تضعه موضوعاً لبحثك؟ وحتى إذا حدث على أحسن الفروض أن وقعت عليه، فكيف ستعرف أنه هو ذلك الذي لم تكن تعرف؟”

(محاورة مينون ص103، ترجمة عزت قرني)

تشكل الاستعارات 3 و 4 و 5 ما يعرف بمعضلة مونشهاوزن الثلاثية التي تفترض استحالة المعرفة دون التسليم بافتراضات متفق عليها، فلا يمكننا البدء من لا معرفة، بالضبط كما يحاول لاعب الكرة القفز عبر سحب نفسه من عروة حذائه لا أن يدفع نفسه عبر الهواء مطبقاً قوة ضد المرتكز كما تخبرنا قوانين الطبيعة، وها هنا مشكلة المعرفة فكيف لنا أن نبدأ من لا معرفة، إذ لا نمتلك الأرضية اللازمة للانطلاق وهذا موقف الشكوكيين والسفسطائيين، وكيف لنا أن نبحث ونتقصى عما لا نعرفه في بادئ الأمر كما قلب مينون الطاولة على سقراط؟

تشعبت فرقٌ لحل هذه المعضلة، فالتأسيسي (من foundationalism) يجد أنْ لا مناص من التسليم ببعض البديهيات أو الافتراضات الأساسية كأساس آمن لبناء المعرفة، كالضروريات العقلية عند العقلاني مثلاً أو النابعة عن التجارب الحسية عند التجريبي. الاتساقية coherentism ترى غير ذلك، إذ يعتقد معتنقوها بالدائرية وإنْ بزعمهم لا خطية، أي على شبكة من الافتراضات والاعتقادات على أن تكون متماسكة ومتسقة تدعم بعضها البعض فلا حاجة للبرهنة على كل اعتقاد على حدة كما في تركيب الأحجية أو استعارة السفينة لنيوراث في تشبيه آخر. فيما يتجه القائل باللانهائية infinitism إلى الارتداد اللامتناهي، فكل اعتقاد أو افتراض قد يُسوَغ بسلسلة لا نهائية من أسباب غير متكررة، يرفض اللانهائيون المسلمات والاستدلال الدائري. أما لدى العقلانية النقدية وأهم أبطالها كارل بوبر فأحرى بنا أن نستسلم لهذه المعضلة ونأخذ بشيء من الثلاثة اتجاهات مستبدلاً الدائرية بالنفسانية (ثلاثية ياكوب فرايز)؛ غير أن بوبر يرى أن المعرفة تقوم على الحدوس والنقد وقابلية الدحض للاقتراب من الحقيقة. أما بالنسبة للفيلسوف المعاصر إرنست سوزا، فالمعرفة تبدو درجات واضعاً باعتباره عدة شروط أو فضائل كيما يكون الاعتقاد ذا جودة ابستيمولوجية/معرفية أعلى، فاعتقاداتنا يجب أن تكون أكثر يقينية، أكثر أماناً، مبررة بعقلانية أكبر؛ أي تستند على أدلة قوية. كما ويمكننا استيعابها وشرحها ما يفضي بنا إلى فضيلة التماسك، ينبغي أن تكون اعتقاداتنا مترابطة وأقل تبعثراً، وأخيراً السبل المؤدية إلى اكتساب المعرفة أو الحفاظ على المعرفة مُعملين قدراتنا ومهاراتنا وذكائنا. يقول الفيلسوف الأمريكي أنه “عندما تتشكل المعرفة، فإن المعتقدات الأكثر أماناً، والأفضل تبريراً، والمكتسبة بموثوقية أكبر تشكل معرفة أفضل.”

قد تشق المقدمة على البعض فسؤال المعرفة لم يتبادر في ذهنه في الواقع، والحديث ليس عن رجل الشارع وإنما أيضاً عن حكماء كرة القدم، فشتات عبارات جوفاء هي ما تشكل دليلها المعرفي الركيك، فنتسائل: أثمة معرفة في كرة القدم ؟ أم مجموعة اعتقادات وآراء مسلم بها تتناقلها الألسن من المشجع البسيط إلى بيب غوارديولا، من المقاهي إلى قاعات الكوفيرتشانو، ألا يوجد تضارب في التصاريح بين المدربين، ألا يحتج المدربون بحجج لتبرير أسالبيهم، وآخرون لأساليب مضادة؟ منطقة أم رجل لرجل؟ 3 أو 4 في الخلف؟ ضغط عالي أو ركن الحافلة؟ الاستحواذ أم اللعب العمودي أم المباشر؟ المركزية أم الوظيفية؟ يعتقد غوارديولا بأنه ينبغي أن تذهب الكرة إلى اللاعب لا العكس، يعتقد سباليتي بأن التمريرة يجب أن تذهب إلى حيث سيكون اللاعب. هل انتهى اللاعب رقم 10؟ هل التمريرة العرضية عديمة الجدوى كما يقول زيمان؟ هل 15 تمريرة في بناء اللعب ضرورية كما يقول غوارديولا؟ هل هناك شح في المراوغين؟ أأصبح المدافعون أسوء؟ هل كان المدافعون في السابق يخرجون لشرب المياه حينما تكون الكرة بحوزة المهاجمين وأما الآن فيطبقون التغطية الوقائية؟ هل العرضية من أنصاف المساحات يطوقها أثير إلهي… ربما لا يتعدى ما سبق ما يضرب به الوضعيون المنطقيون عرض الحائط، فكرة القدم مليئة بالعبارات الميتيافيزيقية الشخصية الفارغة -بزعمهم-، فلا هي قضايا تحليلية طوطولوجية (بديهية، كقولنا: لاعب كرة القدم إنسان، للمربع أربعة أضلاع) ولا هي قضايا تركيبية (تجريبية، كقولنا: تسقط الكرة بسبب الجاذبية) تشكل علماً أو معرفة تفيد البشرية.

لا يتحدث المدربون في المؤتمرات أو المقابلات بأساسٍ معرفي راسٍ، فهم يتحدثون عن آرائهم ورؤيتهم وانطباعاتهم وبضع أحكام عشوائية تعسفية. لا تكمن الإشكالية في اختلاف وجهات النظر وحسب، بل في وصف الواقع، في وصف أمور تحتاج لدراسات وبحث وتنقيب أو بعضهم يطلق أحكاماً ذاتية تتعلق بحقائق موضوعية أحياناً، إليكم هذين التصريحين المتناقضين في وصف الكرة الحديثة:

“…يركن الخصوم الحافلة في السابق أكثر، أما في الكرة الحديثة فيضغطون عالياً أكثر.” -تشافي
“…حتى الفرق الكبيرة لم تعد تضغط عالياً.” -دييغو سيميوني

كل تصريح -من هذين التصريحين- غير منضبط وبلا دليل إحصائي، يصعب التحقق منه، غير قابل للتذكيب، يقول كل شيء ولا شيء، في الحقيقة كلا العبارتين بلا معنى. بإمكاننا أن نضيف المزيد من العبارات غير أننا وضعنا أعلاه من هراء الخبراء ما يسد الحاجة.

أدبيات كرة القدم كعلم النفس التحليلي الفرويدي أو المادية التاريخية لماركس تقول كل شيء وأي شيء كما يصف بوبر بمبدأ الحد الفاصل، لم يرى بوبر أن مبدأ القابلية للتحقق للوضعيين المنطقيين هو ما يحدد العلم من اللاعلم أو العلم المزيف، واضعاً الأولوية لقابلية التكذيب، فإذا قلت بأن “اتقان التحولات هو مفتاح النجاح في كرة القدم الحديثة”، أو “من طلب العلى سهر الليالي”، فلا يمكننا نفي ذلك، أما إذا قلت “تخرق المنطقة 14 قانون الجاذبية فلا تسقط الكرة عندما تدخل ذلك المجال” فهذه عبارة يمكن تكذيبها بالتجربة، وببساطة لعمومية قانون الجاذبية في كوكبنا. إذاً من شروط العلمية أن تحتوي العبارة معلومات محددة وواضحة كي نستطيع أن نكذبها لا أن تكون عائمة لا نستطيع اختبارها أو التحقق منها كالتوقعات مثلاً؛ فالمنجمون يضعون تخمينات عامة كمن يصطاد السمك بالشباك، حتماً سيصطاد عدداً من الأسماك (انظر تأثير فورير)، وكذا في كرة القدم؛ ما لم تضع أوقات التسجيل وكيفية التسجيل والمسجل والتمريرة الأخيرة فتوقعاتك -علي مستوى الأحداث أو على مستوى النتيجة- محض رجمٍ بالغيب.

لا تتصف المعرفة في كرة القدم بالموثوقية أصلاً، فضلاً عن أن تكون علماً، يمكننا التحقق من كل شيء ويمكننا نفي كل شيء بمنطق انتقائي، يمكننا عمل دراسة احصائية لاثبات فعالية دفاع المنطقة ويمكننا القيام بدراسة لاثبات فعالية الدفاع رجل لرجل، ولكن هل العلم خطوات شكلها الظاهري يبدو موثوقاً؟ كالمنطق الصوري مجرد قالب قد يحتوي الغث أو السمين؟ بل المحتوى ما يهمنا ولكن لا حقيقة ولا معرفة في كرة القدم، فهي مجال عشوائي منخفض الصلاحية أو بيئة منخفضة الصلاحية low-validity environment بيد أنها ليست كعشوائية رمي النرد مثلاً، ذلك أنها تحوي انتظامات معينة ولكن بلا اتساق في النتائج، أما رمي النرد فلا انتظامات فيها والخبير فيها -مهما صال وجال- ليس خبيراً في الواقع، أما كرة القدم فالخبير بها ليس فعلاً بذلك الخبير والتوقع على مستوى الأحداث والنتائج مجرد لغو. تماثل كرة القدم السياسة والاقتصاد بصعوبة التنبؤ، لدرجةِ تَوصلِ الباحث في العلوم السياسية فيليب تيتلوك في دراسته الطويلة إلى أن قراءة 284 خبيراً ما بين سياسي واقتصادي واستشرافهم للمستقبل ليست أفضل من الإنسان العادي أو الغير متخصص وليست أحسن حالاً من أي خوارزمية بسيطة، وبذا -بزعمه- يسحب الثقة منهم ويستخلص عدم حاجتنا لنصائحهم، وخصاً نصاً من يتصدر الشاشات والاهتمام، بحسب تيتلوك ثمة أسباب من شأنها الحط من قدر توقعات ونصائح الخبراء في تلك المجالات، منها ما يتعلق بثقة المتخصص المفرطة في تنبؤاته، لغته جازمة حتمية أكثر من كونها لا يقينية احتمالية، عدم انفتاحه على المعلومات الجديدة، منغلق على تخصصه وحسب، إذ أن بعض الهواة المثقفين المطلعين على مجالات مختلفة تفوقوا على المتخصصين في مسألة التنبؤ، يُرجع -المحاضر في جامعة بنسلفانيا- ذلك إلى انفتاح غير المتخصص لمراجعة نفسه والاعتراف بهفواته لكونه أقل عرضة للانحيازات الإدراكية.

لا تقف المشكلة عند محتويات التصاريح المتضاربة أو الاعتقادات المتخالفة أو التنبؤات الفارغة لتطورات اللعبة، سنتسائل، ما نوع الخبرة عند مدرب كرة القدم أو كرة السلة أو الخبير السياسي أو الخبير الاقتصادي؟ وفقاً للنفساني الأمريكي غاري كلاين -وهو المنغمس في عالم اتخاذ القرارات- ثمة شرطين لكي يكون المشتغل في مجال ما خبيراً بمعنى الكلمة، ذكرنا أولهما؛ ألا وهي صلاحية البيئة التي يجب أن تكون عالية وأما الثانية فهي تلقي تغذية راجعة (ردود فعل) مستمرة، وعلى ضوئهما أيضاً يحدد ثقته بالحدس، يقول في مناظرة مع دانييل كانيمان أنه “إذا كان الموقف مضطرب جداً جداً، فإننا نقول إن صلاحيته منخفضة، ولا يوجد أساس للحدس. مثلاً، لا يجب أن تثق بأحكام وسطاء الأسهم الذين يختارون الأسهم الفردية. أما العامل الثاني هو ما إذا كان لدى صانعي القرار فرصة تلقي تغذية راجعة على أحكامهم حتى يتمكنوا من تقويتها واكتساب الخبرة. إذا لم تستوفى هذه المعايير، فلن يكون الحدس جديراً بالثقة”.

ثمة هيكل في الألعاب الجماعية، هناك انتظامات ومساحة لتكوين معرفة، فكما أسلفنا تتفاوت عشوائية المجال وبذلك تتفاوت صلاحية البيئة، يمكننا الوثوق بحدس أو تنبؤ الخبير في بعض المجالات التي لا تعتبر صلاحية بيئتها عالية، ولكن يجب أن نتروى في إطلاق كلمة خبير على شخص ما في كرة القدم، فالفرق بين من يقف في منطقة المدربين والمشجع خلفه ليس بذلك الفرق، إبيستيمولوجياً على الأقل. إذا لعبت النرد لأول مرة ضد لاعب لعب آلاف المرات فخبرتكما في المجال متساوية! وسيقع الخبير المزعوم والمبتدئ بنفس فخ البحث عن الأنماط وتكوين صورة وهمية في عالم عشوائي، أما الخبير فسيدرب أنماطاً وجدها شافية كافية وعممها، راقب المهاجم هكذا، اهرب من مراقبك هكذا، انظر للكرة وليس اللاعب، تراجع كفان دايك أو لا تتراجع كفان دايك…الخ. من يقف في منطقة المدربين -وكم قضى من السنين أو كيف تدرج- ليس العامل الفيصل أبداً في كرة القدم، مدرب ريال مدريد سيفوز غالباً على مدرب إسبانيول، بيب غوارديولا فاز على أليكس فيرغسون رغم أنها السنة الثانية له في التدريب والأولى على المستوى العالي، فيرغسون فاز بذات البطولة قبلها بعشرة أعوام ودرب لمدة تتجاوز 20 عاماً وقتئذٍ، هانزي فليك يتولى دكة فريق في الدرجة الأولى لأول مرة وبعد ستة أشهر يفوز بالثلاثية، فما نوع خبرته هنا، لماذا يضع الجمهور أو بعض المتعالمين شروط بالية للمدربين، لمَ نغض الطرف عن خبرة اللاعب وخبرة المساعد في اللعبة؟ ما دور فليك كمساعد لسنوات وتدريبه لهوفنهايم أيضاً في الدرجة الثالثة لسنوات، تدريبه للبايرن مباشرة لا يقف على المعرفة وما من سلم يتسلقه المدرب ليصل درجة الاستحقاق، لم يلبي فليك شروط المدرب الناجح الذي فاز بالبطولات ولم تكن لديه “خبرة في الأبطال” بل عجز عن إيصال هوفنهايم للدرجة الثانية أكثر من مرة، أهو سيء أم هناك ظروف كثيرة حالت دون تحقيق الهدف، أهو جيد أم أن البايرن فريق بطل به أو بغيره؟

وهل بيب غوارديولا عرف كرة القدم للتو حينما استلم دكة برشلونة، ألم يتدرب ويلعب، ألم يتناقش مع المدربين، ألم يضطلع بغرفة ملابس، ألم يرَ المدربين يتعاملون مع الصعوبات، ألم يرَهم يتخذون قرارات حاسمة، كيف يتعاملون مع المساعدين وكيف يوكلون لهم الأدوار؟ خبرة اللاعب باللعبة هي محك يمنحه أولوية على غير اللاعبين المحترفين، ومن ثمة لا يتعلق الأمر بالمعرفة العميقة، فالمعرفة في كرة القدم قضوية propositional هي معرفة وصفية، كمعرفتك بأن المعشب لونه أخضر وألوان برشلونة هما الأزرق والأحمر، معرفة اللاعب هي معرفة كيف know-how، أو معرفة إجرائية ولذا هو يعلم لكن دون أن يصف. كرة القدم تتعلق بالذكاء والقدرات التكتيكية أكثر من المعرفة، ولهذا تحول بعض اللاعبين أسهل للتدريب والتحليل، كل ما عليهم تحويل المعرفة الإجرائية إلى كلمات، إلى معرفة وصفية، ليس عليه أن يدرس ميكانيكا الكم أو الانشطار النووي أو حتى الهندسة، خبرته كلاعب ورغبته في التعلم والتساؤل حينما كان يلعب هي تمهيد مناسب ليتلقى رخصته ويدرس الحد الأدنى من اللياقة البدنية ولمَ لا شيئاً من علم النفس، الباقي يعتمد على شخصيته وقدراته على التواصل ولفيف معاونين جيدين. التدريب مجال لا يتعلق بمعرفة المزيد أو كما تقول أمثولة الثعلب والقنفذ -التي استخدمها تيتلوك- أن الثعلب يعلم أشياء عديدة صغيرة بينما يعلم القنفذ شيئاً واحداً كبيراً، تيتلوك رأى في أبحاثه أن أفضل المتنبئين كانوا الثعالب، وهنا أرى أن المحك للمدرب أن يعرف بكرة القدم ما ينبغي، فلا صلة للاعب بما تعرف وإنما ما يؤثر عليه هو انتهاجك التدريبات بمقدار ما تعرف والمعرفة الأهم أن تعرف اللاعب وتجيد توظيفه لا أن يلائم الشيء الكبير الذي تعرفه ألا وهو أسلوبك، الأجدى أن يعرف المدرب عن مهنة التدريب ما ينبغي وأن يعرف في اللياقة كما يراد، وفي علم النفس ما يكفي، وربما في الأنظمة المعقدة كما يفي.

صلاحية البيئة في كرة القدم منخفضة، الكثير من التلاطمات، من الغموض، من اللامتوقع واللامحسوب، تكيف وتفاعل واستجابات لا واعية وقرارات واعية، اللاعبون هم الممارسون في اللعبة، يتحسنون ويتطورون بتفاوت، بدءاً من الساحات واللعب الحر -كعملية ذاتية- وصولاً إلى انخراطهم بعملية يشرف عليها مدربون قد يضيفون تغذية راجعة خارجية. المدرب ليس بمؤدٍ كاللاعب، أي لا ينطوي عمله على أداء عملي وإنما إشرافي، المدرب يمارس مهمة الإشراف على العملية التدريبية، بكل جوانبها بدنياً ونفسياً وتكتيكياً ولكنهم ليسوا بنفس السلة واللاعبين. وبينما اللاعب يمارس اللعبة، فالمدرب يمارس عمل ينطوي على تحسين أداء ممارسي اللعبة، فمن أين يا ترى يستقي التغذية الراجعة لكي يتحسن؟ وهل هي ممكنة؟ أو بالأصح ما هي طبيعتها؟ أهو الأداء أم هي النتائج؟ أليس فوز الفرق القوية باستمرار بغض النظر عن المدرب مدعاة للتساؤل، ما مدى تأثير المدرب؟ وإن كان المعيار الأداء فمن يحدد، أليس تقييم الأداء ذاتياً ونابع عن آراء متضاربة؟ كيف يمكن للمدرب تغيير قرار لاعب في زوبعة اللعب، المدرب ليس مخرجاً يمكنه إعادة المشهد ويطلب من الممثل نبرة معينة أو حركة أو تعبيراً أكثر صدقاً، كرة القدم حقيقية وتعاش في الوقت الفعلي وتسير نحو المستقبل، دور المدرب يكمن في التدريبات لا يوم المباراة، في يوم المباراة تأثير المدرب كتأثير المشجع.

لا ينخرط اللاعبون بمهام ذهنية تتطلب نظام تفكير واعي وحلول لمسائل حسابية معقدة، ولا المدرب أيضاً يشرح اللعبة كما لو أنها نظام رياضي خطي بخطوة تلو الخطوة، يروق لي ما يقول مدرب الصالات الإيطالي بيلارتي: “لا تحل المشاكل في كرة القدم. إذا حللتها، فهذا يعني أنها لن تتكرر أبداً، لكن هذا ليس هو الحال. إننا نتعلم كيف نتعايش مع المشكلة، ونتصرف ضمنها”. كررت غير مرة اقتباس مينوتي حينما قال أنه حتى هو الذي قضى 30 عاماً في اللعبة لم يفهمها، فأحار من كلمة “فهم اللعبة” وما تعنيه، كرة القدم ظاهرة أكاتالبسية غير قابلة للفهم، ولذا أسميها حياة مصغرة، وحياة بالمفهوم البرغسوني، كرة القدم لا تفهم كرة القدم تُلعب، يميز اللاعبون والمدربون بعض الأنماط والانتظامات وعليها يتفاعلون، اللاعب وزملاؤه، اللاعب ومنافسيه، اللاعب وأفكار مدربه، ثم المدرب يتفاعل ولاعبيه، يمدهم بنصائحه ومعلوماته المحدودة حول اللعبة.

“كرة القدم [عالم لامتناهي] علينا جميعاً بذل الكثير من الجهد من أجل معرفة القليل جداً في النهاية. ذلك أن كرة القدم ثرية جداً، الملعب رحب جداً، وهناك أحد عشر لاعباً يخلقون الكثير من التفاعلات ضد أحد عشر لاعباً يخلقون الكثير من التفاعلات الأخرى. لذا علينا في كرة القدم أن نتحلى بالشجاعة وأن نمنح أنفسنا القليل من الحرية لنكون قادرين على إحداث بعض الأمور، فلا أحد يعرف الكثير عن كرة القدم. أعتقد أننا نتعلم دائماً، وبينما أتحسن، أرى عالماً أكثر رحابة حيث يمكنني أن أتطور فيه أكثر.”

-فرناندو دينيز

ليس في كرة القدم أجوبة قطعية موضوعية وإنما نسبية ذاتية، هي أفكار وليست معرفة، اللعبة تتعلق بالذكاء لا المعرفة، بيدري أو أوديغارد أو دي بروين فطنون وماهرون، يواجهون المشاكل باستمرار ويأتون بحلول فورية متنوعة، يتفاعل بيدري مع زملائه، يتصور دي بروين سيناريو معين، يفضل أوديغارد أن يجري زميله هكذا، يفضل ميسي تمريرة بسرعة معينة، يمرر وينطلق فتتوقع طلبه مجدداً للكرة في الأمام كخذ وهات، التدريب والمعرفة لا تتعلق بتسمية تلك الأمور وإنما باستيعاب خصائص اللاعب وما قد يوفره، معترفين بمعرفة اللاعب الإجرائية كعامل محوري في خلق وتوليف اللعب.

“يعتقد الأطباء أنهم يحسنون للمريض صنيعاً حينما يطلقون اسماً على مرضه.”

إيمانويل كانط

التسمية والاصطلاح أفادا البشرية والمجالات أيما إفادة، لكن المعرفة ليست التسمية، تسمية الأشياء لا يجعلها تنبثق إلى الوجود من حالة عدم، المعرفة لا تُختزل في اللغة؛ يأتي لاعب ما بحركة معينة ثم تسمى بتسمية، ترى طفلاً يقوم بحركة فليب فلاب أو إلاسيتكو، هو لا يعلم اسمها ولكن لديه معرفة إجرائية، تقول له أن اسم هذه الحركة إلاستيكو، سيقول لك “آها” وسيدير لك ظهره ليتعلم خدع وحيل أخرى وأنت ستعلم أسماء تلك الخدع وحسب، سيتلقى تغذية راجعة ذاتية عندما يحاول تعلم حركة أخرى حتى يتقنها، موقف البراغماتيين في نظرية المعرفة وجيه إلى حدٍ ما في هذا السياق، فما لم تترجم الفكرة في ذهنك عن العالم الخارجي إلى عمل أو سلوك، فلا تعود تلك معرفة. أن تعرف أسماء الأشياء لا تجعلك عارفاً حقاً، بكلمات فاينمان “معرفة اسم شيء ما لا يعني أنك تفهمه. نتحدث عن التعميمات المعتمة منقوصة الحقائق للتستر على عدم فهمنا”. وهنا يعتاش المتثيقف الذي يحسن دبج الحروف ليلم حوله المتابعين والمريدين ومن قد يلتبس عليهم الأمر ويسهل إغوائهم بعذب الكلام وغموضه، فيرددونه ويعيدون تدويره بلا تدبر، فلا هم فحصوا فحواها ولا نبشوا عن معانيها. ثلة من الباحثين في جامعة كامبريدج تصدوا لدراسة هذه الظاهرة ليتبينوا أسباب وقوع بعضنا بشراك ما نعتوه بالهراء العميق المزيف، يذكر بينيكوك وزملاؤه أنهم قدموا “للمشاركين عبارات هرائية تتألف من كلمات طنانة منظمة بشكل عشوائي في عبارات ذات بنية نحوية ولكن بدون معنى واضح”. يعزو الباحثون توهم البعض عمق العبارات لسببين، أولهما الاعتقاد أو الإيمان، فالمرء مستعد للاعجاب أو التصديق مسبقاً بدافع التحيز، أما السبب الآخر فيعود لعدم قدرة المرء على اكتشاف الهراء فيختلط عليه الأمر؛ بهذا يقول علي الوردي:

“رأيت ذات يوم رجلاً من العامة يستمع إلى خطيب وهو معجب به أشد الإعجاب. فسألته:”ماذا فهمت؟”. أجابني وهو حانق:”وهل أستطيع أن أفهم ما يقوله هذا العالم العظيم؟”

نستطيع التواري خلف المصطلحات الرنانة أو نتوهم أن المجال -أي مجال- يستحيل علماً بجملة مصطلحات ومفاهيم واحصائيات، أو على حد وصف فاينمان: “من الممكن اتباع النموذج وتسميته علماً، لكن هذا علم زائف. وبهذه الطريقة، نعاني جميعنا نوعاً من الاستبداد الذي نعيشه اليوم في العديد من المؤسسات التي أصبحت تحت تأثير المستشارين العلميين الزائفين”. يدلنا فاينمان على طريقة بسيطة في التمييز بين العلم أو المعرفة وما سواهما من علوم ومعارف مزيفة، طريقة فاينمان ليست إلا محاولة شرح المفهوم بلغة عادية أو بسيطة بلا مصطلحات علمية. ففي محاضرة ألقاها عام 1966 توصل فاينمان -في معرض حديثه عن مفهوم الطاقة- إلى طريقة لاختبار معرفة ما إذا تعلم المرء الفكرة أو تعلم التعريف فقط:

“اختبرها بهذه الطريقة: قل؛ ’بدون استخدام الكلمة الجديدة التي تعلمتها للتو، حاول إعادة صياغة ما تعلمته بلغتك[العادية]. بدون استخدام كلمة “طاقة”، أخبرني ما تعرفه الآن عن حركة الكلب’. لا يمكنك. لذلك لم تتعلم شيئاً عن العلم.”

وما هو أدهى وأمرّ هو استخدام المصطلحات كشرح بحد ذاتها، كأن يقول أحدهم “لا أستطيع النوم لأنني أعاني من الأرق” إنما هذا تفسير بلا معلومات كما خلص هيباتيان وسلومان في دراستهما، بدا الناس قانعون بالتسمية كشرح، كأن نقول أن الكرة تنحرف بسبب تأثير ماغنوس، ولو بدا ذلك شرحاً إلا أنه ليس شرحاً، فإذا قلت ما هو تأثير ماغنوس سيأتي التشبيه بانحراف الكرة بتقوس في الهواء فأصبح السؤال شرحاً بشكل دائري وبلا شرح فعلي، إذا قلت “تأثير ماغنوس” فسأظهر كخبير أو عارف حتى لو لم أشرح لك ما هي الظاهرة، وإذا استخدمنا طريقة فاينمان مستخدمين لغة عادية فسنقول أن سبب التقوس هو دوران الكرة حول نفسها وبذا لن تتخذ مساراً مباشراً، دوران الكرة حول نفسها سيجعل الهواء المتدفق على جانبي الكرة متضارب، في الجانب البعيد يتدفق الهواء عكس اتجاه دورانها فيخلق ضغطاً عالياً يجعلها تميل نحو الجانب الآخر الذي يكون فيه الضغط منخفضاً لأن الهواء المتدفق يسير بنفس اتجاه دوران الكرة، الضغط العالي طبق قوة دفعها للاتجاه الآخر. خامة الكرة عامل مساعد، فالكرة خشنة الملمس أكثر عرضة للانحراف من الملساء، ثم تكنيك التسديد عنصر فني مفصلي كذلك، فاللاعب يستخدم جزءاً من قدمه -الثلاث أصابع الأولى- ليركل الجزء السفلي من الكرة مولداً الدوران السريع المراد.

“من 1-7 قيم معرفتك بكيفية طريقة عمل سحاب البنطال”، “صِف بما تيسر من التفاصيل كيف يعمل السحاب”، طرح هذين السؤالين فرانك كيل للمشاركين في تجربته حول توهم الناس المعرفة أو الفهم، قيم المشاركون معرفتهم بتقييم عالٍ في بادئ الأمر وحين فشلوا بشرح طريقة عمل السحاب، سئلوا مرة أخرى كيف يقيمون معرفتهم، لك أن تحزر، تدنى مستوى التقييم. يعلق ستيفين سلومان عن هذه التجربة بكتابه The Knowledge Illusion أنه “من اللافت للنظر مدى سهولة إبعاد الناس عن وهمهم. عليك فقط أن تطلب منهم شرحاً”. وها هنا يظهر هناك نوع معرفة أخرى، تسمى معرفة تفسيرية explanatory knowledge، أما اللاعب الذي يجيد تقويس الكرة لديه “معرفة إجرائية” know how، من يعرف ما هي تسمية هذه الظاهرة الفيزيائية أو -حتى تسميتها في كرة القدم- لديه “معرفة الـ ماذا” know what، قد نعرف التسمية ونقوم بالتعريف ولكن قد لا نستطيع شرح الظاهرة ونفتقد للمعرفة الأعلى رتبة والتي تحسم حقيقة معرفتنا، “المعرفة التفسيرية” know why.

هذه اللغة المصطنعة والرطانة لا ترفعها لرتبة أعلى، الكل يطلب ود العلم، علم الطاقة، علم الفراسة ولمَ لا كرة القدم؟ أليس هناك مصطلحات وأسهم وإحصائيات وكتب ومناهج ودورات؟ هذا علم! أما المحتوى أو المضمون أو القيمة الابستيمولوجية فغير هامة، هل الإدعاء قابل للفحص؟ مدعوم بالأدلة؟ التنبؤات فيه محددة؟ النتائج تتكرر؟ يراجعها أقران في مجلات مرموقة؟ أم إدعاءات غير قابلة للفحص، وأدلة مبنية على رأي خبير أو الدليل المتناقل؟ كرة القدم تحت أي معيار للعلم لا يجد له خانة، سواءً قابلية التحقق عند الوضعيين المنطقيين، أو تكذيبية بوبر، أو أحاجي وتحولات توماس كون البارادايمية، أو نواة إيمري لاكاتوش الصلبة وحزامها الواقي، لا بل ولا فوضوية بول فيراباند.

فلسفة كرة القدم باب مطروق على استحياء، لنا أن نفلسف كرة القدم، كل يعرض وجهة نظره بفرضياته وحججه ومبرراته على أن تكون متماسكة منطقياً، طرقنا هنا باب الابستيمولوجيا وفي المقال السابق الانطولوجيا وقبل ذلك مبحث القيم وهي محاولات متواضعة للمباحث الثلاث الرئيسية في الفلسفة. أما “المعرفة العلمية تغطي قسماً صغيراً جداً من المسائل التي يهتم لها الجنس البشري، والتي يجب أن تهمه” كما يقول برتراند راسل، والفلسفة برأي الأخير “هي فرضيات حول أمور لا يمكن الحسم فيها بطريقة نهائية من الناحية المعرفية”، ثم يوضح الفرق بوجهة نظره بين الفلسفة والعلم مضيفاً “العلم هو ما نعلم، والفلسفة هي ما لا نعلم”. العلم منهج نفعي، موضوعي، مادي وكمي وتجريبي، يدرس الظواهر الطبيعية ويفسرها ويحاول تطويع الطبيعة بما ينفع البشرية. أما الفلسفة فمبحث ذاتي، يبحث عما وراء المادة، نوعي، نظري تأملي، للفسلفة منافع للبشرية في مباحث الأخلاق والسياسة والاقتصاد وفي المعرفة العلمية نفسها، فكيف تقوم المعرفة العلمية بدون مبحث الابستيمولوجيا، ورغم محاولات الوضعية المنطقية بداية القرن الـ20 تحويل الفلسفة إلى علم برفضها لكل عبارة ما وراء مادية/ميتافيزيقية لخوائها من المعنى، فهي تصنف العبارات إما تحليلية أو تركيبية، لكن أين يصنف الوضعيون المنطقون مبدأ القابلية للتحقق، أو السببية أو الحتمية؟ توارت الوضعية المنطقية عن المشهد غير أن ورثتهم من العلمويين لا زالوا يناصبون العداء للفلسفة في محاولة لاحتكار المعرفة.

وعلى أي حال لا تنقسم المعرفة إلى إما-أو، ففي كرة القدم مساحة للمنهجين، علمي فيما يخص اللياقة والحركة والحالة البدنية والتي تتداخل بها تخصصات فيزيوليوجية متعددة، وهناك تخصصات إنسانية أقل دقة كعلم النفس أوعلم الاجتماع، ومباحث كالإدارة والقيادة والتدريب والتربية يطغى عليها الجانب الفلسفي لا العلمي. ومن شأن العبرمناهجية التأسيس لمنهجية تدريبية قويمة تتطلب فلسفة في المقام الأول، فالخبير اللياقي سيكسب اللاعبين اللياقة مستخدماً طرق خطية يسهل قياسها والتحكم بها، غير أن هناك طرق يمكن قياسها ولكنها تنطوي على عوامل نوعية مخصصة لكرة القدم، وهنا نحن أمام فن التدريب، أمام الثعلب الذي يستطيع استنباط وسائل من تلك المعارف والعلوم بصورة نقدية، يستند على قنفذ يعرف عن اللياقة وآخر في علم النفس وربما في علم الأعصاب. ولكن حينما نتحدث عن 4-3-3 والرجل الثالث ومهاجمة القائم الثاني في ركلة الزاوية نحن لا نتحدث علماً ولا فلسفة، وإنما عن أفكار وخطط واستراتيجيات تنطوي على مكر ودهاء وحيل اللاعب والمدرب، إننا نتحدث عن فن عملي يبحث عن التعبير والفعالية، ولكن لمَ نلعب بهذه الطريقة أو تلك، ولمَ نتدرب بهذه الطريقة أو تلك فسندخل المجال الفلسفي.

ازداد الضغط على الكرة حينما اختبرت ابستيمولوجياً، ثُقبت فانكمشت، رافضة أن تكون جدية اكثر مما ينبغي. المعرفة في كرة القدم هي القوانين، لأنها موضوعية وسارية على الجميع، عدا ذلك ما هو إلا جمع طوابع. 11 ضد 11 يلعبون ضد بعضهم البعض ضمن القوانين واللوائح الموضوعة، من يسجل هدفاً أكثر سيفوز بالمباراة، يقف المنافس عقبة ويقطع الطريق كي يحمي شباكه، لا يستطيع اللاعب التلوي بين المنافسين ليسجل كل مرة كما يوضح بيليه، لذا نمرر أحياناً، ومن هنا نهيأ الظروف لذلك، ينتشر اللاعبون، يفتحون مسارات تمرير، يحاولون التخلص من الرقابة أو الاستلام بوضعية ملائمة للتقدم، نحاول التأثير بحركة الخصم -بسحبهم أو تثبيتهم- كي نسهل وصول الكرة لمناطق التسجيل، ومواجهة ذلك دفاعياً بالتغطية والرقابة والمواجهة والالتحام، وهذه هي التكتيكات التي يؤديها اللاعبون عفوياً ويصممها المدربون عمداً ليزيدوا فعالية الفريق، أما خطاب وتحليل كرة القدم يتجاوز هذا التوجيه البسيط ليتحول إلى عالم من الأسباب والنتائج وصوابية كروية لا تخلو من الغطرسة والإملاء على خبراء الملعب الحقيقيين، فيتصور هيكل “صحيح” ثابت في الزمان والمكان، وتدرج موهوم بين مراحل اللعب وكأن اللعب مقطع إلى كلاكيتات منفصلة ويحنق حينما لا يرى أنماط، ربما لأنه يريد رؤية بهلوانات تتبع تعليمات مدبرة لا أناساً يتخذون قرارات ويتلقون معلومات جديدة باستمرار ويعالجونها بما أوتوا من مهارات.

لنضع النقاط على الحروف ونوجز ما تقدم، أي شيء يقال أو يكتب يُخضع بلا ريب لمشرط المنطق ونظرية المعرفة من التعاملات اليومية إلى الدردشة العابرة إلى المحاكم وإلى الجامعات، وهناك خلاف حول ما إذا كانت الابستيمولوجيا تبحث في المعرفة العلمية وحسب؛ أي أرفع درجة من نظرية المعرفة بالمعنى الواسع. وأياً يكن فحيثما كان هناك اعتقاد أو بيان أو تصريح فينبغي فحصه، إن لم نستطع فحص المعرفة فهي اعتقاد أو قناعة belief أما المعرفة knowledge فهي الحقائق والمعلومات الدقيقة المبررة والمتحقق منها. فرّق كانط بين 3 درجات للأحكام: الرأي والاعتقاد والمعرفة، الأولى ليست مبررة لا ذاتياً ولا موضوعياً، أما الثانية فمبررة ذاتياً والأخير مبررة ذاتياً وموضوعياً. هذا سائر على كافة مناحي الحياة كما ذكرنا، لدينا معرفة ولدينا معلومات في كرة القدم لكن أغلب ما نتناقله هي آراء واعتقادات وقناعات تخص أصحابها، أصحابها خبراء وخبرتهم ومعرفتهم نسبية قد نستفيد منها، غير أن آرائهم تتقوى لسلطتهم ولبطولاتهم وليس لتبريراتهم وحججهم، فالمدرب الأفضل والذي يملك الحكمة وينصح ويقيّم ويشرح آخر صرعات اللعبة ويتنبأ بمستقبل اللعبة هو امن يفوز، أو من يترك انطباعاً في فترة ما من فترات تدريبه ويظل حكيم زمانه يدعمه ثلة جماهيرٍ تتبع اتباعاً أعمى ما يشاع عنه وتلقبه بالعبقري وإن لم يشاهدوا له مبارياتاً أصلاً، غير أن تكرار الكذبة يجعلها حقيقة. أما التحليل فنصوص متشابهة جاهزة بمقاس واحد لجميع الفرق، ما يتبدل فقط هما الأسماء والأعلام، تكمن الحيلة بتبديل الفقرات وتنويع المصطلحات، “شات جي بي تي” لن يعجز عن إنتاج ما يماثلها وأفضل بدون أن يرى ويدرك ويعي.

“لقد تعلمت طوال حياتي كملحن من خلال أخطائي ومن خلال مطاردة الافتراضات الخاطئة بالتحديد، لا من خلال التعرض لنوافير الحكمة والمعرفة.”

-أيغور سترافينسكي

“ليس الناس بجهلة بوجهة نظرنا. بل الناس أكثر جهلاً مما يظنون. نعاني جميعاً -بدرجات متفاوتة- من وهم الفهم، وهم أننا نفهم كيف تسير الأمور بينما يكون فهمنا في الحقيقة ضئيلاً.”

-سلومان وفيرنباخ

المراجع:

https://www.hindawi.org/books/74275191/ زكي نجيب محمود

https://philarchive.org/archive/AIKPFP-2

Reflective Knowledge: Apt Belief and Reflective Knowledge, Volume II, Ernest Sosa. Pages 135–153.

https://cambridge.org/core/journals/canadian-journal-of-philosophy/article/abs/modest-infinitism/25530634F232E650425C2008DE3F4BDF

https://www.mckinsey.com/capabilities/strategy-and-corporate-finance/our-insights/strategic-decisions-when-can-you-trust-your-gut

https://www.cambridge.org/core/journals/judgment-and-decision-making/article/on-the-reception-and-detection-of-pseudoprofound-bullshit/0D3C87BCC238BCA38BC55E395BDC9999

Review of Philip E. Tetlock, Expert political judgment: How good is it? How can we know? Adrian E. Tschoegl, J. Scott Armstrong.

Hemmatian, B., Chan, S., & Sloman, S.A. (submitted). What Gives a Diagnostic Label Value? Common Use Over Informativeness.

Kant on cognition and knowledge. Marcus Willaschek, Eric Watkins.

The Knowledge Illusion: The myth of individual thought and the power of collective wisdom. Steven Sloman and Philip Fernbach.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: