باراديم التمركز… أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم

“ثمة خطأ شائع جداً في كرة القدم ألا وهو النظر إليها كمرحلتين مختلفتين: واحدة للهجوم (عند الاستحواذ على الكرة) والأخرى للدفاع (بدون الكرة). هذه المراحل تتداخل في كرة القدم، بحيث يكون المنطق السابق صالحاً فقط للرياضات مثل كرة اليد، أو عندما تختلف المساحة الجغرافية للهجوم والدفاع، لأن ما يحدث في نصف الملعب ليس سوى تحول. […] أما كرة القدم فعلى العكس تماماً، ففي الوسط يقبع أساس اللعبة، لذا فإن ما هو حاسم حقاً -عندما يتعلق الأمر بالتمييز بين المراحل- هو أهمية التحول للدفاع بأسرع طريقة ممكنة بعد خسارة الكرة. وكذلك أن نكون في وضع يسمح لنا بالهجوم في أقصر وقت ممكن عندما نتوقف عن الدفاع (عند خسارة المنافس الكرة).” -راول كانييدا

“كيف يمكن أن يوجد الهجوم والدفاع إذا لم تكن لدينا الكرة؟ كيف يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر؟ ولكن الناس بحاجة إلى التواصل، لذلك هناك اختزال للمفاهيم، هناك تبسيط.” -خوانما لـيـّو

في اللعب التمركزي، التنظيم الهجومي يحدد أسلوب اللعب بالكلية. بمعنى أن الأسلوب ينطلق من رؤية اللعبة ككل “كلانية”، فلا تفرّق ولا تفصِل الحالة الهجومية عن الدفاعية، ولا ترى التحولات كحالات منفصلة. وتبعاً لذلك فاللعب يكون استرسالياً تواصلياً كما هي طبيعة اللعبة، ولكن سرطان تجزئة اللعبة والحشو في التنظير بدأ ينخر كلانية وشمولية اللعب. فبرأي كانييدا تمتد “الرغبة في التفتيت إلى الفصل بين الهجوم والدفاع والتحولات، متجاهلة كل ما يوحدنا في جميع الأوقات: اللعبة، الشمولية”. لقد طال هذا التقسيم والاختزال اللعبة من ناحية عملية، بمعنى أننا بدأنا نرى فرقاً جامدة، تلتزم بالخطة والتوزيع المكاني الساكن بإفراط، أو متكتلة حتى والكرة بحوزتها (اكتظاظ وتباعد سيء)، أو حتى متشتتة؛ أي متباعدة زيادةً عن الحاجة. أو فرقاً أخرى تدافع بالقرب من مرماها كنهج اعتيادي. وقد توهمنا عشوائية اللعب أن هجمتهم المرتدة الوحيدة التي سُجلت، أو تلك الكرة الثابتة التي تُرجمت، أو التجلي المنفرد من أحد اللاعبين والذي أعقب هدفاً أن أسلوبهم ناجع. أو أن هناك علاقة مباشرة بين الدفاع والشباك النظيفة أو بين الاستحواذ الممل وتسجيل هدف من رحلة فردية أو لأي سبب نابع من شواشية اللعبة وفوضويتها. ولكنهم لم يرفضوا فقط اللعب، بل رفضوا طبيعة اللعبة ونواميسها، فالمسألة تطال حتى الفرق التي تسمى هجومية، وما أفضله هو تسميتها فرق مبادرة وفاعلة ومستقلة الإرادة. وبهذا يذكر غارغانتا أن “الطريق لا زال طويلاً أمامنا لنقطعه في استيعاب أو أنظمة هذه الأمور، أي إدراك اتصال (الحالات) وفهم اللعبة على أنها تدفق مستمر.”

يصعب في الواقع فصل الحالتين -أو الأربع-، لأن اللعب في سيرورة مستمرة بين تلك الحالات. كل الفرق تهاجم وتدافع، تفضيل جانب أو آخر أو ظهور فريق يميل إلى أحد الجانبين راجع لعديد أسباب، رؤية المدرب وتأثيره، مستوى الفريق، روح المبادرة، طبعاً دون تجاوز ظروف المباريات. إن المدرب الجيد والمتمكن بالنسبة لي هو من يضفي لدانة وانتقال سلس بين هذه الحالات والتي هي في الأصل تواصلية ولكنها عشوائية، وعند خلق لغة مشتركة يَحلُّ الانسجام والتفاعل والتفاهم بين اللاعبين. في المقابل فالمدرب المتواضع -بوجهة نظر أوسكار كانو- يفصل ويفكك، “اختزالي ويرعبه اللايقين”. يريد كل شيء بالمسطرة والقلم، لذلك تجد فرقه كثكنة عسكرية فاقدة لعنصر الإبداع وابتكار الحلول ما يتماشى وطبيعة اللعبة التكتيكية، فتكون ساكنة وذابلة وبلا دينامية وحيوية، فاللاعب حافظٌ ومطيع وينتظر إشارة المدرب ولا يملك من أمره شيئاً، أما اللعبة فظاهرة حية وتنطوي على تقلب محموم ومستمر يتطلب يقظة، وتطرح -بلا توقف- مشاكلَ تتطلب حلولاً وابتكاراً من اللاعب، الأمر الذي لا يستطيع أعتى مدرب تلقينه.

هجوم ↔ دفاع ↔ هجوم ↔ دفاع

“الواقع ليس فيلماً مكوناً من فوتوغرام، إنه لا يعمل على هذا النحو؛ الواقع مستمر.” -فيرناندو سافاتير

“لا يوجد هجوم ودفاع، ولكن هجوم – دفاع – هجوم – دفاع … أي أن هناك علاقة مستمرة بين هاتين اللحظتين.” -روي كينتا

لا يستطيع جوزيه مورينيو أن يقول “ما إذا كان الأمر الأكثر أهمية هو الدفاع بشكل جيد أو الهجوم بشكل جيد، لأنني لا أستطيع فصل هاتين اللحظتين. أعتقد أن الفريق “كل” والعمل عليه سيكون “كلٌ” أيضاً.” نفس السؤال طُرح على مورينيو وبرؤيته البنيوية ووضوحه منهجياً يجيب: “لا يمكنني عزل وفصل المكان الذي يبدأ فيه التنظيم، سواءً في الدفاع أو الهجوم. لا يمكنني تحليل الأشياء بهذه الطريقة التحليلية. عندما أقوم بإعداد فريقي، أقوم بإعداده بنية الفوز، أدربه بالقدر ذاته دفاعياً وهجومياً. لذلك لا يمكنني القول من أين أبدأ في إعداد فريقي.”

كرة القدم تواصلية وسائلة، هي سلسلة متصلة “continuum” وتمتلك خاصية الثبات الذي لا يتزعزع بحسب فيتور فرادي، ثبات حالة اللاثبات. أو كما يشير نونو أمييرو هي “سلسة في المرور من حالة إلى أخرى، وستكون أكثر من ذلك عندما ندرك هذا الأمر وندرك الحاجة إلى «بناء» «الأجزاء» على طريقتنا في «اللعب» (مبادئ اللعبة بالنسبة لكل حالة من حالات ‘اللعب’ الأربع) تُصاغ حسب ‘كل شيء’ مرغوب”… تنفيذه. وبالنسبة له فهي تتطلب “تنظيماً شاملاً/موحداً للعبة”، بمعنى أن نحاول تنظيم اللعب حسب الظهور المستمر لمختلف الحالات تواصلياً ودون انقطاع، والتكيف مع واقع ومنطق اللعبة، ككل واحد عضوي. بأطروحته، يشير أمييرو بأن “تصور (وتدريب) المبادئ المتعلقة بكل حالة من الحالات الأربع للعبة -بشكل واضح- هو ما سيعبر بنا للوصول إلى فكرة لعب متماسكة، مما يؤدي بالفريق إلى الاستجابة بشكل تلقائي لهذا التعاقب الدائم بين «امتلاك الكرة» و«عدم امتلاكها» وهي «اللعب».”

ينتابك الإحساس بأن البعض يعتقد أن المباراة تقف لوهلة بين الحالات، أو أن هناك حد فاصل أو فاصل زمني بين حالة وأخرى. كرة القدم تواصلية والعلاقة بين الحالة والأخرى ليست سببية خطية، وإنما سببية دائرية، فعندما نمتلك “الكرة نخلق بالفعل ظروف دفاعية مستقبلية والعكس صحيح” يدلي أوسكار كانو بدلوه بهذا الصدد، إذ تعيد اللعبة انتاج نفسها باستمرار، وتكون العلاقات بين أجزائها وعناصرها سبباً ونتيجة في الوقت ذاته، هناك تأثير متبادل وحواري بين الحالتين، ليس الأمر وأن الفريق المبادر/المهاجم مُعرض لاستقبال الهجمات المرتدة لأنه هجومي، كما لا يعني أن الفريق المدافع سيجيد في الهجمات المرتدة، ليست علاقة خطية (أ سبباً لـ ب) بهذا الشكل، هناك تعقيد أكبر من ذلك، -وبغض النظر عن عشوائية اللعبة لوهلة- فالفريق المهاجم يتحاور ذاتياً وينبغي أن يتوخى الحذر، والفريق المدافع ينبغي أن يستعد للهجوم. بكلماتٍ أخرى أعني أن الفريق الذي يستقبل هجمات مرتدة بكثرة قد يعني أن هيكله غير مشيد بشكل مثالي وليس لأنه يلعب الاستحواذ. نحن لا نبدأ بالهجوم أو الدفاع، ولكننا حتماً نبدأ باللعب، واللعب بإجماليته، بكلانيته. إننا لا ندافع كي ندافع، هذا لا يبدو منطقياً، نحن ندافع ولكننا نحاول استعادة الكرة ونواصل الهجوم أو نبدأ الهجوم والعكس صحيح، فإذا هاجمت فأنت بمأمن ولست عرضة للهجمات، بديهي للوهلة الأولى، وهنا المفارقة فنحن نهاجم ولكننا بنفس الوقت ندافع عن أنفسنا عبر الهجوم. يخبرنا مانويل كوندي أن الوصية الدفاعية الأولى هي عدم التفريط بالكرة، تتضارب فكرة الهجوم والحذر بآن لدى فالدانو، ولكن -عند المدرب الأرجنتيني- ينبغي تحليلهما سويةً. الهجوم التمركزي سيكفل لنا التحول الجيد، وليس في كل الأحوال سنتمكن من إنهاء الهجمة كما في بعض الرياضات الأخرى، ولهذا يجب أن نكون مستعدين. كرة القدم ليست لعبة كرات ثابتة، كالبيسبول أو كثيرة التوقف أو أقل تحاورياً وجدلياً بين الفريقين بسبب القوانين ككرة السلة وكرة اليد. والفرق التي تتقوقع حول مرماها تحول اللعبة إلى هذا الطابع الميكانيكي، ولذلك ستتغلب على تعقيد اللعبة ولا يقينيتها عبر القيام بلا شيء، ومن يفشل عندما يقوم بلا شيء؟ هذه الفرق من حيث لا تعلم تختزل اللعبة في حالة واحدة وترفض تعدد أبعاد لعبتنا الجميلة ضمن جوهرها الواحدي، هي تدافع لكي تدافع، ونسيَت أنها تدافع لاستعادة الكرة، وقبل الهدف الضمني، أي منع الكرة من الولوج للشباك. يستخدم رافضو اللعب جميع السبل والوسائل لإفقاد اللعبة ديناميتها وتواصليتها؛ نزالات بدنية، ركل وضرب، شد وسحب، تشتيت وتمثيل، إضاعة للوقت، هم لم يأتوا ليلعبوا بل أتوا ليفوزوا، هم حضروا للكسب أيّاً كانت الوسيلة، فالغاية بكل ماكيافيلية تبرر الوسيلة. ولهذا لا أحبذ مباريات خروج المغلوب فسِمة الفرق الصغيرة كروياً وربما أخلاقياً تتسرب إلى نفوس بعض المدربين فيسيل لعباهم للكسب.

هنالك عدة نقاط ينبغي أن تؤخذ في الحسبان إذا ما أردنا انسيابيةً بين مراحل اللعب وخصوصاً إذا رُمنا البحث عن الهجوم المتواصل، والذي لن يحدث إلا عند تشييد هيكل جيد أولاً، حيث:

Manchester City 'malillo': Juan Manuel Lillo habría traído mala suerte en  FA Cup [VIDEOS] | Pasto

1) ينتشر اللاعبون ويتباعدون بشكل معقول؛ أي بصورة متصلة.

2) يتقدمون سوياً (الارتحال) وهذا يعني أن الفريق سيردم الفجوات والثغرات، فعندما يتقدم لاعب الوسط يلحق به خط الدفاع ويبتعد اللاعبون في الأمام، وحينما يتراجع خط الدفاع يتراجع البقية. التقدم للأمام يعني دفع الخصم لمناطقه والابتعاد عن المرمى، الأمر الذي من شأنه تعقيد فرضية ارتداد الخصم.

3) يتخذ اللاعبون -بناءً على قربهم أو بعدهم من الكرة- مواقع تتيح لهم التصرف وفق ما يطرأ، مثلاً الظهير البعيد لن يتقدم بل يتخذ موقعاً يتيح له التدخل حال خسارة الكرة، أو بالنسبة لغوارديولا لا يجب أن يقف لاعبيْ الطرف على ذات الخط بالقرب من الكرة، أو برأي لـيّـو؛ “يجب أن يطغى مفهوم ملموسٌ للغاية، (وهو): إذا لم أستطع التدخل في الدفاع، يجب أن أتخذ وضعية الهجوم: وإذا لم أستطع التدخل في الهجوم، يجب أن أضع نفسي للدفاع”.

4) في غالب الأحوال عدة تمريرات في بداية الهجمات تكفل إتمام ما سبق بصورة ديناميكية.

يصعب تشييد هيكل جيد بدون تناقل للكرة، يصعب التمتع بالاستقرار عند بناء الهجمات بدون اخفاض الرتم. ليس بالضرورة لـ 15 تمريرة كما يقول مجازاً غوارديولا، ولكن عدداً جيداً من التمريرات أو الوقوف على الكرة، أو التقدم بروية بالكرة، سيكفل للفريق والزملاء الترتب وضبط التموقع. كون الفريق يبدأ ببطء هو أمرٌ تقتضيه الضرورة وليس سلبياً في هذه الحالة، فبقدر السرعة التي تذهب بها الكرة بقدر السرعة التي ستعود بها، فليس من الحذق تمرير الكرة للاعبٍ متقدم والفريق ليس مستعداً ومنتشراً بشكل جيد. هب أن الكرة وصلت للجناح وهو معزول والفريق متراجع قليلاً، هنا الفريق لن يكون فعالاً هجومياً لأنه ببساطة لا يحظى بأي تفوق، أحياناً نوفق بتواجد لاعب ذكي يُخفض الرتم ويقاوم الضغط وينتظر المعونة من الزملاء وربما يعيدها للخلف. هذه التصرفات إن لم تكن جيدة بعيون الجماهير فهي في غاية الأهمية تكتيكياً، لاحظوها في فرق غوارديولا كثيراً ما تعود الكرة للخلف لهذا الغرض، ما نرغبه هو الكرة الذكية وليس الكرة السريعة. فرق غوارديولا تطبخ هجماتها على نار هادئة، ولكنها بذات الأثناء تستطيع سحقك بثوانٍ إذا تأتى لها ذلك. وهل تعلمون كيف يستعيد برشلونة الكرة بسرعة؟ يتسائل كرويف ثم يجيب: “لأنه ليس عليهم الركض للخلف أكثر من 10 أمتار، بما أنهم لن يمرروا الكرة لأكثر من 10 أمتار.” وكذلك لأنهم متقاربون، وما يقوم به اللاعبون ليس بذلاً للطاقة وإنما تعديلاً طفيفاً للتمركز لغلق المنافذ، أما اللاعبون البعيدون فيضمون للداخل، وبالتالي فالمراد في لعبة التحولات هو التركيز الذهني جنباً إلى جنب مع التشييد الهيكلي.

“التحليل الذي يتم إجراؤه عموماً حول قدرة استعادة برشلونة للكرة بعد فقدانها هو: رؤية ديكارتية كلاسيكية ستؤثر فقط على اللحظة، أو تقريباً على الصورة، وستميل إلى تمجيد مجهود استعادة الكرة الكبير وتتجاهل الأساسيات: اللعبة، “السلسلة المتصلة” ]…[ يجيد برشلونة استعادة الكرة بعد الخسارة عندما يقومون بعددٍ جيدٍ من التمريرات الجيدة ما يُفسح المجال للفريق واللاعبين ليكونوا سوياً ويُخضعوا الخصم.” -راول كانييدا

“لعِلّة تنظيم المساحة حوالينا قبل خسارة الكرة. ولهذا يخطئ -في كثير من الأحيان- من يقول أن عليك القيام بالعديد من التمريرات للوصول إلى المرمى. علينا القيام بتمريرات كافية لتنظيم أنفسنا على مستوى المساحة والوقت، وفي البعد الذي نقوم بتقديره في كل لحظة يمكن أن يكون أكثر فعالية للقيام بهذين الأمرين. أو للاحتفاظ بالكرة دون المجازفة بفقدانها، أو في المساحة التي سيكون علينا خطر فقدانها، ننظم أنفسنا بقصد احتمال خسارة الكرة، ومن ثم نمر إلى العكس (أي إلى الدفاع). نحن نسعى إلى التفوق سواءً كان عددياً أو تمركزياً أو إدراكياً أو اجتماعياً/عاطفياً للعمل على استعادة الكرة.” -باكو سيرولّـو

عندما نهجم فيجب أن نكون مستعدين للتحول للدفاع، ولكن في اللعب التمركزي ليس للتراجع وإنما لاستكمال الهجوم، وهذا لن يتم إلا باتباع النقاط الأربع أعلاه -كمبادئ- لدى أي فريق عموماً. واللاعبون -بالهيكل الجيد- يهاجمون ومستعدون للانتقال للدفاع، لأنهم متصلون ومتحدون، وخصوصاً عند خسارة الكرات عمودياً، إذ أن هناك صعوبة بالغة للخصم كيما يشن هجوماً ارتدادياً، لأن أقرب لاعب سيكون غالباً أمام الكرة. هذا لا يعني أن التمريرات العمودية سيئة، ولكن خسارتها وخصوصاً في مناطق متأخرة سيكون مكلفاً، لذلك نجد دوماً أن القلبين ليسا ببعيدين عن بعضهما البعض، وإذا ما ابتعدا يشغل المحور المساحة بينهما. لا يستحسن أن تسافر الكرة مسافة طويلة “أرضاً” عندما يحاول القلبان استدراج الخصم بتناقل الكرة أو في أغلب التمريرات العرضية. إنّ هيكل الفريق العريض أو تطبيق الملعب الكبير لا يعني تباعد كل لاعب عن الآخر بمسافة كبيرة، وإنما التدرج في التباعد، القلب عن الظهير عن الجناح، المحور عن لاعب الوسط عن الجناح… وهكذا.

“يجب أن تكون ردة فعلنا عند فقدان الاستحواذ قوية؛ هيكل ثابت تمركزياً وهيكل متحرك، لذلك، هناك لاعبون لديهم مواقع ثابتة في الملعب، وهناك لاعبون آخرون لديهم القدرة على الحركة بسبب ديناميتهم، هذا بالرغم من ضرورة الاحتفاظ الدائم على التوازن التمركزي.” -مورينيو

كما ذكرنا هناك لاعبون سيضمون للداخل وهناك لاعبون تتسم مواقعهم بالثبات وهم اللاعبون في العمق. إن اللااتصال بين الأفراد؛ أو بعبارة أخرى سوء الهيكل لن يجعلنا هجومياً تحت رحمة الفرديات والحوادث العشوائية وحسب، بل سيكون ضرراً على انسيابية اللعب وعلى التحول للدفاع. ولهذا يُقرّ روبيرتو دي دزيربي أنه منشغل بالهجوم أكثر من الدفاع وعلى سبيل التقريب يقول أنه يكرس “80% من الأسبوع التدريبي على الهجوم، دون التغافل عن التغطية الوقائية. وإذا قَصَرت العمل على الدفاع لـ20% فسنخسر جميع المباريات، بالمقابل، عندما أدرب مرحلة الهجوم فأنا أعتني بالتمركز بحيث لا نجد أنفسنا بحالة لا توازن عند ضياع الكرة، هنا فقد جمعت الحالتين في تدريب واحد.” دي دزيربي يرى أنه عندما يدرب فريقه هجومياً فهو يعتني أيضاً باللاعبين خلف الكرة والمعروفة بالإيطالية copertura preventiva أو مفهوم التغطية الوقائية كما ترجمة الأخ (@Mouhamdi_Alawi)، بحيث يغطي اللاعبون المناطق الخلفية أو البعيدة عن الكرة ضمن مواقع محددة وأكثر عرضة للاستغلال، العمق وبين الخطوط أو الميل نحو الأطراف إذا كانت الكرة على الطرف، وبالتالي فمدرب ساسوولو يدرب فريقه دفاعياً في حالة الهجوم، عد للنقطة (3) مقولة لـيـّو أو المفهوم الملموس والمفصلي بالنسبة له. بالنظر للحالة البدنية يتفق جوزيه مورينيو -على الأقل في بداياته- بمفهوم الدفاع عبر الاستحواذ، وعوضاً عن الضغط المستمر لأن التعب قد ينال منّا، سنحاول التقاط الأنفاس بامتلاك الكرة؛ “عندما يندفع الفريق بعيداً إلى الأمام، سيحتاجون إلى الراحة أثناء المباراة. وما الأفضل؟ الراحة بالكرة أم بدون الكرة؟ أريد أن يعرف فريقي كيف يستريح بالكرة، ومعرفة كيفية الراحة بالكرة يعني وجود لعب تمركزي جيد، أن يشغل اللاعبون المساحة بعقلانية وتكون لديهم القدرة على امتلاك الكرة حتى ولو -في بعض الأوقات- لا يكون الهدف التعميق”…؛ أي اللعب في العمق.

لا يمكن أن تفهم الهجوم دون فهم الدفاع، لأنك تقوم بما يناقض ما يقوم به المنافس، والمنافس يقوم بما يناقضك. أي لن تتمكن من بناء أسلوب لعبك دون محاولة فهم ما يواجهها ويضاددها، والعكس صحيح لا يمكن أن تكون مستوعباً للدفاع بلا استيعاب للهجوم ومعارضة المنافس وإقفال المساحات وتوجيههم كيفما نريد. استيعاب كرة القدم هو استيعاب كلـّ(ـي)، إذا أجدت في الحالة الدفاعية فأنت تعرف ضرورةً كيفية الهجوم، وإن أحسنت هجومياً فأنت تعرف ضرورة كيفية الدفاع، إذا كان فريقك مشتتاً حالة الهجوم فأنت لم تهاجم بصورة جيدة ولن تعود للدفاع بصورة سلسة. سيميوني وغوارديولا لديهما رؤية متقاربة لكرة القدم ولكنهما لا ينتهجان نفس النهج كأخذ المبادرة والبناء والتركيب لدى الكتلوني، ولكن سيميوني لا شك مدرب مميز في كرة القدم، تنتشر فرقه هجومياً بشكل جيد، تتحول بإتقان وليست جامدة بل سلسة وطَلِقة بين الحالات. بالضبط ككلوب أو رانغنيك أو سارّي رغم الفروق بين هؤلاء المدربين، إلا أنهم يرتكزون على نفس المرتكزات، ويتّبعون نفس الأسس.

ما يميز فرق غوارديولا وكذا الفرق السالفة -مع احتفاظها ببعض الفروق من ناحية هيكلية ومفاهيمية- هي احتلال مواقع متقدمة بعدد كبير ورغم ذلك يعسر على الخصم اصطيادهم في الارتداد. بمعنى أنهم بالرغم من سطوتهم الهجومية فهم محتفظون بالتوازن للأسباب الآنفة الذكر، إلا أن هذا لا يكفي بلا تحول سلوكي، فبمجرد خسارة الفريق الكرة تبدأ حالة من الهلع الإيجابي، أو كما يسمي هيلموت غروس الضغط المضاد الخاص به وبرانغنيك أنه فوضى منظمة، وهو يراها لدى غوارديولا حالة فريدة من نوعها. نسمع عن قاعدة الـ5 أو الـ6 ثواني لغوارديولا وهي تعود بالأصل لفان خال -وفقاً لغويلم بالاغ- أو هناك من ينسبها لساكي. يشبهها سيرولّـو بزمرة الذئاب حينما تتعاون للإيقاع بفريستها، بالنسبة له فهو نوع من أنواع التفوق، وإذا كان التفوق التمركزي سيعزل اللاعب الذي سرق الكرة، والتفوق العددي سيمكننا من تغطية بعضنا، فسيوفر التفوق “العاطفي التطوري لدينا مساحة فورية للتعاون، كزمرة ذئاب، كل واحد منهم يؤدي وظيفة لمهاجمة الفريسة. يتيح لنا هذا الموقف تفسير أنه عندما نخسر الكرة، فإننا نستخدم التفوق الذي يفيد الفريق في تلك اللحظة.” وبالنسبة لغوارديولا فـ”إذا استعدنا الكرة فهذا عائدٌ لاتصال وترابط اللاعبين خلال بناء اللعب، وليس بسبب قاعدة ستة ثوانٍ من الجهد.” في حين يرى بيتر بوش أن الخصم “يحتاج إلى أكثر أو أقل من خمس ثوانٍ للتموضع بصورة صحيحة، لذا علينا استعادتها على الفور.” إن هذه الأوصاف الرنانة -إعلامياً- تؤخذ حرفياً، ويعتبرها البعض غاية، بينما هي ليست إلا شكلاً من أشكال التواصل، وانتفاض اللاعبين بعد خسارة الكرة هي نتيجة الاعتياد في التدريبات لدى هذه الفرق وشحذ همم اللاعبين لاستعادة الكرة بأقرب وقت ممكن، فلا يمكن تحديد الوقت الذي نستعيد به الكرة أو حتى استعادتها من الأساس، ولكن هناك أهدافاً أخرى، أهمها الحفاظ على الهيكل المؤسس قُبيل خسارة الكرة، والحفاظ على التفوق إن كان عددياً أو مركزياً، وتبعاً لذلك سنبقي المنطقة حول الكرة تحت السيطرة، كما أن ضغط أقرب لاعب يعني تأخير الخصم ومنح الزملاء وقتاً للعودة إذا لم نكن مستعدين تماماً، أو كذلك توجيه اللعب لمناطق أقل خطراً.

ردة الفعل بعد فقدان الكرة -حتى ولو امتلك الفريق هيكلاً متيناً- ينطوي على عوامل نفسية/انفعالية، وبالضرورة هذه العناصر غير منفصلة، كون أي تصرف له أبعاد متعددة؛ نفسي، انفعالي، بدني، وفني. تركيز اللاعبين العالي مع اللعب سيساعد في التفاعل مع أطوار اللعب دون توقف، فالتقاعس أو الانشغال بالاحتجاج أو ندب الحظ بعد ضياع الكرة سيعود سلباً على الفريق. هذه التصرفات تتطلب محركاً داخلياً من اللاعب للتضحية والاستعداد لما يطرأ، ممارسة هذه السلوكيات تتطلب هذا الدافع، السلوك في كرة القدم مركب ومعقد تتحايث فيه العناصر، ليس مجرد تكتيك فقط أو نفسي فقط أو بدني/حركي فقط، نحن بحاجة لهذه العوامل سوياً، الداخلي منها والخارجي ليرى هذا التصرف أو السلوك النور ويبرز المفهوم: وحدة التعدد. التمريرة يجب أن يكون لها غاية، وليست حركة فنية منفصلة عن سؤال لماذا، وكذا الركض والحركة، والتفكير واتخاذ القرار يتطلب تنفيذاً إن كان فنياً أو حركياً.

في كرة القدم نبدأ بالتنظيم ومن ثم يتبعثر اللاعبون على المعشب، غير أن هنالك شبكةً رابطةً بين اللاعبين إذا ما خلقوا لغة مشتركة تتسم بالتناغم والتجانس، هناك تفاعل بين اللاعب وزميله والكرة والخصم والمساحة والوقت، هناك حالة من الانتظام الذاتي وإعادة الانتظام الذاتي المستمر. كرة القدم سريعة على أن نتنظم في التحولات، كونها تمثل الاختلال/اللااستقرار، بل وحتى في أكثر الحالات استقراراً لا نستطيع التيقن مما ستؤول إليه الأمور ولذا فشغل المساحات ومعرفتها والضبط المستمر للتموقع هو تسلسل تلقائي لطبيعة اللعبة. فعليه، لا يمكن معاكسة فطرة اللعبة والبحث عن خطوط سيمترية/هندسية نستطيع تمييزها، سكون ولا انسيابية بين الحالات، ولهذا الصورة التي نلتقطها عندما نحلل لا تقول الكثير، أو قد تكون مضللة. أمّا الهجوم بعدد قليل فقد يضمن لنا سلامة وأمان في التحول الدفاعي بيد أنه لن يضمن لنا هجوماً جيداً أو أسلوباً شمولياً. أو حتى اتباع اللعب المباشر دوماً لن يورث إلا فقدان الحيوية والطاقة وركضاً خلف الكرة في كثير من الأحوال أو وضعيات غير مواتية لهجوم فعال: لن نتمكن من خلق تفوق إذا لعبنا الكرة لمناطق ليس لنا فيها أي نوع من أنواع التفوق، عدا ذلك فنحن نرقب عشوائية اللعبة وهدايا السماء. تصبح تلك الفرق -خصوصاً المتقوقعة في الخلف- ليست محببة للعين وليست بتلك الانسيابية وهذا عائد للرفض الضمني لهذا التدفق المستمر في اللعبة، وعوم عكس التيار الجارف، كما لو أن بعض المدربين يمنون أنفسهم بوقت مستقطع بين حالة وأخرى، عندنئذٍ ندرك أنهم يجدون مشقة أو عجز في غالب الأحوال في تشييد أسلوب جامع وبهذا التعقيد والعمق. ذلك أنه بحسب سيرولّـو “عملية فهم أسلوب كرة القدم كهذا لا تتم في موسم واحد. إنها فلسفة لفهم اللعبة”.

بعض الأمثلة العملية

خصوصاً في أعلى الملعب يصعب الارتداد ضد السيتي، فهم في كثير من الأحيان متفوقون عددياً وتمركزياً وسلوكياً، فلا أحد من لاعبي السيتي مضطر للركض كثيراً، باستثناء زينتشينكو (كعضو ديناميكي) لأنه بطرف الملعب سيضطر للضم وملاحقة الجناح. ولهذا نستطيع إطلاق هجوم المنطقة على الهجوم التمركزي، فاللاعبون بالقرب من الكرة وتحكم تصرفاتهم الكرة كمرجع رئيسي مع التكيف الضروري كما نرى في تصرف زينتشينكو.
نرى في المثال الثاني التحول السلوكي للاعبين، المنطقة حول الكرة تحت السيطرة بهذه اللحظة. دخول اللاعب البعيد “ستيرلينغ”. انضمام الظهيرين وإغلاق العمق وبالطبع ضغط مباشر من اللاعبين القريبين وحلول للخلف فقط لحامل الكرة.
تم تخطي الضغط ولكن هذا لا يلغي جودة النوايا، المحصلة قد تكون سلبية في تصرف اللاعب؛ أي المقياس الدقيق/الصغروي، ولكن على المستوى الكبروي (الفريق / الهيكل) كل شيء مؤسس بجودة ولكن ليس كاملاً بالنهاية. وبالرغم من ذلك لا زال الأمر مستتباً، رودري أمام حامل الكرة وتساوي في العدد في الخط الأخير، ووضعية جسدية جيدة للقلبين والظهير الأيمن. من غير العقلاني مطالبة الفريق العودة بالكامل بل وليس منطقي أساسأً.
تخليق المثلثات يساعد في التباعد هجومياً ويساعد أيضاً في الارتداد الدفاعي وفي تدرج المسافات والمواقع، الأمر يتعلق بالزوايا.
انكماش مباشر حول الكرة، اللاعب المواجه لمرمى فريقه لا يسمح له بالدوران.
المثال الثالث؛ في منطاق متأخرة هناك صعوبة أكبر في الانتقال السلس، ذلك لأن الفريق للتو بدأ في تشييد الهجمة، ورغم ذلك فالسيتي نجح لحد كبير ف ياخماد الهجوم المعاكس، رودري ضاغط مباشر، تفوق عددي في الخط الأخير، انضمام اللاعبي الخارجيين.
هنا نرى أن الأمر استتب إلى حد ما، تفوق عددي للسيتي انكماش خط الظهر، والكرة انتهت إلى طرف الملعب وعادت للسيتي.

الأمثلة لا تنتهي هي بالملايين، كما يقول فينغر “أنت تلعب 11 ضد 11، هذا يعني ملياراً من المواقف المختلفة الممكنة … ولا يوجد موقف مماثل تماماً للحالة السابقة”. إن ما يتدرب عليه اللاعبين هو الحافز stimulus، وليس نمط محدد لأن كل وضعية تختلف عن الأخرى وكل حالة هي حالة جديدة، أما الحافز فلا تعني تحفيز اللاعبين وتشجيعهم، بل هو الحافز الداخلي، كما في مستثيرات الضغط. فعندما تفلت الكرة من المنافس يتولد حافز ومثير داخلي للاعب أي الآن سأضغط، وهو كذلك عندما نفقد الكرة، يتصرف اللاعبون ضمن مثيرات معينة تعلموها من خلال اللعب بأشكال مشابهة في التدريبات، كالتدريبات التمركزية، 4×4+3 كمثال، إذ بذلك تتخلق المحفزات الداخلية لدى اللاعب، طبعاً دون إغفال تحفيز المدرب وإلحاحهم للتحول السلوكي، يسبق ذلك التدرب على الهيكل الهجومي والتنظيم الدفاعي كمكلين لبعضهما وضرورة أساسية أو كما يقول خوسيه لويس أولترا: “من الواضح أنه من أجل “تنظيم” الدورات التدريبية و “بغية الفهم” مع اللاعبين، يمكن التمييز بينها، ولكن في الحقيقة فيما يتعلق باللعبة نفسها، فهي غير قابلة للتجزئة، لأنه عندما تهاجم، يجب أن تكون مستعداً بالفعل للدفاع (المراقبة، التغطية، الحركات والتوازن التعويضي، …) والعكس صحيح، عندما تقوم بالدفاع يجب أن تستعد فعلياً للهجوم (مواقع توسطية، حركات مسبقة في حالة استعادة الكرة حسب مساحة الملعب ومواقف المنافس وزملائه …).

إذا ما أردنا استخلاص سلوكيات السيتي عند خسارة الكرة فسنقول:

1) ينبغي استرجاع الكرة بسرعة وتقليص مدة التحول؛

2)إن لم نستطع فسنوجه اللعب ونغلق الحلول؛

3) وإن لم نستطع فيضغط أقرب لاعب ويتراجع البقية؛

4) باعتراف دومينيك تورنت مساعد بيب السابق، في حال خسارة الكرة وبوضعية غير حصينة فالإعاقة التكتيكية هي الحل الأخير.

“ندافع بطريقة معينة للهجوم بطريقة معينة، ونهاجم بطريقة معينة لأننا قادرون على الدفاع بطريقة متوافقة. يجب أن تكون الجوانب الدفاعية مرتبطة دائماً بالجوانب الهجومية، وإلا فلن نحصل على أسلوب جيد أبداً”. -جوزيه غيلييرمي أوليفيرا

الأمر سيان في حالة الدفاع، إذ ينبغي أن يكون هناك اتساق بين الفكرة الهجومية والفكرة الدفاعية، لا يمكن أن تبحث عن لعب تمركزي وتدافع بالقرب من المرمى. لا مجال للانتظار، ففي أسلوب غوارديولا حالة النفير عند استحواذ الخصم للكرة والتعطش للـ”هجوم” على الكرة ركن أساسي لانسيابية اللعب. هذا المفهوم الساكياني “أهاجم على هجوم الخصم” يعيدنا لمفارقة وجود الهجوم في الدفاع ووجود الدفاع في الهجوم. على غرار مقولة هيراقليطس يوجد الانسجام في اللاانسجام. أو مقولته الأخرى إننا نحيا بالموت ونموت بالحياة، والتي يعلق عليها موران قائلاً “أن الأمر لا يتعلق بمفارقة تافهة، فأجهزتنا العضوية لا تحيا إلا بعملها المستمر الذي تتلف جراءه وخلاله جزيئات خلايانا. ليست هذه الجزيئات وحدها تتلف، ولكن خلايانا ذاتها تموت، إن خلايانا تتجدد بلا توقف خلال حياتنا وبشكل دائم، باستثناء تلك المتعلقة بالدماغ وباستثناء ربما بعض خلايانا الكبدية.”

ليس ثمة أسلوب هجومي بل هناك أسلوب مبادرة، فاعلية، استقلالية في انتهاج اللعبة، هجوماً أو دفاعاً. أي أننا نحاول اللعب كما نريد، لا كما يريد الخصم. أن نبحث عن الكرة طوال الوقت، استحواذ، ثم استنفار بعد خسارتها، وشراسة عند حيازة الخصم لها. ولذا هناك أيضاً هجوم منطقة ودفاع منطقة، أو بالأصح، يوجد أسلوب المنطقة، يوجد الأسلوب التمركزي وهما متممان لبعضهما (كما سنرى في المقال القادم)، هناك وحدة أسلوب… فعلى خط وحدوية سبينوزا القائل بأن الكون شطر لا يتجزأ، فاللعبة شطرٌ لا يتجزأ، لا يوجد مدرب جيد هجومياً، وآخر جيد دفاعياً، اللعبة -وكذا عمل المدرب- ليست مجزئة، بل هي كيان لا ينفصم. ليس ثمة مهاجم ومدافع، هناك لاعب كرة قدم، تختلف الخصائص والمزايا بلا شك، ولكن إذا تمكّن اللاعب من التلاعب بالمنافس وهزم الدفاعات فهذا عائدٌ لأنه يفهم الدفاع، وإن كانت لديه نواقص بدنية قد تتطلبها المراكز الخلفية، هنالك خلط بين اللاعب الذكي الذي يستطيع الضغط وقطع مسارات التمرير أو تغطية المساحات وبين من يصارع ويركل ويعيق، الأول، ذلك الجناح القصير يعرف كيف ومتى يضغط ويدافع (قطع مسارات التمرير والتغطية… الخ) لأنه سيحاول البحث عن ذات الأمور عندما تكون الكرة بحوزة فريقه! والعكس كذلك، فأفضل المدافعين هم من يجيدون المفاهيم الهجومية، ولو أن الدفاع أيسر كونك تخرب وتُكسر، ولست تبني وتركب. وعلى خط مثنوية ديكارت تمتد الشرذمة والتفكيك والاختزال إلى وضع متخصص للتكنيك ومتخصص للهجوم ومتخصص للدفاع، بل ومتخصص لرميات التماس، وهذا ليس إلا إفراطاً في التخصص، اللعبة واحدة وأنت جيد بها بكليتها، فالمدرب الجيد والقدير محلل وتكتيكي واستراتيجي وقائد ومحفز و”مدير رياضي” وجيد للفئات السنية ولفرق الكبار، وينبغي أن يكون له دراية في الأمور البدنية، وجود مساعدين هو لتخفيف العبء وسد النقص المعرفي لا لتحمل المسؤولية، مثلاً مدرب الحراس أو المعد بدني قد يكون أكثر معرفة من المدرب في نطاق تخصصه. كرة القدم واحدة، اللعبة واحدة، والجيد جيد بها بكليتها…

بارادايم التمركز … إينييستا أنموذجاً…

“في أي مجموعة، كبرشلونة مثلاً، هناك هويتان مختلفتان تتعايشان: الفرد من الأفراد وجماعة الفريق. إنها مسألة عميقة في علم النفس والإيثولوجيا وعلم الاجتماع: تحقيق الانسجام بين الهويات الفردية (لكل فرد هويته) والهوية الجماعية (واحدة مشتركة للجميع). إنه لأمر مأساوي أن تكون الهوية الجماعية ضعيفة بسبب الافتقار إلى التماسك بين الأفراد (في هذه الحالة يُطلق على الفرد اسم غير اجتماعي ويضيع ويصبح غير محمي بسبب عدم اليقين) ومأساوي أيضاً أن الهوية الجماعية تسحق الهوية الفردية بسبب الإفراط في التماسك الاجتماعي الذي لا يستطيع الفرد تحمله. القضية حساسة للغاية لسبب واحد: هناك حالة انسجام واحدة فقط من بين حالات لانهائية ليست كذلك. تحديد مكانها والعناية بها تُعد نقطة هشة وسحرية، وهي محورية لتعايش اللاعبين داخل الفريق. يمكن أن تسمى هذه المسألة مسألة البقاء والنجاة. إنه السؤال الأساسي لكائنٍ خارق superorganism مكون من الكائنات الحية organisms. لم يستوعب اللاعبون اللامعون مثل رونالدينيو وإيتو وإبراهيموفيتش هذه التفاصيل الجوهرية أبداً.” -أوسكار كانو

لن يكون هناك فريق بلا فرد وفرد، وفرد، … الخ. لن يكون هناك فريق بلا أفراد ولن يكون للفرد قيمة بلا فريق، فالقاصية عن القطيع صيدٌ سهل للمفترس. لن يكون هناك كلٌ أكبر من مجموع الأجزاء إذا لم يطغى الانسجام والاتحاد بين الأفراد. لن ينشأ الكائن الخارق أو -الكائن السوبر- بلا كائنات حية متناغمة ومنسجمة للهدف النهائي، فهم ليسوا كالغثاء زيادته كنقصه، كل فرد له قيمته وكل فرد ينتظم ذاتياً. ذلك أن الذكاء المحدود لدى كل فرد من مستعمرات النمل لن ينتج شيئاً. الكائن الخارق هو مجموعة أفراد متآلفة محاوِلة تشكيل كلٍ واحدٍ متحد أمام مصاعب الحياة، للتحامي، وللمناعة الاجتماعية، طمعاً في استمرار وبقاء النوع. ولكلٍ مهامُه، مثلاً، ملكة النمل دورها وضع البيض في الحقيقة وليس دوراً سلطوياً، النمل الذكر للتزاوج، الإناث للعمل. تضافر الجهود لدى الأفراد محدودي الذكاء يصنع الكائن الخارق ويحقق الغاية التي يصعب على الآحاد إتمامها، يسمى ذلك بالذكاء الجماعي أو الذكاء الموزع.

Shaking the swarm—researchers explore how bees collaborate to stabilize  swarm clusters
أسراب النحل تشكل كائناً خارقاً لمجابهة المخاطر، والرياح والأمطار.

بروكلي رومانيسكو وتشابه الجزء للكل وهي تحفة ولدت من العشوائية. مثال للهندسة الكسيرية.

يعتقد مانويل كوندي أن الفرد غير موجود في كرة القدم، اتفق إلى حدٍ كبير، ربما لأن الفرد يذوب في الفريق حلولاً واتحاداً فيصعب فصله عن الفريق. سيقوم الفريق بلا أحد أفراده ولكن الفرد ليس شيئاً بلا فريق. غير أن الفرد قائمٌ بحد ذاته؛ أي أن الفرد موجود نسبياً وقد يكون صورة مصغرة من الكل الأكبر، كما في الفراكتال أو الهندسة الكسيرية، فالكسرة أو أجزاء الشكل تبدو مماثلة للكل أو الشكل الأكبر وهي بذلك متشابهة ذاتياً ومتكررة النمط ولكن بأحجام مختلفة كما في الصورة. يحدث تشابه الجزء بالكل أو تماثل الجزء للكل في تقنية الهولوغرام، فمثلاً، عند انكسار اللوح الفوتوغرافي يُظهر كل جزءٍ من الأجزاء المكسورة صورةً كاملة لا مجزأة، أي أن الكل يتمظهر داخل الجزء. يتعذر أن نولف فريقاً أو أسلوب لعب دون معرفة الأجزاء؛ أي اللاعبين، دون فصل الأجزاء عن الكل ودون فصل الأجزاء والأبعاد عن بعضها البعض. فلا ينبغي أن نرى الكل كشيء جامد بل بتعددية أبعاده، “لا يمكنني تمثل الكل دون تمثل الأجزاء، ولا تمثل الجزء دون تمثل الكل” أي لا يجب أن نرى الأجزاء فقط ولا الكل فقط كما يبين بليز باسكال. درءاً لأي التباس، لا يعني هنا أننا سنعزل الجزء، وإنما أن نفهمه بتمثله من خلال الكل.

“في البشر كما في الكائنات الحية الأخرى، الكل موجود داخل الأجزاء؛ تحتوي كل خلية في كائن متعدد الخلايا على مجموع تراثها الجيني، والمجتمع ككل موجود داخل كل فرد بلغته ومعرفته والتزاماته ومعاييره. مثلما تحتوي كل نقطة مفردة من الهولوغرام على مجمل المعلومات التي تمثلها، فإن كل خلية مفردة، وكل فرد يحتوي هولوغرامياً على الكل الذي هو جزءٌ منه، وهو في نفس الوقت جزء من ذلك الكل.” –إدغار موران

في المقال السابق تحدثنا عن الأسلوب التمركزي، وهو أسلوب جماعي، ولكنه في ذات الوقت أسلوب يشمل الفرد، قد يكون الفريق سيئاً تمركزياً لكن أحد أفراده بارع فيها، تشافي، إينييستا، بوسكيتس، تياغو ألكانتارا، فيرّاتي، دي بورين، والآن دي يونغ، ريكي بوج أو بيدري أو من هم في الظل تراشوراس أو روكي ميسا، برونو سوريانو، من بين أسماء عديدة هم صورة مصغرة للأسلوب، وفيهم انطوى الأسلوب الأكبرُ. يتشبع بعض اللاعبين بهذا الأسلوب ثقافياً منذ نعومة أظافرهم، ففي لا ماسيا يُدرَب اللاعبون كي يكونوا صالحين لهذا الأسلوب، تمركز، هيئة جسدية سليمة، استلام/لمسة أولى موجهة، قراءة اللعب فيكون إما رجلاً ثانياً أو ثالثاً، أو يميز من سيكون الرجل الثالث، يقف على الكرة (la pausa)، يجذب المنافسين، يرمق بنظره لذاك ويمرر لآخر، يرى البعيد ولكنه لا يفقد ملاحظته للقريب، يلعب السهل، ويبرع في لعب الصعب إذا دعت الحاجة، هذا هو المثال، هذا هو النموذج.

لهذا يبحث المدرب الذي يمتلك أسلوباً خاصاً عن لاعبين منسجمين مع فكرته، لأن اللاعب أسلوبٌ في حد ذاته، “اللاعب حقيقة تكتيكية في حد ذاته” كما يقول خوانما لـيّو. اللاعب نفسه تكتيك، بتموقعه، بتشتيته أو جذبه للانتباه، وبحركته يساهم في تطور الهجمات. هم بالنسبة لليـّو أو بيب لاعبي الوسط، لطالما تصورا فريقاً يعج بلاعبي الوسط الفنيين والخلاقين ذوي الحس التمركزي، هذا لا يعني أبداً أن بيكيه ليس جيداً لأسلوب بيب، بل هو كذلك، بيدرو أو ستيرلينغ أيضاً، وأي حارس جيد بقدميه، النجم الخارق كميسي أو الهداف الحساس كليفاندوفسكي، أو ظهير كآلفيس، بعض اللاعبين ليسوا استثنائيين ولكنهم متممون لهكذا أسلوب. ولن يعيش إينييستا أو تشافي بدونهم.

“كرتنا لم تنشأ بمحض الصدفة، إنها نتيجة ما تعلمه بيب، ونتيجة الكثير من العمل… أسلوب لعبي يحتاج إلى شركاء، بدونهم لا معنى لأسلوب لعبي. أنا لا شيء عندما لا يحاول أحدهم التخلص من الرقابة، أو لا يوفر الآخر نفسه كخيار تمرير قصير… بدون زملائي في الفريق، أسلوبي لا معنى له. يمكنني الالتفاف، ولكن إذا لم أجد تمريرة، فما الفائدة من ذلك بالنسبة لي؟ … أخبروني في برشلونة أنه إذا لعبت في المنتصف فلا ينبغي أن أفقد الكرة، ولأنني رجل مسؤول للغاية، فقد تعلمت الاحتفاظ بها، يروق لي ذلك. أكثر ما أحبه في كرة القدم هو امتلاك الكرة، أو امتلاك زميلي لها. أستمتع عندما نمرر الكرة، بوم، بوم، بوم ومثلث، ثم تمريرة جدارية…” تشافي

بعيداً عن المراكز والتنميط، هناك لاعب كرة قدم بالكلية ولخصائص اللاعب وبنيته أو سرعته أو نواقصه يوضع بمكانٍ ما. ولكنه مكملٌ يمكن أن يتعايش ويتأقلم، هؤلاء ليسوا المثال والنموذج، كإينييستا، تشافي أو بوسكيتس، بيد أن الثلاثة قد يحتاجون لأجنحة يرفرون بها، أو لصمامات أمان في الخلف تحميهم، هم مركز اللعبة والبقية أفلاك تدور حولهم. الأمر يتعلق بأدوار اللاعبين كمواقع وخصائص، ديل بوسكي يتفق مع بيب فيما يتعلق بلاعبي الوسط، “وليس فقط للربط واللعب، بل في الابتعاد عن الكرة، والبحث عنها بعمق الملعب” على حد تعبيره. ولكن قد يكون تشافي أو إينييستا نقيصة على الفريق، لأنهم محكومون بالآخرين، -كما يوضح تشافي- فهو لاشيء بدون الآخرين الذين يتحركون جيداً، ويفتحون مسارات تمرير أو يغطون المساحات سوياً، إذا كان اللاعبون من حولهم جامدين سيكونوا الأسوء، لأنهما ليسا بمقاتلين، أو يقضيان وقتهما لهثاً خلف الكرة، وإنما رسامان، زادهما للبقاء هو الكرة، تشافي وإينييستا لاعبا كرة نقيّيْن، وهم بحاجة للآخر. يعانقان الكرة بلطف وأنق، يريدان الكرة، ولكنهما يمهدان لها السبيل لترتمي بين أقدامهم، بوضعية جسدية متقنة، بإيماء جسدي مخادع، قلقان باستمرار ويترقبان الوضع حولهما، فعندما يجتمع القلق واللايقين يظهر ويتلجى إبداع.

Спартак Spartak Футбол GIF - AndresIniesta FCBarcelona Football - Discover  & Share GIFs

بالنسبة لي، كتفضيل شخصي، ثمة أمر إضافي لدى إينييستا، هو جناح طراز العقدين الماضيين، كفيغو أو بيريس، وهو دوره في إسبانيا أراغونيس 2008. “أندريس لديه قدرة نادرة على اللعب في الداخل بالضبط كما في الخارج”، يقول بيب ويزيد “عندما تكون بجوار الخط، كجناح، فمن السهل اللعب، لأنك ترى كل شيء. أما اللعب في الداخل فمقلق، فلا ترى أي شيء لأن الكثير من الأمور تحدث في مساحة صغيرة جداً. لا تعرف من أين سيهاجموك أو كم عددهم. اللاعب الرائع هو الذي يجيد اللعب في المركزين…”. أندرس هو لاعب الوسط الداخلي interior كما يسميه الإسبان، كتشافي، هو الذي يتحكم بالكرة كجزء من جسده كريكيلمي، يدور بخصمه ويخرج من الضيق كالزئبق، رشيق الخطى لأنه يتزلج كما وصفُه تيتو فيلانوفا؛ “أندرس لا يركض، أندرس يتزلج. كلاعب هوكي الجليد، يتزلج ولكن بلا زلاجات. يذهب إلى جانب من الميدان، يتزلج، ويترقب ما يحدث حوله دوماً. ثم ينتقل فجأة إلى موقع آخر بتلك الانسيابية التي يتمتع بها. أندريس لا يركض، أندريس يتزلج.” بزعمي إينييستا قد يتغلب على بوسكيتس في مركزه، لأن رؤيته بانورامية، يبصر كل شيء، يرى قبل الجميع، يلعب السهل والصعب، ومضافاً لكل ذلك يرواغ كبرازيلي عتيق… نيمار يقول.

GIF iniesta - animated GIF on GIFER
이니에스타의 롱패스.gif | 인스티즈
꼬마의 `질식 수비` 꿰뚫는 이니에스타 미친 킬패스

“… سنفوز بالمباراة لأن ميسي يسجل وأندرس ينتج كل شيء آخر: المراوغة، التمريرة الحاسمة من الداخل أو الخارج، إخلال توازن الخصم، والتفوق… يرى كل ما يحدث، ولديه موهبة المراوغة، هذه الهبة له وحده. المراوغة هي كل شيء اليوم، ساعدني أندرس في إدراك أهمية اقتياد الكرة عبر لاعبي الوسط الدخليين، عندما يراوغ ينساب كل شيء ويندلق، ستدرك ذلك مع الوقت.” -غوارديولا

Andrés Iniesta - When Football Becomes Art - ShareonSport.com

“يسألني ماركوس ورامون عما أشعر به حينما أكون محاطاً بستة أو سبعة لاعبين، أو ما إذا كان أسلوبي مشابه لأسلوب فيدرر، في سرعته وتناسق حركته. يغمرني الخجل حقيقةً حينما يصفاني بأني بلعبةٍ واحدة فقط قد أُظهر جميع الصفات المطلوبة للاعب كي يعتبر مكتملاً: السرعة في اتخاذ القرار؛ جودة التمريرة؛ التسارع والتروّي أو الوقوف على الكرة؛ القدرة على الاستلام الموجه أو قدرتي على الدوران وتغيير الاتجاه. لا أعرف ماذا أقول، أفضل أن يصفني الآخرون.” -أندرس إينييستا

“أعتقد أن باكو [سيرولّو] وصفه بدقة، أندرس من أعظم اللاعبين، لماذا؟ لأنه بارع في العلاقة بين الزمان والمكان. يعلم أين يكون في كل الأوقات، حتى وإن كان محاطاً بعدة لاعبين، ويختار دوماً المنفذ الأنسب، ومن ثمة لديه خطفة وانطلاقة خاصة به.” -غوارديولا

“الحاصل أن إينييستا يُبطأ اللعب، يقول الناس: ‘أنظروا إلى سرعة ذلك اللاعب’، لا، لا يجب أن نخطئ، السرعة ليست الأهم، السر في الحقيقة يكمن في كيفية تمهله وأين يقف على كرته وكيف ينطلق.” -لورنزو بوينافينتورا

منسق الأوركسترا، لمسة ثم حركة مضادة يوهم منافسه بالذهاب لجهة ويذهب لجهة أخرى، يتخلص من مراقبه، لمسة ثانية وتمريرة خلاقة، هناك الكثير في دماغه، هن 3-4 ثواني ولكن سماكة غشاء الميالين المحيط بالألياف العصبية تقف خلف كل ذلك. كرة القدم في رأسه، يصنع لعب، بل يصنع سياقاً..
이니에스타 패스.gif - 인스티즈(instiz) 인티포털

في اللقطة الأخيرة، نرى كيف يعيش إينييستا اللعبة، كل شيء محسوب لا شعورياً، يفهم كرة القدم بعمق ودون حاجةٍ للتنظير. يستخدم إينييستا نوعاً يبدو غير مفيداً من خذ وهات، (one-two) يمرر للاعب أمامه واللاعب الثاني يعيدها له مجدداً، نلاحظها بين قلب الدفاع ولاعبي الوسط أحياناً لسحب الخصوم وتوليد لاعب حر بين الخطوط. ولكنه بذات الأثناء لا يتحرك كما في اللقطة الثالثة من الأسفل، وعلى ذكر ذلك، يؤكد تشافي أن برشلونة تعلم الصغير أيضاً أن يمرر ويقف وليس أن يمرر ويتحرك وحسب، “أحياناً قد تبدو وكأنك ستصطدم بجدار، بهذه الحالة أمرر وأقف.” وبمجرد عودة الكرة لإينييستا خرج أحدهم للضغط عليه، وباستلام موجه؛ أي استلام بالقدم البعيدة للمساحة أو نحو المرمى، فقد راوغ أندرس خصمه حرفياً قبل أن يلمس الكرة، كما يشير خوان كارلوس أونزوي “أندرس يستطيع تخطي خصمه دون أن يلمس الكرة، أول أمرٍ يفعله 95% من اللاعبين هو السيطرة على الكرة، هذا هو الخيار الأفضل، ولكن إينييستا يرواغ دون أن يلمس الكرة.” بعد أن تخلص من الأول انفجر وكما يبدو وأنه سريع، لديه خطفته، تلك خطفته التي تحدث عنها بيب. وإن كانت الكرة الإنجليزية التقليدية تخدعك بسرعة اللعب وهي ليست إلا تقاذفاً للكرة وصراعات بدنية، فإينييستا يوهمك بأنه سريع بتملصه، ينتظر أن ينقض عليه الخصم، لأنه يتخطى بعقله وليس بقذف الكرة واللحاق بها، هو يبدع لأن لديه بعض النواقص، ليس سريعاً ولكنه رشيق، يغويك كي تقدِم إليه، ولأنه يعرف توقيت لمس الكرة، فهو ينتظر تلك القدم الممتدة لسرقة ما ليس لها، وبعدها….

Espanyol Vs Barcelona • Andres Iniesta Dribbling Skill GIF by Эстетика  Футбола | Gfycat
이니에스타 드리블.gif - 해외축구 - 에펨코리아
이니에스타 2인타카.gif

خذ وهات لعبة معقدة، فبمجرد خروج الكرة من قدم الممرر يخرج عن نطاق السيطرة، لأن الأنظار تتجه صوب الكرة وحاملها المستقبلي. هنا، لأن الكرة قريبة من المرمى فمدافعي الخصم مضطرون للمواجهة، بالتالي فالمساحات خلف المدافعين القريبين ستُستغل، يخرج المدافع للضغط على أندرس، يمرر إينييستا لميسي وثم يهاجم المساحة خلف الضاغط… ميسي هنا يقوم بالعكس يمرر ويقف، هذه الكرة سريعة لسرعة العقول لا الأقدام.

الاستلام الموجه، بالإسبانية control orientado، أي استلام الكرة بالقدم البعيدة (أو الاستلام بأية كيفية) نحو المرمى أو المساحة، ينبغي على اللاعب قبل ذلك معاينة محيطه إن كان ظهره لمرمى الخصم خصوصاً، ويوجه جسده -وفقاً لمكان الكرة- لتمديد نطاق رؤيته كما في الصورة الأخيرة، وضعية جسدية مفتوحة صوب حامل الكرة، وبما أن الكرة على زاوية قُطرية فجسده أفقي/جانبي وليس صوب المرمى أو لا يعطي مرمى الخصم ظهره. قد لا يستطيع أحياناً الدوران أو القيام باستلام موجه، ربما ليس لإينييستا، لأنه يعي غاية اللعب، إينييستا يفاجئك بسرعة وجودة قراراته، فما يبدو وأنه صعب يستطيع الخروج منه بيسر. أندرس يكسر الأعراف والتقاليد، يسيطر بالقدم القريبة، بالكعب، أو ظهره للمرمى وخلفه مدافع، ليس ثمة تكنيك/تكتيك صحيح، هناك غاية، التصرف أو الوسيلة ينبغي أن تخدم الغاية، الغاية هي جني المساحة والتقدم للأمام. هنا يعجز المدربون، اللاعب هو المعلم، عبره سُنّت النظريات وباختراعاته كتبت كرة القدم عبر التاريخ، يقول المدرب الألماني ديتمار كرامر أن “أفضل مدرب في العالم ليس مدرباً دولياً ناجحاً، بل اللاعب نفسه. شاهد اللعبة وستتعلم ماذا تفعل”، اللاعب نفسه هو الذي علم المدرب بدون شرح وبدون تنظير، فاللاعب غوارديولا هو الذي أسس لغوارديولا المدرب.

__
دائماً يلقي النظرات، يبتعد عن الكرة ولا يقترب إليها كما تقتضي الحاجة، يستطيع الاقتراب من الكرة غير أنه يعي قواعد اللعب التمركزي، يكمل أضلاع المثلث بخلق زاوية وخيار تمرير مُقدماً التسهيلات لفريقه في سبيل تطوير الهجمات، هذا غير تفريغ نفسه وتقديم التسهيل لنفسه.
الاننشار مبدأ جماعي يحدث عندما يتباعد الأفراد (كل فرد) وينتشروا على عرض وطول الملعب وبين خطوط الخصم، وإذا امتلكنا أفراداً يجيدون ذلك، فسنحصل على هيكل قوي لبناء الهجمات. بمعنى أن اللاعبين بانتظامهم الذاتي يخلقون النظام، حتى ولو دون مدرب! نرى هنا إينييستا يبتعد ويتخذ موقعاً بين خطوط الخصم موفراً تمريرة كاسرة لزميله.

كل هذه التصرفات لكسب الوقت والمساحة، أندرس يبتعد قليلاً، يقترب قليلاً، يميل، ينتظر، يتنبأ ويتخذ قراره.. اللاعب السريع واللعب السريع ليسا نفس الشيء، أن تجعل المنافس متأخراً دوماً ولا تسمح له بإعادة الانتظام، ما يسفر عن الكثير من الركض ومحاولة تدارك الأخطاء، انزلاق، شد، دفع، انعدام تفاهم وارتجال يقابله ارتجال فتحدث فوضى عارمة في خطوط الخصم على المستوى الجماعي. وهنا تتجلى جودة اللاعب وجودة الفريق، باتخاذ قرارات صحيحة وبالطبع تنفيذها بصورة صحيحة، ولهذا إينييستا هو سيد المساحة والوقت، “إينييستا هو اللعب التمركزي مجسداً”، ونفسه أوسكار كانو يقول عن إينييستا أنه هو اللعب التمركزي بذاته. وعلى مبدأ الهولوغرام عند موران، إينييستا ككسرة هولوغرام يحمل تفرده دواخلها… هو صورة مصغرة للعب التمركزي، بتصرفاته التي تضيف بعداً آخر للفريق، هو يحسن من زملائه، يربط بين زملائه ويطور شبكات الاتصال لمن هم حوله، وليس بينه وبينهم وحسب.

كما ذكرنا في المقال السابق، الحركة قد لا تفيد اللاعب نفسه، وبقصد أو بدون قصد قد تظهر المساحات بأماكن أخرى. الحركة ضرورية خصوصاً في الثلث الأخيرة لهز دفاعات الخصم. وأحياناً عدم الحركة مفيد للفريق، نرى دافيد فيـّـا في اللقطة اكتفى بالوقوف بعيداً، مهملاً من الخصم، ولكنه مع تواتر اللعب أصبح ضلعاً أساسياً في تسجيل الهدف الثاني. مثلما رأينا مراراً أن إينييستا لا يجري كثيراً بل يعدل وضعيته، يعدل تموقعه. هذه التفاصيل الدقيقة والتصرفات على المستوى الصغروي/المايكروي تقوم بغربلة على المستوى الكبروي، وقد تكون تلك محددات المباراة، اللمسة التي لا تبدو شيئاً جللاً قادرة على التأثير -كعلاقة ارتباطية وليس كعلاقة سببية- على الحاصل النهائي للهجمة، وربما للمباراة. هنا يقف المدرب موقف المتفرج، فلا يسعه تحفيظ اللاعبين الذكاء والدهاء الإبداع والابتكار والخيال، ولا يسعه اقتلاع اللايقين واللاتنبؤية والعشوائية من اللعبة، لكنه قد يقلصها بإفراط فتغدو فرقه ميكانيكية، والمدرب هنا يصبح عالة. لأنه يرى الكل ولا يرى الجزء، فيلغي الفرد، ويصبح رقماً فقط، وليس قيمة إبداعية. يقتبس كازا بازيلي لمانويل كوندي شارحاً أن الفريق الذي يتمتع بتناغم عالٍ سينمو، وسيخلق شفرة تكتيكية كونية لتأسيس توظيفه الجماعي دون تقييد أي لاعب، أن تعطي اللاعب على قدر ما يستطيع وبحريته النسبية. هنا تمكن قوة الفرق، في تفاعل الأفراد: فعل بالتزامن مع فعل؛ أقوم بكذا وزميلي يقوم بكذا، والثالث يقوم بكذا، عندئذٍ تتأسس اللغة المشتركة اللاواعية، وكلما استوعب اللاعب اللعبة كلما تيسر له التفاعل، وكلما يسّر للآخرين التفاعل. ومن ثم يتقلص اللايقين والشواش، ليس مسحها، لأن مسحها ضرر وتركها ضرر.

“إينييستا يستطيع اللعب بدون ميسي لكن ميسي لا يستطيع اللعب بدون إينييستا. […] ميسي يقوم بأفضل الألعاب والحركات، إينييستا هو أفضل لاعب في العالم.” -خوانما لـيّو

بالنسبة لمينوتي فـ “برشلونة عبارة عن إينييستا و10 لاعبين آخرين.” قد يبدو من المبالغة أن يعتبر المدرب الفائز بكأس العالم 78 أن إينييستا هو أفضل لاعب بالعالم وليس مواطنه ميسي، ولكن في سياق آخر قد تجلو العتمة عن تصاريحه السابقة بقوله: “بالنسبة لي ميسي لاعب عظيم في الـ15 متراً الأخيرة ولاعب مليء بالأخطاء عندما يعود 50 متراً للخلف.” ميسي خارق، فنياً وتكتيكياً، سرعته، ولكن على مستوى استيعاب اللعبة هو ليس كإينييستا أو تشافي، ظهرت براعة الأخيرين مع المنتخب بوضوح فهما بصحبة بوسكيتس في وقت ما، أو سينّا أو سيلفا طرزوا سياقاً يعزفون به سوياً، بتناغم وهارموني ليس لها مثيل، ليس هناك ميسي، قد يذهب بمغامرة لوحده -ليس لوحده بالضبط كما ذكرنا- ولكنهم سوياً صنعوا الكائن السوبر. تضافرت تلك المواهب التي “لا تبدو خارقة” لكي تنتج كلاً أكبر من مجموع أجزائها. فيما يجد ميسي صعوبة في فريق مشكلٍ من آحاد، هو يتصرف وحيداً، وليس هنالك سياق (أسلوب لعب) يبرز ما لديه. لذلك قد يظهر أبرع البارعين بأداء رتيب أحياناً في فريق ليس بـ”فريق”، ويظهر العادي بارعاً في فريق يصح تسميته بالفريق، ولا أجده إلا أمراً مثيراً للسخرية والامتعاظ بآن أن يعجب الكثيرون بإفراط ببعض اللاعبين الذي يأدون أداءً مميزاً في موسم ما، أو ضمن ظروف وسياقات خاصة، ثم ينتقل بمبلغ وقدره ولا يكاد يمضي الوقت إلا وهو كبقية اللاعبين بل وقد يقابل بالسخط، قد يكون مميزاً فعلاً ولكن الظروف الجديدة لم تخدمه، أو قد يكون عادياً والظروف السابقة خدمته، أو ببساطة قد يحتاج للوقت. لذا لا يرى مارتشيلو ليبي أن الأفضل كفرد هو من يلعب أو يُنتقى، بل الأفضل للفريق. ولا غرو أن الأمر يسهل عندما يضم المنتخب لاعبين من فريق واحد، متفاهمين ومنسجمين ويعرفون بعضهم البعض.

يبحث الفرد عن مصالحه الشخصية في المباراة، يقل ذلك أو يزيد ولكن كل لاعب يريد الكرة، يريد أن يكون أحد أضلاع المجد، ولكنه من حيث لا يدري قد ينفع فريقه، هذا الصراع الداخلي بين الإيثار والأنانية وبين “نحن” و”أنا” من شأنها أن تضيف للفريق؛ مهاجمٌ يتحرك نحو المرمى طالباً الكرة فإذا به يسحب الظهير فاتحاً المجال للجناح. المهاجم يريد التسجيل، ربما يريد المجد الشخصي ولكنه إن سجل فالمصلحة هي الفريق، والمنفعة تبادلية. قد تتسبب الأنانية بزعزعة تماسك الفريق، يتحرك اللاعب نحو الكرة باحثاً عنها، مظهراً انعدام الثقة بزملائه في الخلف وضارباً بأصول التمركزية عرض الحائط، لكن الفرد والفريق يمكن أن يتعايشان، فمن سيشكل الفريق؟ وأين الفرد كحقيقة تكتيكية؟ وكيف سيعيش الفرد بلا زملاءٍ يمدونه بالحلول ويتوزعون على بقاع الملعب، ويتبادلون المهام وتتقاطع مصالحهم وتتأثر قراراتهم بقرارات الآخرين؟

بارادايم التمركز… بارادايم بيب

ليست أسلوباً وحسب، المركزية مجموعة مبادئ أساسية وجوهرية في كرة القدم. فلعب كرة القدم بشكل “جيد” مرتبط بالمركزية. في أي فريق كرة قدم أو حتى أي رياضة جماعية يجب أن تتضمن بعض أو معظم أو حتى كل المبادئ المتعلقة بهذا الأسلوب. قد حاولت جاهداً البحث عن صياغة مصطلحٍ أكثر دقة، قد نقول تموضعي أو تمركزي أو التسمية التي توصلت لها مؤخراً “هجوم المنطقة” وسأوضح لاحقاً لمَ أسميتها ذلك في مقال متصل، لأني أزمع كتابة المقال الأول -الذي نحن بصدده- بالتحديد عن المركزية جماعياً، أما المقال القادم فسيكون على المستوى الفردي، وأخيراً -المقال الثالث- عن كلانية الأسلوب، بيد أنه لا يمكن تشظية وتفصيل هذا الأسلوب بهذا الشكل ولكن سننزل اضطراراً للأسلوب التحليلي للتعمق وسبر أغوار هذا الأسلوب الثري، ولذا فسنشير للفرد وللتحولات كمرور اضطراراً، فالحالات الأربع متصلة، مثلما أن عناصر اللعبة متصلة، والفرد ليس منعزلاً عن الجماعة، هذا الفصل ضرورة نظرية، وما إن نصل إلى الملعب فنحن نألف ونركب، فكرة القدم عملياً وواقعاً كلٌ ومركب عضوي.

ما هو الـ  Positional play؟

“كما تشير الكلمة، المركزية، ببساطة هي أن تتمركز جيداً بحيث نتناقل الكرة بشكل مكثف ونصل للمناطق الهجومية بوضعية سانحة.” -ألبرت بوج

Positional يعني: مركزي (أو موضعي، أو مكاني)؛ ومركزي أي حول الشيء أو جزء رئيسيّ تتجمَّع حوله الأجزاء الأخرى. والواقع أن هذه التسمية مسألة خلافية لدى الإسبان كذلك، يظهر ذلك عبر اعتراض خوانما لـيـّو على لفظ posición واقترح عوضاً عنه مصطلح ubicación ويقابلها في الإنجليزية locational منطلقاً من فكرة أنه من الممكن “أن تتمركز -جسدياً- بشكل مثالي ولكن في المكان الخاطئ، أو أن تتمركز بهيئة سيئة في المكان الصحيح” فكلاهما مرتبطان (وضعية الجسد، والتمركز المكاني) ولكن اللفظة -كما أسلفت- تشمل أيضاً الفريق ككل، والفرد كجزء.

في الفيزياء مركز الكتلة هو نقطة في جسم أو نظام من أجسام يمكن اعتبار إجمالي كتلتها مركّزة عندها، والأمر سيان كذلك في الاشكال الهندسية والجيومترية وتكوين المثلثات، فهناك نقطة مركزية تربط الأشياء ببعضها. أطلق هذا الاسم لأول مرة اللاعب والكاتب البريطاني أيْفان شارب عام 1952 الذي أشار لتطور الكرة آنذاك وتراجع الكرة الإنجليزية حيث أدلى: “اللعب التمركزي أسلوبٌ أكثر تطوراً في اللعبة؛ لأنه قائم على عدد وكمية التمريرات، لا يمكن اعتبار أنفسنا من مصاف الدول المتقدمة كروياً إذا ما تحدثنا عن الأساليب والطرق…”. في الشطرنج بزغ أسلوب اللعب التمركزي قبل قرنين من الزمن، فاللاعب ذو الأسلوب المركزي يحرك قِطَعهُ بتروٍ وتأنٍ وبخطة بعيدة المدى، وبالطبع يحاول نشر قطعه وفتح الطريق أمامها للتحرك، الأمر مماثل في تباعد وتوزيع اللاعبين (الانتشار) الذي يعني جودته جودة الهيكل ما يتيح لنا استعادة الكرة (حماية القطع في الشطرنج)، أيضاً فتح المساحات، ومحاولة تفعيل أدوار اللاعبين فيستطيعون الإسهام في بناء وتقدم الهجمة عبر جودة التمركز وتوفير أنفسهم كخيارات تمرير (كل لاعب في الحالة الهجومية له دور هجومي).

يصعب أن نسك تعريفاً دقيقاً للعب التمركزي كونها تنطوي على عدة مبادئ ومفاهيم، ولكن اللعب التمركزي في جوهره يعني: ترتيب/تمركز اللاعبين في مساحات مختلفة لتكوين زوايا وخيارات تمرير في مختلف المناطق ومختلف مراحل اللعب للاحتفاظ بالكرة وبحثاً عن مرمى الخصم. ولا يبقى اللاعبون في هذا النمط بثبات بل وبحركة مستمرة لخلق المساحات بالكرة، أو بدونها كفتح خيارات التمرير للزملاء أمام الكرة خصوصاً وللخلف إذا اقتضى الأمر. الحركة قد تكون تعديل وضعية جسدية لبضع سنتيمرات، ولكل حالة ومرحلة سلوكيات معينة مرغوبة طمعاً في التمتع بانسيابية تقدم الهجمات.

استناداً لدومينيك تورّنت مساعد بيب غوارديولا السابق فـ”هي تتعلق بكيفية التمركز بشكل متصل بالآخرين على أرض الملعب عند حيازة الكرة…”، أو كما يشير بيب غوارديولا إلى أن اللعب التمركزي هي تأدية كل لاعب -في حالة الهجوم- وظيفة هجومية. بالنسبة لكازا بازيلي هو “نوع من الهجوم يحتاج إلى هيكل وتشكيلات هندسية مستمرة؛ مثلثات، ماسيات (معين الشكل)، إلخ. ولهذا هي مركزية، لأننا بحاجة إلى مزيج مختلف من اللاعبين في مواقع تكتيكية محددة كي نصل لغاياتنا.”

Position not Possession –مركزية وليس استحواذ!

“بالنسبة لبيب ولمدرسة برشلونة فقد أصبحت عادة، ولكن في البداية ظن الألمان أنه تمرينٌ من أجل الاستحواذ على الكرة، هراء! إنه الأسلوب التمركزي، أن تعرف كيف تتمركز عند الاستحواذ، أن تعرف أين هي المساحات، وأن تعرف من أين تضغط عندما لا تمتلك الكرة.” دومينيك تورنت

ليس ثمة خلط لدينا في لغتنا فالكلمتين ليستا متشابهتين كما في الإنجليزية أو في اللغات اللاتينية. ولكن هناك خلط ولبس مفاهيمي، بمعنى أن البعض يظن أن هذا الأسلوب غايته الاستحواذ، (السيطرة على الكرة)، تصميم هذا الأسلوب في جوهره ليس غرضه الاستحواذ فقط، وإن كان هاماً بالنسبة لبيب كما سنرى. هذا الأسلوب لا يهدف بالضرورة للهيمنة على الكرة والسيطرة عليها بل بتوفير خيارات التمرير عبر شكل كلي وبين الأفراد على أتم صورة، ومن ثَمَّ على مستوى زعزعة استقرار الخصم وإخراجهم من مناطقهم وفتح الثغرات بين خطوطهم. لذا يشمئز غوارديولا من عبارة “تيكي تاكا” المختزلة والتي لا عمق فيها ولا هدف منها إلا التمرير من أجل التمرير، هدف غوارديولا أبعد من ذلك، فالاستحواذ ليس عبثي بالنسبة له. نستشهد هنا بغوارديولا نفسه الذي يقول “ليست تمريرة تلك التي لا تقصي خصماً” وهنا يهدف الفريق لاستفزاز الخصم وجذبه للكرة وبالتالي تبرز المساحات ويجري استغلالها. والحال كذلك بالنسبة لخوانما لـيـّو الذي يشدد “لا تمرّر إن كنت لا تريد إنتاج شيء، مرّر لخرق خطوط الخصم…”.

والاستحواذ من وجهة نظر غوارديولا يفيد في تحقيق الاستقرار من خلال تناقل الكرة، حيث يوضح بيب “إن لم تكن هناك سلسلة من 15 تمريرة في البداية، فمن الاستحالة أن نُجيد في التحول من الهجوم للدفاع، مستحيل!”، لذا فتداول الكرة في بداية بناء الهجمات والبحث عن الخيارات السهلة ضروري، إذ بتناقل الكرة بين اللاعبين لفترة يضمن استقرار وتوازن بحيث يستطيع الفريق إحكام القبضة على وسط الملعب.

وأخيراً الاستحواذ الدفاعي، يستخدم غوارديولا الاستحواذ كوسيلة للدفاع، أي أن يحرم الخصم منها عند التقدم في النتيجة فلا يكون فريقه عرضة للهجوم من الأساس، كما يتم التلاعب بالخصم ذهنياً، في استفزاز الخصم الذي سيكون بأمّس الحاجة للكرة، “هناك كرة واحدة، لذا يجب أن تمتلكها” على رأي يوهان كرويف. إن التمرير من أجل التمرير له عواقب، فقدان فرصة إيصال الكرة للاعب الحر، أو ببساطة عاجلاً أم آجلاً قد يفقد الفريق الكرة وربما في وضعية مزرية بحيث لا يمكن تدارك الموقف، أو كما يشير ماتياس مانـّا يجب إنهاء الهجمات بغض النظر عن خواتيمها، إن كانت هدفاً أو لا، فبذلك نستطيع إعادة الانتظام أو نجد أنفسنا بوضعية سانحة لاستعادة الكرة، أو أن نخسرها في مناطق عالية وبعيداً عن مرمانا.

التفوق (العددي، التمركزي، النوعي):

نصل الآن الى مبدأ أساسي آخر في اللعب التمركزي ألا وهو التفوق أو الغلبة “يتشكل اللعب التمركزي عبر خلق التفوق ابتداءً من خط الدفاع ضد الخصم الضاغط” خوانما لـيـّو يشير إلى النوع الأول من التفوق، وهو التفوق العددي، ففي حالة بناء اللعب يسعى الفريق لخلق زيادة عددية لإخراج الكرة من الخلف. فمثلاً عندما يضغط الخصم بمهاجميْن فعلينا إذاً إضافة لاعب إلى ثنائي قلب الدفاع، سواءً بإقحام قلب ثالث أو حتى تعويض ذلك بسقوط المحور بين قلبي الدفاع من آن لآخر لتكوين تفوق عددي 3 ضد 2 أو حتى بسقوط لاعب وسط بين القلب والظهير. أيضاً التفوق العددي على طرفي الملعب (الظهير زائداً الجناح) ضد ظهير الخصم 2 ضد 1، والتفوق الأهم والمرغوب سيكون في وسط الملعب.

النوع الثاني من التفوق هو التفوق التمركزي، أي أن يكون أحد لاعبي الفريق حراً وبوضعية سانحة للتقدم حال استلامه للكرة دون إعاقة، ولا يصح أن نقول على اللاعب حراً مالَمْ يستطع الدوران أو التقدم عند استلام الكرة وأن يجنيَ مساحةً للأمام، الأمر أيضاً مقرون بحامل الكرة ورؤيته وسرعة بديهته في ملاحظة الرجل الحر بين خطوط الخصم. فغايتنا عند تناقل الكرة هو توليد لاعب حر، بما أن الفريق يتناقل الكرة لاجتذاب الخصم وإخراجهم من مناطقهم. لذا فعند تناقل الكرة نحن نبحث عن تحرير لاعبين بأماكن حيوية لنتمكن من إحراز تقدم نوعي في الهجمة ونصل للثلث الأخير بأفضلية، ونصل للغاية الكبرى: تسجيل هدف.

ثالثاً التفوق النوعي فردياً، أي الجودة، كالثنائيات (1 ضد 1) أو حتى مجموعة أكبر من اللاعبين، فميسي -لا للحصر- بمواجهة أي لاعب يعتبر متفوق نوعياً وقادر على ترجمة هذا التفوق وكسب الثنائيات غالباً، “هناك تفوق عددي ومركزي ونوعي، ليس كل حالة 1 ضد 1 تكافؤ عددي” باكو سيرولّو.

أسلوب جماعي

للفريق الأولوية؛ الأفراد جزء من فريق، والفرد في كرة القدم نسبي، بمعنى أنه حر بنطاق معين، أولاً لأنه لا يتصرف لوحده، بل هو محكوم بمن حوله: منافسين، زملاء، حدود الملعب، والكرة قبل أي شيء. ثانياً، إذا تحرك اللاعب بكل مكان سيحدث خللاً هيكلياً، كما سيتعدى على حرية زملائه، فحرية الفرد تقف عند حرية زميله، لا مجال للارتجال في التمركز إذا ما أردنا تطبيق هذا الأسلوب بحذافيره، لكل لاعب مركز وموقع معين، ذلك من شأنه منح الفريق خيارات متعددة في أماكن مختلفة ما يؤدي إلى الغاية ألا وهي تشكيل هيكل جيد. غير أن التعقيد وطبيعة اللعبة العشوائية تضطرنا أحياناً لتبادل المراكز ولكن بالاحتفاظ بذات المفهوم، أي أن تشغل المساحة التي تُركت من قِبل زميلك. بالنسبة لمانويل كوندي فلا وجود للفرد في كرة القدم، تفاعل العناصر هو ما يشكل النظام، سواءً في الحواري أو في أعتى الملاعب، لكن الهدف المشترك والوصول للتناغم المثالي يتطلب ذكاءً، وكذلك اعتياداً (تدريب). التجليات الفردية العبقرية لن تتم بدون اضطلاع غير مباشر من الزملاء، أو حتى سوء تواصل وتفاهم بين أعضاء الفريق المنافس، فتفاعل الفرد يؤثر حتماً على دينامية اللعب وتبدل أحواله. يخطر في بالنا مراوغة ميسي لعدد من اللاعبين ببراعة، تثبيت زملاء ميسي للمدافعين حوله من شأنه إحداث أزمة قرارات وتَشتُت بالنسبة للمدافعين، أو حتى طلب -المهاجمين- للكرة وحركتهم، بل والإفراط في محاولة إيقافه تفضي إلى خلل في النظام.

“يحدث أن ميسي في المنتخب يبدو لاعباً عادياً، لأن كرة القدم لعبة جماعية، وميسي مصنوع أيضاً من زملائه في الفريق.” –ألڤارو آبوس

الهيكل والانتشار

“عند الاستحواذ، 11 لاعباً يتوجب أن يكونوا في حالة حركة وضبطٍ مستمرٍ للمسافات. المسألة لا تتعلق بكم الجري بل إلى أينَ تجري، خلق المثلثات بلا توقف يعني أن تدوير الكرة لن يتعطل.” -يوهان كرويف.

الانتشار هو تباعد اللاعبين على ارتفاعات مختلفة، عمق وعرض وبذلك نخلق مثلثات ونتموقع بين خطوط الخصم. أما الهيكل فهو شكل الفريق ضمن شكل الخصم وليس مجرد خطة كـ 4-3-3، قد يقف الفريق بشكل 4-3-3 ولكن دون تباعد وانتشار جيد، وبالتالي يفتقد الفريق لمفهوم الهيكل فلا معنى لهذه الأرقام بلا مفاهيم ومبادئ متقنة. إذاً فالانتشار الجيد وضبط التباعد يفضي إلى هيكل قوي ورصين. يعني أيضاً قابلية استعادة الكرة حال خسارتها في التحول الدفاعي، فيقول أوسكار كانو “باستدراج أقصى عدد من لاعبي الخصم حول الكرة، نسترجع الكرة عاجلاً عندما نفقدها في المساحات التي نكون فيها متحدين.”

كمثال نرى هنا أن المثلثات والتكوين الجيومتري ليس محض شكل جمالي، بل ضرورة. في الشكل يساراً نرى اللاعب المحاط بالدائرة يغطي خيار العمق. فثلاثة لاعبين على نفس الخط الطولي لا يأتي بأي منفعة سوى الاكتظاظ وتخريب تطوير اللعب. على اليمين نرى أن اللاعب بتعديل تموقعه أنشأ المثلثات وكثرت خيارات التمرير. نفس الشيء في عرض الملعب فعدد 4 لاعبين على نفس الخط لا يضفي شيئاً للفريق تكتيكياً.
الأدوار الحرة للاعبين تودي إلى التهلكة تمركزياً، من يمتلك لاعبين أحرار يضحي باللعب التمركزي كأسلوب لعب. بعض الفرق -كما في الصورة- كالصحراء المقفرة في عمق الملعب.

كل الفرق يجب أن تتوفر على انتشار ملائم واستحلال مساحات محددة، ولكن هذا ليس اختيارياً في اللعب التمركزي، بل حتمياً لئلا يكون بين الزملاء تداخل في التمركز، أي ألا يشغل لاعبان نفس المركز وأن يفصل بين كل لاعبَيْن لاعب من الخصم. وليس أفضل من تشاڤي ليوضح لنا أهمية ذلك “ليس علينا أن نعلّم اللاعبين كيفية تبادل المراكز بل أن يتعلموا كيف تسير الأمور، عندما أتقدم بالكرة ويقترب مني أحدهم أتساءل مالذي تفعله؟ نحن على وشك التصادم… إن كان إينييستا هناك فلا يمكن أن أكون بنفس المكان ولكن إن كان محاصراً فسأعطيه مخرجاً”. أو عندما يقول المعلم كرويف “إذا أردت معاونتي، ابتعد عني” قاصداً الابتعاد لمساحة أخرى، أو عندما يفسر بيرارناو أسلوب غوارديولا “فكرته أن تصل الكرة للاعب وليس العكس” أن يقترب اللاعب من الكرة؛ أي أن يبقى اللاعبون في أماكنهم ومراكزهم عوضاً عن التداخل. أمّا لـيّـو فيوضح: “يجب أن تذهب الكرة للمركز، لا أن يذهب المركز للكرة.”

“الجبناء فقط يركضون، هذا هو شعار برشلونة. يقول الناس دائماً: عليك أن تركض أكثر من خصمك، يا له من هراء… عليك فقط أن تلعب كرة قدم أفضل من خصمك. ” –كارلِس ريكساتش

وفقاً لڤان خال فالكثير من المدربين يبذلون وقتهم في محاولة جعل لاعبيهم يركضون لأقصى وقت ممكن، بينما يرى بأن “أياكس يدربون لاعبيهم كي يركضوا بأقل قدرٍ ممكن، ولذلك فالمباريات المركزية هي الركيزة”. وهذا ما سينعكس ويتجلى بطبيعة الحال في المباريات، الحركة والجري ينبغي أن يكون طابعها الذكاء والجودة، لا الحركة من أجل الحركة. اللاعبين يستلمون الكرات بأماكنهم كأولوية، الكرة هي التي تتحرك، اللاعب يتمركز كي تأتيه الكرة ويضفي انسيابية في تناقل الكرة. وإذا فقد حامل الكرة كرته فليس وحده مسؤولاً، -كما يقول كيكي سيتيين- بل ينبغي أن نسأل هل وفر له الزملاء خيار تمرير أو اجتذبوا المنافس؟ هذه إحدى أهم نقاط اللعب التمركزي. بلا شك سيضطر اللاعب للتأقلم أحياناً فسيركض ليصحح التمريرة البطيئة أو للحاق بتمريرة أقوى مما ينبغي، الأهم أن كل لاعب يضع جسده بحيث يستلم بقدمه البعيدة، وفي البينيات يتحرك ويستلم في المساحة. وهذا يعتمد أيضاً على اللاعب وخصائصه، فالتمرير لتشاڤي ليس كالتمرير لبيدرو، التمرير في المساحة ستأخذ طاقة من تشاڤي، ناهيك عن افتقاده للسرعة.

في هذا النوع من اللعب، ومن خلال تدرج وتوالِ اللعب يسعى الفريق إلى غاية بعيدة الأمد حيث أن “كل تصرف يشي بالتصرف اللاحق” بوصف أوسكار كانو. وبالتزام اللاعبين بمراكزهم فهم مضطلعين باللعب بشكل غير مباشر وربما يساعدون الفريق في المستقبل القريب، “اللعب التمركزي صعب جداً، لأن اللاعبين بحاجة لجرعةٍ كبيرةٍ من التواضع، فهي تعني بشكل أساسي إدراك الفرد أنه لن يكون في حمى الوطيس لبرهة، ولكنه بذلك يساعد الفريق”، يوضح بيب غوارديولا أن التزام اللاعبين بأماكنهم يأتي بالمنفعة للفريق، بيد أن ذلك يتطلب تضحية من اللاعب لعدم الاقتراب من الكرة “عليك أن تقبل فكرة أنك لست داخلاً في اللعبة، ذلك هو دورك، أن تفتح المساحات لزملائك.”

“بيدرو لم يلمس الكرة، مع ذلك هو أكثر من يساعد الفريق. وليس بالحركة: بل بالبقاء في مكانه! بدون لمس الكرة هو يساعد الفريق أكثر بكثير من العديد من اللاعبين الذين يبدو وكأنهم يفعلون أشياء كثيرة”. خوانما ليـّـو كمعلق في الفيديو السابق.

“بالنسبة لغوارديولا، الفوز هو نتاج اللعب الجيد -على الأرض- ثم احترام خططه، والبقاء دائماً في مركزك، والاستحواذ الدائم على الكرة.” تييري أونري

توسيع الملعب

مبدأ أساسي آخر ألا وهو توسيع الملعب أو الملعب العريض؛ من الخط في جهة إلى الخطة في الجهة المقابلة. فِرق غوارديولا مفتوحة على مصراعيها، أي تستخدم كامل عرض الملعب في الهجوم، “في الهجوم افتح الملعب وإذا دافعت ضيق الملعب”، هذا المبدأ الكرويفي غرضه إجبار المنافس على الدفاع في المساحات الواسعة، وبالتالي يفقد الخصم ترابطه وتتفكك كتلته، وإن أظهر الخصم عكس المراد، فيمكننا جذب الخصم لجهة وتغيير اللعب للجناح البعيد. ليس الغرض استغلال الأفراد في حالة 1ضد1 وحسب، بالطبع هذا أمر مرغوب ولكن اللعب في الطرف ليس هو الهدف الأهم من هذا المبدأ لأننا لن نتمكن من غزو العمق أين يقبع المرمى إذا لم نضع عنصر جذب على الطرف. ولهذا يريد بيب أن يعانق الظهير أو الجناح خط التماس وهو أمر عانى منه مع بعض اللاعبين، نتذكر أونري مثلاً، أو في حادثة في وقتٍ ما وجد بيب فريقه فاقد لديناميته المعهودة عازياً السبب لعدم احترام فريقه اللعب التمركزي؛ بهذه المناسبة صرح ڤيكتور ڤالديز أن الجناحيْن (ميسي وهليب) لم يلتزما بفتح الملعب. “إفراط في الرغبة للدخول في العمق” كرويف يضيف، ” ذلك ما جعل العمق مكتظاً والملعب أضيق”. تشاڤي يقول بذات الشأن أن الأمر كلفهم تناقل الكرة. في سياق آخر يدلي غوارديولا بدلوه قائلاً أن “ملعب كرة القدم كبير، كبير جداً وشاسع. والمساحات موجودة، ولكننا نغلقها بحركتنا السيئة.”

ثم على مستوى الخصائص لاعبي الطرف البعيدان ينبغي أن يكونا سريعين لخلخة دفاع الخصم، بالنسبة لبيب عدم التزامك بالابتعاد إلى الخط قد يكلفك مركزك، نرى تفضيل بيب لستيرلينغ وهو أقل من محرز بسنوات ضوئية -برأيي- إلا أن سببه عائدٌ للخصائص والالتزام. غوارديولا يريد لاعبين انفجاريين، يريد جناحاً مقداماً بأقل عدد من اللمسات يتخطى خصمه، روبن، دوغلاس، كومان، وغيرهم.

“فرض كرويف فلسفة جديدة داخل برشلونة، مفهومٌ جديد، في طريقه إلى الانقراض بعد وفاة جارينتشا. أراد يوهان منا أن نلعب بهذه الطريقة، بطرفي ملعب متطرفين، طبق [كرويف] تلك النظرية تحت كل الظروف”. –غوارديولا

هيكل مانتشستر سيتي

صورة1: هيكل السيتي في وسط الملعب.

في الآونة الأخيرة لعب سيتي بـ4-2-3-1، بالعديد من المتغيرات وتبادل المراكز خصوصاً ما بين دي بروين وستيرلينغ أو جيسوس، إضافةً للمهام الموكلة للاعبين باختلاف خصائصهم وباختلاف مكان الكرة. نرى في (الصورة 1) توسيع ميندي للجانب القوي؛ أي جانب الكرة، فودِن للداخل، ناثان آكه حاملاً للكرة وغوندوغان مكملاً أضلاع الماسة، الأمر سيان للمحور الآخر رودري. في الجهة المقابلة نرى كانسيلو بداخل الملعب وسيترلينغ (ليس ظاهراً) هو من يفتح الطرف الآخر. جيسوس أعمق نقطة، حامل الكرة ينبغي أن يرى أبعد نقطة سواءً في العمق أو الطرف؛ “كرويف كان يقول أنه عندما تمتلك الكرة، يجب أن تنظر إلى العمق… إن لم تتمكن من ذلك لا بأس ولكن دائماً إلعب للعمق إن سنحت الفرصة”، الفريق متخم بالحلول ومترابط وهذا عائدٌ للتباعد الجيد.

صورة 2

غالباً فودن مسؤول عن المنطقة ما بين العمق والطرف؛ تسمى half-space بما أن بيب يقسم الملعب أفقياً لخمسة مناطق، اللاعبين لا يشغلون هذه المناطق بجمود لأن التقسيم أغراضه تدريبية ليس أكثر، اللعبة ديناميكية متحركة متغيرة. دي بروين دوره في 4-3-3 مشابه لدوره هنا، ولكنه متنقل بين الجهتين كحل بين الخطوط كونه يلعب خلف المهاجم. في صورة 2 ميندي في الداخل وفودن هذه المرة يبتعد للخط باقتراب دي بروين وبدخول ميندي. يفيد دخول الظهيرين (أو أحدهما) للعمق أولاً في الزيادة العددية في الوسط، بالإضافة لسحب جناح الخصم أو حتى إن لم يلحق الجناح بالظهير فهو لاعب حر كما يشير غوارديولا. وأيضاً “إذا استطعت لعب تمريرة مباشرة للجناح فقد تخطيت خط وسط الخصم كاملاً، وإذا خسرت الكرة فالظهير في الداخل ويستطيع إغلاق المساحة على الفور.” غوارديولا يشير إلى فائدة أخرى لدفع الظهير للعمق وهي خلق توازن وتحكم في المساحة حول الكرة في حالة خسارتها، فتمركزه نافع في هذه المنطقة الحيوية. بيد أن الأهم عند غوارديولا ألاّ يكون الظهير والجناح على نفس الخط، أحدهما في الداخل والآخر يفتح على الطرف، “إزدواجية التمركز تسلب خيار خلق التفوق، إنه لمن المهم ألاّ يشغل الظهير والجناح نفس المسار، وإذا كان الجناح بعيداً، فيجب أن يكون الظهير في الداخل، أي في المسار التالي، والعكس صحيح‘‘ .. ’’يجب أن يكون الظهيرين في الداخل، وعندما يدخل الجناح للعمق يجب أن يتحولا للطرف على خط التماس… ولكن عندما يلعب كليهما على نفس المسار سيكون الظهير خلف الجناح وسنعود لحالة 1 ضد 1 ولن نتمكن من خلق تفوق عددي في الوسط.” بعض الفرق تستخدم هذا المفهوم اليوم إلا أنها تفتقر لكل شيء آخر.

صورة 3
صورة 4: ردوري يسقط بين القلبين بمجرد ابتعادهما عن بعضهما. تعرف بإخراج لافولبي، salida la volpiana تيمناً بالمدرب الأرجنتيني ريكاردو لا فولبي.

يظهر أن رودري هو المنظم وهو امتداد للامتماثلات ( لا سمترية) في فرق غوارديولا، ظهير أكثر للداخل وآخر أكثر للخارج، جناح يزيد للداخل وجناح يبقى على الخط وهكذا. رودري يحتفظ بتموقعه في وسط الملعب، بينما يميل غوندوغان كما رأينا للإنسحاب جانبياً فبمعية الظهير البعيد (كانسيلو) يشكلان نقطة إتصال مع الجناحيْن أو اللاعبان البعيدان. بذلك ينتشئ شكل حلقي من الجناح (ستيرلينغ) للظهير في الداخل إلى قلبي الدفاع ثم لغوندوغان وصولاً لنقطة النهاية ألا وهي الظهير في الجهة المقابلة. قد يتغير الأشخاص ولكن الفكرة باقية، لأسباب دفاعية أيضاً وليس فقط هجومياً. الشكل الحلقي أو السلسلة -catene عند الطليان- هي المثلث بين الظهير ولاعب الوسط الداخلي والجناح، كي لا يحصل الخلط.

لقطة1: لو سيمنا تشكل السيتي في مراحل اللعب اللأخيرة فهو أقرب لـ2-3-5. دائماً 5 في الخط الأمامي. نرى كذلك زيادة غوندوغان العددية كخيار عكسي خلفي مع دفع المهجامين للمدافعين نحو مرماهم.

عدة مفاهيم ظهرت في اللقطة 1 ننتهز الفرصة لنذكرها وهي هامة في تطوير وبناء اللعب، أولاً مفهوم الإرتحال، يعني ذلك تقدم الفريق سوياً للأمام خلال بناء الهجمة، قد يعود ذلك بالنفع للفريق حال فقدان الكرة، فيريد بيب من لاعبيه “التقدم سوياً لعدة أمتار للأمام، لذا، عند خسارة الكرة لا يمكن للخصم استغلال انعدام وحدتنا.”هنالك أيضاً مفهوم التقدم بالكرة أو اقتياد الكرة، نرى رودري هنا يتقدم في المساحة حتى يصل للخصم ويعود، نفس الأمر قام به كانسيلو، والغاية؟ استدراج الخصم، فإذا تقدم اللاعب بالكرة قد يرغم منافسه على الخروج والضغط وبالتالي تظهر المساحة خلفه. أحياناً الوقوف على الكرة يفي بهذا الغرض، خصوصاً إن لم تكن هناك مساحة، بهذا الصدد يقول جيرارد بيكيه “حين استلم الكرة، أحاول استدراج الخصم لتقديم تمريرة مفيدة، أبحث عن 2 ضد 1، مثلاً، عندما أرى تشافي مراقَباً، أحدق في اللاعب الذي يراقبه وبهذا سيحاول الخصم تحديد إما القدوم إليَّ أو البقاء مع تشاڤي. عادةً يتقدم نحوي فأمررها لتشاڤي، عندها يستطيع تشاڤي الدوران والتقدم للخط التالي.” نرى كذلك تعديل دي بروين وغوندوغان لتمركزهما، فلا يقتربان من حامل الكرة بل على العكس يبتعدان للإستلام بين الخطوط، ذلك من شأنه أيضاً أن يرغم لاعبي وسط الخصم على التراجع وتغطية مسارات التمرير نحوهما، حامل الكرة بالتالي حر، وقد يترتب على ذلك حالة 1 ضد 1 على طرف الملعب. أخيراً وفرة الخيارات في الثلث الأخير وهذا تسلسل طبيعي لتوازع اللاعبين على عرض وطول الملعب، على دفع الخصم نحو منطقة جزائهم؛ “إنه يضع كل شيء سعياً للوصول بنا للثلث الأخير، ومن ثم يضع ثقته في فريقه لاستكمال المهمة، في المكان الوحيد الذي يصعب التخطيط فيه.” تييري أونري عن غوارديولا.

صورة5: حتى الحارس يتقدم ليجذب، أو يتقدم بالكرة يا يجبر المهاجمين على التضييق ومنع الكرات للعمق، وكذلك يسحبهم للضغط عليه كي تظهر المساحات في مكان آخر، هنا القلبان يجدان المساحة لاستلام الكرات والتقدم بها كذلك.
صورة6
صورة7
صورة8

لا يستخدم غوارديولا أنماط لعب، وإنما أنماط حركة وحسب، هناك حركة ومهاجمة للمساحة وشغل مساحات لا أنماطاً جاهزة، هناك تكيف وحالة ضبط مستمرة، وهنا يكون اللاعبون أبطال الرواية وليس محض أراجوزات يحركها المدرب كيفما يرغب. في صور 6,7,8 يحدث هذا النمط باستمرار لدى السيتي، الكرة تدخل العمق وبمجرد إلتفاف حامل الكرة يقوم الجناح أو الظهير البعيدان إضافة لدي بروين أحياناً بالتوغل بالتزامن مع الالتفاف.

لقطة2
صورة9

في اللقطة الأخيرة نلاحظ تغيير لعب ثم حركة قُطرية من فيرّان فاتحاً مساحة لدي بروين، غوندوغان وتوغلاته المتأخرة المعتادة، اللاعبون الذين يقومون بحركة نحو المرمى أو نحو المساحة خلف خط ظهر المنافس هم يفتحون مساحات ويجذبون الخصوم معهم لا شعورياً، لذا هاجم المساحة حتى ولو لم تكن حلاً حقيقياً، سنتحدث عن ذلك في المقال القادم أكثر. الأمر ذاته كما نرى في صورة 9: تغيير لعب ثم حركة من اللاعبين في الداخل، أي الجناح والمهاجم، حركة قطرية من الجناح فاتحاً مساراً للمهاجم، وبالتزامن يقوم المهاجم بحركة عمودية. هذه إحدى منافع فتح الملعب، فعند تغيير اللعب ينتقل الخصم مع الكرة ومع تسارع وتيرة اللعب تبرز الثغرات عرضياً مع تباعد خطوطهم.

لقطة3
صورة10

من أكثر الحركات تكراراً في السيتي، كرة قطرية نحو الطرف وبالتزامن يركض دي بروين طولياً محاولاً استغلال القنوات بين الظهير والقلب، لعل الظهير قرأ اللعب جيداً ولكنه أتاح لكانسيلو التقدم شبه حر. كذلك نمط تغيير اللعب والتوغل العمودي أو القُطري يظهر في الصورة 10.

صورة11: ينفلق القلبين على طرفي منطقة الجزاء، المحور إلى القوس، الظهيرين نحو الخط.

أمام السيتي إذا انتظرت في الخلف كويست بروميتش ستعاني وإن ضغطت عالياً أيضاً ستعاني، بلا شك للجودة أحكام، ولكن لجودة الأفكار قيمة مُضافة. كما نرى في الصورة 11 إخراج الكرة من الخلف للسيتي أمام ساوثمبتون، واجه السيتي صعوبة في الحقيقة خارج دياره، ولكن هنا نرى عدم تنازل بيب عن أهم مبادئ اللعب بالنسبة له، ألا وهو بناء اللعب من الحارس، تلك هي الخطوة الأولى لبناء هجوم منظم. يستشهد بيب دائماً بمقولة لمساعده الحالي خوانما لـيـّو أنه “بقدر السرعة التي تذهب بها الكرة، بقدر ما تعود بنفس السرعة” مشيراً للبناء بالكرات الطويلة. يشدد لـيـّو أيضاً إلى أنه “إن لم تستطع البناء من الخلف فمن الصعوبة أن تلعب كرة قدم جيدة.” الكثير من الفرق اليوم تبني اللعب من الخلف، بات أمراً مألوفاً. ولكن تعامل السيتي معها خاص، ليس فقط من حيث جودة بناة اللعب، بل بتصرفات اللاعبين عند البناء، اقتياد الكرة أو الوقوف على الكرة، فالتوجيه الجسدي بالكرة أو بدونها، تعديل التموقع لعدة سنتيمترات، كلها تتم بعناية، فالاستلام الصحيح والتسليم الصحيح والتموقع الصحيح هو ما يجعل اللعب انسيابي وسلس وليس تناقل الكرة أو التمركز الساكن وحسب.

صورة12

استكمالاً للهجمة في صورة 11 والتي بدأت من الحارس لقلب الدفاع للمحور للظهير لدي بروين بدوره المتنقل حيث يقترب من موقعه كخلف مهاجم للزيادة العددية وخلق شكل ماسي اعتيادي على الطرف. مع تطور الهجمة ومع اندفاع الخصم نلحظ هنا جرّ الخصم لجهة الكرة، الأمر الذي خلّف زيادة عددية في الجهة الأخرى، “نبدأ هجمة بجهة وننهيها بالجهة الأخرى”.

في الختام خلف السيتي وكرته الرشيقة السيّالة الكثير من العمل، كما يلحّ بيب “‘بدون الكثير من العمل التكتيكي’، الكرة هي التي تأمرنا وتقودنا”، يضيف ماتياس مانـّا. هناك الكثير من الهيكلة برأي برندان روجرز، والكثير من المفاهيم التي لا مجال للتنازل عنها، الهيكل والإنتشار، فتح الملعب، التقدم سوياً وتقليص المسافات، تمريرات سهلة في بداية الهجمة للترتب والتنظم، الاستحواذ المغرض، كسر الخطوط متى ما تأتى ذلك، الحركة ذات الغاية والتي قد لا تفيد المتحرك ذاته، تكوين المثلثات، استدراج المنافس، البحث عن التفوق بأنواعه. ثم هناك الفرد كما سنرى في المقال القادم، وهناك دينامية اللعب وتعقيده ووحدته ووحدة مراحله، دفاع وهجوم وتحولات في المقال الذي يليه…

المدرب الكتلوني المتشبع بهذا الأسلوب منذ صباه هو الرائد لهذا الأسلوب سيما مع فوزه بالألقاب وللأسف فالأسلوب ينتشر بالفوز، وينتشر أي شيء للشخص لا للشيء في حد ذاته. وبطبيعة الحال هناك فرق تقوم بهذا الأسلوب بشكل جيد لعل أبرزها رد بُلّ وساسوولو وليفركوزن، هناك فرق تطبق مبادئ عديدة بشكل جيد وهناك فرق تنظر لهذا الأسلوب من منظور مختلف، لعلنا نتصدى لها لاحقاً.

الإحصائيات في كرة القدم

“يوجد ثلاث انواع من الأكاذيب .. أكاذيب، وأكاذيب لعينة، والإحصائيات.” -بنيامين دزرائيلي

هناك طريقتان للاستدلال في المنطق الصوري أو الأرسطي أو أياً كان المسمى، الأولى هي الاستنباط والثانية هي الاستقراء؛ أما الأولى فهي استنتاج قاعدة جزئية من قاعدة كلية، في حين أن الثانية -وهي الاستقراء- فنستنتج قاعدة كلية من قاعدة جزئية. كي نورد مثالاً للاستنباط سنتبع خطوات القياس المنطقي أو القضية المنطقية:

مقدمة كبرى: كل الأرجنتينيين جنوب أمريكيون؛ مقدمة صغرى: وميسي أرجنتيني؛ النتيجة: إذاً ميسي جنوب أمريكي.

أما الاستقراء فينقسم لقسمين: أ) استقراء تام، ب) استقراء ناقص. الأول يقيني حيث نعمم الحكم بأقصى درجات اليقين، لأننا نستطيع إحصاء “كل” أجزاء النظام، كأن نقول: كل لاعبي منتخب الأرجنتين أرجنتينيون، هذه العبارة صحيحة لأننا نستطيع التثبت من ذلك، فعدد اللاعبين محدود ونستطيع المرور عليهم واحداً تلو الآخر، كما أن أوراق اللاعبين الثبوتية يجب تكون مستوفاة لدى الاتحادات، بالبداهة a priori، أي معرفة مستقلة عن التجربة، بمعنى أننا لسنا مضطرين للذهاب بأنفسنا والتحقق من وجود جوازات سفر أرجنتينية لدى كل لاعب، بصرف النظر عن احتمالات التلاعب والتزوير. أما النوع الثاني من الاستقراء فهو ظني، أي أننا لن نقطع بفكرة أن كل اللاعبين الأرجنتينيين موهوبين لأن ميسي وأغويرو موهوبان، فلن نعمم الحكم بناءً على حالات جزئية أو خاصة. مقدمة كبرى: ميسي موهبة؛ مقدمة صغرى: وميسي أرجنتيني؛ نتيجة: إذاً اللاعبون الأرجنتينيون موهوبون! نرى هنا أننا بدأنا بحالة جزئية، “ميسي”، فيما بدأنا في الاستنباط بحالة كلية، “الأرجنتينيون” ثم نهبط للجزء. وهنا على النقيض من البداهة نحتاج للتحقق من هذه الفرضية لا الإطلاق جزافاً. لا يتميز المنهج الاستنباطي كثيراً عن الاستقرائي رغم أن المقدمات الصحيحة ستفضي بنا ضرورةً إلى نتائج صحيحة، غير أن الاستنباط طريقة تحليلية ميكانيكية مغلقة ولا تأتي بجديد واستخدامها يصح بنطاق ضيق كفيزياء نيوتن الكلاسيكية، هذا النهج لاقى نقداً عبر لاهوتيين كالغزالي أو عبر فلاسفة كبيكون ولاحقاً عبر برتراند رَسِل.

عودٌ على بدء، ملحوظٌ أن الغالبية تنزع إلى الاستقراء الناقص -لا شعورياً- عند إطلاق الأحكام، خوان مدرب إسباني إذاً سيلعب تيكي تاكا، ماركو إيطالي إذاً سيكون دفاعي، وقس على ذلك. وتبعاً لذلك تسود الصورة النمطية وما درج عليه الناس دون تفحص ونقد. انتقد بعض فلاسفة العلم ككارل بوبر الاستقراء باعتباره نهجاً غير وافٍ لدى دراستنا أي موضوع، حيث أننا سنحكم بناءً على ما رأينا وشاهدنا ولاحظنا وليس ما خفي عنّا، تحسُس الفيل في الظلام يبدو تشبيهاً مثالياً كوني -كذات مدركة- لن أستطيع الإحاطة بكافة جوانب المستدرك أو الموضوع أي -الفيل- فلن أصف إلا ما ميزته وما لمسته. مثّل بوبر مثال البجعة السوداء الشهير، حيث جرى افتراض أن كل البجع لونه أبيض، بيد أنه اُكتشف في القرن السابع عشر وجود بجع أسود في أستراليا فعلاً، الأمر الذي وضع مزيداً من علامات الاستفهام حول الاستقراء، فالمعرفة ناقصة ونسبية وموقوفة ومتجددة بتجدد المعطيات والمعلومات.

هكذا تسير غالبية الإحصائيات، أي أننا ندرس عينة فقط، لأننا لن نستطيع إخضاع جميع أجزاء الموضوع للاختبار والفحص، وعليه يكون استقراءً ناقصاً أو الاستقراء المشهور بوصف ابن سينا. فتلك الدراسة تزعم بأن اللاعب الأمهر هو من يلعب بالقدم اليسرى، أو أخرى تقفز إلى أن اللاعب الأفريقي أكثر تحملاً… العينة المدروسة قد تجيء بهذه النتائج ولكن قد تكون العينة منتقاة بعناية وبالتالي تكون مضللة وهذا ما يعرف بالالتقاطية في الانحيازيات الإدراكية، أو تعتمد على كم المسافات المقطوعة وليس على النوع، كالشدة أو عكس الاتجاه أو الالتحام، أو من الناحية التكتيكية كالهجوم على المساحات الصحيحة أو التغطية الصحيحة، أو التواصل الجيد مع الزملاء وقراءة حركات الخصم، الإحصائيات الكمية مليئة بالفجوات، فلن تميز فائدة التمريرة أو فاعلية الحركة عبر أي خوارزمية، نحن بوعينا نميزها ونفهم كرة القدم، الآلة لا تفهم ولا تفكر، هي لا تملك وعياً ولا عقلاً.

ولنفترض جدلاً أننا درسنا عينة من اللاعبين البرازيليين بمقابل عينة من اللاعبين الألمان لنرى أيهم أقدر على المراوغة والخداع، معيارنا الرئيسي كان معدل المراوغات، وجدنا في استنتاجاتنا أن اللاعبين البرازيليين أمهر وأكثر مراوغة، هل هذه الدراسة ستجعلنا نستغني عن فكرة جلب لاعب ألماني بحجة أنه ليس مهارياً ولن يمنحنا أفضلية في الثنائيات أو في الثلث الأخير؟ بالطبع لا، لأن سانيه أو أوزيل مثلاً مواهب لا تضاهى. إن دراسة عينة أو شريحة “كبيرة” ستعطينا تصورات ومقاربات أفضل، لن نستغني عن ذلك، لكن ما الجدوى من دراسة من أمهر مِن مَن؟ خصوصاً إذا اعتبرنا أن الموهبة لا تنتمي لعرق ولا لجنس أو لون، بالتالي فستجلب اللاعب الأفضل بصرف النظر عن عرقه وبلده ولونه… الخ. من الممكن أن تفيدنا دراسات من قبيل: لِمَ يَكثُر المراوغون والمهاريون في البرازيل؟ إذ نستطيع بذلك أن نطور أساليب مشابهة للأساليب التي أفرزت هذا العدد من المواهب، سنجد كرة الشوارع، أو كرة الصالات، حيث الحرية والتعلم الفطري، أين يراوغ اللاعب كيفما يشاء وتحت ظروف صعبة كالمساحة الضيقة وأرضية اللعب وتنوع الكرات حجماً وخامةً. ولكن مجدداً لا يجب أن نقع في مغالطة التركيب، فليس “كل” برازيلي لعب في الشوارع أو تعلم فيها، ألا يصح أن طفلاً بدأ في أكاديمية ما فوراً أو لم يكن الشارع العامل الرئيس في نموه وتحسنه؟

حدود وعجز المصفوفة والخوارزميات

تحرز التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تقدماً مذهلاً من جراء استخدام النماذج أو الصيغ الخوارزمية/اللوغاريتمية، كالروبوتات، وسائل النقل ذاتية القيادة، أجهزة الخدمة الذاتية، دقة أجهزة الاستشعار لكافة المجالات، في التنبؤ بالأمراض، أو التنبؤ بالحوادث المرورية، وإلى غير ذلك. إن دراسة دماغ الإنسان وآليات التفكير، وتمييز الأنماط، أنتجت الروبوت، وبنفس الآليات تعمل أجهزة التعرف على الوجوه، مثلاً. دُرست آلية الحركة لدى الطيور الكبيرة وتمت محاكاتها في الطائرات، إذ بذلك تُدرس الكائنات الحية لمحاكات سلوكياتها على الآلات وليس العكس. وبالرغم من أن أي شكلٍ من أشكال الكمال ليس إلا وهم، إلا أن البعض يفترضها بالآلة كونها موضوعية ولا تحركها المشاعر.

فيديو (يصعب برمجة الحدس في الكمبيوتر؛ حديث البروفيسور في MIT سيرتاج كارامان)

تكمن الإشكالية الكبرى في تطبيق هذه النماذج الحسابية على أي مجال، حتى المجالات التي لا يمكن أبداً أن نستغني بها عن حدس الإنسان وتأملاته وتأويلاته، كونه كائناً بيولوجياً واعياً وعقلاً. يصعب على “غوغل” ترجمة نصٍ ما بدقة، فسينتقي مرادفاً للفظةٍ أو كلمة أو مصطلح دون اعتبار للسياق، ذلك من شأنه قلب المعنى رأساً على عقب، سيعرف ذلك من يجيد لغتين أو أكثر. لا شك أن البعض قد لا يجيد تحليل الخطاب فيقع بذات الخطأ، ويظل الاحتمال أن تتطور هذه البرامج للدرجة التي قد تغنينا عن الوسيط البشري… من يعلم.

من بين المزالق العديدة هو عدم قدرة أي نموذج أو مصفوفة على الإحاطة بجميع المتغيرات أو التقلبات أو الحوادث الاستثنائية أو الغير متوقعة في النظم المعقدة، في علم النفس ثمة ما يسمى “مشكلة الساق المكسورة” والتي افترضها عالم النفس الاكلينيكي بول ميهل، وبحسب أتول غواندي “قد تكون الصيغة الإحصائية ناجحة للغاية في التنبؤ بما إذا كان شخصٌ ما سيذهب إلى السينما في الأسبوع المقبل أم لا. لكن الشخص الذي يعرف أن هذا الشخص مصاب بكسر في الساق سوف يتغلب على الصيغة. لا توجد صيغة يمكن أن تأخذ في الاعتبار النطاق اللامتناهي لمثل هذه الأحداث الاستثنائية”. وكيف لأي مصفوفة ناقصة -بالضرورة- أن تزعم الكمال؟ بالنسبة لغارغانتا وزملائه فاستخدام طرق خورازمية algorithmic عوضاً عن الطريقة التجريبية/الاستكشافية heuristic سيكون له مضار إذا ما رُمنا استيعاباً أكبر لكرة القدم. (غارغانتا وزملائه ص303د).

تنطوي الإجراءات الخوارزمية على التعرف على جميع الحالات البدئية التي قد تعتبر حاسمة وعلى ضوئها تتوقع ما سينتهي عليه الأمر، ولكن هذا غير ممكن في نظام مفتوح ككرة القدم. يشير غارغانتا إلى أنه “كي تكون الخوارزمية فعالة، يجب أن تأخذ في الحسبان جميع البدائل الممكنة المتعلقة بكرة القدم، وهذا يتعارض مع العشوائية وعدم القدرة على التنبؤ في المواقف العديدة والمتنوعة التي تحدث أثناء اللعب”. أما الطريقة التجريبية فهي تعتمد على الحدس وعلى اتخاذ القرار بأسرع وقت ممكن، الأمر الذي يتطلب خبرة وفراسة، يطلق إدغار موران على الطريقة التجريبية “فن الاكتشاف”، أو بتعبير أبراهام مول: علم إيجاد الحلول. يرى الباحث في التدريب الرياضي جان فرنسيس غروهاينيه أن الإجراءات التجريبية -التي لا تزعم الدقة- أكثر اتساقاً مع طبيعة اللعبة التي لا يمكن التنبؤ بها تماماً؛ بالطبع للتجريبية أيضاً اعتواراتها ومثالبها، وبالمقارنة بالخوارزميات فالإنسان لا يستطيع التعامل مع البيانات الكبيرة أو يحسبها بسرعة ودقة، وعليه فالمزج بين الأرقام ورأي العين ضروري. بين الكمي؛ أي الأرقام الفضفاضة أو بساطة المنهج التحليلي والتركيز على المحصلة؛ عدد الأهداف، عدد التمريرات الصحيحة، عدد الأهداف المتوقعة، المراوغات الناجحة…الخ. وكذلك بالنسبة لغارغانتا وزملائه تنطوي على اللاعب الفرد معزولاً عن السياق وعن التفاعل مع بقية اللاعبين. ومن ثَمَّ هناك التحليل النوعي، تأويل البيانات وتفسيرها، تسلسل اللعب الذي يفرز الأنماط (المتكررة) أو حتى العشوائية بغض النظر عن المنتج النهائي، أي أن يجيد فريقٌ ما اختراق الخصم من العمق باستخدام تمريرات ارتدادية، قلب > مهاجم > لاعب وسط داخلي، باختصار أن نركز على العملية لا على المحصلة.

يرى مورينيو أن قراراته ينبغي أن تكون بعينه المجردة بالدرجة الأولى: “لا تستهويني الإحصائيات المجردة، […] مثلاً لو جريت أنت كلاعب وسط 5,2كم، وهو جرى 4,8كم، قد يكون الأخير هو الذي قام بما أرغب والأول لم يقم بذلك ولذا فلن أهتم بالمساحة المقطوعة. بعض اللاعبين لديهم معدل هائل في التمرير الدقيق، ولكن أين كانت التمريرات؟ لذا فالإحصائيات المجردة أو التي أسميها الإحصئيات العارية لا تعني شيء، ولكن الإحصائيات التي تقوم بتحليلها وتستخلص منها الاستنتاجات هي المهمة”. كلوب لا يرى أنه بحاجة للأرقام كي يرصد مشاكل الفريق، فهو “هاوٍ للإحصائيات التي تنظر في المباراة السابقة أو حتى التي تقيم الموسم ككل. أنا نصير لفكرة أن ترى بنفسك، في الغالب سأكون على بينة ما إذا كان بناء اللعب عندنا بطيء قبل أن يمرر لي أحدهم أية بيانات، أنا أدرب لأكتشف هذه الأشياء بنفسي”.

“أحب كرة لقدم لأنها تتعارض مع العلم: لأنها متقلبة، لأنها غريزية، لأنها وجدانية. قد نعرف في يومنا الحاضر أن لاعباً قد جرى 12.345كم خلال مباراة ما، ولكن هل جرى اللاعب للمساعدة؟ لتوفير نفسه؟ وهل كان يفكر عندما كان يجري؟ إننا بحاجة للسياق، عدا ذلك فلندع الأرقام لأمر آخر.” -خورخي فالدانو

“الإحصائيات كلبس البحر، تظهر كل شيء ما عدا الجوهر.” -فيتور فرادي

“ليس كل ما يمكن احتسابه يعول عليه، ولا يمكن حساب كل ما يجب أن يعول عليه.” -ألبرت آينشتاين

Fernando Redondo in Milan: A time of frustration, grace and standing  ovations – The Gentleman Ultra

من جانب آخر، قد لا يبرز بعض اللاعبين في إحصائيات ما بعد المباراة ولكن مايـّو يرى أن “هذه النوعية من اللاعبين ترفع من تناغم الفريق، حيث يعملون على تحسين شبكات الاتصال والتنظيم من خلال إنتاج سلوكيات لافتة تساعد على نشوء تآزر ترابطي بين الزملاء. هذا مهم للغاية ويجب أن يكون مصدر قلق كبير لمحللي الأداء، إذ أن العديد من البيانات المسجلة أثناء المباراة تعكس فقط معايير وصفية لا تساعد في الحصول على فهم جيد لديناميات اللعبة والأداء الحقيقي للفرد والفريق”. بالنسبة لبعض المحللين وأيضاً -كما يشير أوسكار كانو- بالنسبة لبعض المدربين، فبغض النظر عن قدر البيانات التي جُمعت فإنها تمنحنا إحساساً زائفاً بالسيطرة، من شأنها تخدير قدرتنا على التأمل. تعطي الأرقام إجابات ولهذا فهي مريحة لكارهي الإرتياب. سيرولّو له في هذا مقالة، إذ يقول بأن البعض يعتقد أن المعلمات/البيانات علمية لأننا نستخدم علماً وتحليلاً.

“لا جدوى من ذلك، لأننا نستخدم منهجية خطية في الرصد في منهجيات وظواهر غير خطية وهذا ليس جيداً بما يكفي بالنسبة لنا. […] علينا أن نرصد ونلاحظ -اللاعبين- من منظور مختلف. اهتمامنا هو ما يحدث لكل رياضي بعد خلق ظروف بيئية مناسبة. المهم هو ما يحدث داخل اللاعب وليس التغيرات الخارجية التي يمكننا ملاحظتها.” -باكو سيرولّو

لا شك أن تأثير الأمريكان بادٍ وواضح في التحليل الكمي وفي الإحصائيات، تحدث كرويف عن هوس الأمريكان في الإحصائيات، إذ كان يرى أن كرة القدم مختلفة عن الرياضات الشعبية في الولايات المتحدة، فبالحديث عن الإحصائيات:

“ثمة أمر لا يؤخذ في الاعتبار: تُلعب جميع الرياضات الأمريكية الشعبية باليد. لذا فإن الإحصائيات دائماً ما تكون موجبة. وإذا كانت الإحصائيات سلبية في ألعاب تُلعب باليد، فيجدر بنا إغلاق التلفاز. بالمقابل، تُلعب كرة القدم بالقدمين. عليك أيضاً أن تضع في اعتبارك أن الكرة تتنطط في ملعب قد يكون أملساً أو قد لا يكون كذلك، قد يكون فيه كل شيء، أنقوعة، مسامير، حجارة، كل ما تريد. لذلك فإن كرة القدم رياضة تنطوي على الكثير من الإخفاقات والكثير من الذكاء ويجب اتخاذ القرارات فيها باستمرار. وبالتالي، فهي رياضة أقل ميكانيكية ولا يمكن التنبؤ بها أكثر من غيرها: إذا قارنتها بألعاب الأمريكان، مثلاً، يمكنك إيقاف اللعب وإعداد أنماط اللعب وقتما تحب. في لعبة هوكي الجليد، يدخل اللاعبون ويخرجون، يقوم المدرب بالعديد من التغييرات وتختلف الظروف باستمرار. في كرة السلة، يمكنهم أيضاً النقاش، وبعد أن يطلبوا وقتاً مستقطعاً سيحضّرون تكتيكاً أو يغيرون تَشكَّلهم، وفي الدقائق الأخيرة، يغيرون كل شيء مرة أخرى عبر وقت مستقطع آخر ثم يعدّون لعبة استراتيجية. نفس الأمر يحدث في البيسبول، يقضون وقتهم في التحدث والشرح … كرة القدم، من ناحية أخرى، انسيابية ومستمرة. يجب أن يكون اللاعب والمدرب أسرع ذهنياً. بالمناسبة، أنا لا أنوي التقليل من سمعة الرياضات الأخرى، ولكن فقط كي أوضح فكرتي في أن كرة القدم مختلفة. وإذا كانت مختلفة، فيجب التعامل معها بطريقة مختلفة، لا الهوس خلف محاولة تطبيق تلك المفاهيم وطرق التحليل من الرياضات التي تُلعب باليد. ما أرمي إليه هو أنه لا يمكنك تطبيق نهج كرة السلة أو كرة القدم الأمريكية على كرة القدم. لا يمكنك تطبيق إحصائية كرة السلة على كرة القدم، مثلاً، حاول تطبيق الإحصاء على روماريو، ففي كرة السلة، اللاعب الذي يستقبل تسع كرات ويضع واحدة فقط بالداخل ليس إلا كارثة، كارثة مطلقة. بينما قد يلمس روماريو تسع كرات لكنه استطاع وضع اثنتين في الداخل، فزنا بالمباراة وحصلنا على النقاط الحاسمة أو مررنا للدور القادم. إحصائياً، كان روماريو كارثياً، حيث أضاع سبع كرات من أصل تسعة. كروياً، عبقري وأداءه كان رائعاً.”

في الحسم ثمة خلط بين الفعالية والحظ -أو شيئاً منه على الأقل- مثال روماريو قد يفي بالغرض؛ أما الفعالية أو المسمّاة “كفاءة” في الاقتصاد فتعني الانتاج الأكثر بأقل التكاليف، بالنسبة للاعب كرة القدم فهي الاقتصاد في تصرفاته، فإن كان بحاجة للمسة واحدة وليكن، وإن كان التسديد القرار الأفضل على أطراف منطقة الجزاء وليكن، وهكذا. أي أن الفعالية لا علاقة لها بتسجيل المهاجم للفرصة الوحيدة التي حصل عليها، أو -بالنسبة للفريق- حينما يسجلون هدفين من فرصتين. وأيضاً لا يحتاج الفريق لعدد كبير من التمريرات للوصول لمرمى الخصم بوضعية مواتية، لكننا لا نختار وإنما تقلبات اللعب والعراقيل تفرض هذا الشيء، لذلك قد نلجأ لتدوير الكرة وتداولها. بالنسبة لي أود أن يصنع فريقي العديد من الفرص “كماً” ومن خلال الكم قد نحصل على نوع، أن نصل للثلث الأخير وبعدد جيد من اللاعبين وباستغلال مساحات معينة أو حالات 1ضد1، وفي اللمسات الأخيرة للجودة القول الفصل.

سنعرج على ما يعرف بإحصائية الأهداف المتوقعة Expected goals أو اختصاراً xG؛ تقيس هذه الإحصائية جودة الفرصة وأرجحية تسجيل هدف منها، بناءً على معايير كالموقع والمسافة من المرمى، بناءً على الزاوية، وكذلك ما إذا نُفذت بالقدم أو الرأس، فللقدم أفضلية، وعلى نوع التمريرة الحاسمة (التمريرة الأخيرة). الهدف من مسافة بعيدة يحمل قيمة منخفضة، وكلما كان موقع التسديد أقرب للمرمى كلما ارتفعت احتمالية التسجيل وبالطبع مع زاوية مواتية وعراقيل أقل أو أبعد بين المسدد والمرمى؛ أي مدافعين. كذلك تضع بحسبانها جودة اللاعب، فمن المرجح أن يحول ميسي أو ليفاندوفسكي الفرصة لهدف مقارنة بلاعبين متوسطي الجودة فنياً. هذا مبدأياً جيد، لكن عدد الثغرات بهذه المصفوفة بمثل عدد الحوادث والعوارض الصدفوية في كرة القدم، بشسع الملعب، كرة القدم معقدة جداً على أن نقرر من أين نسدد، أو أي زاوية، وكيفية استلام الكرة أو تتبع مسار التمريرة وعدد لا نهائي من المتغيرات تفرضها القيود والقوانين، الخصم، الزملاء، حدود الملعب، الوقت والمساحة، ضف إلى ذلك المتغيرات البيئية والمناخية والنفسية والفنية والبدنية.

فريق يبني اللعب من على بعد 100م أو أكثر، ينجح للوصول إلى ثلث الخصم الأخير بسلاسة وروعة، ولكن لم تحدث تسديدة، أو اصطدمت التسديدة بالمدافع أو تعثر اللاعب أو عُرقل أو اختل توازنه، أو أثّر الجو على مسار الكرة، أو حتى سجلت من على بُعد 20م فلماذا يكون لها قيمة منخفضة؟ أين العملية هنا؟ لماذا التركيز على النتيجة فقط؟ ماذا عن تسلسل اللعب الذي أدى لركلة الزاوية أو ضربة الجزاء؟ ماذا عن تسلسل اللعب الغير متوقع لهدف مُنح قيمةً عالية؟ … الخ. ولو اعتمدنا على إحصائية لتقدير فريق أو آخر فيجب أن تكون عدد الاهداف المسجلة كمعيار مطلق، بينما معيار الأهداف المتوقعة فهو معيار نسبي وخاضع لـ “رأي” ومعايير مطور المصفوفة الشخصية. فبالنسبة لي هناك احتمال ليس بالبسيط أن يسكن روبن تسديدته الشباك بعد أن قطع بعرض الملعب. أو مقصية من إبراهيموفيتش، أو شوبوشلاي لاعب سالزبورغ بقذائفه. تخيل أن تخبر لاعبيك أن يسددوا بالقرب من المرمى في المرات القادمة لأن الاحصائيات تثبت أن الفريق لديه معدل أهداف متوقعة منخفض؟ لا يبدو أمراً عقلانياً، هو مثل مطالبتنا للاعب بالفوز بكل ثنائية، وتصويب التمريرات كلها بدقة… يعتقد بعض مطوري أو معتنقي هذه الإحصائية بحتمية هبوط أداء الفريق إذا كان معدل أهدافه المتوقعة منخفض، مثلاً، يسجل الفريق “س” أهدافاً من مسافات بعيدة ومن زوايا صعبة أو حالات غير متوقعة، هذا الفريق يُعتبر لديهم محظوظاً أو فاق التوقعات ولن يستمر في هذا الأداء. ألقِ نظرة على إحصائيات دوري معين، ستجد أن فرق المقدمة أفضل إحصائياً من فرق المؤخرة، هناك استثنائات دون شك، لكن تحول الكم إلى نوع مرتبط بالجودة إلى حد كبير، مثلاً من يمتلك ميسي ليس كمن يمتلك “فلان”، فريق منافس على الهبوط ولكن معدل الاستحواذ لديه عالٍ، ويلعب كرة جيدة، ولكنه يعاني من حسم الفرص أو من ندرة التمريرات الحاسمة أو المفتاحية، من الإجحاف ترك كل شيء والبحث عن المحصلة أو كيف جاءت التسديدة في الهدف.

عدد الاحتمالات في المستوى أو العمق السادس في الشطرنج يتخطى 119 مليون احتمال، لك أن تعرف أن كل قطعة لها نطاق حركة ضمن قوانين اللعبة الداخلية، ما بالك بلعبة عدد اللاعبين فيها 22 كائن حي ومفكر تحركه المشاعر والغريزة والعادة، علاوةً على الحالة البدنية وانشغال الذهن بالتفكير واستقبال المعلومات دون انقطاع، أو الالتزام بالتعليمات، إضافةً إلى مجال ونطاق حركة حر!

أي شخص يطور صيغة أو خوارزمية، إنما يطورها بناءً على وجهة نظره الخاصة، هو يرى أن هذا الهدف يستحق قيمة أكبر، آخر يرى غير ذلك، وبالتالي ليس موضوعياً 100%. وعندما لا يكون الأمر موضوعياً 100% فليس مُلزماً لنا، مثلاً عندما تنتهي المباراة 1-0، فهذه الإحصائية مطلقة وموضوعية 100%، شئت أم أبيت، فلا يمكنك أن تقول أن المباراة بالنسبة لي انتهت بالتعادل فهدفكم لا يحمل قيمة عالية في الإحصائية كذا، قد نتجادل حول الاستحقاق أخلاقياً أو فنياً، ولكن قانون كرة القدم يقول بأن من يُدخل الكرة في شباك الخصم يحتسب له هدفاً، بالطبع شريطة أن يكون شرعياً، وكونه شرعي أو غير شرعي يعود للمشاهد/الراصد؛ أي الحَكم وهذا أمر نسبي فقد يرى الحكم أن اللاعب قام بارتقاء عادي، في حين رأى المدافع أن الاحتكاك يقتضي خطئاً وبالتالي يجب ألا يحتسب.

ملف:Kaninchen und Ente.png
يرى اثنان الصورة بشكل مختلف، ما قد تراه أرنباً قد يراه غيرك بطة. والأمر نسبي يعود للمشاهد أو الراصد.

التضليل أو الاستخدام الخاطئ للإحصائيات

“الأرقام كائنات هشة، ولشدة التعذيب تعترف بنهاية المطاف بكل شيء نرغبها أن تقول.” -ألفريد ساوڤي

يلوي البعض -أياً كانت مآربهم ونواياهم- عنق الاحصائيات كي تطابق انحيازاتهم، فنُشيح بوجوهنا عمّا ينفي ما نعتقد، نغض بطرفنا عمّا لا يخدم ميولنا ورأينا، ولهذا دوماً أقول أن الأرقام قد تدعم الرأي، ولكن ليس حقيقٌ بها أن تصنع رأياً أو حكماً، ماذا وإلا لن تكون على خطأ فالفريق الفائز دائماً أفضل من الخاسر، والفريق يصبح مسيطراً ومهيمناً لأنه امتلك نسبة استحواذ أكبر، أو الفريق “ص” أمتع لأنه سجل عدداً من الأهداف، أو نقول بأن المباراة ممتعة لأنها مليئة بالأهداف وهكذا دون أن نشاهد أو نرى المباراة بعين تحليلية نقدية. لا شك أن هناك من يرى أن المباراة تصبح ممتعة إذا امتلأت بالأحداث والأهداف، بغض النظر عن جودة الفرص واللعب … على رسلكم، ليس من ناحية قرب مكان المسدد أو الظروف المذكورة في إحصائية الأهداف المتوقعة، بل من ناحية تسلسل اللعب. ومن ثَمّ لا يجب أن نثق بعمق آرائنا أحياناً فيجب أيضاً أن نراجع أنفسنا إذا أثبتت إحصائية ما ضعف وجهة نظرنا، فلا يمكن أن نقول أنّ فريقاً ما يدافع بدفاع منخفض بالرغم من أن متوسط ارتفاع الفريق تثبت أن كتلة الفريق عالية، وهكذا. أو أن نقول على فريق آخر بأنه دفاعي أو سلبي ومعدل الاستحواذ لديه عالٍ، نسبة الاستحواذ هنا لا تعني أن الفريق جيد أو ممتع، هي على الأقل تدحض فكرة أن هذا الفريق دفاعي، أحياناً تُتهم الفرق بأنها دفاعية أو مملة أو غيرُ مُبادرة فقط في المناسبات الكبيرة ودون النظر للطرف المقابل أو ظروف المباراة نفسها، نسبة الاستحواذ تتغير في المباراة، استراتيجياً كالفريق الذي يتراجع بعد أن يسجل، أو يتراجع في الدقائق الأخيرة للحفاظ على النتيجة، أو يتراجع بسبب نقص عددي، قد يتراجع فريقٌ ما للخلف مجبراً لا مختاراً، لقوة الخصم أو لسوء نهج المباراة واستراتيجيتهم المتبعة. لا يتحكم المدربون دوماً بمجريات اللعب، بل هو على الأكثر مزيج من جودة اللعب كفريق، وجودة الأفراد، وجودة الأفكار، وجودة استراتيجية المباراة، دون التغافل عن التقلبات الدراماتيكية التي يحدثها هدف عشوائي أو طرد أو إجهاد أو خطأ تحكيمي، ما يؤثر سلباً على ذهنية الفريق.

المشاعر والعاطفة تتدخل في اتخاذ القرارات، برأي عالم الأعصاب أنتونيو داماسيو قد يقرر أحدهم تناول العلاج إذا قيل له أن 90% من المرضى بقوا على قيد الحياة بعد 5 سنوات، ولكن قد يعتريه الخوف إذا قلبنا الصياغة وقلنا أن 10% قد فارقوا الحياة بعد نفس المدة! في الثانية تم توجيه انتباه المريض إلى نسبة الوفيات وليس نسبة حالات الشفاء أو البقاء حياً. يقول داماسيو بهذا الصدد: “من المحتمل أن المشاعر التي أثارتها فكرة الموت أدت إلى رفض اختيار سيكون مقبولاً في صياغة أخرى، وهذا باختصار، استنتاج غير متسق ولا عقلاني”. قد نستخدم الإحصائيات بما يخدم مزاجنا، عندما نحب الدوري الفلاني فسيكون معدل التهديف العالي دليلاً على أن الدوري ممتع، وعندما نكره ذلك الدوري فسيكون معدل التهديف العالي دليلاً على ضعف الدفاع، هذا الرأي قد يقول به شخص واحد!

الأرقام لا تجيب من تلقاء نفسها، النموذج لا يصفي وينقد، لا يعي، لا يرى ولا يبصر. نحن كذات مدركة ووعي نستخدم هذه الإحصائيات ونأولها ونعطيها معنى، هي بحد ذاتها لا معنى لها. ولنعلم أن جميع النماذج خاطئة ولكن بعضها مفيد كما يقول الإحصائي البريطاني جورج بوكس.

أحب كرة القدم: يوهان كرويف، الجزء الثاني

الفصل السادس

ثمة اعتقاد خاطئ آخر، ألا وهو الانتظار لفترة طويلة حتى يُدفع بالشباب للمشاركة أو يتم تصعيدهم. لا يحسُن بنا تقييم اللاعب بعمره، بل بجودته. إذا أظهر لاعبٌ بسن اثني عشر عاماً أنه كبير على فئته، وتفوقاً من الناحية الفنية على الكثير من أقرانه، فيجب تصعيده حتى يتمكن من التنافس مع الأكبر سناً ويتسنى له النمو كلاعب. لأن هذا سيجبره على بذل جهد أكبر، لا أن يقنع ويرضى بما يعرف القيام به، وفي نفس الوقت، سيكون بمثابة حافز. في النهاية، أنت تدفعه لمواصلة التعلم.

على سبيل المثال، ساعدني اللعب في الفئات الأعلى -على المستوى النظري- كثيراً. ففي الفريق الذي يتطابق معي عمرياً، أتناول الكرة وأبدأ بمراوغة لاعب، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، وحتى ستة منافسين. مدربي يقول لي بيأس: “يوهان، عليك أن تمرر الكرة أكثر.” وأنا، ولأنه بدا لي أن الأمور سالكة وتسير على ما يرام، لم أحفل به كثيراً. ولكن عندما قاموا بتصعيدي، وجدت أنه يمكنني مراوغة الأول والثاني، وأحياناً حتى الثالث، ولكن حين ظهر الرابع، بووم! تم ركلي عبر قشاش دفاع الفريق المنافس، ووجدت نفسي مستلقياً على الأرض وبلا كرة.

إن كل هذا يجبرك على تعلم إطلاق الكرة باكراً، ورؤية الملعب بشكل أسرع، وكذا اتخاذ قرارات أسرع وأكثر فاعلية.

اليوم، ولسوء الحظ، يبدو مستحيلاً لأي لاعب أن يشارك لأول مرة في كأس العالم وهو بعمر بيليه. مع ذلك، إذا كانت لديك هذه الجودة، فيجب أن تكون قادراً على استهلال مسيرتك واللعب أينما تريد. ولما لا تستطيع؟ أحياناً أشعر باليأس عندما أجد في الفئات التابعة للأندية المهمة لاعبون في سن الواحد وعشرون عاماً لم يظهروا لأول مرة بعد في الدرجة الأولى. بالطبع، هؤلاء اللاعبون الشباب الذين استهلوا مسيرتهم وتميزوا بجودتهم لا يمكن مطالبتهم بتحمل أعباء الفريق بين عشية وضحاها. دعهم يقدمون ما بوسعهم، سيكون لديهم الوقت ليصبحوا أبقاراً مقدسة. غير أنه عوضاً عن ذلك، ما قد يقدمه هؤلاء اللاعبون الصغار جداً للفريق سيصبح بمثابة صدمة للجميع.

أنا أحب هذه العفوية، تلك الطريقة في رؤية الأمور، تلك الطريقة للقيام بشيء جديد. وحينما ترى شيئاً ما لأول مرة في ملعب كرة قدم، فهذا لا يعني أنه شيء جيد ضرورةً، كما أنه ليس بالضرورة أمر سيء. بالنسبة لي، دائماً ما يسهم الصبي الصغير الجيد بشيءٍ ما للعبة، كما سيضيف لبقية اللاعبين أيضاً: العفوية والجرأة والخيال والثقة بالنفس … وبلا ريب عليه أن يتعلم، ولكن إذا لم تكن لديه خبرة، فكيف سيستطيع مواصلة التعلم؟ الشاب الذي يتمتع بجودة كافية يجب أن يُمنح فرصة الظهور ويمنح دقائقاً، وفي نفس الوقت ينبغي حماية ظهره.

دعونا نحلل على سبيل المثال حالة إيفان دي لا بينيا، اللاعب الذي اتُهمت إبان تدريبي لبرشلونة بحرمانه اللعب بشكلٍ كافٍ. ما أسميه بالبيئة في تلك الأوقات لم تترك له وقتاً للعثور على غطاء لظهره، وهو أمر من شأنه أن يمكنّه من تحفيز ذاته عندما لا يتسنى له القيام بالأفضل.

ذلك لأن ما يمتلكه إيفان استثنائي. ولهذا السبب على وجه التحديد، لا يمكن القيام بعشرة لمحات عبقرية في كل مباراة؛ دعونا لا ننسى أن الاستثنائية قادمة من الاستثناء <الاستثنائية حالة خاصة وليست حالة اعتياداية>. كان عليه أن يحمي نفسه من خلال تجويد وتحسين الجوانب الأخرى لديه بما يتماشى والخطوط العامة، وكذا على مستوى الخصال الأكثر تنافسية واعتيادية. فالبراعة التي يكتنزها ستظهر بالفعل مرة، مرتين أو ثلاث مرات في المباراة، وليس في كل مرة يلمس فيها الكرة. ولا مفر من أن تلعب مع الفريق ثلاث أو أربع حالات محددة تستطيع فيها اللجوء إلى العبقرية.

الأمر السخيف هو أن يطلب الجميع – الجمهور والصحافة والمدراء – من صبي صغير أن تكون كل كرة بين قدميه حاسمة، عبقرية، بلاستيكية، رائعة، ولا تُنسى، وعندها يتضح لي أنه سيرتكب أخطاء وتجاوزات، وبعد أن يخطؤوا سيشتكي الناس وسيمتعض الفريق. وقد يمل اللاعبون الآخرون الاكثار من اللمحات الفنية، فيقررون عدم مساعدته، وفي النهاية، يتوقف المدرب عن الاعتماد عليه ويجلسه بجانبه على مقاعد البدلاء أو قد لا يستدعيه، كما حدث -مع إيفان- للأسف. هذا أمر محزن للغاية، لأن الضغط النفسي في تلك الحالات يصبح مرتفعاً جداً وسيجد البعض في الإصابات مهرباً وغطاءً جيداً. وهذا محزن، لذا لا تقل لي أن إيفان لم يلعب عندما كنت مدرباً لبرشلونة. منطقياً، في سن الثامنة عشر لم يكن قادراً على لعب كل مباراة لكنه كان يستطيع أن يلعب نصفها وبهذا المعدل كان ينضج ببطء.

فيما يخص سافيولا، على سبيل المثال، كنا نعلم أن لديه جميع الصفات للنجاح ولكنه بعمر 19 عاماً فقط. ماذا يعني ذلك؟ حسناً، على الجميع أن يتعلم. إذا كنت لاعب كرة قدم عادة ستتعلم حتى سن 26 عاماً، أما هو فقد يكون جاهزاً وناضجاً في سن الـ 23. لكن تلك السنوات الأربع لم يسلبها أحد. وإذا خسر الفريق ثلاث مباريات متتالية وبدأت حالة الطوارئ ووضعوا عليهم المسؤولية الكاملة، فسيسهل إحراقهم وإفساد تقدمهم. ميزة سافيولا أنه بدا مستعداً للغاية؛ لقد ظهر لأول مرة في سنٍ صغيرة، في فريق من الدرجة الأولى وكان معتاداً على الضغط؛ هذا الأمر جاء في صالحه.

الفصل السابع

إن أول الجوانب التي تجعل ترجمة وتطبيق قيم ومُثل كرة القدم أمراً صعباً هي المسألة الاقتصادية. وفي هذا الشأن يخطئ الكثير من الناس. لأننا يجب أن نعي ماهية قائمة الفريق؟ هي غرفة الملابس، مكان يلتقي فيه خمسة وعشرون شخصاً، أحد عشر منهم سيلعب فقط، وربما عشرين عائلة بكل ظروفها المختلفة والمتنوعة تتكل وتعتمد.

بكلماتٍ أخرى، غرفة الملابس هي قنبلة موقوتة حقيقية. ومن الطبيعي أن يكون الحال كذلك، لأن العديد من الأشخاص المختلفين يجتمعون هناك، تكتل بشري كامل بحيث يعمل هذا الشيء – أي الفريق – وفي نفس الوقت، يثير الملايين من الناس. أيمكنك تصور أمر أكثر تعقيداً؟ لهذا السبب من المهم للغاية وضع معايير واضحة، تعليمات في الملعب، تعايش في غرفة الملابس، وقيم الكيان … ولهذا من الرائع أن تكون هناك. ففي بعض الأحيان أعتقد -ومن أعماقي- أن ضرب الكرة يكاد يكون المرحلة الأخيرة في هذه الرحلة. هناك أشياء كثيرة يجب تسويتها أولاً!

أعتقد أن هذا المكان تتشكل فيه الإخفاقات الشخصية والجماعية عبر سلوك الأشخاص الذين لم يشاركوا في ذلك من قبل – المدراء أو المدربين الذين ليس لديهم ما يكفي من الإحساس للتعامل مع كل تلك التفاصيل التي تبدو غير هامة ولكنها حاسمة في النهاية – هم فقط يفكرون في المال، يجدر بك التفكير في الأداء فقط. ولسوء الحظ، لا يفكر معظم قادة كرة القدم إلا في إطفاء استثماراتهم بدلاً من الاستهلاك على أساس الأداء، وهو أمر مختلف تماماً.

فلنضرب مثالاً، إذا كنت أنت وهو على نفس القدر من الجودة، ولكن كي أجلبه اُضطررت إلى دفع 3 مليار لناديه كشرط جزائي، أما أنت فقد أتيت بلا مقابل، وإذا غضضنا الطرف عن الجانب الاقتصادي البحت، فأنتما متساويان كروياً. أليس كذلك؟ ولذا لا يمكن أن يتقاضى ضعف ما تتقاضاه أنت، أو أن يكون، مثلاً، أفضل لاعبٍ في الفريق ليس الأعلى أجراً.

كل شيء معروف ومكشوف في غرفة الملابس: المشاكل العائلية – الأطفال والنساء، لا أدري ما هنالك أيضاً – المشاكل المالية – الأعمال التجارية والضرائب … – كل شيء معروف، ذلك لأنه مكان للتعايش بطبيعة الحال. لا يمكن أن يتقاضى البديل ثلاث مرات أكثر من الأساسي، ولا أن يتقاضى صبي يبلغ من العمر 20 عاماً أكثر من ذا الـ 27 عاماً، هذا مستحيل. يمكننا قبول بعض الاستثناءات دون شك، القليل من الاستثناءات ليس إلا، هذا وأن تكون تلك الاستثناءات مقبولة ومفهومة من قِبل المجموعة قبل أي شيء. لكن على الخطوط العريضة، لا يجب أن يكون هناك تفاوت ولا مساواة.

أمَا وإن كان أفضل منك، فلا مشكلة في أن يتقاضى أكثر منك، لأنك تعلم جيداً أنه أفضل. وعندما تدخل غرفة الملابس، أو تخرج للتدريب، فستعرف فوراً من هو الأفضل، وليس على أحدٍ أن يأخذ بيدك ويقول: “أترى؟ ذلك الرجل هناك، أفضل منك” لا داعي لذلك. وبعد أسبوعين من انضمامك للفريق، وحالما تخطو على أرض الملعب، فستعرف جيداً من هم الجيدون، ومن هم الأقل جودة، أو لنطلق عليهم السيئون. أتحدث عن الجودة في كل شيء، ليس فقط في التمرير أو تسجيل الأهداف، بل أيضاً في المسؤولية وكل تلك الأمور التي تشكل شخصية لاعب كرة القدم.

كمدرب، عندما تلاحظ أن كل هذه المكونات بدأت في الغليان في القِدر، حينها ستعلم أن غرفة الملابس ستنتهي بالانفجار. ولهذا يجدر بنا فرض نظام بسيط للغاية، وفي نفس الوقت صارم للغاية. أنت صغير وهو أكبر سناً؟ سيتقاضى أكثر منك. أنت تلعب أكثر منه؟ مع الجوائز والمكافآت يمكنك أن تكسب أكثر منه. لكن الراتب أو المقطوع، يجب أن يخضع لمعيار العمر. تعمل الجوائز وجدول المكافآت على تعويض التفاوتات المحتملة، ودوماً بتطبيق المعيار الأكثر عدلاً والذي نستطيع إيجاده في المجموعة: ألا وهو معيار الأداء.

أمّا إذا كان هو أفضل ولكنه أصيب لنصف موسم، وزُجّ بك إلى الميدان كي تخرج كستناء أحدهم من النار <أي تقدم يد المساعدة>، فيجب أن يُدفع لك ولن يغضب أبداً. وكما يتضح ويبدو، كل هذا يرسم طريقة أخرى لفهم اقتصاد النادي وميزانيته وسياسة الانتقال، وما إلى ذلك…

الفصل الثامن

لأسباب تتعلق بسيرتي الذاتية، وتطور مسيرتي كلاعب وبعد ذلك كمدرب، شَهِدت انطلاقة العديد من الأشياء وساهمت في إطلاق جوانب في هذه المهنة لم تكن موجودة في ذلك الحين. ليس الأمر وأني كنت ألهث خلف القيام بذلك ولكن الظروف حتّمت هذا الأمر. كلما طفت المشاكل على السطح -سواءً أردت أم لم أُرِد- اضطررت إلى اتخاذ موقف ومحاولة المشاركة في حلها. هذا ما حدث مع القضايا المالية والضرائب التي ندفعها نحن لاعبو كرة القدم في هولندا.

إحدى المشاكل التي واجهتنا هي دفعنا الكثير من الضرائب، كثير جداً برأيي. في ذلك الوقت، أي في أوائل السبعينيات، كنا ندفع حوالي 75 % من ضريبة الاستقطاع. كانت هذه في الواقع نسبة مبالغ فيها للتداول، إذ ستقبض لمدة ست أو سبع سنوات ولكنك لن تحتفظ إلا بالقليل أو بلا شيء. لذلك كنت مع اتحاد لاعبي كرة القدم الهولنديين المحترفين وتوصلنا إلى اتفاق مع السلطات بخصوص الضرائب.

كان الاتفاق ينص على أنه يمكن لجميع اللاعبين المحترفين وضع 30 % من دخلهم الإجمالي في صندوق تقاعد رسمي في ظل شروط صارمة للغاية. كان هذا الصندوق مسؤولاً عن إدارة أموالك. تضمّن الاتفاق التأمين على الحياة والتقاعد وما إلى ذلك. لم يكن الأمر يخصني، لأنني لعبت في الخارج لسنوات عديدة، ولكنه حل الإشكال بالنسبة لمن كانوا يلعبون في هولندا، حيث كان بمقدورهم المساهمة لمدة عشر سنوات في الصندوق، وفي نهاية حياتهم المهنية سيجدون مبلغاً معتبراً من المال أدى -علاوة على ذلك- إلى توليد فوائد مناسبة أضيفت إلى المبلغ المحفوظ.

حينما تنتهي مسيرتهم كلاعبين في سن 36، سيتأتى لهم -عبر الصندوق المذكور- تغطية السنوات التي تفصلهم عن سن التقاعد الرسمي، أي في سن 62. تَنعّم جميع لاعبي الفريق الأول من هذا النظام الذي سمح لهم بالتوفير والادخار، كان ذلك حلاً جيداً للجميع. جيد للمحترفين إذ لم يكونوا عرضة لاقتطاعٍ تعسفي، ومفيد للسلطات، بحيث يمكنهم المتاجرة والمداولة بمبلغ كبير من المال لسنوات عديدة.

فأنا، مثلاً، منذ أن بلغت الأربعين من عمري نلت حوالي خمسين ألف يورو سنوياً. في كثير من الأحيان يؤدي حل مثل هذا إلى تجنب المواقف التي -وللأسف- يضطر بعض لاعبي كرة القدم التعايش معها. فالمحترفون الذين تلقوا مشورة سيئة أو الذين بددوا رأس مالهم في سنوات الشباب بسبب تفكيرهم السيء أو لسوء حظهم، لم يتمتعوا بهذا الشكل الآمن من الدخل، والذي يأتي بسن يكون فيه اللاعب ناضجاً بما يكفي لتفادي ارتكاب بعض الأخطاء الاعتيادية بسن الشباب أو الضغط الذي يصحب شهرته كلاعب كرة القدم.

كان الهدف بسيطاً ومنطقياً للغاية: عندما تنتهي من دراستك في السادسة والثلاثين، تجد أن لديك فجوة عشر سنوات مقارنة بمن استطاع الدراسة والحصول على شهادة. تتيح لك هذه المساعدة أو هذا المعاش التقاعدي عيشاً كريماً وسيلبي الحد الأدنى من الاحتياجات، كما ستظهر في المجتمع وستستأنف مسيرتك الخاصة. الإنجليز هم الأوائل، وإذا لم تخني الذاكرة، فقد قمنا في هولندا بتكييف نظامهم مع واقعنا.

في إسبانيا، بذلنا الكثير من الجهود كي نطبق هذا النظام هنا أيضاً، حيث سيتمكن لاعبي كرة القدم الإسبان الاعتماد عليه، ولكن في الوقت الحالي يبقي كل شيء في الاجتماعات والمزيد من تلك الاجتماعات. أنا شخصياً ناقشت هذه المسألة مع الوزراء ووزراء الخارجية، ولكن حتى اللحظة لم يتقرر شيء بشأنها.

الفصل التاسع

حينما نتحدث عن تأثير البيئة، أو تأثير وسائل الإعلام على تقدم الفريق أو على عمل وسلوك المدراء والمسؤولين في غرف الملابس، فالمستحسن تقدير الكلمات. لا يمكن التعميم بالطبع، لكنه واقعٌ في كرة القدم ومحيطها -كما في جميع المجالات- أن ثمة كثير من الأشرار وقليلٌ من الأشخاص الطيبين.

وأنا أقصد الجميع: مدراء ومدربون ومديرون فنيون – أو أسمهم ما تشاء. هناك انتهازيون كثر. ولهذا السبب يستحيل التنظير حول مخطط تنظيمي مثالي بحيث يصلح لجميع الفرق، لأنه سيعتمد بدرجة كبيرة على جودة الأشخاص، أي الأشخاص الذين يشاركون ويتولون مقاليد منظمة معينة. أمر واحد واضح: بالمنطق؛ إذا كان الشخص الذي يقود النادي كسولاً، فإن الآخرين أكثر كسلاً.

وعلى أي حال، هناك حقائق موضوعية لا جدال فيها. على سبيل المثال، حيثئذ يوجد الكثير من المال، يوجد الكثير من الجشعين عادةً. إذا بدأنا بفرضية 20% /80%، <أو مبدأ باريتو> على سبيل المثال، قد نجد أن 80% من المناصب في منظمة ما يهيمن عليها الاستغلاليون، أو الأشخاص ذوو الشخصية الضعيفة، أو من يمكن التأثير عليهم، أو غير الأكفاء بشكل مباشر. وإذا سمحت 80% من الأندية لهؤلاء المدراء أو المديرين الفنيين بالقيام بأعمال الأندية، فنحن لا نبلي بلاءً حسناً، لأن هذه العمليات لا تهدف إلى مساعدة كرة القدم بل لدعم أعمال شخصية. لهذا السبب من المهم للغاية فرض قاعدة واضحة في غرفة الملابس وأيّا كان من يقود اللاعبين فهو من سيرسم الحدود.

بالنسبة لي، وعلى الرغم من أنني لا أعرفه شخصياً، إلا أنني أكنّ احتراماً كبيراً لباكو فلوريس، مدرب إسبانيول. يعجبني لأنه رجلُ نادٍ يمكنه في لحظة ما، قبول أشياء معينة بسبب ظروف محددة للغاية، لكنه بشكلٍ عام، يختط خطاً صحيحاً. وأنا أراه كشخص نزيه، يعمل والنادي بذهنه، ويقوم بما هو أفضل للكيان. قد يخطئ دون جدال، كأي شخص آخر، ولكن من المعروف سلفاً أن من يقوم بالأمور سيخطئ. وبالإضافة إلى ذلك، فهو يعمل لصالح اللاعب، والأهم من ذلك لصالح النادي.

إذا كان هنالك شخص مثل هذا أمام غرفة خلع الملابس، فلا أعتقد أن أي مسؤول سيحظى بفرصة الدخول وإحداث فوضى. يحدث التدخل لأن شخصاً ما تساهل مع ذلك. إذا اتخذت خطاً مستقيماً، فيمكنك السماح لنفسك بإجراء بعض الاستثناءات ومع ذلك ستبقى ثابتاً. سوف يفهمك أعضاء غرفة الملابس، حينما تتحدث مع كل أحدٍ منهم بالتأكيد.

وحين يكون للمسؤول تأثير كبير في النادي فذلك لأنك سمحت له بالدخول. أجمل شيء في غرفة الملابس هو أنك إذا دافعت عن معاييرك، فسيقبل الآخرون الخسارة. ما لا تحتمله وتتقبله غرفة تبديل الملابس تحت أي ظرف من الظروف هو الظلم كنظام أو الكيل بمكياليْن. ذلك اللاعب متأخر؟ سيدفع غرامة. ستسأل اللاعبين: في أي وقت تريدون أن تتدربوا؟ قرروا أن تكون الساعة 10:30 صباحاً؟ حسناً، عليهم الالتزام بالجدول. وإذا كان على الحافلة التحرك عند الساعة الواحدة، فلن تغادر في الساعة واحدة ودقيقتين.

وإذا تأخرت لأنك كنت تتمتع بمقابلة صحفية فستدفع غرامة، ويجمُل بك أن تفعل ذلك أمام الجميع، حتى يروا أنك، كمدرب، أول من يلتزم بالقواعد الخاصة التي قد قمت أنت بفرضها.

الفصل العاشر

عندما نتحدث عن التسلسل الهرمي، فإن الفريق الذي يمثل ذلك بوضوح بالنسبة لي هو بايرن ميونخ. كل شخص لديه خصاله الخاصة. غير أن هنالك رئيساً واحداً فقط ولن يقوم أي شخص بأي شيء دون موافقته، أو الأسوأ من ذلك، دون رأيه وقراره. يدير رومينيغه وهونيس الأعمال اليومية، فيما يقوم بيكنباور بالمصادقة أو تأييد أو تقييد المقترحات، فيوافق عليها أو لا يوافق عليها.

هذه هي الهرمية. أساساً، إدارة النادي بهذه الطريقة لا تعدو كونها أكثر من إعادة إنتاج الكيفية التي تعمل بها غرفة الملابس. ولا تقرر هذه السلطة في غرفة الملابس ما إذا كنت المراوغ الأفضل أو الشخص الذي يسجل أكبر عدد من الأهداف، بيد أن هذا يُعرف على الفور. ستشمها عندما تدخل غرفة خلع الملابس، وهكذا، لا توجد طريقة للتغلب عليها ولا أحد يعرف السبب. بالنسبة لي، غرفة تبديل الملابس أكثر أهمية من مجلس الإدارة.

الكابتن، على سبيل المثال، ينبغي أن يكون شخصاً يفكر بمصلحة غرفة الملابس، مدافعاً عمّا يجب عليه الدفاع عنه، وفقاً للفطرة السليمة والمصلحة الجماعية؛ كما يجب عليه أن يهاجم أيضاً ما يجب مهاجمته لنفس السبب. وإذا حدث وأخطأ المدرب، فيمكنك إخباره بطريقة صحيحة ومنطقية حُجَجية. ولكن إذا تم اتخاذ قرارٍ ما، فيجب أن يكون الكابتن أول من يهتم بتنفيذ الاتفاقية وبالتزام جميع اللاعبين بالقرارات.

أحياناً أعتقد أن هذا الأمر قد ضاع للأبد في ظل الوضع الراهن في غرف خلع الملابس، خاصة بوجود العديد من المصالح الشخصية التي تتعارض مع روح المجموعة.

أعتقد أن حقوق الصور واستغلالها يشكلان همّاً مشتركاً، رغم الفروق الكبيرة بالطبع بين الرقم 11 والرقم 12، إلا أن هذا الاختلاف يجب أن يبقى داخل المجموعة فقط. دعونا لا ننسى أن الجميع يعيش على النتائج وعلى أداء الفريق <أي على النتائج التي حققها الجميع وليس لاعب واحد>. ولهذا لا ينبغي التسامح مع الظلم، كأن يتقاضى المرء الكثير على حساب الآخرين أو يتقاضى الكثير مقابل عدم القيام بأي شيء، منتعماً بظلال هيبة الأشهر <أي أن يتقاضى لاعب قيمة عالية لأنه صديق للاعب الأشهر>.

ثمة ظلم وإجحاف آخر: الذهاب مع راعٍ آخر متجاهلاً الرعاة الداعمين للفريق، كما حدث عندما وافق لاعبو برشلونة على عمل برنامج في التلفزيون الإسباني في حين كان من يرعانا هي محطة TV3. حينئذٍ، اقترحت في غير اجتماع إنشاء شراكة بين اللاعبين والنادي لاستغلال حقوق الصور بشكل مشترك. في هذه الحالة، ما يجب وضعه بالاعتبار وما ينبغي تثمينه هو المجموعة ككل.

هذا ما فعلناه على الأقل في المنتخب الهولندي عام 1974. ظننا بأن المجموعة تستحق الكثير، ومن يلعب أكثر يتقاضى أعلى. وإذا لم تلعب كثيراً لأنك في الخارج ولم يكن بمقدورك تلبية نداء المنتخب الوطني، فستتقاضى أقل وهذا كل ما في الأمر. هذه هي الروح التي كانت بيننا ولم تكن لدينا أي ضغينة. أما هنا بالمقابل، ورغم مناقشة الجميع لم تكن هناك طريقة لتسوية الأمر، وكما كان متوقعاً، بدأت المشاكل بالنشوء. من المحبط ألا تستطيع السيطرة على المؤثرات الخارجية في بيئة كرة القدم أو حتى على تأثير الرعاة على حياتك المهنية. ذلك أن تحكمهم في المجموعة ليس مقبولاً. فيما يخصني مثلاً، فقد واجهت راعي المنتخب الوطني ولعبت بملابسي الخاصة لهذا السبب تحديداً.

بالطبع تلك أيامٌ قد خلت، فعام 1976 مختلف قليلاً عن اليوم. حقوق الصور واستغلالها كانت في بداياتها وقتئذٍ. يريد الراعي فرض شروطه، ومن وجهة نظرهم كان ذلك منطقياً، بيد أني أعتقد أنه لا يمكن لقضية خارجية أن تؤثر أبداً على الداخل. وحينما يحدث ذلك، فذلك حيادٌ عن جادة الصواب.

الفصل الحادي عشر

كل سنتين أو ثلاثة سنوات يُعاد فتح النقاش حول الحاجة لتغيير بعض قوانين كرة القدم أو بعضاً من مواد اللائحة الحالية، نتجادل في بعض قطاعات المهنة أو كرأي العام أو حتى المشجعين. فمثلاً، يعتبر البعض أن التسلل يضر بالفرق الهجومية والبعض الآخر، يؤيد القوانين المطبقة في كرة السلة، كقانون الـ backfield، أي عقوبة إعادة الكرة إلى نصف ملعبك.

لا اعتقد أن نظام التسلل عقبة أو أداة دفاعية أبداً. بل على العكس من ذلك، أنا أعتبره سلاحاً هجومياً، لسبب بسيط، لأنه يجبرك على الانضمام إلى صفوف الفريق وهذا يسهل حركة الكرة ويزيد من سرعة اللعب. فدون وجود نظام التسلل سيطوق المدافعون المكان حول حارس المرمى، متقوقعين في منطقة صغيرة، والشيء الوحيد الذي يمكنك القيام به هو التسديد من بعيد وما إلى ذلك. كما لا يمكنك صنع اللعب من خلال استغلال المساحات الخالية. إذ لا ينبغي أن ننسى أنّ كرة القدم تقوم بالتحديد على خلق المساحات وليس على تقليصها.

بدلاً من تغيير القوانين الحالية، قد يكون ضرورياً تطبيق لوائح تجيء في مصلحة كرة القدم وخصوصيتها أكثر من التطبيق الغير مرن للقانون، والذي يجعل سلطة الحكم هي السائدة. العنف، مطالبة الحكم ببطاقة للاعب المنافس، السقوط في منطقة الجزاء أو التظاهر والتمثيل على عرقلة غير موجودة لا يخدم كرة القدم نهائياً. في بعض الأحيان، لدى متابعتي للمباريات التي تُلعب في المنافسات الكبيرة وملاحظة سلوك بعض الحكام تترك انطباعاً لدي بأنهم يعاقبون على الاحتجاج أكثر من الضرب والعرقلة.

إن الاحتجاج برأيي جزء من كرة القدم طالما لم يخرج عن حدود الأدب. يجب على الحكام أن يفهموا أن كرة القدم أيضاً لعبة مشاعر وعواطف. وحينما توقفني الصافرة معلنة تسللاً لم يكن صحيحاً بوجهة نظري، فمن الطبيعي والمفهوم أن تكون ردة فعلي حادة واحتجاجية. نحن لم نخلق من حجر، اللعنة! هذه ليست إهانة، وإنما تعبير ومظهر من مظاهر العاطفة والانفعال. ما السيء في ذلك؟

ما لا يمكن التغاضي عنه أيضاً أن يقوم لاعب ما بتأجيج الناس ضد الحكم. ينبغي الدفاع عن الحكام ويجب ألا ننسى أبداً أن عملهم صعب للغاية. كبقية الرياضيين في الميدان، لدى الحكام أيضاً هامش خطأ يجب أن نقبله. وليس جديراً بالأهمية أن تكرر البرامج التلفزيونية الرياضية قرارات التحكيم إلى حد الغثيان. فلا يمكن أحياناً إزالة الشك حتى لو أعدت اللقطة 80 مرة بالحركة البطيئة، فستظل الآراء متباينة ومتناقضة.

أما المختصون المزعومون الذين يدلون بآرائهم في الحالات المتنازع عليها بعد المباراة وفي هدوء الاستوديو، فيتعين عليهم أن يحظوا بنفس الوقت الذي يحظى به الحكم في الملعب. أي؛ ثانية أو نصف ثانية، ومن نفس منظور وزاوية الحكم. أما فيما يتعلق باللعب العنيف، فأنا أؤيد معاقبة التدخلات الخطيرة وأحبذ التسامح مع الشد والدفع ولمسة اليد وهلم جراً من المخالفات هذه.

من بين الجدالات الكبرى الأخرى التي لا تكف عن ملاحقة كرة القدم هي الحاجة إلى مساعدة الحكام من خلال الأنظمة السمعية-البصرية، إعادة الحالات الشائكة، طاولات جانبية للتشاور حول الشكوك، كما هو معمول به في كرة السلة أو كرة القدم الأمريكية. لست مع إدخال هذا النهج. هو ابتكار ناجح في كرة القدم الأمريكية، ولكن دعونا لا ننسى أن هذه الرياضة لم تولد تلقائياً وعفوياً، إذ بوسعنا اعتبارها -بشكل أو بآخر- منتجاً مُختبرياً.

يبدو لي من الخاطئ إيقاف اللعب والانتظار لبرهة من أجل اتخاذ قرار. إذ لن تنتهي المباريات هكذا أبداً! كرة القدم، مثلما نلعبها، وكما اعتدنا على رؤيتها، هي لعبة مستمرة وسلسة وانسيابية. بينما كرة القدم الأمريكية بالمقابل، تبني مفهومها على متواليات من عشر، خمس عشرة ثانية من اللعب وباستيقافات مستمرة. كل الرياضات في الولايات المتحدة هكذا.

الاضطراب جزء من ثقافتهم. أما عقليتنا فمختلفة تماماً عن عقلية الأمريكيين الشماليين. نحن نحب الفوز. تبدو الخسارة مرعبة بالنسبة لنا، ولكن هناك تعادل، طوق نجاة وأهون الشرين، وهو في أعماقنا مفرٌ من الخسارة. الرياضة من أجل الرياضة لا تروق لنا كثيراً. لا أحد في الجمهور رياضيٌ صرفاً، فلن يصفق للخصم كما هو الحال في بعض البلدان. نصفق للخصم هنا؟ لم يسامحك حتى على مباراة لُعبت قبل ست سنوات! اللعب النظيف؟ لا تعرف الغالبية حتى تهجي الكلمة.

ما يجدر بنا تقديمه هو الإعداد الأفضل للحكام، ليس فيما يخص الجانب البدني بل بطريقة رصد وتحليل اللقطات من المباراة. بحيث يقومون بذلك بمعية الطاقم المساعد من زوايا مختلفة. بعدئذٍ سيتم إعدادهم وتوجيههم من قبل حكام آخرين. وسيكون من الجيد في عملية التعليم والإعداد أن يأخذوا في الاعتبار وجهة نظر اللاعب. عليهم أن يفهموا ما يشعر به اللاعب ويفكر فيه، ما هي إحباطاته وآماله … إذا استوعبت ذلك ووضعته في الحسبان، سيغدو إطلاق الصافرات أسهل بكثير. لأن النظام ليس حقيقة واحدة مطلقة وغير مرنة.

عليك أن تصفر ضمن إطار اللائحة، لا أن تطبقها بصرامة، أي عبر تقدير ظروف وملابسات كلا الطرفين وليس حرفياً. ما يبدو واضحاً لطرف لن يكون واضحاً جداً للطرف الآخر، لأن العديد من العوامل المتنوعة تتداخل فتجعل القاعدة العامة نسبية. أعلم، ولا غرو في ذلك، أنه يصعب بحال كتابة لائحة يمكن أن توفر كل ذلك. ولكن كلما تركت هامشاً أكبر لهذا النوع من التقدير، كلما كان أفضل لكرة القدم وعندئذٍ سنستفيد جميعاً.

من جهة أخرى، الأمر الأهم عند إطلاق الصافرة هو الصدق. حتى لو كنت لا توافق على قرار الحكم، وبغض النظر عن مدى خطأه، ومهما كان قراره فاضحاً، فنحن على دراية لما وراء صافرته. لا أعرف أي لاعب يغضب عندما يقترف الحكم خطئاً بغير قصد. لهذا السبب لا يغضب أحد. لكن الحكم الذي يجعل الفريقين ينظران إلى بعضهما البعض باستمرار لمعرفة أي منهما قد ارتكب خطئاً فتلك كارثة، لأنك لا تعرف ما الذي يجري.

لو لزمني التوضيح لحفيدي عن ماهية سلوك لاعب كرة القدم مع الحكام، في أي فئة، فسأقول له أن يكنّ للحكم الاحترام في جميع الأوقات. بذلك سيتفهم الأمر بشكل أفضل ولن تعميه عفوية اللحظة، سأقول له ألا ينسى أن الحكم يرتكب أخطاءً أقل من اللاعب، أؤكد لك ذلك. دعونا لا ننسى أن الأفضل في كرة القدم هو من يرتكب أخطاءً أقل.

تنويه: وجدت أن هذا الكتاب مترجم للعربية فعلاً ولذا ثقُل علي استكمال الباقي، لهذا أحيلكم إليه لقراءة ما تبقى منه للرابط هنا، فغاية القصد المساهمة لا المنافسة.

تنويه آخر: الكتاب كامل وليس ملخصاً كما يظن المترجم الكريم، إذ هو نتاج حوار دام لستة ساعات بين كرويف والكاتب سيرخي باميز.

أحب كرة القدم: يوهان كرويف

Me gusta el fútbol by Johan Cruyff
غلاف كتاب يوهان كرويف: أحب كرة القدم (2002).

رغم أن المعروف لا يعرف، إلا أن هندريك يوهانس كرويف (1947-2016) لاعب هولندي برز في السبعينات وخصوصاً في أياكس والمنتخب الهولندي، كان ضلعاً رئيسياً لكرة رينوس ميخلز الشاملة. كان ولا زال للثنائي دور بارز في الكرة الحديثة. يوهان -كمدرب- قد سبق زمنه فعلاً، إذ أن بعضاً أو كثيراً من أفكاره التكتيكية والتدريبية للتو وصلت لبعض البلدان المتقدمة كروياً. أقول وقلت أن كرة القدم الحديثة انفلقت لنصفين، نصفٌ تابع لكرويف، حيث العفوية والجمال والإبداع والحرية، ونصف آخر لساكي حيث التنظيم والدقة والجماعية، وبلا شك جمال التناغم والكلانية التكتيكية. يذكر كومان مثلاً أن كرويف كان يأتي للتدريبات بلا تحضير ولا أوراق يزدان فيها لردم قصوره كما نرى اليوم، ولا تمتلئ تدريباته بالأقماع والتنظيم الماسخ لانسيابية كرة القدم. كل كرة القدم كانت في رأسه، حاضر وفكرته منه وله تتداعى لذهنه بوميض لحظ. كانت منهجيته بعظمة ما أنجزت هي البداهة والحدس، أين يتوق الكثير إلى مواجهة الطبيعة وسيرورتها، فقد تجلت له بساطة كرة القدم كلعبة وفن -للمفارقة- بتعقيدها وعشوائيتها، فيما ارتأى آخرون مساراً خطياً مفرط السببية والحتمية والسطحية مفسدين أجيالاً من اللاعبين.

بالرغم من كون كرويف هو المعلم الأول في كرة القدم -بالنسبة لي- فأدعوا نفسي وإياكم ألا نكون إمعة ونأخذ بكل شيء، ماذا وإلا كان تأجيراً صريحاً لعقولنا وكبح لإعمال هذه الهبة الإلهية. إذ أن هناك تطورات كبيرة في منهجيات التدريب أو حتى بعض الأفكار التكتيكية ربما تخطت كرويف أو قد تتخطاه لاحقاً، والحدس لأي إنسان يظل منقوصاً ورهن التجربة إن أمكن، أي أن يتصدى العلم أحياناً لما نظن أنه بديهي وفطري. فمثلاً تعتمد مؤسسة كرويف -وهي مؤسسة مرموقة في تقديم الدورات التدريبية- على مؤشر مايرز بريغز للأنماط MBTI وهو مؤشر لا يعتد به علمياً. وختاماً، ستظل كرة القدم مدينة لكرويف وسيظل مرجعاً نعود له، أترككم للإستمتاع والاستزادة منه في هذا الكتاب الصغير والذي يقع في صحفاتٍ لا تتجاوز الـ50، وسأترجمه على أربعة أجزاء، وما يلي هو الجزء الأول.

ملاحظة: ما بين < > هو إضافة أو شرح المترجم.

الفصل الأول

تنطوي كرة القدم بشكل أساسي على أمرين، أولهما هو عندما تكون الكرة بحيازتك يجب أن تكون قادراً على تمريرها بشكل صحيح. أما الثاني فحينما تُمرر الكرة إليك يجب أن تكون قادراً على السيطرة عليها. أما وإن لم تستطع السيطرة عليها فلن يكون بمقدورك تمريرها أيضاً. هذان الجانبين هما الأهم على الملعب، ذلك لأنه لا ينبغي أن ننسى أبداً أن كرة القدم هي رياضة تنطوي على العديد من الإخفاقات، بل وقد تكون النجاحات فيها بنفس أهمية الأخطاء.

يُحتمل أن تصل الكرة إلى قدميك أو على منتصف ارتفاعك أو صدرك أو رأسك، لذا من المهم جداً مراعاة التكنيك بشكلٍ كافٍ لتتمكن من التحكم بالكرة بأكثر الطرق فعالية، واعتماداً على الظروف الناشئة عن اللعب. بالتالي، وبتملّك أصابع اللاعب مفاتيح آلته الموسيقية، سيكون قادراً على اتخاذ أفضل قرار وفقاً للسياق -الذي يكون هو فيه- في أي لحظة.

إذا لم تتمكن -لأي سبب كان- من التحكم بكرةٍ اصطدمت بك في موضع معين أو بسبب سرعتها، فلن تتمكن من البدء في تطوير نفسك، وعطفاً على ذلك فسيتضرر الأداء الجماعي وسيتضرر العرض. ولسوء الحظ، يتضاءل العمل على هذه الأمور أقل فأقل في التدريب وكذلك على المستوى النظري بسبب عوامل تعليمية أو اجتماعية أو ببساطة لعوامل على مستوى العقلية. إن اللعب الجيد -في رأيي- يتألف من التنفيذ الصحيح لجميع التصرفات.

إذا تحتم علينا نقل الكرة بسرعة معينة وببعض الدقة، فيجب أن تكون قادراً على القيام بذلك دون أن تفشل وفي الوقت المناسب. إن التنفيذ الجيد -بجوهره- يعني أداء جميع تصرفات مباراة كرة قدم بصورة ملائمة. رتم وإيقاع الكرة، التحكم، كيفية تمرير الكرة، التمركز، والمراكز … هي عوامل حاسمة يجب التعامل معها بفنية كافية بحيث تُنجز وتُنفَّذ بنجاح.

لا شك أن أحد أسباب نقص الجودة الفنية <تكنيك> لدى العديد من اللاعبين ذو صلة بالمكان الذي يتعلم فيه الصغار كرة القدم. في وقتي، كانت الأكاديمية الأكثر شعبية لاكتشاف أسرار هذه الرياضة هي الشارع. الأطفال الذين يحبون لعب الكرة بأقدامهم يتعلمون في الشوارع والساحات في الأحياء. لم يقتصر الأمر علينا نحن فقط، بل والصغار الذي يكبروننا أيضاً. وحتى الكبار، وأولئك الذين يعملون، بعد نهاية عملهم، وأولئك الذين كانوا يدرسون، بعد أن يغادروا مدارسهم. الجميع في الشارع لممارسة رياضتهم المفضلة.

لم يكن الاحتراف بمثل ما هو عليه في يومنا الحاضر، باستثناء بعض الاختلافات، يتدرب الجميع في نفس الوقت. أنا أتحدث عن أوقات مختلفة تماماً، ليكن بمعلومكم. ضع باعتبارك أنني كنت -على سبيل المثال- ثاني لاعب كرة قدم محترف في هولندا، بعد صديقي بِيت كايزر، والذي خضت معه العديد من التجارب في أياكس والمنتخب الهولندي.

كما أسلفت، خلال النهار إما أعمل أو أدرس، وفي فترة ما بعد الظهر ألعب. ألعب هناك، في تلك الشوارع التي تحولت إلى معسكرات تدريب مؤقتة، هناك حيث يمكن للصغار التعلم. كيف؟ مشاهدة وتقليد ما يفعله الكبار. أنا مقتنع بأن هذا المشهد نفسه يتكرر في الكثير من المدن الأخرى في العالم، في جميع القارات، وفي جميع البلدان.

حاولنا في السنوات الأخيرة استعادة روح كرة الشوارع. على سبيل المثال، أتذكر في بطولة كرة الشوارع للأطفال أقمناها في أمستردام، وبحضور جمهور كبير، بتوقعات وآمال كبيرة، إلا أننا افتقدنا لمرامٍ في اللحظة الأخيرة بسبب مشكلة تنظيمية، فكادت أن تلغى البطولة. بدا وأننا لن نتمكن من اللعب وسنضطر لتعليق هذا الحفل الذي أيقظ حماساً كبيراً بين المشاركين، حتى أتى شخص ما بفكرة وضع سيارتي إطفاء بدلاً من المرمييْن، الأمر الذي خدمنا بالشكل الأمثل.

كم عدد الأطفال الذين لم يستخدموا المحافظ أو حقائب الظهر أو المعاطف أو بعض الأحجار البسيطة لوضع مرميين! يتجلى من هذه التفاصيل، -علاوة على تفاصيل أخرى- أنه ليس من الضروري امتلاك جميع العناصر دائماً، كما أن أوجه القصور مليئة بالإبداع والخيال.

الفصل الثاني

فلنعد مجدداً إلى تعليم كرة القدم. حينما كنت في بداياتي كان بمقدور الصغار التعلم لأنه دوماً ما تواجد لاعب أكبر منّا يبقى معنا ويعلمنا بعضاً من خدعه، ويصحح بعض الأخطاء ويشاركنا بعضاً من أسراره. لطالما اعتقدت بأن أفضل طريقة لتعليم الطفل كرة القدم هي أن ترشد لا أن تمنع وتحظر. الأمر لا يعني بالضرورة منعك مما تريد القيام به، وإنما تكميل معلوماتك أو تحسين جودتها؛ <أي جودة المعلومات>.

بصرف النظر عن مدى تطور التكنولوجيا أو الطرق البيداغوجية/التربوية، وبصرف النظر عن عدد الرسائل العلمية المنشورة حول كرة القدم، وبصرف النظر عن السعي الحثيث لتحويل كرة القدم إلى علم دقيق ومتنبأ به، كامل ومعصوم عن الخطأ عبر الصدح بالخطب التكتيكية وخطب السبورة، بظني، أفضل مدرسة لا تزال هي النقل الشفهي والعملي للمعرفة إلى اللاعبين بمختلف الأعمار. والأمر الأهم هو أن انتقال المعرفة سينبعث من لاعب إلى لاعب آخر، بما أن الاثنين يتحدثان نفس اللغة، بالتالي فبإمكانهما التفاهم والتناغم. وإذا لم تكن تتحدث ذات اللغة التي يستخدمها المدرب فبالكاد ستتعلم أي شيء.

من بين الأمور التي لاحظتها عندما كنت طفلاً هو أن أولئك الذين استمتعوا بتعليمك شيئاً ما هم القادرين على التحكم بالكرة بشكل أفضل. من الناحية الأخرى، أولئك الذين كانوا قادرين فقط على الالتحام مع المنافس، أو الوقوف في منتصف الملعب والعرقلة أو الركل لم يكن لديهم ما يعلمونه (على الرغم من أنني أخشى أنه يجب أن يتعلموا الكثير). على عكس هؤلاء المدربين المهنيين العفويين وعشاق التكنيك الجيد، والذين يقولون: “انظر يا فتى، إلعبها هكذا وانظر كيف تسير الأمور.” وبهذه الطريقة، بالاستماع إلى نصائحهم، وبالتجربة والتصحيح، وتطبيق ملاحظاتهم، فستتعلم بالأثر، ومن الحِكم، كيف تمتص الكرة القادمة من الأعلى، كيف تحرك رأسك وتضع بقية جسمك عند الإنهاء، أو البحث عن مساحةٍ خالية، وهكذا…

 هذه إحدى طرق التعليم، ولكن للأسف يبدو أن الأمور قد تغيرت قليلاً منذ ذلك الحين. اليوم، حتى مدربي الفئات السنية لكرة القدم يدرسوا كي يصبحوا مدربين. لكنهم مدرسون بمعنى التدريس بالإضافة للتدريب. يمكنهم إخبارك كيف تسدد بقدمك اليسرى، حسناً، هذا جيد جداً. لكن إذا لم يعلموك كيفية التسديد باليسرى، مالجدوى من ذلك؟ .. هل تعلم لماذا لا يشرحون لك ذلك؟ ببساطة شديدة، لأنهم لا يعرفون القيام بذلك. وإذا لم يكن لديك التكنيك المطلوب كي تُعلم، فما الذي ستتحدث عنه بحق الجحيم؟ حسناً، الجانب البدني وهذه الأشياء مهمة، لا بأس، لكنها ثانوية إذا قارناها بالتكنيك.

من ناحية أخرى، إذا كنت تدرب طفلاً ويمكنك أن تشرح له كيف يجب أن يلمس الكرة، بأي جزء من قدمه، بأي وضعية يسدد، وما هي التدابير التي يجب اتخاذها إذا اقترب منه الخصم، وما هي الظروف التي يجب أن يضعها في الاعتبار، وبأي سرعة يقوم بالتنفيذ، يمكنه بعد ذلك التدرب بمفرده، ينتسخ ويقلد، ويصر ويكرر، يتحسن ويتعلم ويصقل مهاراته، ثم يكيف هذه المعرفة ويطبقها على طريقته في اللعب، وأيضاً على شخصيته الكروية. أكرر، إذا كنت لا تعرف كيف تفعل ذلك، فلا يمكنك أن تُعلمه. فستبدأ في الحديث عن أشياء أخرى، مهما كانت أهميتها، لن تكون أبداً بنفس أهمية التكنيك. وهكذا، شيئاً فشيئاً، تتناسى التفاصيل، تبتعد عن الجوهر وعن نواة المسألة. وهذه هي مشكلة كرة القدم الحالية.

أعلم بالطبع، أنه ليس من السهل كسر هذا الجمود. يحتاج جميع المدربين- بمن فيهم مدربي الفئات السنية- إلى الأوراق <الرخص> ويحتاجون إلى الاستيفاء بالمتطلبات من خلال الهيئات الرسمية المعنية. هذا مفروض من الأعلى، لذلك سيكون من الصعب للغاية كسر هذا التسلسل الهرمي. وهذا لا يعني أنني أعارض تماماً هذه الإدارة التنظيمية والرسمية، الأمر ليس كذلك، لأن كل ما تتعلمه باتباع هذا النظام يخدم أيضاً غرضاً ما. ولكن من المؤسف أن ثمة جوانب أخرى يتم نسيانها بشكل متزايد. وأخشى أن هنالك قدراً كبيراً من الحياة يتجاوز ما يتم تدريسه بشكل عام.

ولهذا السبب لطالما رغبت في إيجاد طريقة لتعليم هذه الأمور. بالتدريب طبعاً، ولكن أيضاً من خلال دروس كرة القدم، ومن خلال محاضرات الماجستير للمدربين، أو ببساطة، باستخدام قرص مضغوط (CD) أو لعبة كمبيوتر بحيث تظهر فيها كل هذه العناصر ويمكنك بعد ذلك أن تتدرب في المنزل. ومن ثمة يمكن لأي شخصٍ أن يصل إليها ويأولها بطريقته الخاصة. وهي بدورها ستعلم صبياً لا يعرف كيف يسدد بقدمه اليسرى فينزل إلى الحديقة أو الشارع ويحاول تكرار ذلك.

أتذكر قبل بضع سنوات محادثة أجريتها مع خورخي فالدانو حول كرة القدم. تم نشر المحادثة في El País (3 يونيو 1996) وهذا ما قلته عن كرة القدم للفئات السنية. في الحقيقة، ما زلت أفكر في ذات الأمر: “في نادٍ كبير مثل برشلونة أو ريال مدريد، من هو مدرب فريق كرة قدم على مستوى القاعدة؟ مدرب أم مربي؟ إذا كان مدرباً، فقد يرغب يوماً ما في الترقي كمدرب. هذا يعني أنه يعتاش بالفعل على النتائج. والصواب ألّا يعيش على النتائج: عليه أن يطالب بالنتيجة كتعليم. ما حدث يمكننا رؤيته فوراً: الجودة الفنية قد انخفضت في السنوات العشرين الماضية. غير أني ضد مطالبة مدربي الفئات السنية بأوراق <رخص> للقيام بعملهم.

من هو المخول لكي يدرب؟ إنه الفتى من البلدة المجاورة، والذي لعب كرة القدم طوال حياته ويريد الآن تعليم الأولاد. وليس ذلك الذي درس، لأن ذلك الرجل يقضي وقته في تسلق السلم. وكيف يتسلق السلم؟ عبر الفوز. إذا كنت مديراً، فلن تقوم بالتوقيع مع شخص ترك فريقه الشاب في المركز الرابع. لكن من وجهة نظري، قد يكون هذا هو المدرب الأفضل.

الفصل الثالث

بالطبع، يصعب العثور على شوارع يمكن اللعب بها قياساً بالوضع الذي تبدو عليه المدن. وخاصة في المدن المركزية الكبيرة التي اجتاحتها حركة المرور، غير أن هنالك صيغاً أخرى. على سبيل المثال، يمكنك تنظيم بطولات مدرسية ومسابقات في الأحياء بدعم مؤسسي من مجالس المدينة أو كذلك تنظيم مباريات على الشواطئ … يمكنك ذلك إذا أردت. بالنسبة لي، أحاول تنظيم بطولات الشوارع، كرة الشوارع، بستة لاعبين لكل فريق. أفعل ذلك بالتحديد لمحاربة أولئك الذين يقودون كرة القدم بطرقهم المحدودة والميكانيكية/الآلية في فهم الأمور، وأيضاً لاستعادة تلك الروح الأصلية.

هكذا صَممتُ كرة الشوارع، يتكون كل فريق من ستة لاعبين: حارس مرمى وخمسة لاعبين داخل الملعب. ولا يوجد إلا ثلاثة قوانين. عدد اللاعبين ليس اعتباطياً، فلقد لاحظت أنه بعددٍ أقل من ستة لاعبين، ليس ثمة تناقل للكرة ويسهل فرض صلابة دفاعية. وبوجود سبعة لاعبين، وبغض النظر عن كيفية تموضعهم، هناك دائماً لاعب حر. يبدو لي أن ستة هو العدد المثالي للاعبين، لأنه يتطلب تركيزًا أكبر، وتكيفاً سريعاً مع كل حالٍ من أحوال اللعب، بحث عن مسارات تمرير سريعة وقصيرة، وتقديم المساندة، التدخل، اتخاذ القرارات، دون أن تكون قادراً على تجاهل ما يحدث أو حتى دون الشرود ولو لبضع دقائق.

مساحات الملعب هي كما رقمي 14، وهو ما يعادل على وجه التقريب نصف الملعب النظامي. القوانين بسيطة جداً، يجب ألا يمرر حارس المرمى الكرة أبداً بعد خط الوسط، يمكنه فوق ذلك أن يلعب، إذا أراد، بل يمكنه تسجيل هدف. هذا يجعل اللعبة أسهل ويجبر حارس المرمى على تعلم اللعبة واللعب بالكرة؛ ما يتيح له الاندماج في تطوّر كرة القدم الإبداعية. بهذه الطريقة، نناضل ضد نزعة وضع صندوق لحارس المرمى، والذي يشغل مساحة كبيرة ويقتصر لعبه على الركل إلى الأمام. الأمر يتعلق بلعب كرة القدم. إذا لم يكن الأمر كذلك، فسنضع رجلاً طويلًا وضخماً في المقدمة، أو شجرة كستناء في المقدمة، وهذا كل شيء، وليكن ما شاء الله. ولكن لحسن الحظ، بالنسبة لأولئك الذين يمارسونها وكذلك بالنسبة للمشاهدين، فإن الأمر لا يتعلق بذلك.

القانون الثاني: يجب أن تكون جميع الركلات الثابتة غير مباشرة دائماً. يهمني أن تكون الأخطاء أيضاً جزء من اللعبة، وليس ليبرزوا لنا كيف يضربون الكستناء <أي يصيبون الهدف>. يمكنهم تدريب هذا التكنيك لاحقاً، إذا أردت وكان لديك الجودة، فسوف تتحسن بمفردك. الأمر المثير للاهتمام هو أنه حتى في الركلات الحرة يجب عليهم التفكير واتخاذ القرارات، وابتداع واختراع حركة. بالمناسبة، بالحديث عن الركلات الثابتة، عندما كنت مدرباً لبرشلونة، أتذكر أننا كنا نلعب بمعية كومان أو ستويتشكوف لا أن نسجل – كان ذلك سهلاً للغاية – ولكن كي نضرب العارضة أو أحد القائمين بالتحديد للزيادة من دقة التسديدة، وكنا نقوم برهانات بالطبع. كل تسديدة، خمسة آلاف بيلاس، والدفع كاش.

في كرة الشوارع، أنا مهتم بأن يكون الخطأ غير مباشر بحيث لا يتوقف اللعب ويستمر، فيصبح الإيقاع أعلى. وأخيراً، القانون الثالث: بعد ثلاث ركلات زاوية <هناك> ركلة جزاء، لتتمكن من ممارسة نوعين من الألاعيب وإضفاء المزيد من التنوع والحماس على اللعب.

*<ربما يقصد بعد 3 ركلات زاوية تحتسب على الفريق المدافع ركلة جزاء>.

الفصل الرابع

أكثر ما يشدني في مهنة التدريب هو أنها تمنحك إمكانية استخراج أقصى ما لدى جودة الفرد الفنية. هذا أشد ما أحبه. يبرز أحدهم بالتكنيك، وآخر ضارب رأسيات بارع، وآخر يسدد من خارج المنطقة، وآخر سريع على الأطراف، ولكن كيف يمكنك استغلال كل هذا التنوع في الخصائص وتوجيهها معاً إلى هدف مشترك؟ اليوم، مع ذلك، يبدو أن الجميع يقومون بذات الشيء. فينتهي بك الأمر تلقائياً إلى إيذاء جميع اللاعبين لأن الجودة هي ظاهرة فردية. لا يمكننا أن ننسى أن كل شخص يعيش كرة القدم بطريقته الخاصة ويتمتع بأمور معينة ويقوم بأشياء مختلفة. وهذا على المدى الطويل يقلل من مستوى الجودة وتنوع الأساليب، وتبعاً لذلك سيؤدي إلى إفقار العرض وإضعافه.

لا يوجد حالياً إلا عدد قليل من اللاعبين ذوي الجودة العالية. برأيي أن المشكلة -كما قلت من قبل- هناك ضعف في التكنيك ولكن، مضافاً إلى ذلك، هناك القليل من الحب للفن. يبدو أن كُثراً مهووسون بإقناعنا بأن كل شيء موجود في الكتاب؛ كيف يجب عليك الجري للدخول والقفز، كيف تتراجع، أو تتحكم بالكرة، كيف تسدد ركلة حرة أو ركلة ركنية … حسناً، أنا متمرد على كتالوج/دليل التعليمات للاعبي كرة القدم لأنني أعتقد أن كل فرد مختلف ولذلك، لديه شيء مختلف. أساس الأمر هو أن الأطفال يستمتعون بلعب كرة القدم، وليسوا كارهين لها، ويرون جودة ذلك الطفل الذي يمكنه الوصول إلى القمة كاستثمار في المستقبل، كإمكانية للانتفاع بها لاحقاً.

قبل بضعة أشهر، كي نورد مثالاً، تقرر في هولندا أن يكون لكل فرق الهواة مدرب مؤهل. عندما سألوني ما رأيك بهذه الخطوة يا يوهان؟ لم يسعني إلا قول: كارثة. لماذا؟ حسناً، لأن هذا المدرب لا يفعل شيئاً سوى تطبيق ما يقوله كتاب الدورة. لما لا نسمح للأولاد الأكبر سناً والذين يلعبون ويعشقون كرة القدم بالتعليم في الفئات الدنيا؟ أولئك الذين -عطفاً على نقلهم للفنيات- سينقلون أيضاً الحب والاحترام لكرة القدم وتفاصيلها.

ماذا يفعل المدرب المحترف المرخص؟ حسناً، الشيء المنطقي هو: محاولة الفوز بأي وسيلة كي يتسلق السلم فيصبح مهووساً بالنتيجة لأنه يتعين عليك أن تكون جديراً كي تترقى. وبالمناسبة، يبدو لي أنه من الصواب ترك إدارة الفرق في أيدي مدربين محترفين في سن معينة. لكن من سن أربعة عشر عاماً، وليس قبل ذلك! دعهم يلعبون، اللعنة! دعهم يستمتعون! وبالطبع، لست الشخص الأفضل للحديث عن ذلك، لأنني تجاوزت بمكر تلك القناة التنظيمية وتمكنت من التدريب بدون رخصة، على الرغم من اضطرارنا لابتكار منصب “المدير الفني” لذلك.

من ناحية أخرى، أعتقد أنه من الجيد منح بعض الاستثناءات. ففي هولندا، على سبيل المثال، يحظى اللاعبون الذين تميزوا بسجل حافل كمحترفين بتسهيلات معينة كي يدربوا، وهو ما يبدو منطقي تماماً.

الفصل الخامس

الخطأ الكبير الذي يرتكبه العديد من المدربين، من الناحية النظرية على الأقل، هو اعتقادهم بأن الأطفال ذوو 7 أو 8 سنوات لا يريدون الفوز. إنه خطأ فادح، <الأمر مخالف للواقع> لدرجة أنهم يريدون الفوز! بل أكثر بكثير من البالغين! لأن الأطفال لعينون أكثر، وأحياناً أشد قسوة أيضاً. لك أن تعود بذاكرتك للطفولة، وتتذكر إن كان لديك صديق مقرب ولكنه كان سيئاً جداً في اللعب، وعندما تنظم مباراة في الشارع، فلن تضمه أبداً ليكون في فريقك. فيما ستختار اللاعب الجيد للعب معك عوضاً عنه، حتى ولو كان ألد أعدائك أو كان طفلاً لم تك تُكنّ له محبة كبيرة. وبعد المباراة، ستعود واللاعب السيء أصدقاء مجدداً، لكن خلال المباراة فقد تحالفت مع الأفضل. أليست هذه رغبةً في الفوز؟

ولذلك، ما يجب تعليمه للأطفال هو الاستمتاع واللعب والإبداع والابتكار واستغلال خصالهم عبر تقويم مساوئهم دون إفساد محاسنهم، أي، بالضبط على العكس تماماً ممّا يريد الجميع -هوساً- غرسه فيهم. ذلك لأنهم فعلياً عمليون للغاية، وهم أول من يرغب بالفوز.

أنا أتحدث هنا عن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و 8 سنوات، لأنك فيما بعد، كلما اكتسبت الخبرة واتسعت وجهة نظرك، فسيكون لديك المزيد من الحجج لفهم أسباب الخسارة. ولهذا السبب من المهم بمكان أن تحظى بمدربين يصيبونك بعدوى الاستمتاع وحب الفن، لا الجوانب الأقل استحباباً أو الأكثر تضحية في اللعبة، بل جانبها الأكثر إشراقاً وإثارة.

لم يعد هذا هو الحال اليوم لسوء الحظ. يجب أن نعود إلى جذور كرة القدم، إذ أن الأصول تخبرنا أن كرة القدم هي تكنيك في الغالب، ولهذا السبب لُعبت، وأن هذه الرياضة الرائعة تم ابتداعها للاستمتاع، ومن هنا توافد المشجعون، لا من أجل الركض بدون إيقاع وسبب أو الركض من أجل الركل.

أكثر الأسلحة فعالية في لعب كرة القدم هي مجموع التكنيك والفطرة السليمة. أما التكنيك فيتعلمه اللاعب في صغره. كثيرًا ما أُسأل: كيف يمكننا غرس هذه المفاهيم الفنية في الفئات السنية وما بين الأطفال الذين ما زالوا قادرين على التعلم؟

أتذكر أنني عندما كنت مدرباً لأياكس، كنت أذهب أحياناً لتدريب الأطفال البالغين من العمر عشر سنوات، ولكن ليس في الملعب وإنما في مواقف السيارات. لماذا؟ حسناً، لأنك في مواقف السيارات ستتعلم الكثير. إذا كنت تلعب في مسطح نجيلي، من ذاك العشب الأخضر الرقيق المثالي والمتوفر بكثرة في هولندا، وحدث إن اصطدمت بلاعب وسقطت على الأرض، فلن يحدث شيء، ستنهض وهذا كل شيء. أما في مواقف السيارات، في المقابل، إذا اصطدمت بلاعب وسقطت على أرضية خرسانية فستؤذي نفسك، وستجرح نفسك، وستتألم، بل وأحياناً ستنزف.

لذا عليك أن تكون متيقظاً وتتعلم التحرك بشكل أسرع، وتقرر بسرعةٍ أكبر ما يجب فعله بالكرة أو كيف تتحرك بدون كرة. بهذه التفاصيل الصغيرة لأي حصة تدريبية أنت تقوم بالفعل بتكييف جانبين أو ثلاثة جوانب هامة جداً في اللعبة: التموقع، والتحكم بالكرة، والسرعة، والتركيز. وعلى المدى الطويل، كل هذا سوف يخدمك وسيكون له تأثير مباشر على أداءك في الميدان، وبالتالي على الأداء العام للفريق.

عندئذٍ، بمجرد تغيير شيء بسيط مثل مكان التدريب من مسطح عشبي إلى مواقف السيارات، وإدخال ظروف التضاريس الوعرة وغير اعتيادية، فإنك تعزز التوقع/الحدس والسرعة.

ستتعلم الوصول أولاً، وستطلق الكرة باكراً، وستمرر الكرة بسرعة. باختصار، أنت تقوم بتدريب ثلاثة تصرفات في آنٍ واحد. واللاعبون الأقوياء والضخام ربما لم يتدربوا على هذه التفاصيل أبداً.

لكن لاحقاً، عندما نكون في سن 18 عاماً وفي مباراة تنافسية، سيكون الاختلاف بيني وبين الرجل القوي هو أنني أعرف كيف أتوقع، وأفاجأُ <الآخرين> بالسرعة، وفي النهاية، أفكر بشكل أسرع لأنه إبان مرحلة تكويني كان لدي فرصة العمل على هذه الجوانب التي قد تبدو ثانوية ولكنها أساسية في لحظة الحقيقة.

في مسيرتي المهنية كمحترف، أنقذتني هذه التفاصيل في العديد من المواقف. فحين كنت لا أزال طفلاً، طورت التكنيك في التدريب لأتمكن من استغلال موهبتي بشكل أفضل والتغلب على وهني وضعفي البدني بالمقارنة باللاعبين الأضخم، هم أضخم فعلاً ولكنهم أبطأ كذلك. وهذا لا يعني أني تدربت أكثر، ولكني استفدت أقصى استفادة من التدريبات.

لم أزل معتقداً بأن لكل عيبٍ مزايا. فإذا كنت قصيراً، يجب أن يقظاً أكثر. وإذا لم أكن قوياً، فيجب أن أكون أكثر ذكاءً، ليس لدي أي خيار آخر. الأمر الشائن هو أن الشباب الذين يمتازون بالإبداع والتكنيك يُستبعدون، لذلك عددهم يقل ويقل، ومن ثمة يصعب العثور على لاعبين من نوع أيمار أو سافيولا على سبيل المثال.

في ذلك يجب أن ننسب الفضل إلى ماركو فان باستن، -لاعب من الصف الأول اضطر إلى الاعتزال بسبب الإصابات، بكل خبرته المتراكمة ومكانته- حيث قال: “في رأيي، إن كان قد دربني عشرة مدربين، فأحدهم علمني شيئاً، وثلاثة لم يفسدوني، وستة منهم حاولوا تدميري”.

أما أنا في المقابل كنت محظوظاً جداً لوجود مدربين يقدرون كرة القدم. وعلى الرغم من أني لم أمتلك القوة البدنية لتنفيذ ركنية بشكل جيد، إلا أنهم وضعوني دائماً في الفريق. وبسبب بنيتي، لم أتمكن من التسديد من خارج منطقة الجزاء. كانت كارثة، الكرة لا تصل إلى المرمى. ولكن نتيجة لذلك فقد مدوا يد العون، وحاولوا مساعدتي في التغلب على محدوديتي، إذ أضافوا حصصاً لبناء العضلات في تحضيراتي، ولكن قبل كل شيء، قاموا بتحفيز السرعة دون إساءة استخدام لهذه التمارين أيضاً.

اليوم، يدعي الكثيرون أنهم يستحقون ذلك، لكن القليل منهم يستطيع إثبات ذلك. لم يمسوا جودتي أبداً وهذه هي الطريقة التي تعلمت بها أهم شيء لأصبح مدرباً لاحقاً: لست مضطراً أبداً أن تمسس جودة شخص ما. إذ نعمل في التدريب على التعديل، بل وبجرعات صغيرة منها. اعتمدت في مسيرتي التدريبية بالكامل على تحليل كل لاعب بعينه، ومن هنا، نعمل على جودته وأن يكون لهذه الجودة تأثير إيجابي على أداء الفريق وعلى العرض.

الانتظام الذاتي في كرة القدم

“أترى أحياناً سرباً من النحل يخرج من خليته؟ … العالم، أو الكتلة العامة للمادة، هي خلية كبيرة… هل ترى السرب يتحرك إلى نهاية غصن شجرة مُشكلاً مجموعة طويلة من الحيوانات الصغيرة المجنحة، وجميعها مرتبطة ببعضها البعض بواسطة أقدامها؟ …. هذا التجمع هو كائن، فرد، حيوان من نوعٍ ما … لكن هذه المجموعات يجب أن تكون متشابهة مع بعضها البعض. نعم لو سمح بمادة واحدة متجانسة فقط … أرأيتها؟ “نعم، لقد رأيتها.” “هل رأيتها؟” “نعم يا صديقي، كما قلت لك.” “إذا قرر أحد هؤلاء النحل بطريقة ما أن يلسع النحلة التي تعلق بها، فماذا سيحدث باعتقادك؟ أخبرني.” “ليس لدي فكرة.” “أخبرني، على أي حال … لذلك أنت لا تعرف، لكن الفيلسوف يعرف … نعم، هو يعرف. إذا رأيته يوماً ما، ولا بد لك من رؤيته في وقتٍ ما -لأنه وعدك بذلك- فسيخبرك أن النحلة الثانية ستلسع النحلة المجاورة لها، فستثور المجموعة بأكملها وسيكون هناك أحاسيس مستثارة بمثل عدد الحيوانات الصغيرة، أي أن كل شيء سوف يثور، وسيغير نفسه، وسيغير موضعه وشكله، ثم ستنشأ ضوضاء، صرخات صغيرة، وأن الشخص الذي لم يسبق له أن رأى مجموعة كهذه ترتب نفسها بنفسها سيميل إلى اعتقاد أنه حيوانٌ له خمس أو ستمائة رأس وألف أو اثنا عشر مائة جناح … ” -دُنِي ديديرو

استخدمت إيزابيل ستينغرز هذا المقطع من “حلم دالُمبير” للفيلسوف ديدرو، إذ دللت بأن ديدرو كان يعرف بلا وعيٍ ما يُعرف اليوم بالإنتظام الذاتي (self-organization). الانتظام الذاتي هو انتظام عفوي ينشأ عبر تفاعل عناصر نظام معين، يكون في بدايته مضطرب وغير منظم، يحدث هذا الانتظام بلا أي عوامل خارجية، أي أن كل عنصر ينظم نفسه مع بقية العناصر وبالتالي يحدث التناغم. يعرّف دوارتي أراوجو الانتظام الذاتي على أنه آلية ملازمة للنظم المعقدة في الطبيعة، وهي توضّح كيف ينشأ النظام بسبب التقلبات الحرجة في الديناميات الذاتية للنظام.

لقد خصصتُ مقالة في كتابي الذي نشرته مؤخراً عن الانتظام الذاتي وهي ضمناً تفترض أن كرة القدم بدأت بدون مدرب ومن الممكن أن تقوم بلا مدرب. مع يقيني بصعوبة تفهم السواد الأعظم لذلك. اليوم يبدو أن المدربين بأي لعبة يُوضعون بذات السلة، إذا كان “س” لديه أسلوب خاص فبالضرورة المدرب “ص” له أسلوب خاص. والحق أن عدد الأساليب أو اللا أساليب بعدد المدربين، فكل مدرب له معالجة وقراءة معينة للأمور. ربما لا يعي البعض أن هنالك مدربين يرفضون الأسلوب ويعتبرونه قمعاً لحرية اتخاذ القرار في الملعب وتجني على اللاعب كبشر مفكر وذكي وقادر على التكيف والتنظم ذاتياً. في المقابل، هناك مدربون واعون لذلك فهم يضعون أسلوباً كنوع من العرض أو الإرشاد، فمهما يكن من الأمر، فاللعبة جماعية وصنع لغة مشتركة يتواصل بها الزملاء ستكون مثرية، سيما إذا امتلك الفريق لاعبون استثنائيون قادرين على إضفاء الجديد والابتكار والعزف ضمن السرب بلا تنشيز. أو حتى تحسين شبكات الاتصال والتنظيم من خلال إنتاج سلوكيات محبذة تساعد على نشوء تآزر ترابطي وتناغم بين الزملاء طبقاً لخافيير مايّـو. فاللاعب يحسن من الآخر والعكس، فكلما تحسنت تصرفات اللاعبين كلما تحسن الفريق، يرى أوسكار كانو أن هنالك لاعبين يطورون السياق للجميع مع كل كرة يلمسونها. فالتصرفات الذكية تسهل اللعب للفريق ككل، سواءً بمراوغة تقصي لاعباً وتنقل الفريق لحالة تفوق مركزي وعددي أو تمريرة تشق طريقها متخطية 3-4 لاعبين أو استلام صحيح نحو المرمى، توفير مسار تمرير… الخ.

لكن السؤال ما هو دور المدرب الممكن في الفريق؟ بمانشيت عريض سنقول بأن المدرب هو الجانب المتنبأ به في كرة القدم، دوره يتجلى فيما يستطيع التحكم فيه. دوره في النظام order، وبناء عادات محددة وسلوكيات معينة، محاولاً تقليص العشوائية وتقليص الصدفة، لأنه يستحيل إلغاء هذه العوامل المتأصلة في كرة القدم من حيث هي نظام معقد. إن التواصل والتفاعل بين اللاعبين -كعناصر- يخلق نظاماً، لك أن ترى مباريات الحواري وستجد بعض الفرق تلعب بشكل جيد، تبني هجمات، يقفون بشكل معين، ويخططون عفوياً، بالطبع ليس على مستوىً عالٍ ولكنه ممكن وواقعي. ولكن المدرب العارف والخبير سيحفز بروز تصرفات أكثر نفعاً للفريق من خلال تكرارها في التمارين، ليس كنمط رتيب، إنما كاستراتيجية يمكن أن يثريها اللاعبون بابتداع الجديد وفق ما تقتضيه الحالة، أي بروز مشكلة يتعين على اللاعب حلها، يؤكد هذا مينديليبار مدرب إيبار والذي يقول “لا أستطيع السيطرة على اللاعبين من على مقاعد البدلاء، عليهم اتخاذ القرارات. أقدر حقاً اللاعب الذي يتخذ قراراً في الملعب دون أن ينتظر ما سأقوله له.” هوية الفريق تنشأ وتتبلور عبر تنظيم المدرب وعبر عفوية وغريزية اللاعب وإبداعه، عبر الاستقرار الهيكلي المنسق من قِبل المدرب، خطة الفريق 4-3-3، 4-4-2… الخ، مركز اللاعب وأدواره، مركز الثقل للفريق؛ أي أين يقف في الحالة الدفاعية وإلى أي مكان يحبذ توجيه اللعب. وهناك اللااستقرار في دينامية اللعب وحركة اللاعب وحركة الزميل وفقاً للخصم، تبادل المراكز الذي تفرضه تقلبات النظام وطبيعته العشوائية، أي أن المدرب بمقدوره العمل على المستوى الماكروي-الكبروي في اللعبة فيما يتصرف اللاعب على المستوى الصغروي-المايكروي، المراوغة والتمرير وتبوء مساحة وإلى غير ذلك، يبدأ النظام باستقرار ثم يبدأ بالاضطراب ويتمازج اللاعبون بهيئة شبكة من التفاعلات، ما يعرف بالإنتروبيا في الديناميكا الحرارية، أي أن النظام يذهب نحو ازدياد العشوائية ولا يمكن أن يعود للإستقرار إلا عند خروج الكرة من الملعب أو عودتها مثلاً للحارس وبذلك يتأتى للفريق الانتظام مجدداً وهكذا بشكل حلقي دائري. فإذا كان المدرب يمثل الجزء الواضح والمتنبأ به فاللاعب على العكس يمثل اللاتنبؤية والغموض واللامتوقع، فهذه هي كرة القدم، ما بين متوقع ولا متوقع، بين استقرار واختلال، بين نظام ولا نظام، هذه التناقضات والمفارقات بين المدرب واللاعب تشكل العرض… وكلما زاد التنظيم من المدرب تقلصت دينامية الفريق وانسيابيته فيصبح فريقاً نمطياً روتينياً كالآلة التي لا تصدر إلا منتجاً واحداً. والعكس كلما ازدادت الفردية كلما ازدادت فوضى غير محمودة، فالفريق سيبدو مفككاً وبلا تناغم ولا تعاون، الكل يقف بمركزه لا مبالٍ بكونه جزءاً من كل، فهو فردٌ يشكل جزءاً من فريق وبمقدور كل فرد تشكيل كل أكبر من مجموع الأجزاء إذا ما تكاتفوا وتعاونوا وانتظموا ذاتياً.

“عندما يكون هناك تفاعل بين معرفة اللاعب المحددة وبين أفكار المدرب في اللعب، ستكون النتيجة مشروعاً جماعياً ديناميكياً للعب، وللمفارقة، في ذات الأثناء، سيكون متنبأ به وغير متنبأ به. تنبثق القدرة على التنبؤ من أفكار اللعب التي ينقلها المدرب وهي منظمة على المستوى الكبروي. من ناحية أخرى، ينشأ اللاتنبؤ من القراءة والتفاعل المنظم على المستوى الجزئي-الصغروي الذي يصنعه اللاعبون المختلفون من تلك الأفكار، بمعرفتهم وإدراكهم ومزاياهم.” -غارغانتا وتوليدو وغيليرمي.

“نحن نبني بيننا لغة مشتركة نفهم من خلالها ما نقوم به. غالباً ما تكون تلك اللغة لا واعية؛ إنه تفاهم. ولكن حتى بدون مدرب يحدث ذلك؛ عندما كنا أطفالاً نتعلم أنه عندما تظهر مواقف معينة، فمن الأفضل القيام بأمور معينة”. -خوانما ليـّو

رالف رانغنيك.. صناعة الكرة

واجه رالف رانغنيك مقاومةً وتمنعاً في البداية، ألمانيا إذ ذاك لا يزال فيها دور الليبرو أو القشاش، ولا يزال دفاع الرجل لرجل بشكله القديم هو السائد، يتقدمهم أوتو ريهاغيل. يخرج رانغنيك في شاشة التلفاز ليعلن عن فكرته المستلهمة من ساكّي ولوبانوفسكي؛ خط دفاع رباعي وبلا قشاش! ليس ذلك وحسب، بل لن يلاحق المدافع المهاجم إلا في حدود منطقته، تتباين ردود الأفعال فذاك المتعجب وذاك الساخر، كسخرية وتهكم الاعلام به وتسميته بـ “بروفيسور الكرة”. كانت تعد هرطقة وقتئذٍ يقول رانغنيك.

يبدو أن هذا التهكم أصبح حقيقة لاحقاً، إذ دأب رانغنيك على تطبيق كرته وحمل فكرته في كل فرقه التي دربها، بدءاً من الفرق الهاوية وصولاً للدرجات الدنيا مع فريق “أولم” ووصولاً للبونديسليغا عبر شتوتغارت وكلا الناديين يقبعانِ في ولاية بادن-فورتمبيرغ في جنوب غربي ألمانيا. تلك المنطقة شهدت ثورة كروية في الثمانينات، وكان خلفها مدرب ومهندس مدني يُدعى هيلموت غروس، وهو الملهم لرانغنيك، ومعاً وصلا بكرتهما إلى القمة في ألمانيا نهاية التسعينات ولكنها نجحت فعلاً بالجمع ما بين الأداء والنتيجة في نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة عبر هوفنهايم.

قضى غروس مسيرته التدريبية خلف الكواليس، مسؤولاً عن المنهجية التدريبية والكشافة وهو دوره في أندية رد بُل حتى تنحى الصيف الماضي. غروس متصالح مع هذه الفكرة؛ أي البقاء بعيداً عن الأضواء: “أفضل أن أكون في الكواليس”، لم يخطط المدرب السابق لعدة أندية هاوية بمسيرة احترافية؛ “كمهندس مدني، كنت منخرطًا في بناء الجسور طوال السنوات الماضية وكانت مسيرتي المهنية مُرضية، لذا لم أكن مهتماً أبداً بالاحتراف في كرة القدم. كانت ولا زالت كرة القدم شغفًا، لكنها لم تتحكم بي.”

روجر شميدت وماركوس غيسدول وأنا شكلنا هيلموت غروس، وهو مدربٌ عظيم من فورتمبرغ، طبق فعلاً أسلوب الضغط والتغطية المكانية المناطة بالكرة في منتصف الثمانينات.

“التقيت هناك بمهندس انشائي كان قد تعلم التكتيكات ذاتياً وأصبح أول من يطبق التغطية الموجهة للكرة، نظام يجمع ما بين دفاع المنطقة والضغط الشرس، كان اسمه هيلموت غروس.”

-رالف رانغنيك
Adieu RB Leipzig! Fußball-Philosoph und Rangnick-Mentor Helmut ...
غروس ورانغنيك.

بقي هيلموت غروس مغموراً إلى يومنا هذا، غير أن صاحب الـ 72 عاماً كان العضيد واليد اليمنى لرانغنيك، وهذه العلاقة بدأت بين الثنائي منذ بداية الثمانينات. ومن الوهلة الأولى بدا التوافق والتوائم بينهما في رؤية كرة القدم. “غروس سبق عصره” يبين رانغنيك: “تعرفت به حينما كنت في الخاسمة والعشرين من عمري، أدركت فوراً بأنه كان مختلفاً.” درس المدربان عدة مدربين أبرزهم إرنست هابل وفاليري لوبناوفسكي وأخيراً أريغو ساكي، حيث يبدو ميلهما إلى الكرة ذات النسق والرتم العالي، وإلى الضغط ونصب الفخاخ لانتزاع الكرة ولكن في ثلث الخصم الأول وبالقرب من مرمى الخصم. ذهبت أحلام المدربَيْن إلى أبعد من ذلك فبدأا محاولة نشر أفكارهما وطرحها منهجياً في اتحاد منطقة فورتمبيرغ لكرة القدم، وكذلك في نادي شتوتغارت أكبر أندية المنطقة والذي كان يقود فئاته السنية غروس وقد اختار رانغنيك كمدرب وهو الخيار المثالي لتطبيق كرة غروس حسب تعبير الأخير، هذه الكرة التي بدأ صياغتها غروس في ناد من الدرجة السادسة يدعى غايسلنغن. لم تكن هناك لغة كروية، ولا مراجع لغروس ورانغنيك، إذ يشير الأخير إلى أنه “لم يكن هناك كتب ولا تمارين يمكن أن ننهل منها، حتى المعجم لا وجود له”، وهذا اضطرهما لصناعة المواد والكتيبات التدريبية. غروس ورانغنيك لم ينفكا القيام بذلك حتى اللحظة، أي تعليم المدربين أسلوبهم والحقيقة أن لهما الفضل الأكبر في ازدهار المدرسة التدريبيةوتبلورها في ألمانيا، عدد لا بأس به من المدربين مروا برانغنيك إما كمساعدين أو كلاعبين، أخيم بايرلورتزر مدرب ماينتز، أوليفر غلارزنر مدرب فولفسبورغ.

من بين المدربين الذين تخرجوا من تلك المدرسة الكروية توماس توخيل والذي شبهها بمدرسة أياكس وبرشلونة، بالإضافة إلى ماركوس غيسدول وهذا الأخير تدرب على يد غروس في غايسلنغن وهو من أطلق عليه لقب أريغو ساكي الكرة الألمانية، غيسدول اعتزل كرة القدم بعمر 27 بسبب إصابةٍ في ركبته وقال إزاء توجهه للتدريب “قدم إليّ وناقشنا المادة التي طورها في مدارس التدريب، كنت متحمساً”. هذا دوناً عن ذكر مدربين تأثروا بأسلوب رانغنيك كأليكساندر زورنيغز، أدي هوتر، روجر شميدت وغيرهم. غروس وكذلك رانغنيك أسسا لما سمي لاحقاً بـ konzepttrainers وهو مصطلح ألماني يطلق على المدربين الذيم يمتلكون أسلوباً واضحاً وطويل المدى.

“التعاون مع رالف رانغنيك وهيلموت غروس أثر فيّ، يمتلكون خبرة في هذا النوع من اللعب”، رانغينك أعجب بباديربورن الخاص بروجر شميدت وعرض عليه تدريب رد بُل عام 2012، شميدت لم يتردد في قبول العرض “حاولنا بناء فريق شاب بكرة قدم خاصة؛ كرة شرسة وضغط عالي.” يزعم رانغنيك أنه قادر على تحويل عدائي المسافات المتوسطة إلى لاعبين قادرين على تقديم كرته خلال 4 أسابيع “أعطني 16 من عدائي المسافات المتوسطة وسيكونون قادرين على تطبيق التغطية المكانية الموجه للكرة […] مكان الكرة هي الفكرة المركزية، نريد أن نكون حيث تكون الكرة”. رانغنيك كساكّي، لا يرى أن الجودة الفردية ستصنع كرة جماعية، قد تنتصر بفضل الفرديات لكن قد لا تقدم كرة تبهج الجماهير. مغمورون، دائماً هم لاعبوه، لأنه قادر على تطويرهم ما لم يتملكوا الحد الأدنى من المهارات بلا شك. فبفضل كشافيه يقتنص رانغنيك اللاعبين الأنسب لكرته، ليس فقط تكتيكياً-فنياً وإنما سلوكياً من حيث العطاء والتضحيات، كرته تنطوي على الكثير من الركض… الذكي بالضرورة.

كمناصريْن لدفاع المنطقة بدأ غروس ورانغنيك متابعة الفرق من هذا المنطلق، كانا معجبيْن بهولندا إرنست هابل، كانوا من الفرق القلائل الذين يطبقون دفاع المنطقة آنذاك “كان هابل أحد القدوات بالنسبة لنا، استعرنا بعض العناصر من عنده، كالدفاع برباعي وضبط التسلل”. ومن هابل إلى لوبانوفسكي، وهذا الأوكراني كان أحد المؤثرين بأسلوب غروس، هيلموت كان محظوظاً حيث شهد تدريبات دينامو كييف على الطبيعة خلال معسكر منتصف الموسم والذي أقامه الأوكران في جنوب غرب ألمانيا كعادتهم وقتها. رانغنيك لعب ضد لوبانوفسكي دينامو بفريقه الهاوي فيكتوريا باكنانغ عام 1983 ولم يخفِ اعجابه “أنا متأكد أنهم يمتلكون لاعباً زائداً”. كان ذلك بمثابة الانكشاف أو التجلي الكروي، لسان حال رانغنيك كان “يوريكا … وجدتها” يؤكد صاحب الـ60 عاماً “فهمت أن هناك طريقةً مختلفة للعب”.

“كنت أدرب في باكنانغ عام 1984 عندما لعبنا مباراة ودية ضد دينامو كييف لوبانوفسكي. كانوا يقيمون معسكراً تدريبياً شتوياً لمدة أسبوعين كل عام، يقبع بالقرب منّا، وكنا خصومًا بهذه المناسبة. لم أكن أصدق ما كنت أراه … حركتهم وحيويتهم، انتظامهم كان مذهلاً.”

-رالف رانغنيك

أكثر المؤثرين برانغنيك وغروس كان أريغو ساكّي، يشترك الثلاثي -رانغنيك وغروس وساكّي- بأنهم لم يركلوا الكرة على المستوى الاحترافي، رانغنيك هو الآخر لم يتخطى الدرجة الخامسة في ألمانيا، فِهم اللعبة وحتى الاختراع والابتكار ليس له علاقة بالاحتراف. يتحدث رانغنيك عن مثله الأعلى وملهمه: “لم يكن اسماً كبيراً، لم يحظَ بمسيرة لامعة كلاعب، كان يشبه لوي دو فونيس (كوميدي فرنسي)، لا يمكن أن نتصور أن نادياً ألمانيا سيعين رجلاً مثله آنذاك، كسر ساكي التابو”. رانغنيك وغروس كانا مهووسان بساكّي، استطاع الثنائي الحصول على أشرطة لمباريات ميلان ساكّي، بفضل معارف لهم في إيطاليا، غروس يتذكر: “ابتعت مسجل فيديو غالي الثمن، كان الأحدث في السوق آنذاك. ولكن سرعان ما اخترب لأننا كنا نعيد ونقدم الشريط لنرى تفاصيل تكتيكات ساكّي ومدربين آخرين”. يتذكر رانغنيك بأنه بمجرد أن تعرف بغروس شاهدا فيديو لمباريات ميلان ساكي، “لم يكن أحد يلعب بهذه لطريقة في ألمانيا”. أيضاً في إيطاليا كان هنالك رائد من رواد اللعب بالمنطقة والضغط الشرس، رانغنيك لا يفوت الفرصة. يختار رالف أن يصيف برفقة العائلة في شمال إيطاليا حيث جبال سودتيرول أو آلتو أديجي ثنائية اللغة إيطالية/ألمانية، هناك حيث معسكر الفريق الممتع والثوري فوجيا الخاص بزدينيك زيمان “زيمان كذلك كان رائداً في الضغط وتغطية المساحة (دفاع المنطقة) في كل أرجاء الملعب.”

يبحث رانغنيك وغروس عن فرق شرسة وحادة في الحالة الدفاعية، لا تبحث وكفى عن حماية المرمى، بل هناك سعياً حثيثاً لاستعادة الكرة في أقرب فرصة. ذلك لن يحدث إلا عند تقليص الوقت والمساحة ونزعهما من الخصم، يشرح غروس: “كانت فكرتي أنه يجب عليك الفوز بالكرة في أسرع وقت ممكن، هكذا نشأت فكرة التغطية المكانية الموجهة للكرة”. هذا لا يحدث عبر اندفاع عشوائي وإنما باستخدام آليات ضغط وتمركز جيد يستطيع الفريق إرغام الخصم على ارتكاب الأخطاء في التمرير. ثم هناك ما يُعرف بمصايد الضغط، نصب طعم للخصم، بحيث يفسحون قليلاً من المساحة في العمق وبمجرد دخول الكرة للعمق يُحاصر حامل الكرة وتُغلق بوجهه مسارات التمرير ويمنع من الدوران، هذا عطفاً على رفع النسق عند انتقال الكرة للطرف.

اللعب في العمق أمام لايبزغ جحيم، فبانتظار مستقبل الكرة كماشة متوحشة.

ترتكز كرة رانغنيك وغروس على الحالة الدفاعية، على الضغط وعلى المرتدات، وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال افتقاد الفريق للهجوم، حتى في الشوارع لا تخلو كرة القدم من دفاع وهجوم تحولات وكرات ثابتة. لكن استطالة الاستحواذ قد تكون له سلبياته وهذا ما لا يفضله رانغنيك، إنما يرى كرة القدم بطبيعتها سجال، أهاجم وأدافع وأتحاور مع الخصم. الهيمنة على الكرة أحياناً كثيرة هي كالطمع والجشع، كتجميع المال بلا طائل، “أريد أن نمتلك الكرة” لكن لماذا؟ بالطبع هناك إجابات مقنعة لدى غوارديولا أو كرويف، هناك مغزى من تناقل الكرة، حتى لو كان للاحتماء من هجمات الخصم.

جيسي مارش مدرب رد بُل سالزبورغ حالياً ومساعد رانغنيك الموسم الماضي يشرح أسلوب فرق رد بُلّ، البحث عن الحلول عمودياً لوصول سريع لمرمى الخصم، زائداً تكثيف العمق. وهذا بالطبع ينطوي على تكتيكات وآليات لا كلاماً مرسلاً.

في حالة الهجوم -والمتردات وهي حالة هجومية بالطبيعة- يبحث الفريق عن العمق حيثما يكون المرمى. ولا يرغبون بالخروج للأطراف. كذلك في الحالة الدفاعية، يسعون لتكثيف العمق، ولذا هم يفضلون خططاً كـ4-4-2 تبدو وكأنها 4-2-2-2 حيث يميل الجناحان للعمق، أو كـ4-3-1-2 وهذا ما صرح به رانغنيك سابقاً، 4-4-2 وتفرعاتها تبدو مثالية لتكثيف العمق وكذلك لتوفرها انتشارٍ جيدٍ.

يبحث الفريق عن العمق حيثما يكون المرمى، في الهجوم المنظم أو المضاد أو في حالات بين بين (الكرات العالية) نجد أن الفريق كما هو موضح في الصورة يغمرون العمق ويكثفونه ويهاجمون من خلاله. المهاجمين مستعدين للتوغل بمجرد استعادة الكرة.

ارتداد وتحول سلوكي انسيابي لدى لايبزغ، راقبوا استباق زابيتزر #7 وبولسن #9، لن أقول سريع لأن معظم المرتدات سريعة كون الخصم مفتوح أحياناً كثيرة.

في الحالة الهجومية “يعتقد الناس دائمًا أن حيازة الكرة فتراتٍ طويلة يؤدي إلى المزيد من فرص التهديف. لا يمكن إثبات هذا الارتباط إحصائياً”. يبدو أن غروس لا يحفل بالهيمنة عند الاستحواذ، هو يعتقد أنك لا تحتاج إلى الكثير من الاستحواذ للتقدم بالكرة وخلق فرص التسجيل، رانغنيك يصادق على قول رفيق دربه مشبهاً نقل الكرة من جهة لأخرى بكرة اليد، أو ما يسميه غوراديولا بـU shape أي تناقل الكرة بين الطرفين وحول هيكل الخصم وليس دواخلهم (عمق). عزا هيلموت غروس إقصاء فرنسا لألمانيا في يورو 2016 للاستحواذ قائلاً: “استحوذت ألمانيا كثيراً على الكرة. عندما تلعب على الاستحواذ، فإنك تقوم بتنحية الإيقاع تلقائياً من اللعب؛ أنت تلعب كثيراً في الأطراف”. ومع ذلك، فإنه يعتقد أنه إذا استحوذ الفريق على الكرة لفترة بشكل جيد “يمكن أن تؤدي إلى إرهاق ذهني للخصم”. لكنه يصر على عدم وقوع فرقهم في هذا الفخ “في لايبزغ نحن لا نتعب ذهنياً، عندما تكون الكرة بحوزة الخصم، فنحن نتطلع لأن يحدد الخصم إيقاع اللعب. ثم لدينا فرص أكبر لاستعادة الكرة بأنفسنا”.

عند امتلاك الكرة، يطمع رانغنيك باختراق خصومه بأسرع وقت ممكن، تبادل عمودي سريع للكرة، حركة سلسة. مثل زيمان، الذي يرى أن تمريرتين عرضيتين كثير وغير ذي جدوى. أحياناً تدفع الثمن عندما تفعل ذلك، خصوصاً حينما لا تحتمي بهيكل جيد عندما تمتلك الكرة، أي تقارب اللاعبين من منطقة الكرة وتغطية المناطق التي يستهدفها الخصم في المرتدات. يعتقد غوارديولا أنك بحاجة لما لا يقل عن 10 تمريرات كي تشيد هيكلاً جيداً، تناقلٌ للكرة بين القلبين، مثلاً، ويتقدم الهيكل ويرتحل للأمام ومن ثم يكون مستعداً للتمريرة الكاسرة، إن نجحت كان بها وإن لم تنجح فهناك مجال للانقضاض واستعادة الكرة. رانغنيك لا يرى أن ذلك ضرورياً… يهاجم فوراً، ولكن ليس باعتباط، لأن فرقه تتخذ شكلا وهيكلاً ضيقاً عادة، فاللاعبون متقاربون تلقائياً، والمنطقة حول الكرة مكتظة باللاعبين، كفرق ساكي.

لاكتظاظ العمق وبتوجيه اللاعبين لأجسادهم بشكل صحيح وإلقاء نظرات سريعة لما خلفهم يستطيع الفريق اغلاق مسارات التمرير، عدا ذلك فالفريق مضطر للعودة وسد الثغرات.

اشتهر مصطلح Gegenpressing مع كلوب قبل سنوات، وارتبط بالكرة الألمانية. “الضغط المضاد” هو ما تعنيه هذه الكلمة، هو ما أشرنا له في السطور السابقة. فحينما يخسر الفريق الكرة ويضغط بشكل شرس لاستعادة الكرة هو ما يطلق عليه بالضغط المضاد، هو قتل هجمات الخصم المرتدة من المهد. مرحلة مميزة في فلسلفة رانغنيك وغروس، جامحة وعنيفة وتبدو فوضوية؛ “عندما يلاحق ثلاثة لاعبين في سرب خلف كرةٍ فقدت للتو، قد تبدو فوضوية في بعض الأحيان، ولكنها فوضى منظمة وإبداعية للغاية”. هكذا يصف غروس الضغط المضاد الخاص بهم. ليس الضغط المضاد بالجديد، إذ تطورت من هابل مروراً بميخلز ولوبانوفسكي ووصولاً لساكي، وانتهاءً بشكلها الجامح عبر رانغنيك وكلوب وشميدت.

ساهم رد بُل لايبزغ مع الباحثين وخبراء التكنولوجيا في تصميم SoccerBot360 وهو تمرين واقع افتراضي لتطوير المهارات المعرفية/الإدراكي. بالإضافة لاستخدامهم تقنية Helix و footbonaut التي ساهم بتصميمها رانغنيك وكلتا التقنيتين من SAP.

كرة القدم في وقتنا الراهن ومع اضمحلال المساحات ومؤدى ذلك في كثرة التحولات وتقلب أحوال اللعب وسرعتها أصبحت تتطلب حدة ذهنية وتركيزاً مضاعفاً. على اللاعبين اليوم استقبال ومعالجة المدخلات الحسية بسرعة للتأقلم مع واقع اللعبة المعقد أكثر فأكثر. ولهذا يقول أليكساندر دزورنيغر أن التحولات في اللعب كثيرة وينبغي أن نكون متهيئين. رانغنيك وغروس يثقان بالعلم ويحاولان التعاون مع مراكز الأبحاث في تطوير القدرات المعرفية/الإدراكية، يقول غروس: “أكبر معدلات النمو تتم عقب تدريب الدماغ […] يجب على اللاعب أن يلاحظ ويتوقع ويحلل ويقرر بسرعة، ثم يتصرف بأسرع ما يمكن. إن إمكانات الدماغ هائلة ولا يمكننا حتى تقديرها”. يضيف غروس قائلاً: “هناك باحثون يطورون ألعاب كمبيوتر خاصة للاعبي كرة القدم طمعاً في تطوير مهارات التفكير هذه. كل هذه الأمور مهمة جدًا بالنسبة لنا في لايبزغ. لدينا -من بين أمور أخرى- علاقات وثيقة مع الجامعات، إننا نتعلم منهم، ولكن هنالك أمورٌ نقوم بها نحن”. يركز رانغنيك في تدريباته على المباريات المصغرة والمساحات المضغوطة لإرغام اللاعبين التأقلم والاعتياد على تعقيد اللعبة: “إننا ندرب بشكل ديناميكي ودائماً عبر حالات تكتيكية. نحن نتدرب على المباريات المصغرة، والتي تستغرق ما بين 30 و 60 ثانية فقط. ولكن في وتيرة لا تتحقق في كثير من الأحيان في المباراة. تتم مراقبة وتقييم جميع المعلمات البدنية باستخدام نظام GPS.”

“المدربون الألمان لم يُعرفوا أبداً بأنهم استراتيجيون مميزين”. يزعم رانجنيك، “كأس العالم التي رُبحت كانت تعتمد على القتالية والمهارات الفردية للاعبين”. على الرغم من أن سيب هيربرغر وأوتمار هيتزفيلد تميزا تكتيكياً إلا أن كرة القدم الألمانية كانت تفتقر إلى هوية خاصة. يميل غروس كذلك للجماعية وأسلوب الفريق حيث “أظهر المدربون الأصغر سناً مثل كلوب، وسترايخ وتوخيل أن كرة القدم في الأساس رياضة جماعية، وكما هو الحال في إسبانيا، من الممكن القيام بالكثير كمجموعة. ربما يجب على الإنجليز أن يتعلموا، النجم المدفوع الثمن بالكاد يمكن أن يحرك شيئاً. إيطاليا تقليدياً أرض التكتيك والعمل الجماعي الذكي”. في مقابلة مع سبوكس يرد على هونيس الذي يرى بأن الفرديات هي التي ستجلب لك النصر مدعياً -أي غروس- بأن التكتيكات طريقٌ للفوز؛ “.. ماذا سيحدث إذا تساوت كفة الفريقيْن؟ ماذا سيحدث إذا كان لديك لاعبين أضعف على الورق؟ هل يجب على المرء أن يستسلم على الفور؟ التكتيكات ليست إلا أحد جوانب كرة القدم، ولكنه جانبٌ مهمٌ جداً”.

عُرف الألمان بالذهنية القوية، وعقلية الانتصار، ولكن في أوائل الألفية الثانية، بدأت كرة القدم الألمانية في التغير. بلا شك -ولو بطريقة غير مباشرة- قدم غروس و رانغنيك مساهمة ملموسة في كرة القدم الحديثة في المنطقة الناطقة بالألمانية عموماً. تأسيس ثقافة تكتيكية وطريقة جديدة للتفكير في كرة القدم، مع التأكيد على أن العمل الجماعي يأتي أولاً.

في ميلان وهي وجهة رانغنيك المحتملة، ويبدو من خلال سير المفاوضات أن الألماني وضع شروطه، ماركوس شوبّ لاعب بريشيا السابق ومدرب هارتبرغ النمساوي سيكون الخبير بالكرة الإيطالية بالنسبة لرانغنيك. وضع الشروط خطوة مهمة، رانغنيك لا يهمه ميلان مهما كبُر اسمه، فالأندية كيانات لا وجود لها فيزيقيا جسدياً، والإنسان، أي إنسان أكبر من هذه الكيانات الوهمية، الأندية والشركات ليس لها قيمة بدون الإنسان، أفكار ووعي الإنسان هي التي صنعت الكيانات، ولكي يعود الميلان بطلاً ينبغي أن يعود بالأفكار التي يحملها الرجال، أو يأخذوا الأمور “من قاصرها” بالأموال، فلا حاجة للأفكار والاستراتيجيات كما يفعل رانغنيك فهو مطور لما حوله من لاعبين أو حتى مدربين فضلاً عن ثقته بالعلم، واستغلال الأموال بالشكل الصحيح. وأيّاً يكن فحقيقة النتائج أكبر من أي شيء. هكذا تسير كرة القدم، ببراغماتية، أعطني نتائج وسأبني لك تمثالاً، لا تهمني أفكارك ولا استراتيجيك، سيكون كلاماً جميلاً، نردده في الإعلام وقت الرخاء فقط ووقت امتحان الصبر تسقط الأقنعة.

“الفوز أمرٌ مهم، ولكن أن يكون لديك أسلوبك الخاص، أن يكون هناك من يستنسخ أسلوبك، ومن هو معجبٌ بك، تلك هي الهدية الأعظم”.

-يوهان كرويف

خوانما لـيّـو: الرحلة قبل القبلة

أصغر مدرب في تاريخ اللا ليغا الإسبانية بعد صعوده بسالامانكا إلى دوري الأضواء بعمر الـ29 فقط. بعد الخسارة ذهاباً من الباسيتي 2-0 أستطاع المدرب المولود في تولوسا في إقليم الباسك سحق الباسيتي بخماسية نظيفة صعدت بالفريق إلى الدرجة الممتازة بعد غياب دام 12 عام، أو بتعبير أصح، صعد الفريق، ذلك لأن ليـّو يرفض حتى الاحتفال بالأهداف كونها من صنع اللاعبين وهو كمدرب لن يغتصب الفضل بحسب تعبيره. المدرب الباسكي الذي اعتزل صغيراً جداً قبل حتى أن يخطو خطاه الأولى في كرة القدم “للصالات” لأن “قدماي وعقلي لايتفقان، لكنني أحسست فعلاً بأنني مدرب” الأكثر غرابة أنه بدأ التدريب بعمر 16 سنة فقط بفريقٍ هاوٍ يدعى “أماروز” وبعد 4 سنوات وبعمر الـ20 التحق خوانما بنادي المدينة “تولوسا” الذي كان يلعب بالدرجة الرابعة. مكث في تولوسا لثلاث سنوات ثم شد الرحال إلى ميرانديس لموسم واحد ثم عاد بعد البقاء بلا عمل لعام كامل لنفس النادي؛ ميرانديس. بدأ ينتشر اسمه في أرجاء اسبانيا ليلتحق بنادي كولتورال ليونيسا في الدرجة الثالثة وهو أول نادي محترف يدربه الباسكي وبعمر الـ 26 عاماً فقط ليصبح أصغر مدرب محترف في إسبانيا. بعد أن لمع اسم خوان مانويل لييّو وأسلوبه العصري في عالم كرة القدم من الصعود خطوة أكبر وربما الأكبر في مسيرته عندما وصل الى سالامانكا بعد ان أثار بهجة المتابعين في موسمه الوحيد في الدرجة الثالثة مع كولتورال ليونيسا.. كما يقال.

في سالامانكا استطاع الإقلاع بالفريق من الدرجة الثالثة إلى الممتازة في غضون عامين وفي موسمه الأول في اللاليغا احتل المركز الأخير لكن بمعدل تهديفي كبير حيث قبع الفريق في المركز الـ10 تهديفياً من بين 22 فريق كانوا في اللا ليغا آنذاك. أقيل من سالامانكا قبل نهاية الموسم بـ 6 أسابيع فاحتجت الجماهير وقبلهم اللاعبين على ذلك لحبهم له.. كما يقال. الفريق هبط فعلاً لكن خوانما بقي في اللاليغا وبالتحديد في “ريال أوفييدو” ولكن الأمور لم تسر على النحو المطلوب، أقيل قبل نهاية الموسم لسوء النتائج. عاد للتدريب في فبراير عام 98 لينقذ “تينيريفي” من الهبوط وبقي معهم للموسم التالي ولنفس المشكلة أقيل خوانما لسوء النتائج بعد 3 أشهر فقط.

سرقسطة هي الوجهة القادمة لخوان بعد توقفٍ دام عام ونصف العام، لكنه أقيل أيضاً بعد 3 أشهر فقط. أصيب المدرب الباسكي بعد ذلك ببعض الإحباط فعمل معلقاً لقناة Antena 3 خلال كأس العالم 2002 ليعود للعمل عام 2003 عبر بوابة مورسيا في الدرجة الثانية لموسم ثم درب تيرّاسا في الموسم الذي يليه بلا نجاحات ملحوظة. في عام 2005 رحل للمسكيك لنادي دورادوس، تلك الفترة امتلأت بالمشاكل حيث اتهم الباسكي المتفسلف الإتحاد المكسيكي بالإنحياز لبعض الفرق انتهت تلك الفترة بهبوط دورادوس. في 2006 يعود لإسبانيا وبالتحديد للنادي الباسكي ريال سوسيداد وفشل في الصعود بالفريق لدوري الأضواء حيث احتل المركز الـ6 لينتهي ارتباطه سريعاً في سوسيداد. التحق لييّو بالنادي الأندلسي ألميريّا لينقذهم من الهبوط عام 2010 بل وينهي الموسم بالمركز الـ13، جددت إدارة ألميريّا الثقة بخوان للموسم التالي حتى خسارة الفريق الكارثية أمام برشلونة بـ 8-0 في نوفمبر 2010 ليبقى خوان بلا عمل حتى 2014 ثم يرحل إلى كولومبيا إلى النادي الكولومبي العريق ميّوناريوس النادي الذي انجب دي ستيفانو وفالكاو، تلك التجربة لم تكن باللامعة كما جرت العادة فميّوناريوس لم يعد النادي المليوني كما كان من قبل.

إنتخابات برشلونة 2003 .. العلاقة مع غوارديولا

Tres días con Guardiola en Murcia | La Verdad

عام 2003 بدأت انتخابات برشلونة وترشح كلٌ من لويس باسات وخوان لابورتا لرئاسة النادي الكتلوني، من ضمن خطط باسات أن يضع غوارديولا مديراً رياضياً للفريق بعد الإتفاق فعلاً مع بيب. غوارديولا لم يكن في عقله إلا مدرباً واحداً ألا وهو خوان مانويل لـيّو، غير أن باسات خسر كرسي الرئاسة وعدل بيب غوارديولا عن قرار الإعتزال ورحل إلى قطر. وتتلاشى الفرصة الأكبر للـيّو صاحب الـ37 عاماً آنذاك. علاقة كبيرة وصداقة قوية واحترام متبادل تجمع بين خوانما لـيّو وبيب غوارديولا حيث صرح خوانما مراراً أن غوارديولا هو أفضل لاعب وسط في العالم، العلاقة بدأت في الكامب نو في مباراة برشلونة وريال أوفييدو إبان تدريب خوانما للنادي الأستورياسي. أعجب بيب بالكرة التي يقدمها أوفييدو تحت إمرة المدرب الباسكي ولم يخفِ غوارديولا رغبته باللعب تحت قيادة لـيـّو وهذا ما حدث فعلاً في 2005 عندما انتقل إلى دورادوس المكسيكي وهي آخر محطات غوارديولا قبل الإعتزال وحصل الوصال هناك في المكسيك. وجهة غوارديولا لم تكن فقط للعب بل لتعلم بعض من أفكار “أستاذه” – كما يسمّيه بيب – قبل التوجه لعالم التدريب. بالرغم من أن الفترة التي لعب فيها غوارديولا رفقة خوانما كانت قصيرة (6 أشهر) إلا أن مدرب السيتي الحالي صرح بأن لـيّـو هو المدرب الأهم في مسيرته مع الوضع في الحسبان مدربون قديرون دربوا بيب مثل يوهان كرويف -وهو المثل الأعلى للـيّـو- فابيو كابيلو، خافيير كليمينتي، كارلو ماتزوني، فان غال.

بعد تعيين بيب غوارديولا كـ مدرب لـ برشلونة B عام 2007 لم يستلهم غوارديولا أفكار لـيّو فقط بل وأدار خوانما لييّو أولى الحصص التدريبية بشكل غير مباشر وجنباً إلى جنب مع بيب، الطريف في الأمر أن بيب غوارديولا نفسه كان السبب في إقالة لـيّـو عام 2010 من ألميريّا عندما سحق برشلونة النادي الأندلسي بـ8 أهداف دون رد.

“أنا اتفهم لماذا يتم إقالة المدربين، لكن الشيء الذي لا أفهمه هو لماذا يتم تعيينهم في البداية ؟”

هذه كلمات لـيّـو بعد إقالته من ألميريّا في نوفمبر 2010. آثر خوانما دوماً وفي كل الفرق التي دربها الكرة الجميلة والهجومية مبدياً امتعاضه في الحكم على المدربين بالنتائج وأن يتناسى الإعلام عملية كاملة ومنهجية يسير بها مدرب كرة قدم جيد، “الإعلام لا يخسر” يقول لـيّو ويضيف: “الصحافة تحلل كل شيء من خلال النجاح، التحليلات والتقارير تنجز من خلال النجاح، ولذا فهم دوماً على صواب.”

محطات خوانما لييّو لم تكن متناسبة مع خططه وتكتيكاته الهجومية الطويل الأمد والتي تتطلب صبراً في هذا العالم المتسرع والملح والراغب في النتائج الفورية. يتسائل لـّيو هل تشتري صحيفة لمعرفة النتائج أو تذهب إلى الملعب في الدقيقة 90 وترى النتيجة، أم ترى المباراة -وهي العملية…؟ لا أحد سيصبر على مدرب يضع فلسفته وأفكاره قبل النتيجة النهائية التي ستتحدد أحياناً عبر الصدف المحضة، أو عبر الفرديات العظيمة التي لم تكن فرقه -بلا شك- تمتلكها. وهل من الممكن أن تُطبق كرته في دوري النخبة؟ يستغرب أوسكار كانو مورينو هذا السؤال، “لا أفهم ما المقصود بـ’كرته’، ما هو أهم، هو أنه لطالما قال بأن كرة القدم بالنسبة له تنتمي لمن يلعبها؛ أي للاعبين.” أسلوب لـيّو ببساطة يتمحور حول الكرة، فبلا كرة ما الجدوى من “كرة” القدم؟ كما أنه الأسلوب الذي سيقربه من الفوز على حد وصفه، “إذاً أنت براغماتي أيضاً؟” يسأل سيد لو، يجيب ليـّو: “أيضاً؟ لا، قبل أي شيء، ما يقوم به المدرب هو محاولة زيادة مؤشر احتمالات الفوز في المباراة، كمدرب كل ما بوسعك تنحية عامل الحظ من دوره قدر الإمكان.”

في كل نشاط إنساني ثمة فسحة للأخلاقيات، كرة القدم ليست نتيجة وحسب، “لا شيء في هذه الحياة يضمن النتائج، حتى أولئك الذين يتحدثون عن النتائج إنما هم يبيعون الهواء ويخادعون الناس. أستطيع أن أظهر النوايا لا النتائج، لأن النوايا ستظهر الأفكار”، بإمكانك الفوز وإن كنت سيئاً بغض النظر عن الأفكار والأسلوب، يتحدث لـيّـو كما كرويف عن النوايا، عن الكيفية، عن الرحلة قبل المحصلة وقبل الوصول “إننا نعمل بلعبةٍ متغيراتها كثيرة والصدف من ضمن متغيرات كرة القدم”. ولكنه يُصرّ على البقاء على نفس النهج الذي يتّبعه قائلاً “تلافي المخاطر هو أخطر شيء على الإطلاق، من أجل تجنب المخاطر، سأواجه المخاطر.” يحب الناس البساطة كما يشير لـيّو، فالناس “تتجنب نظريات التعقيد”، الناس تبحث عن بساطة التفكيك والسببية، لكن عندما تذهب من مكان إلى آخر لن تعرف ما الذي ستواجهه في طريقك، فالسبب والأثر لا وجود لهما -بحد ذاتهما- “كيف تعرف أن السبب لم يكن تأثيراً لشيء سبقه، وأن التأثير لن يتسبب في شيء آخر – في سياق متغيرات أخرى لا تعد ولا تحصى؟” هذا ينطبق على كرة القدم بمتغيراتها اللانهائية. يشدد لـيّو المطلع على نظريات التعقيد “أدق متغير قد يغير كل شيء، إنها نظرية الفوضى.”

قدّم الفيلسوف المبتكر لعالم المستديرة خطته الجديدة (4-2-3-1)، وهذا الشيء الذي قد لا يعرفه الكثيرون، لـيّو هو مبتدع الخطة الأكثر انتشاراً حالياً في عالم الكرة. قضى لـيّـو معسكر موسم 91-92 خلال فترة تدريبه لكولتورال ليونيسا في العمل على خطة 4-2-3-1، المدرب المهووس بالمركزية والذي تأثر بيوهان كرويف قال عنه خورخي فالدانو: “لقد قابلت رجلاً مجنوناً، يتكلم عن لعب الكرة بشكل صحيح!” لـيّـو هجن مركزية كرويف بمنطقة ساكي وهي عطفاً على ذلك أكثر الأساليب انتشاراً حتى وقتنا في إسبانيا. أخذت الـ4-2-3-1 في الانتشار أكثر فأكثر في كرة القدم حالياً لسلاستها ولمرونتها على الجانبين الدفاعي والهجومي، يصر لـيّـو أن الرسم هو عبارة عن أرقام ليس إلا، الأهم تمركز اللاعبين والتحرك داخل الملعب، “طالما أن الكرة تتحرك فليذهب الرسم للجحيم” في الحقيقة استخدم لـيّـو 4-4-2 مع إسقاط أحد المهاجمين للخلف، ولكنه أسماها 4-2-3-1 على أي حال.

“كنت أحاول صنع توزيع مكاني بناءً على نوعية اللاعبين الذين كنت أمتلكهم، نجح ذلك ومنذ سنوات بدأ الجميع يستخدمها. أعتقد أنها خطة جيدة، ولكني متأكد بأنه إذا رأيت تصرف اللاعبين عوضاً عن الأسماء المستخدمة للخطط، فالخطة قد اُستخدمت فعلاً قبلي بألف عام، ستبدو وكأنها 4-4-2 بمهاجم متأخر وجناحين متقدمين، كل ما في الأمر أن هناك هوس لتسمية الأشياء، لذا فقد أطلقت عليها 4-2-3-1”.

يولي خوانما لـيّـو اهتمامه الأكبر للإستحواذ في أسلوبه ويعتبر أحد رواد الـ Juego de Posición أو أسلوب المركزية ويعتبرها الحجر الأساس في نهجه ولكنه ينكر كونه يبحث عن كرة ذات طابع جمالي وفني “أنا لا اطلب من اللاعبين أن يرسموا لوحات عبر أقدامهم”، يفسر لـيّـو هوسه بالإستحواذ برؤيته للكرة كجزء لا يتجزأ ولسيت مختزلة في الثنائيات، هجوم أو دفاع، كاتيناتشو أو تيكي تاكا، “كرة القدم ليست هجومية ولا دفاعية، تقول القوانين من يسجل أكثر سيفوز، لذلك نحن نحتفظ بالكرة، وبدونها لن نستطيع إحراز الأهداف” الفكرة الرئيسية للتمركز لدى لـيّـو هي أن يمرر اللاعبين الكرة فيما بينهم في مساحات ضيقة لخلق مساحات في جهة أخرى من الملعب ومن ثمً تمرير الكرة للاعب الحر (الغير مراقب) في الجهة الأخرى، التفوق المركزي ضروري ليكون بمقدور الفريق اختراق دفاع الخصم. تمرير الكرة بدقة وفعالية يبقي الكرة بحوزة الفريق كما أن التفوق العددي خلال عملية تدوير الكرة يُنبت اللاعب الحر أو اللاعب الغير مراقب وهذا ما يهدف إليه لـيّـو في التمركز والاستحواذ على حدٍ سواء. اللاعب الحر سيكون حاسماً لإنهاء الهجمة، “المركزية تبدأ من انطلاق الكرة من الخلف في الوقت الذي يضغط الخصم في ملعبك، كل شيء يصبح أسهل عندما تخرج الكرة من الخلف بنظافة.”

يرى لـيـّو أن ثمة أزمة في تسمية هذا الأسلوب بالمركزية أو اللعب التموضعي بالإسبانية Juego de Posición أو بالانجليزية Positional play، هو يفضل اطلاق مصطلح juego de ubicación “اللعب التموقعي” عوضاً عن ذلك، ذلك لأن من الممكن “أن تتمركز -جسدياً- بشكل مثالي ولكن في المكان الخاطئ، أو التمركز بهيئة سيئة في المكان الصحيح”. والواقع أن الفكرة الأساسية في المركزية هي التموقع والتوجيه الجسدي وبعبارة أخرى (تفوق مركزي؛ أي ايجاد لاعب حر للتقدم بالكرة)، وهي أولى من التفوق العددي، أو النقل البسيط للكرة.

ليـّـو يصمم تدريباته دوماً على الكرة وبطريقة مبنية حول الكرة ويرفض فكرة أن تمارين القوة واللياقة مهمة في بناء فريق. يؤكد لـيّـو بأنها كرة قدم لذلك يجب أن تكون التمارين عبر الكرة لا الركض وحسب لأنه وكما -باكو سيرولّو- كرة القدم لعبة ينبغي أن تتبع التعقيد أي أنها كلٌ متكامل، وتمارين اللياقة والتحمل لا تمكّن الفريق من اللعب بشكل أفضل ولا تجعل من اللاعب لاعباً أفضل، لأنه وببساطة تمت ممارستها خارج سياقها، أي أنه تم اختزالها في اللياقة. لـيّو يعشق اللاعبين الأذكياء ويفضل اللاعبين الفنيين دوماً على اللاعبين البدنيين أو العدائين ذلك لأنه –بالنسبة له- سرعة اللاعب غير مفيدة إذا لم تُستخدم بالشكل الصحيح ولا يعتبرها ضرورية في المفاهيم الكروية.

“يومياً أسأل، أَخبرني من يلعب في الوسط سأخبرك ما نوع فريقك.”

“إينييستا يستطيع اللعب بدون ميسي لكن ميسي لا يستطيع اللعب بدون إينييستا”، في برشلونة لـيّـو يعطي أهمية أكثر لإينييستا، أكثر حتى من أهمية ميسي على سبيل المبالغة، أو ربما كلاعب متأخر قادر على إخراج الكرة من الخلف، لاعبو الوسط الفنيون -على سبيل التقريب لا الاختزال- لهم تقدير وتقديس بالنسبة لخوانما لذلك ولا غرو أن يكون غوارديولا -برأيه- هو أفضل لاعب وسط في كرة القدم. “ميسي يقوم بأفضل الألعاب والحركات، إينييستا هو أفضل لاعب في العالم” .. “يعجبني اللاعبون الذين يستلمون الكرات بأقدامهم البعيدة (استلام موجه)، (يعجبني) من يفتح الملعب، و(يعجبني) من يفتح مسار تمرير لنفسه.”

أما عن معاملة اللاعبين فعلى غرار فلسفته الكلانية، يرى اللاعب بجميع الأبعاد، قبل أي شيء كإنسان -يصرح لبليزارد- فالأمر يتعلق بالبشر وبكل شيء، لا يمكن اجتزاز ذلك من السياق: “لاعبو كرة القدم بشر في النهاية، يجب معاملة اللاعبين كمجموعة من البشر من الاثنين وحتى السبت، ويوم الأحد كلاعبي كرة قدم، على المدرب أن يكتشف قدراتهم الثقافية كلاعبين، هذا ما يجب على المدرب أن يبحث في اللاعب لبناء فريق. التركيبة يجب أن تكون منظمة ذاتياً بصرف النظر عمّا يريده المدرب” .. “اللاعب ليس علبة يجب ملأها، وانما شعلة يجب أن توقد” .. يبين لـيّـو في الأسطر السابقة أهمية التواصل مع اللاعبين إذا ما أردنا تشييد فريق واكتشاف نقاط القوى لديهم، يلزمنا اقناع اللاعب لا ارغامه، ويجب أن يعرف المدرب كيف يتعامل مع المعلومات التي يملكها عن اللاعبين ويكاشفهم بها دون أخذ أحكام مسبقة، وبالنهاية يتم بناء فريق قوي ذهنياً وفنياً. يشير لـيّو أنه إذا وصل لفريق جديد فالمهمة ستكون قائمة على التعديل وليس على تغيير جذري، 80% مشيد تلقائياً.

“لا يجعل اللاعبين كالآلات” خورخي سامباولي والذي عين لـيّو كمساعد له في تشيلي وأشبيلية، يكشف لنا طريقة لـيّو مع اللاعبين في التدريبات، “هو يريدهم مستقلين “خلف فكرة” امتلاك الكرة. بالنسبة لي، لـيّو معلم. من تمكن منّا من مقابلته في مرحلة ما فقد تعلم شيئًا ما.” كمربي هو يريد “تشجيع الاكتشاف الذاتي بين اللاعبين، تشجيع الحوار والتفاهم. أمرٌ معقد ومتقلب. أنت توجه الناس بدلاً من أن تأمرهم. أنت توازن، تتكيف، تستمع. البشر منفتحون، لا توجد إجابة تغلق النقاش بشكل نهائي. لا يقتصر الأمر فقط على أن ما يصلح مع لاعب لا يصلح مع لاعبٍ آخر؛ بل أن ما صلُح للاعب قد لا يصلح مع نفس اللاعب في وقت مختلف وتحت ظروف مختلفة.” نفسياً يتواصل لـيّو مع لاعبيه كأفراد ولكنه يرفض فكرة التدريب الفردي تكتيكياً، هذه خديعة كبرى بالنسبة له: “أنت لا تلعب فردياً، بل ضمن سياق الفريق” الكل يؤثر في الكل، وهذا ما يخلق التعقيد في كرة القدم، “ما يقوم به اللاعب الآخر هو ما يفرض عليك هذا القرار أو ذاك… […] يتكلم الناس عن التصفات الفردية، ولكن ليس ثمة تصرفات فردية”. لا تستطيع نزع الأبعاد المختلفة من أي تصرف، الزملاء أو الخصوم أو مكان المرمى أو حدود الملعب، البيئة أو المشاعر أو الحالة البدنية، اللاعب ليس فرداً مطلقاً في كرة القدم بل فرد نسبي، اللاعب بشر وليس روبوت.

يعتبر خوانما مرجعاً أساسياً في كرة الاستحواذ ودائماً ما يرتبط اسمه بها، ساهم بعدد من المقدمات لبعض الكتب، كتب كانو أو كتاب نونو أمييرو عن “المنطقة”. من بين المدربين المتأثرين به هو المتهور باكو خيميز -كما يصّدر لنا الإعلام- ويبدو أن مدرب كرة القدم الذي يدرب كرة قدم بأقل قدرٍ من المازوخية يصبح متهوراً، من تجلى له جوهر اللعبة “المتعة” يصبح متهوراً للعقول المقولبة. “تعلمت من لـيّو حب اللعبة” يقول خيميز ويزيد: “في كل تمرين تتعلم أمراً جديداً ورؤية جديداً، تنوعه ووضوحه يدهشني”. أوناي إيميري مواطنه كان قد أراد استهلال مشواره التدريبي كمساعد للـيّو -بالرغم من اختلاف الرؤى بينهم- إلا أن ذلك لم يحدث.

لا يسعني أن أختم هنا إلا أن أقول أن الكرة تنمو وتزدهر ميثودولوجياً وفلسفياً بعقول كليـّو وكرويف وغوارديولا ودانتي بانزيري وأنخيل كابّا وفالدانو ومينوتي وساكي وزيمان وغوارديولا وفرادي وغارغانتا ومورينيو، والعقل الأعمى الذي يبني جدراناً بين النظرية والتطبيق يأبى ذلك، يقول كانو أنه “يزعجني أننا نعترف بالخفاء أنه متوقد العقل، لكننا لا نستطيع الاعتراف علناً لسببين: لعدم فوزه بدوري أبطال أوروبا وللشعور بضآلة أحجامنا أمام المادة الرمادية (التي يمتلكها لـيّو).” يذكرني ذلك بجامباولو قبلة المدربين لسنين من بينهم سارّي وأليغري وكونتي ولكن بالخفاء…

إدواردو غاليانو والمدرب…

في السابق كان (يسمى) المدرب، ولم يكن أي أحد يعيره كبير اهتمام. مات المدرب وهو مطبق الفم عندما لم يعد اللعبُ لعباً، وصارت كرة القدم بحاجة إلى تكنوقراطية النظام. عندئذٍ ولد المدير الفني، ومهمته منع الارتجال، ومراقبة الحرية، ورفع مردودية اللاعبين إلى حدودها القصوى بإجبارهم على التحول إلى رياضيين منضبطين.

كان المدرب يقول: سنلعب.

أما المدير الفني فيقول: سنشتغل.

يدور الحديث الآن حول الأرقام، ومن ثمَّ الرحلة من الجرأة إلى الخوف هي تاريخ كرة القدم في القرن العشرين، إنما هي الانتقال من 2-3-5 إلى 5-4-1، مروراً بـ 4-3-3 و4-4-2. بإمكان أي جهول غير متضلع أن يترجم هذا مع قليل من المساعدة، ماعدا ذلك، لم يعد هناك من يستطيع فهم أي شيء. لأن المدير الفني صار يطوّر صيغاً سرية غامضة مثل المفهوم القدسي ليسوع، واضعاً معها خططاً تكتيكية تستعصي على الفهم أكثر من الثالوث المقدس.

ثم جرى الانتقال من السبورة القديمة إلى اللوحة الإلكترونية: الآن تُصمم (أنماط) اللعب العظيمة بواسطة الكمبيوتر وتُعلّم بالفيديو. وهذه الألعاب مثالية لا تشوبها شائبة، ونادراً ما نراها فـيما بعد في المباريات التي ينقلها التلفزيون!

أمّـا التلفزيون فيفضل عرض تعابير التشنج في وجه المدير الفني، يُظھره وھو يعض على قبضتيه أو يصرخ بتوجيهات ستقلب مسار المباراة رأساً على عقب إذا استطاع أحدٌ فھمھا. يحاصره الصحفيون في المؤتمر الصحفي بعد انتھاء المباراة، ولكن المدير الفني لا يذكر مطلقاً سر انتصاراته، مع أنه يصوغ تبريرات باھرة لهزائمه:

ـ التوجيهات كانت واضحة، لكن لم يُعمل بھا ـ يقول ذلك عندما يخسر الفريق.

آلية الاستعراض تطحن كل شيء، وكل شيء لا يستمر إلا لفترة، المدير الفني يُستخدم ثم يُرمى مثل أي منتج آخر من منتجات المجتمع الاستهلاكي. اليوم يصرخ الجمهور به:

ـ ألا تموت أبداً!؟

وفي الأحد التالي يدعونه كي يقتل نفسه. ھو يظن أن كرة القدم عِلم وأن الملعب مختبر، ولكن المسؤولين والمشجعين لا يطالبونه بامتلاك عبقرية اينشتاين وبُعد نظر فرويد وحسب، بل وبقدرات عذراء لورديس الإعجازية وقدرة غاندي على التحمل.

كرة القدم بين الشمس والظل ص11، ترجمة صالح علماني، بتصرف.