كرة القدم لعبة، لا علم…

بقي هذا المقال في الدرج لكثرة الاستطرادات -رغم أهميتها- فأنا أعتقد بالعبرمناهجية، حالة المقال لن تختلف كثيراً عمّا كانت عليه في الدرج ولذا آثرت نشره ولتستبيحوني عذراً. كما أضفت قطعة مترجمة لجوليو غارغانتا بعد المقال.

تمر على مسامعنا عبارة “كرة القدم أصبحت علم”، وخصوصاً بعد إطلاق تقنية معينة، أو نموذج احصائي، أو شخمطات مدرب لن يفهمها هو نفسه. وطالما نعيش في عالم الكلام العام والمرسل فليس من تعريف محدد حول كنهها، ليس لأنها تفتقد لذلك، وإنما لأن هناك لبساً وتشويشاً حول كلمة “علم”. في الوقت الحاضر لا تتضاد كلمة العلم مع الجهل وحسب، خصوصاً في الأوساط العلمية وفي فلسفة العلم، العلم هو ما يعرف بالإنجليزية بـscience، وجدير بالإشارة أنني هنا لا أطلب احتكار المصطلح ضمن هذا النطاق، فبلغتنا العامة نفهم كلمة علم ضمن السياق، وتأتي بعدد من المعاني، كأن يكون ضد الجهل بمعلومة أو خبر أو مجالٍ ما، هذا دون ترادفها مع كلمة المعرفة. لكن إطلاق هذه الكلمة يشوبها خطر إذا كان القصد إعلاء مرتبة مجال ما، أو إيرادها عشوائياً في أي طرح فكري، فيصدّر لنا بعضهم كلامه أو مكتوبه كعلم دون معرفة بماهيته. فما هو العلم كمنهج محدد ومناط بالعالم الطبيعي؟

العلم هو منهج يحاول تقصي وتتبع وتفسير الظواهر الطبيعية وبناء الفرضيات بغية التوصل لنظرياتٍ مبنية على الأدلة التجريبية، هذا مع خضوعها للاختبار وقابلية التخطئة. يتبع المنهج العلمي خطوات معينة، بدءاً بالمشاهدة والرصد أو التكهن ثم وضع الفرضية ومن ثم التجربة والاختبار وقابلية تكرار الاختبار. يكتسب أي شيء صفة العلمية عندما تكون الفرضية أو الموضوع أو الادعاء قابلاً للتخطئة والتفنيد، مُعرّضاً عواصف الأسئلة النقدية الحادة دون شفقة، هذا مع بقاءه موقوفاً ولا يقينياً وفقاً لتطور البيانات والمعلومات التي ما تلبث تستجد.

وبينما يُعتبر الأحياء حقلاً علمياً بحتاً، فكرة القدم ليست كذلك، لكن عند تقديمنا أي ادعاء فإننا نحاول إثباته بالمنهج العلمي، فإذا ادعى أحدهم -شريطة أن يكون متخصصاً- أن تمرين الروندو يطور اللياقة أو يزيد من عدد اللمسات لكل لاعب، فسيقوم تجريبياً بالتحقق من هذه الفرضية، وإن كانت أمراً واضحاً بالبداهة، يقوم المتخصص -على سبيل المثال- بالتجربة عبر عدد من اللاعبين لفترة معينة (أسابيع مثلاً) بمقابل لاعبين يقومون بالتدريب بطرقٍ تقليدية، يضع المتخصص الطريقة المستخدمة method ومن ثم يضع التحليل للبيانات المسجلة وأخيراً استنتاجاته conclusion. ينال البحث الحقيقي القبول في المجتمع العلمي عبر مراجعة الزملاء المؤهلين قبل النشر. بذلك علمنا أن المنهج العلمي طُبق لتأكيد أو تفنيد فرضية ذات صلة بكرة القدم، وهذا على سبيل التبسيط فالأبحاث لا تنقطع وتتضمن بروتوكولات معينة ومعطيات مختلفة لاستقصاء فرضية كالتي ذكرناها، مدعمةً بالنهاية بالأدلة، كمعدل ضربات القلب أو مستوى حمض اللاكتيك، معدل المسافات المقطوعة باختلاف السرعات وما شابه، بالطبع مقارنة بالعينة الأخرى.

ولكن ما الذي يمكن إخضاعه للتجربة في كرة القدم تكتيكياً وفنياً؟ فادعاءات من قبيل: 4-3-3 أفضل من 3-4-3، أو هل أن دفاع المنطقة أفضل من المراقبة رجل لرجل، أم هل أن كانتي أفضل من جورجينيو أمام المدافعين، لا يمكن إثباتها أو نفيها هنا، فتبقى ادعاءات وقناعات شخصية ذاتية حتى لو دُعمت بالاحصائيات، لأننا قد نجد أن عينات الدراسة أو معاييرها محوّرة لتجيء على ما يرغبه البعض أو أن يتغافل البعض عن بعض العوامل أو المعايير وبالتالي تفتقد للموضوعية والمصداقية. يبدو أننا استنتجنا الصعوبة البالغة في ذلك، لكل مجال أو لعبة، أو فن، جانب موضوعي متفق عليه ولكنه لا يغدو بذلك علماً بالمعنى الصريح، لا يخضع كل شيء للمنهج العلمي وللتجربة، المنهج العلمي هو طريق من بين الطرق للمعرفة.

موضوعي؟ ماذا تعني هذه الكلمة؟

تتردد على آذاننا عبارة “العلم موضوعي”، موضوعي تعني النظر إلى الواقع كما هو، ويفترض أن يكون مستقلاً عن إرادتنا وخلفياتنا الثقافية، أي أنه لا يخضع للآراء ولا الأهواء ولا الرغبات أو التصورات الذاتية. أما الذاتية فبخلاف الموضوعية، يكوّن الشخص انطباعاته بناءً على الفكر وبناءً على شعوره أو اعتقاداته وميوله. مثلاً سقوط الأجسام سببه الجاذبية هذه حقيقة موضوعية، أما اعتقادك بأن غوارديولا أفضل مدرب في العالم هذا رأي، الأولى لا يماري فيها إلا جاهل ينظر لظاهرة الجاذبية المُتحقِقة واقعاً بتفسيرات واهية ذاتية وبدون الأدوات اللازمة، كانت فكرية أو تقنية، أما الثانية فهي رأي أو تفضيل شخصي ذاتي لا يمكننا جعله حقيقة موضوعية. ولكن قد تتدخل العاطفة في تفضيل اللاعب أو المدرب هذا أو ذاك فيكون معيار الأفضلية قائم على الانتماء أو حتى القبول الشكلي وتأثير الهالة، أنا أشجع ريال مدريد إذاً أفضل لاعب هو لاعب الريال وأفضل مدرب هو مدرب الريال وأفضل مدلك هو مدلك الريال… الخ. كذا ولن أقول بأن غوارديولا أفضل مدرب أو حتى مدرب مميز لأن التعصب أعماني، ولذلك تبدو الموضوعية تتويجاً فكرياً للمرء بعد القراءة والبحث وبعد جهدٌ مضنٍ في مصارعة النفس. بالطبع لا يجدر بنا التسليم بهذه الثنائيات، بيد أنه لا شك أن هناك رؤية ذاتية للأمور وهناك رؤية موضوعية، لكننا جميعاً نتأرجح بين الأولى والثانية، وحدها الآلة ستعمل بموضوعية ووفقاً للنظام المغروس فيها بلا ميْل أو نزوة، دون نسيان أن معايير الآلة غرسها الإنسان أيضاً فمرتكزاتها ذاتية للمفارقة!

نستطيع أن نقسم الكرة إلى قسمين متكاملين؛ أولهما من حيث موضوعيتها؛ أي القوانين، كنظام الفوز، فمن يسجل أكثر من المنافس يفوز، بخلاف أنظمة خروج المغلوب، ثم هناك قوانين كالتسلل وتحريم لمس الكرة باليد عمداً أو التدخلات العنيفة. إضافة لقواعد اللعب؛ كالتمرير، التسديد، الرأسيات، الضغط أو المراوغة… الخ. بعدئذٍ العلائق بين اللاعبين وتفاعلهم مع وضد بعضهم البعض، إذ أن كرة القدم نظامٌ يتكون من نظاميْن فرعييْن؛ أي الفريقين: 11 ضد 11، والفريق يتكون من نظام فرعي آخر ألا وهو اللاعب. يتفاعل الفريقان ضمن نطاق محدد وهي مساحة اللعب وضمن منطق اللعبة الداخلي. بإيجاز تنتهي الموضوعية في كرة القدم إلى هذا الحد، أي أن قوانينها وأنظمتها ومنطقها منفصلة عن ذواتنا، كمشجعين أو مدربين أو محللين. فالمدرب يرى كرة القدم رؤية ذاتية/شخصية ولا تخلو من الموضوعية بالطبع، ولكنه بمشاهدته ولَعِبه كرة القدم بنى تصوراته ورؤيته عن “كيف” تُلعب كرة القدم بعد فراغه من معرفة “ماذا”؛ أي كرة القدم موضوعياً، وماهية اللعبة على حقيقتها.

بالعودة إلى تعريفنا لكرة القدم نجد أنه تعريف نابع من نظرنا لكرة القدم كموضوع، فنسلط الضوء على ماهية كرة القدم من حيث هي، وليس حيثما نرغب أن تكون أو كما نتصورها بوجداننا، أي من دواخلنا وليس بالنظر إليها كشيء خارجي. قد يتفق الجميع على ماهية كرة القدم. بالمقابل عندما أقول بأن “كرة القدم لعبة جميلة وممتعة تستقطب الجماهير، … ” فهذا ليس تعريفاً موضوعياً، بل هو شعر نَصِفُ به كرة القدم من مبعث حبنا لها، ولكن هذه الكلمات لن تفضي إلى معرفة محددة، إذ لن يتفق من يحب كرة القدم مع من لا يحبها مع العبارة الثانية، إذ أن ذاتك المحبة لِلُّعبة قررت أنها جميلة وأصعب الألعاب وأفضلها، أما عندما تنحي حبك لها قد تفهم اللعبة أكثر فأكثر وستصبح أكثر من مجرد مشجع، ومن ثم ستعبر بعدئذٍ لفلسفة اللعبة باحثاً عن الغائية والمعنى، لماذا نلعب كرة القدم؟ أو لماذا نلعب بهذه الطريقة أو تلك؟

“الذات” كمدرك أو كراصد، بمقابل الكرة وهي “الموضوع” المستدرك أو المرصود، الكرة هنا لا تعدو كونها رمزاً، فنحن لا نتأمل الكرة كمادة، جلد أو غيره، وإنما نتأملها فلسفياً؛ أي بحث ماهية المساحة أو التمريرة أو كيفية الهجوم والتمركز، أو التموضع في الحالة الدفاعية، أو الجماعية والفردية، البراغماتية أو المثالية، أو أساليب التدريب… إلى غير ذلك.

كرة القدم لعبة الآراء حسنة وسيئة في الوقت ذاته، الرأي يغدو أقوى بالمعرفة والحجة، وبالطبع كرة القدم تغلبها الأهواء، أي أن مورينيو مثلاً كذات يرى كرة القدم كموضوع بعقله ووجدانه وقلبه، فالإنسان ليس موضوعياً إلا بقدر ما، قد تزداد موضوعيته ويتضاعف تعقله في رؤية الأمور مع البحث الصادق والاطلاع والتفكر والتأمل، ومع كبح جماح العاطفة التي ترى الواقع مغبشاً ضبابياً لتكدسه بالماقبليات والانحيازات. مع ذلك، وطالما بقي بشراً فسيبقى مليئاً بالانحيازات ولكنه قد يصبح واعياً بانحيازاته وسيحاول إزالة غشاوة المترسخ في اللاوعي أو النظام 1 عند كانيمان حيث التسرع والأحكام المسبقة والصور النمطية. لذا نجد في الأوساط العلمية والأكاديمية ما يعرف بـ peer review، تترجم بمراجعة الأقران أو مراجعة الزملاء كما ذكرنا أعلاه، وهي عملية يقوم الباحثون وزملاء التخصص بتعريض ذلك البحث أو تلك الأطروحة للفحص والاختبار فإما أن تخرج منها سالمة أو يمكن اعتبارها ناقصة لأنها لم تستوفي الشروط ولا تتكئ على أدلة رصينة، أو أن تكون هراءً ببساطة. هناك تشكك في العلم، قد نثق بالشخص ولكن ليس بالمعرفة الصادرة عنه وهذا سارٍ على الجميع، أنا أثق بك وقد تثق بي، ولكن ينبغي أن تكون شيمتنا التشكك في المعرفة والعلم، أو كما يقول أرسطو: إني أعز أفلاطون، ولكن الحقيقة أعز عليّ منه، لكن كي نتقدم لا ريبة أننا نثق بالعلم كنهج لا كأشخاص. المفاهيم عندنا مقلوبة بهذا الصدد، فتُقبل الفكرة من مشهور وترفض من مغمور، وتستحب من محبوب وتُردّ من مكروه، يعرف هذا التحيز بمغالطة المنشأ أو مغالطة الأصل، أين يكون معيار استحسان الفكرة أو استهجانها هو مصدرها؛ أي قائلها أو العامل بها. ويا للغرابة أن يتهكم البعض أحياناً أو يسخر من صاحب فكرة دوناً عن الفكرة، ففي المعرفة يُعرف الحق لذاته لا من قائله، فكون نادي برشلونة قابع في إقليم كتالونيا حقيقة موضوعية ولسنا بحاجة لأحد كي يؤكد لنا ذلك.

“ألا يعلم الفاعل/الذات شيئاً؟ ألا يعيش شيئاً؟ ألا يمتلك طرقاً لتفسير العالم؟ ألا يمتلك طرقاً للمعرفة؟ هل وأن الذات لا يشعر، ليس لديه مخاوف، أماني؟ لماذا لا توضع كل تلك الأمور في الاعتبار؟”

-فرناندو هيرنانديز، عالم نفس إسباني.

إن الكون بما فيه كان موجوداً ولكن الفكر؛ -أي الذات المفكرة- هو من عرّف الواقع ورسم ما استقبلته حواسه على شكل نظريات ومفاهيم، “العالم، كما ندركه، ما هو إلا صنيعتنا” كما يقول هاينز فون فورستر. فقد احتلت تصورات الإنسان ووعيه من غابر الأوقات وعي الأخلاف، ومع حدة الأسئلة تتجدد المعرفة، وصولاً للثورات العلمية المتتابعة إلى اقتحام عالم ما دون الذرة، لتزداد الحاجة لأدواتٍ ترصد اللامتناهي في الصغر، فضلاً عن اللامتناهي في الكبر، فالعين المجردة لم تعد كافية. وهذا يدفعنا لسؤالٍ جوهري؛ هل هناك واقع موضوعي منفصل عن الراصد أو منفصل عن الوعي؟ هل الواقع كما هو أو أن الواقع من ابتكار تصوراتنا؟ ألا تتدخل الذات في طرح الفرضيات؟ وإن كان العلم موضوعي على الإطلاق فلماذا تحل نظريات محل نظريات أخرى باستمرار؟ أليس بسبب أخطاء الراصدين الأسبقين ونقص في المعلومات والبيانات وقصور المنهج؟

كان الصراع محتدماً بين آينشتاين ونيلز بور بهذا الشأن، لم يكن بور يعتقد بوجود واقع موضوعي بمنأى عن الراصد، فلا يمكن تحديد موضع الجسيم -بحسب ميكانيكا الكم-، إلا حين رصده ومراقبته، فهو قبلئذٍ في كل مكان. هذا الواقع الاحتمالي كان مرفوضاً من قِبل آينشتيان، فلم ترُق له فكرة أن القمر غير موجود عندما لا يَنظر إليه. قطة شرودنغر -كتجربة ذهنية- مثالٌ للواقع الاحتمالي اللاحتمي، فلن نعلم ما إذا كانت القطة حية أو ميتة إلا حين نفتح الصندوق، فهي في الوقت ذاته حية وميتة -وتُعتبر في وضع التراكب الكمي- إلى أن تمتد أيدينا وتتدخل طلباً لليقين، يُعرف هذا في فيزياء الكم بانهيار الدالة الموجية، أي انهيار كل التراكبات ما عدا حالة واحدة، وهذا ما نص عليه مبدأ اللايقين، فإن حددنا موضع الجسيم بدقة كبيرة فلن نستطيع تحديد سرعته والعكس بالعكس. شرودنغر أراد بهذه التجربة الخيالية مناهضة مدرسة كوبنهاجن بقيادة بور، فهو يقول إما حية أو ميتة، وليس هذه وتيك في نفس الوقت… لا يقف غموض عالم الكم عند هذا الحد فالالكترون مثلاً يجمع هويتين في آن، فيتصرف كموجة وجسيم في نفس الوقت، أطلق عليه نيكوليسكو بكتابه “بيان العبرمناهجية” الثالث المشمول -عكس الثالث المرفوع (إمّا ميتة وإما حية والاحتمال الثالث تم رفعه)- هنا يتبادر السؤال الأضخم والأزلي هل يشكل الوعيُ الواقع تبعاً لتفسير فون نيومان وڤيغنر الذي ربما هو -اليوم- سؤال فلسفي لا علمي، هل يسبب الوعي إنهيار الدالة الموجية؟

لقد ظن العلمويون أن العلم اقترب من فك شفرة الكون، ليفاجئهم عالم الكَم بفيض من الأسئلة عن الكون ودور الذات أو الوعي أو الراصد، عن كون لا حتمي، ليس بآلي، فتبعاً لبور “لا وجود لعالم كمومي، هناك فقط وصف فيزيائي مجرد. من الخطأ أن نعتقد أن مَهمة الفيزياء أن تكتشف ماهية الطبيعة. الفيزياء تهتم بما يمكننا أن نقوله عن الطبيعة”. بل وحتى مفهومي الزمان والمكان أصبحا متعلقين بالراصد مع نسبية آينشاين، وبتعبير هوكينغ فإن “قوانين الفيزياء نفسها قد تعتمد إلى حدٍ ما على الراصد”. يخال لي أن الاستنتاج من هذا أن الواقع -وضمنياً العلم- ليس موضوعياً بالإطلاق طالما تتضارب وجهات نظر الراصدين، وطالما احتاج الواقع لراصد… راصدٌ واعٍ كوسيط، أي الإنسان، فالآلة ليس لها وعي. فيرفض شرودنغر فكرة استبدال الإنسان بالآلة بشكل كامل، إذ أن “…حواس المراقب يجب أن تتدخل بالنهاية. فأكثر السجلات دقةً لا تخبرنا بأي شيء عندما لا يتم فحصها”. وبحسب هايزنبرغ “لم يعد العلم بموقع المراقب/الراصد للطبيعة، بل بالأحرى هو يعترف بنفسه كجزء من التفاعل بين الإنسان والطبيعة”. فريتيوف كابرا يدلي بهذا أن “المراقب البشري يشكل الحلقة النهائية في سلسلة العمليات الرصدية، ولا يمكن فهم خصائص أي جسم ذري إلا من حيث تفاعل الموضوع مع المراقب.”

فلسفياً، يرى المثاليون والعقلانيون بأسبقية الفكر على المادة، وتكون المرصودات نتاجاً للراصد. يرى الماديون -على الضفة الأخرى- أن المادة سابقة على الوعي أو الفكر، فالإنسان بتجاربه وبملكاته الحسية يتعرف على الواقع والظواهر، وبالتالي يكون الوعي نتاجاً للمادة. تتطرف اتجاهات حديثة معتبرة الإنسان محض دمية بيولوجية، أي يكاد يكون شيئاً أو موضوعاً مدفوعاً بغرائز حيوانية، وتختزل عملية التفكير مثلاً في التفاعلات الكيميائية والكهربية في الدماغ، إننا نتحدث عن العلموية التي تُزيح الفلسفة -بوصفها أداةً معرفية- إلى مرتبة سفلى، وتحاول الإجابة عمّا هو خاضع للتجربة وما سوى ذلك، فيحاولون بذلك احتكار المعرفة رغم عجز العلم عن الإجابة عن مفاهيم ميتافيزيقية كالعقل أو الوعي أو عن الأسئلة الوجودية، بخلاف المسائل الأخلاقية، عندئذٍ، لا تعتبرها إلا ترهات لا طائل منها وما هي إلا طروحات فلسفية، وبالتالي تفصل التكامل الضروري بين العلم والفلسفة، أو بين الموضوعية والذاتية.

الإنسان ذاتي وموضوعي في آن، هو مزيج متكامل ومتفاعل، ففي الجانب الأيسر من الدماغ نفكر ونحلل ونحسب، وفي الجانب الأيمن نبدع ونتخيل ونتعاطف، لا يمكننا شجب الذاتية باعتبارها لا عقلانية على طول الخط فتصوراتي الذاتية لن تعكس بالضرورة ما لا يطابق الواقع، ولا يمكن تزكية أياً كان من الأهواء أو قصر النظر أو أن نعتبر زاوية رؤية عالمٍ ما مطلقة، فكأن الإنسان سيصبح آلة عندما يرصد أو يحلل أو يتأمل. هل وأن العلم قائم بذاته بدون راصد أو بدون أسئلتنا، هل المنهج العلمي قائم بنفسه أم بالمعايير التي وضعها الإنسان؟ يعتقد البعض من الفلاسفة التجريبيين مثلاً أن الذات تتأثر ولا تؤثر في المعرفة، أجادل وأقول: لو كانت لا تؤثر لما تطورنا جيلاً بعد جيل، ولما حدثت تطورات مذهلة علمياً وتكنولوجياً ومعلوماتياً. تتطور المعرفة والعلم بالأشخاص، كوبيرنيكوس وابن حيان والخوارزمي ونيوتن وآينشتاين وهايزنبرغ وغيرهم، كم من اكتشاف علمي كان مجرد خيال أو حدس عبقري؟ كم من اكتشاف عظيم حدث بالصدفة؟ أو بُني على فرضيات تبدو بعضها مضحكة، أو هرطوقية سلبت البعض حريتهم أو أودت حتى بحياة بعضهم للتهلكة؟ لا يمكننا جز العالِم عن العلم، ولا الراصد عن المرصود، فبحواسنا ندرك الواقع وبالتجارب والخبرات يتشكل الوعي، يولد الإنسان وعقله صفحة بيضاء، والغرائز لا تعني أن ثمة معرفة سابقة، فهذا مشترك حيواني، إذ أن الحيوانات تمتلك غريزة الحياة فتبحث عن لقمةٍ لسد رمقها وتلك غريزة البقاء، التكاثر والخوف كلها وسائل بقاء تدفعها الغريزة. يمكننا تحرّي الموضوعية عبر اقتفاء الدليل وتنحية العواطف قدر الإمكان، عبر نقد الزملاء، وعبر الاختبار المتكرر على مداد السنين. إننا بإعادة المراجعة ومساءلة واستنطاق المفاهيم والقوانين المتراكمة تحدث طفرات علمية، أو كما أطلق عليها توماس كون: التحول البارادايمي.

من ناحية أخرى، تستهوي النزعة العلموية في كرة القدم تكميم كل شيء زاعمةً امتلاك ناصية الحقيقة وأن ثمة مصفوفة أو صيغة خوارزمية تستطيع توقع الأهداف أو تقترح لنا اللاعب الأنسب في مركز الظهير الأيسر لفريقنا أو تفترض أن تحسين الأداء ينطوي فقط على ما يسهل قياسه، اللاكتيك، التحمل، كريات الدم الحمراء، فاللاعب بالنسبة لهم جسد فقط؛ فـ”القياس الكِمي وتعديل أداء الفريق من خلال البيانات الموضوعية يمثل إغراءً لا يقاوم للأشخاص الذين يعيشون حول الرياضة ولكنهم لا يفهمونها حقاً.” يقول خاڤيير مايـّـو وقس على ذلك. تنحو هذه النظرة المفرطة الموضوعية نحو إقصاء الذات والفكر وإحداث شبه قطيعة مع الإنسان، ضاربة به عرض الحائط وجاعلة منه أجنبياً غريباً وهامشياً فيما أنتج وأبدع، تلكم محاولة بائسة لإقناعنا أن كرة القدم أصبحت علم ونحن الرجعيون نقاومها، وليسوا هم من يرون العلم جداول قاتمة ورسوم بيانية ومنحنيات خاوية وقياس ما يقاس وما لا يقاس، وربما لا يعرفون شيئاً عن الابستيمولوجيا/نظرية المعرفة أو فلسفة العلم، وما ينطوي عليه سؤال كيف نعرف أننا نعرف؟ فلنعتبر الإحصائيات جزءاً صغيراً لا يتجزأ في كرة القدم، وليس كرة القدم.

للمفارقة ينطلق بعضهم من منطلقات ذاتية/شخصية للمحاماة عمّا يصدره هو لنا كعلم، غير أن ذلك مُنطلقه انحيازه لتخصصه فهو يرى اللعبة من منظوره كمحب للياقة أو الإحصائيات أو كمشتغل بهما أو بأحدهما، هو يختزل اللعبة ويقلصها إلى لياقة أو إلى منطق رياضياتي. وآخر مهتم بعلم النفس يختزلها بالذهنية والحافز، ومن ثمَّ يقنعنا -كل واحدٍ منهم- بأنه لا ينطق عن الهوى وأنه سلطة ومرجع نعود إليه، وهو إذاً ذاتي التمركز بوعي منه أو بلا وعي. فيما يتعلق بالإحصائيات مثلاً، قد يسأل أحدهم: هل تلك الأرقام صحيحة؟ حسناً، نعم، ولكن ما الذي تعنيه تلك الأرقام؟ أو من أسّس في بادئ الأمر لهذه المصفوفة ومعاييرها؟ أليس بشراً مثلنا؟ ومن بعد ذلك أين الوسيط البشري المفسر لتلك الأرقام؟ وحيث أن النماذج المستخدمة في الذكاء الاصطناعي أحرزت ما أحرزت يعتقد بعضهم أن هذه الخطوات لا تشوبها شائبة في أي مجال، في الشعر، في الفنون، في الألعاب وما شابه. لا شك أن استخدامها أحياناً مفيد واقتصادي فيما يتعلق بالوقت، لكن ليست هي اللعبة، تطور كرة القدم ليس متعلقاً بتطور الأدوات والأمور الخارجية، تطور اللعبة تطور ابستيمولوجي معرفي، تطور فلسفي/علمي، أي برؤية كرة القدم من بوابة التعقيد ونظرية النُظم والديناميكا اللاخطية. لكن هذا التطور لا يرى القشور، بل يرى اللايقين في كوننا، الانبثاق أو التولد، الإنتظام الذاتي، يراها بشكل ما كما في البنى المبددة لبريغوجين حيث ينتج النظام من اللانظام، وفي نظرية الفوضى التي تتمثل بجلاء ووضوح في كرة القدم حيث السلوك البسيط القادر على قلب المباراة رأساً على عقب، يشابهها كذلك ما يُعرف بالارتجاع الإيجابي في نظرية النُظم بحيث يزيد الاضطراب جراء اختلالٍ طفيفٍ في النظام. ومن ثم هناك ما استقته كرة القدم من الفيزيولوجيا -كحقل بيولوجي- لمعرفة ماذا يدور في جسم لاعب الكرة أثناء وبعد اللعب وفي تطوير الأداء، بخلاف العمليات المعرفية واتخاذ القرارات من العلوم الإدراكية وعلم النفس ودراسات المخ والأعصاب وغيرها من العلوم التي ستضيف لكرة القدم، كل منها جزء لا يُجتزأ على حدةٍ من لعبتنا التي تعتبر بينمناهجية أو عبرمناهجية أو عابرةً للتخصصات، شأنها شأن بقية المجالات والميادين والعلوم تتقاطع وتتداخل سواءً العلوم الاجتماعية أو الطبيعية أو الشكلية/التجريدية أو التطبيقية.

قد يكون الخبير بارزاً على المستوى العالمي في تخصصه ولكنه لن يبصر العنصر الأساسي الذي يضع الموقف في سياقه. لذلك، يقوم الغوروهات (من guru) الذين يأخذون أدواراً متاخمة لموظفي الإدارة باختبار فرضياتهم الخاصة والتحقق منها في إطار إعادة بناء جزئية للواقع، بعيداً عن قيود المنافسة، ومتحصنين بمعرفتهم الخاصة. بالقيام بذلك، تُطوَّر النظريات بعيداً عن ظروف اللعبة الحقيقية (كانو، 2009)، دون احترام التفاعل بين الأنظمة الفرعية للاعبين والبيئة (أراوجو وزملائه 2005). ينبه (أوكونور وماكديرموت 1997) مجازياً حول هذا الإجراء بالقول بأن أحداً لن يفكك البيانو للبحث عن صوته. ونظراً لإمكانية جمع الكثير من البيانات أثناء المباراة، يمكن وعلى الدوام العثور على تبرير رقمي لتبرير الهزيمة من قبل كل متخصص.

[…] تفخر الأندية الحديثة حين تُشبَّه بفرق فورمولا 1 الراقية، حيث يتولى المهندسون مسؤولية الأداء الصحيح لكل قطعة من أجزاء السيارة. في ظل هذا الباراديم النظري، فإن التجميع المثالي للأجزاء سيسمح بتحقيق كل متفوق ومعرفة كاملة لموضوع الدراسة. وقد أدى ذلك إلى فرط التخصص في الواقع، ما أدى إلى القضاء على جميع المصادر التي يمكن أن تهدد اليقين المطلق (موران، 1994)، لأننا نفضل تصور الواقع كنموذج بسيط يمكننا فهمه (كريشنا، 2004، في كانو، 2009).”

-خاڤيير مايـّـو
El preparador físico del Madrid, bajo sospecha por las lesiones | Fútbol |  deportes | elmundo.es

قد يطبق العلموي العلمَ في كرة القدم، لكن ليس علم كرة القدم الذي يعتقد، بل يطبق نماذجه وفرضياته كغاية واللعبة هنا وسيلة، وعبثاً لا تعدو كونها موضوع تجربة، أي أن المراد هو العلم وكرة القدم فأر تجارب وبما أنها لعبة جماهيرية فهي استثمار واتحاد مسموم لسلطتي العلموية ورأس المال، الإحصائيون ومدربو اللياقة يشدون طرفاً والمستثمرون والاقتصاديون يشدون طرفها الآخر ويبدو مصير اللعبة إلى الأفول، مع عبارات نتنة مثل كرة القدم أصبحت صناعة، أو أصبحت علم، وليست لا كروكيتا إينييستا أو عبقرية بيب، أو حدس دي يونغ أو تمريرات بوسكيتس الخداعة. ما الذي يجعل برشلونة فريقاً قوياً أو يصدر مواهب مميزة، باكو سيرولو رجل علم بنفسه لكنه يعي أن اللعبة يطغى عليها اللعب واللاعلمية، وهي فن لها جانب حدسي تخيلي أكبر، ولها خيط غير مرئي، لها روح، ليست كالشطرنج يمكن أن يقوم الحاسوب بمعالجة البيانات الضخمة بسرعة كبيرة ويقوم بحساب كل الاحتمالات بفترة وجيزة ويختار الاختيار الأفضل. غوارديولا يعلم من هو اللاعب المناسب له، ألبيرت بوج يعرف الخصائص التي ينبغي الانتباه لها في الشباب، يعرفون كيف يطورون اللاعبين عبر اللعب، واللعب فقط. فاللاعبون اليوم أدوات ليس إلا والمدربون شيئاً فشيئاً لن يكونوا إلا إداريين. في صيف 2007 وفي أبهة التحاليل البدنية والاختبارات اللياقية والمنحنيات المرتسمة في الشاشة يسأل بيرند شوستر -إبان تدريبه ريال مدريد- متخصص الأداء فالتر دي سالفو بلهجة ملؤها التهكم “ما الذي سأقوم به في هذه الأثناء؟”. سيتبين لنا من تعبير الصحفي المدريدي كارلوس كارباخوسا حالة تحول ملعب كرة القدم إلى مختبر قائلاً: “…التعليق التالي من شوستر في ذات الحصة إلى رئيس ذلك ‘البوفيه’ الطموح من المعدين البدنيين يلخص الوضع بشكل أفضل: “فالتر، في مدرسة التدريب يجب أن يدرجوا موضوعاً جديداً، وهو المكان الذي يمكن لنا نحن المدربين أن نقصده ريثما تقومون بعملكم”. ختاماً، كرة القدم يتكامل فيها الذاتي والموضوعي، الأجهزة والمسطرة والقلم لها فوائد كبيرة، لكن إذا لم تكن هناك نظرة نوعية فنحن نشذ عن الجادة. بهذا يقول مايـّو في كتابه Complex Football أن ثمة تضارب بين البيانات الموضوعية وبين نظرة المدرب الذاتية، فالمدرب يرى أداء اللاعب من خلال سياق اللعبة، والأكثر غرابة لماذا تكون أرقام اللاعبين الأكثر فائدة أقل في لياقياً؟ يقول خافيير بالنص: “لمَ يبدو اللاعبون الذين لا يحققون أفضل الأرقام في اختبارات اللياقة البدنية أكثر اتساقاً مع أداء الفريق مقارنة بالذين يبرزون في أنشطةٍ كالجري بلا كرة أو القرفصة والقفز؟”. هذا دون التغافل عن أن قوانين اللعبة ليست موضوعية بل هي اصطلاح الخبراء والقائمين عليها، أي ذاتية تصبح موضوعية حين تُعتمد لمصلحة اللعبة وأحياناً تكون ليس في مصلحتها.

أقدم لكم إضافةً لتواضع ما كتبت شيئاً ذا جودة، التالي مقتطفات من أطروحة لجوليو غارغانتا بعنوان: Futebol e ciência. Ciência e futebol.

نواجه في الحالة الأولى العلموية التي تجرم الذاتية وتثبط وتسخف من النهج النوعي باسم الموضوعية والصرامة الزائفة، والتي -في رأينا- غالباً ما تتورط في شبكة من أخطاء اختلاف المنظر (أو التزيّح). أمـّا الحالة الثانية، فنواجه ميليشيا الخبراء (أصحاب الخبرة) والذين يقعون -في غالب الأحيان- تحت تأثير “المرموط وذيله في فمه”، حيث يحاولون شرح وتبرير النجاحات والإخفاقات في ظل خطاب مغلق يستهلك نفسه ويستنكر نفسه، أما شعاراتهم المفضلة فهي: “أنا رجل كرة قدم”، “ولدت وأنا ألعب كرة القدم”، “أهم شيء أن أشتم رائحة غرفة الملابس”، أو “كذا وكيت هي كرة القدم”.
كرة القدم في الحقيقة ليست علماً، قد تكون هذه إجابتنا. لا يوجد شيء في الدنيا يعتبر علماً بحد ذاته. ما يضفي الطابع العلمي على موضوع الدراسة هي طريقة تنفيذ النهج العلمي. إذا لجأنا في أي دراسة إلى الوسائل والأساليب التي تمتثل وتخضع لمبادئ ذات طبيعة علمية، فيمكننا إنتاج معرفةٍ تساهم في التطور، سواء أكان ذلك في كرة القدم أو في إنتاج الفلين أو في صناعة شامبو الشعر. يتعامل العلم مع المشكلات، وعند البحث عن إجابات لها، غالباً ما يستثير أسئلة جديدة أو متجددة حول هذه المشكلة أو حتى حول مشاكل جديدة. لهذا السبب، تعتبر النتائج العلمية مناهج مؤقتة يجب التلذذ بها لفترة من الوقت ومن ثم نتخلى عنها بمجرد ظهور تفسيرات أفضل (داماسيو، 1994). لهذا، العلم غير مريح لمن يهوى الإجابات النهائية أو لأولئك الذين يتعاملون بصورة سيئة مع تطور الأفكار. السيرورة التطورية تجعل حجة الخبرة لباساً لا يناسب الذين يكررون -لسنوات متتالية- ما قاموا به في السنة الأولى من عملهم. غير أن هذا يناسب المهتمين والمنفتحين على الإسهامات الجديدة، مستفيدين منها لإعادة صياغة ممارساتهم اليومية وإثرائها. إذا نظرنا إلى تاريخ البشرية، فإن المعرفة تتشكل مع الغاية العامة والمتمثلة في ضمان نجاح تفاعلات الفرد مع البيئة المحيطة به (كاراسا، 1997)، هذا ما يجعل الأفكار والتفسيرات حول الأشياء والعالم ليست إقطاعيةً للعلم أو ملكية خاصة للعلماء. وُجدت الأفكار مذ وُجد الإنسان، وستظل الأفكار موجودة أبداً، ليس فقط لتوجيه الفعل، ولكن أيضاً لرعاية ذلك الوجه السحري الذي نسميه القدرة الإبداعية أو الإبتكارية. العلم، باعتباره أحد الطرق الممكنة للوصول إلى المعرفة، يقدم نفسه كأداة معرفية/إدراكية لإنتاج استراتيجيات البقاء (كاراسا، 1997) ولتأكيد الإنسان وعلاقته بالمشاركة. من معرفة (الشيء) إلى فعل (الشيء) ثمة طريق طويل، ربما بنفس الطول ما بين الفعل إلى المعرفة (كاراسا، 1997). وهكذا، يبدو واضحاً أن كل تقدم في الفعل (التطبيق) يفيد المعرفة (النظرية)، تماماً كما أن كل تقدم في المعرفة يفيد الفعل (موران، 1990). تتطلب كرة القدم حالياً التخصص في الوظائف والمهام المختلفة – من اللاعب إلى المدرب، ومن الطبيب إلى أخصائي العلاج الطبيعي، ومن رئيس القسم إلى رئيس النادي – لذا فهي تتطلب من اللاعبين المزيد والمزيد مهارياً ومعرفياً، سواء كماً ونوعاً.
على مداد السنين، قام العلم بإضفاء الطابع المؤسسي، ضمنياً أو صراحةً على مفهومين يشكلان الإطار المفاهيمي للموقف العلمي الحديث: (1) نحن موجودون في عالم موضوعي، له قدرة على أن يكون معروفاً بشكل موضوعي ويمكننا من خلاله إعلان الافتراضات المعرفية التي تجعله يظهر كواقع مستقل عن الذات التي تريد أن تعرفه؛ (2) نصل إلى المعرفة من خلال أعضائنا الحسية من خلال عملية إسقاط -رسم خرائط- للواقع الخارجي الموضوعي على نظامنا العصبي (ماتورانا، 1974).
ما نشاهده ليس الطبيعة نفسها، بل الطبيعة التي تحددها طبيعة أسئلتنا. هذه الأسئلة التي نطرحها على الواقع، -أي فرضياتنا- لا تعدو كونها افتراضات نرغب في إثبات طبيعتها والتي توجه بحثنا في استكشاف الشيء.
تمثل وضعية الذات -بوصفه مراقباً/راصداً- وجهة نظر ثنائية، ذلك أنها تتيح وتُحِد بنفس الوقت من إمكانيات المعرفة (بالنسبة للذات).
يروي فرانز كافكا قصة حيوان يبني وكراً يأتوي إليه. وما إن يكون بالداخل مغطىً، يبدأ بالقلق حيال ما إذا كان المدخل مخفياً جيداً أم لا. يخرج للتحقق من ذلك، لكنه بفعله هذا يخرب التمويه. يدخل مجدداً ويعيد ترتيب التمويه، ثم يقلق مرة أخرى، يخرج، يدخل، يخرج، فيدخل. لا يمكن أن يكون بالداخل لأنه يريد رؤيته من الخارج. لا يمكنه أن يكون بالخارج لأنه يجب أن يكون بالداخل.
كي تكون آمناً داخل الوكر، عليك أن تكون في الخارج تراقب. هذه معضلة العالِم في علاقته بالعلم الحديث.
نظراً لأن كرة القدم ليست علماً، فيمكن أن تستفيد كثيراً من المساهمات العلمية، طالما التزم الباحثون بقاعدة ذهبية: احترموا خصوصية اللعبة، مما يعني أنهم يجب أن يتوخوا الحرص كي لا يشوهوا المصفوفة التي تمنحها الهوية.

مقال مترجم لخوانما ليـّو

DEFENSA EN ZONA EN EL FÚTBOL. UN PRETEXTO PARA REFLEXIONAR SOBRE EL JU -  Librería Deportiva

هذا المقال هو مقدمة لخوانما ليـّو كتبها لكتاب المدرب البرتغالي نونو أمييرو عن المنطقة في نسخته الإسبانية.

لقراءة الكتاب حمله من هنا .

إليكم المقال:

إذا كان هذا الكتاب بين يديك فسوف تدرك بأنك تتعامل مع رجل يجعل من النمل أمراً غامضاً. ليس ذلك وحسب، فهذا المجهود الهائل الملاحظ في كل صفحة من الصفحات سيجعل من قرائه مبتهجين كبهجة حشرة الزيز. لقد أبدع نونو أمييرو عملاً رصيناً للغاية أُعيدت صياغته بُغية التنقيب عن مفاهيمٍ أشاركها إياه. يؤكد المؤلف مرة أخرى على أن كرة القدم -في الخلفية- ما هي إلا نسخة جيب لكتاب الحياة.

مع أن الأمر قد يبدو كذلك، إلا أن نونو لا يجمع آراء الآخرين وحسب، بل يرفضها ويثريها ويضعها في نقاش فكري خصب. هذا الفتى دودة كتب، محاربٌ بصرامةٍ أكاديمية، غائر في كهوف المعرفة، لكنه اتخذ خطوة إلى الأمام مقارنةً بأقرانه الذي يبشرون بذات الأمور. وهو بعيدٌ عن استخدام قرض المعرفة المودع من قبل أشخاص مؤهلين تأهيلا عالياً، فقد شكك بها في بعض الحالات وأقام تبادلاً بين المرجع المنتقى وبين مساهماته. إنه لا يفسر ويشرح فقط، بل يجلب لمعاناً وعذوبة لمغامرة الخروج بأفكاره الخاصة. هو خبير في فن الحجاج والجدل. يدحض المصادر ذاتها التي ينهل ويشرب منها، وهو -حيثئذٍ- يجد مصدراً إبداعياً قوياً. إنه يستجوب أولئك الذين يعتبرهم معلمين له، وبتلك الجرأة هو يكتسب أهليةَ أن يكون معلم.

أولَج نونو المشرط في لب (دفاع) المنطقة وتطورها، محطّماً المفاهيم الراسخة فعلاً في اللاوعي لدينا، كما هو الحال -تقريباً- مع كل ما هو واضحٌ وجرت الموافقة عليه دون تفكير مسبق. ذلك أنه وضع عدسةً مكبرة على ما هو واضح قصد التشكيك فيه. إنه يخرب التفكير النمطي في محاولة لفضح تحيزاته ودوغمائيته. يفعل ذلك بدقة فرعونية، وباحترام كبير، زاحفاً تحت زبدٍ من المفاهيم التقليدية. إنه يشعر بالحاجة إلى إيجاد صيغة/معادلة لهذه اللعبة، بحماسةٍ يدعو -تقريباً- لطبيعة رياضياتية في اللعبة ولكنه في الوقت نفسه يعرف أن ليس ثمة شيء من ذلك. إنه رهينة لهذه المفارقة الغير قابلة للحل. لهذا السبب عاد إلى البحث بعناد وإصرار يذكرنا بأسطورة سيزيف. وعلى العكس من شخصية سيزيف في الأساطير، لا يتسلق نونو جبلاً، بل يسافر في دائرة متحدة المركز. من الجزء إلى الكل، ومن الكل إلى الأجزاء، ومن الجوهر إلى التفاصيل، ومن التفاصيل إلى الجوهري، ومن الطابق السفلي إلى العلية ومن الشرفة إلى الطابق الأرضي، وهي رحلة تكمن قيمتها في البحث وليس ما سيجده المؤلف أو يصل إليه. وهذا ديدن جميع الرحلات، فإن الهدف هنا أيضاً هو الطريق والطريق هو الهدف.

يتعين على القارئ ألاّ يسيء فهم عنوان هذا الكتاب. قد تسبب طريقة تعميد هذا العنوان لبساً وخلطاً مُتفهماً. قد يبدو وأن كل شيء مقطعٌ إلى أوصال، كل شيء مفصول، أو أن المؤلف قد استسلم لمساعي التجزئة، أو أن ما بين يدينا ليس عملاً شمولياً/كلانياً متكاملاً. حسناً، لا، إنه عمل يربط كل شيء بكل شيء. يوجد أدناه محاماة للعب المنطقة، وليس لدفاع المنطقة. لذلك فهو ليس عملاً جزئياً، ولا يتوقف عند الدفاع، ولكنه يناشد اللعبة ككيان لا ينفصم. في جزء من الكتاب، علاوة على ذلك، فقد لُمس باب النموذج النُّظُمي خلسة ولكنه لم يُفتح [1]. وهو نموذج يتكيف مع احتياجات اللاعب، وبالتالي مع احتياجات اللعبة. وهذا النموذج الذي هو في طور الظهور يناقض النموذج الكلاسيكي القادم من خطية الرياضات الفردية، ذلك أن هذا النظام الديناميكي ينشر اللاخطية المستمدة من الرياضات الجماعية ذات المهارات المفتوحة والغنية بالتعقيد ككرة القدم. يأتي النموذج القديم من العلموية الزائفة التي تُكيف الواقع مع الاهتمامات الغذائية لدى العديد من التخصصات التي تصبو البقاء على قيد الحياة عبر جعل كل واحدة منها أهم من الأخرى. كل واحدة منها تجعلنا نعتقد أن جزئها الخاص هو الكل. متناسين أن الكل أكثر من مجموع الأجزاء، “بالرغم من أن الأجزاء لا تتراكم، وإنما تتفاعل” وتتباين. ومن الطبيعي أن ينتشر هذا الاعتقاد الخاطئ بقدر ما تضمن الحفاظ على العديد من الوظائف. لكن ليس لدي شك في أن مستقبل التدريب في هذه الرياضة يكمن في النموذج النُظمي ورؤيته الكلانية. وهو نموذجٌ، -بما أنه يؤمن باللاعب- يستميل ويلتمس عملياته المعرفية وذكائه الإدراكي.

من المعلوم أن جوهر كرة القدم هو المنطقة. إذا دَفعت بمجموعة من الأطفال كيما يلعبوا كما يحلو لهم، فسيضعون أنفسهم غريزياً في المساحة المتاحة لهم للعب بها. لن يهرع أحدهم في مطاردة أي أحد. لن يُبدي أي من هؤلاء الأطفال سلوكاً بوليسياً، أو أي رغبةٍ في السجن. هذا ما سوف يعلمونك إياه لاحقاً لسوء الحظ، عندما ينال جبن المدرب وغروره الذي يأسره أسبقية على طبيعة هذه اللعبة.

سأدافع عنها مجدداً، المنطقة ليست فقط حليفةٌ طبيعية للمبادرة، ولكنها تقريباً ضرورة بيولوجية للبشر. إنما هي توزيع أكثر عقلانية وطبيعية لمجموعة ما في المساحة/المكان. أنت تقف حيث تبرز قدراتك. تصبح المهارة أداءً عندما تكون في مكانك الطبيعي وتتفاعل مع الآخرين الذين سيقومون بذات الأمر. تلك الحركة وهذا التآزر غريزي، والقيام بالعكس، أو قبل ذلك أمر اللاعبين بالعكس هو تشتيت للغريزة. كما قلت منذ سنوات عديدة، كي تلعب في منطقة ما، عليك أن تعيش في منطقة ما. اللعب نشاط تستحسه وتستشعره أولاً ومن ثم تقوم بتنفيذه. إننا نعلم أن قيم المنطقة هي الإلتزام والتضامن وتبادل المساعدة والتعاون والتعاضد. من يعرفون كيف يعيشون بهذه الطريقة هم من يعرفون كيف يلعبون بهذه الطريقة. توزيع المساحات وتوزيع الجهود خاتمته توزيع المنافع. ومن ثمة بالطبع، تقسيم المسؤوليات. إن زبدة المنطقة التقاسم، المنطقة مفهوم أساسه التكامل لا التفكك. والغريب في الأمر أنها تتعارض مع الفكرة الراسخة سلفاً والتي تدعو إلى الفردية طوال الوقت. بل ويُأكّد على ذلك بصورة أكبر في عالم كرة القدم، الأمر الذي يجعل اللاعبين يعتقدون خطئاً أن بإمكانهم استخدام مواهبهم دون الاعتداد بالآخرين. هناك بحث علمي صارم للغاية خلُص إلى أن الفائدة القصوى للجميع لن تتأتى إلا بالتعاون. وعلى الرغم من أنها تبدو وكأنها ممارسة إيثارية، إلا أنها ممارسة أنانية. وبلا شك، ليست أنانية بالمعنى الاعتيادي، بل أنانية إيثارية، أنا أساعد الآخر لكي يساعدني. إذا كنا نعيش في قمة وذروة المنفعة، فإن المنطقة ترضي هذا الدافع دون الحط من قيمة أي شيء آخر. في رياضة جماعية مثل كرة القدم فالمبدأ الإرشادي هو الذي يربط كل شيء ويحسنه. آملين أن يدركه القارئ ويضعه موضع التنفيذ.

____

[1] انظر نظرية النظم أو نظرية الأنظمة، Systems theory، وهي معنية بدراسة النظم المعقدة.

المنطقة؛ الهجوم في الدفاع…

تدور الأرض حول نفسها فيولي جانبٌ منها شطر الشمس، فيما يرخي الليل سدوله ويحل الظلام في الجانب النائي عنها، هكذا تحدث ظاهرة الليل والنهار، فلا ينتفي وجود الشمس بحلول الظلام، بل والأصل في الكون الظلمة الحالكة، إنما حلول النهار عرَض وحادث، ولكننا ضمن النظام الشمسي وندور حول الشمس، والشمس عطفاً على ذلك هي المركز الذي يحدد تعاقب الليل والنهار. الكرة هي مركز اللعبة، وهي التي تحدد تعاقب حالات اللعب، وهي التي يولي اللاعبون وجوههم شطرها، إذ يتنازع الفريقان على امتلاك الكرة محاولين زجها بشباك الفريق الآخر. الحالتان ليستا منفصلتين بل موجودتان في ذات الأثناء، هما صفتان أو حالان للعب، واللعبة جوهر واحد وسيرورة تواصلية، وليست جوهران منفصلان. فاللعبة ستبقى كما هي سواءً امتلكت الكرة أم لا، والشمس موجودة حتى وإن حل الليل حيث تطل على جانب آخر من الأرض، ونرى نورها منعكساً على القمر، وهذا من وجه. والفريق المهاجم -من وجه آخر- يدافع بشكل ما، والفريق المدافع يهاجم ضمنياً، الدفاع يحدد الهجوم والهجوم يحدد الدفاع، هناك تبادل تأثير دائري بين الحالات وبين الكل والجزء، ذلك لأن اللعبة انسيابية وذات تدفق مستمر.

هذا المقال يتصل بالمقال السابق لأنه ببساطة يقع تحت مظلة كرة القدم، غير أنه عندما نتغور في أعماقها ستبدأ عناصر أساليب اللعب بالاختلاف، أي ستتباين أشكال وألوان الهجوم والدفاع ولكن كأعراض، كإضافة الألوان على القماش، إذ سيبقى القماش على خامته قطناً كان أو حريراً مهما كُسي من ألوانٍ وحليّ، وهذا على سبيل التقريب. غير أننا سنتناول الحالة الدفاعية على العكس من المقال السابق، دون فقدان الصورة الكاملة ودون التغافل عن تكامل الحالتين؛ فبالنسبة لساكي أو غوارديولا أو كلوب فالحالة الدفاعية لها صبغة ونوايا هجومية، بحيث يكون الدفاع دفاعاً فاعلاً يضغط باستمرار ويحاول خنق خصمه أينما كانت الكرة، وتمتلك فرقهم خاصية الانسياب من الدفاع للهجوم كعكس ذلك. وكون كرة القدم تنطوي على حالتين رئيسيتين “متكاملتين” فستتطلبان تنظيماً بدئياً. بينما يصعب في واقع الأمر التحكم في الحالات التحولية البينية، فقد علمنا في المقال السابق أنهما أولاً رهن هيكلة مسبقة، ورهن استجابة سلوكية ثانياً. لكن كما نعلم هناك تمظهرات وتجليات مختلفة لكل أسلوب، فالأسلوب التمركزي لدى كرويف ليس هو نفسه عند ميخلز، وليس هو نفسه الخاص بفان خال، وكذلك ليس هو نفسه لغوارديولا، وليس هو نفسه تماماً في بايرن بيب أو برشلونة بيب، لأن المدرب قد تكون له يد على المستوى الكبروي، الذي من شأنه التأثير على المستوى الصغروي؛ أي اللاعب، واللاعب بدوره يضفي ويفرز الجديد ويجوّد من الأسلوب ومن زملائه (المستوى الكبروي). فاختلاف اللاعبين يغير حتماً من الأسلوب، ليس كمدخل من المدرب كمُرسِل (للمعرفة والمعلومات)، بل كمُخرَج مترجم من اللاعب بوصفه مستقبٍلاً لتلك المعرفة، ومن ثمَّ يضيف اللاعب على ما عرف إبداعاته وابتكاراته وحلوله. وعلى الرغم من اختلاف اللاعبين عن بعضهم البعض إلا أن اللعبة ستبقى هي هي، توقيت، مساحة، تمركز، دقة. وكذا الشأن بالنسبة لغوارديولا أو ساكي فأسلوبهما لا يتغير، ما يتغير هو تعبير اللاعبين عن هذا الأسلوب، خصوصاً إذا توافق اللاعب كخصائص وكاستعداد مع المدرب.
ونحن إذ نشير للعب التمركزي لا نشير إليه كأسلوب حصري لمدرب دوناً عن غيره، إنما هي بارادايم مليئة بالمبادئ والمفاهيم الكروية، تقل في فريق أو آخر، تتبدل المفاهيم ويشدد على مفهوم دون مفهوم آخر، ولكنه أسلوب لعب إذا ما أتقن بالكامل سنرى فريقاً صعب المراس. لو تتبعنا الجذور في أسلوب غوارديولا لوجدنا أنه مزيج من كرويف وساكّي، فالاثنان أسسا فرعين للكرة الشاملة عبر رائدها رينوس ميخلز، فكرويف راهن على الاستحواذ وخلق اللعب وتوسيع الملعب، فيما طور ساكي آليات الضغط والخط العالي ووحدوية اللعب، بحيث لا يكاد يختلف الهيكل الهجومي عن الدفاعي ومع ذلك فسيحتفظون بالانتشار الملائم، كما تتسم كرته بنسق أسرع وحالة حوارية مع الخصم وأقل من ناحية الهيمنة. يشابه بيب ساكّي كذلك في الصرامة وأولوية الجماعة على حساب الفرد، لربما كان ذلك من تأثير فان خال حيث تدرب على يديه كما نعلم، ولكن لفان خال أسلوب آخر في الحالة الدفاعية وتأويل مختلف أيضاً في اللعب التمركزي. اللعب التمركزي يشمل جميع الحالات، دفاع المنطقة يشمل جميع الحالات، فإذا كان هناك هجوم تمركزي فهناك دفاع تمركزي، وإن كان هناك دفاع منطقة فهناك هجوم منطقة، بالنهاية هي كرةٌ شاملة في أحدث إصداراتها، وأياً يكن المسمى تنطلق هذه الأساليب من منطلق أن كرة القدم لعبة جماعية، تتخطى الآحاد ويصبح الفريق “مجموعة دائمة التطور، يشارك فيها الجميع في المراحل الدفاعية والهجومية، وتكون متعددة المقترحات، مرتبطة بخيط غير مرئي ألا وهو اللعب.” هذا ما يراه ساكي، أما كرويف فيزعم أنك إذا ما انتقيت أفضل 11 فرداً فسينتهي بك الأمر بأفضل فرد وفرد وفرد … الخ، وليس أفضل فريق؛ كوحدة متجانسة ومتحدة الهدف. وإذا دربت 11 لاعباً يتحدثون ذات اللغة وقادرون على التواصل عبرها سيحدث التآزر والتعاضد، والأثر المترتب سيكون كلٌ جديد مختلف وأكبر جراء تفاعل العناصر وليس مجموع العناصر متفرقة، فذرة أوكسجين على حدة وذرة هيدروجين على حدة لن تصنع ماءً، ولكن عندما تتفاعل هذه العناصر سينبثق الماء وسيكون المركب.

دفاع المنطقة أسلوب جماعي

وصلاً للحديث من حيث انقطع وانتهاءً بالفقرة السابقة علمنا ما تعنيه عبارة الكل أكبر من مجموع الأجزاء، إذ تصبح خواص المنتج المنبثق شيئاً جديداً مختلفاً عن العناصر، ويصبح التعاضد بين الأجزاء/الأفراد أقوى وأكبر نوعياً كما يصفُ الشاعر: تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا ـــــــ وإذا انفردن تكسرت آحادا. كرة القدم وحدة “متعددة” الأبعاد وليست وحدة “مدمجة” ببعد واحد كما يحدث في المركب الكيميائي مثلاً، وبالطبع كما هو بديهي فلن يندمج ويتمازج اللاعبون ببعضهم البعض كما يحدث فيما بين عناصر الماء؛ فاللاعب قائم بذاته، وبذا ستبقى هوية كل لاعب وسيكون هناك تعبيره الذاتي ضمن الهوية الكبرى “الفريق” وضمن النظام المتداخل العناصر والمُتبادَل التأثير. فمعلوم كما ذكرنا مراراً أن الجزء يؤثر بالكل والكل يؤثر بالجزء، قد تخفت عيوب الفرد ضمن فريق بأسلوب وثقافة كروية جيدة، وقد يضيف الفرد للأسلوب جودة وجِدّة وابتكار ولكن بقدر ضئيل لأن النظام هو ما سيطغى على الجزء الذي يؤدي وظيفة بحدود قدرته داخل هذا النظام. ولكن هذا القدر الضئيل في تسلسل اللعب سيكون هاماً، وإذا تصرف كل لاعب بشكل جيد وذكي، أي قدر ضئيل مضافاً على قدر ضئيل، مضافاً على قدر ضئيل… فالثمرة المحتملة: فريق قوي.

ما هو دفاع المنطقة؟

سبق وأن صنفت مقالاً يتحدث بالتفصيل عن دفاع المنطقة الخاص بجامباولو وسارّي، وديل نيري من قبلهم. وهو بالطبع تطورٌ عن منطقة ساكّي بمفاهيم أكثر صرامة على مستوى التمركز، فاللاعبين لا يولون للخصم أهمية مثلما يولونها للمساحة والمنطقة حول الكرة. في هذا المقال نحن نتحدث عن دفاع منطقة أعمّ يشمل عدة أشكال ويبرر مسوغات الأسلوب وأفضليته النسبية، تلك المفاهيم المذكورة في ذلك المقال باقية كما هي، فبإمكانكم الرجوع إليها إذ سنشير إليها كإشارات ولن يكون المقال تكتيكياً/استراتيجياً بحتاً بل مقالاً “كروياً” يشمل البعد التكتيكي والاستراتيجي وبقية الأبعاد كما نطمح، ذلك للإحاطة فالحديث تكتيكياً لا ينطوي على 4-4-2 وبعض الأسهم كما يقول خوانما لـيّو، فإذا لم تتواجد هذه التوضيحات غاب عن البعض المراد.

نُسِب ابتكار أو اكتشاف دفاع المنطقة للعديد من المدربين، ولكن في الحقيقة دفاع المنطقة ليس اختراعاً، بل تواجدت هذه المفاهيم بوجود اللعبة، فما حدث هو أننا نسميها بأسماء. ومن ثمَّ يصوّغ المدربون آليات أفضل كحلول عند تحليل تصرفات اللاعبين المميزين والفرق المميزة، وبذلك يحاولون تحسين جودة التمركز سواءً على مستوى الفرد أو الفريق. يرى خوانما ليـّو أن دفاع المنطقة هو السلوك الفطري ولكن بعض المدربين هم من يشوهون اللاعب بدفاع الرجل لرجل. أختلف مع لـيّو هنا نوعاً ما، فأرى الصغار يميلون لمراقبة خصومهم ويطلبون من بعضهم البعض المراقبة واحد لواحد ولكن مع ذلك فبعضهم قد يقف بموقعه كدفاع المنطقة، وأحياناً يتجمعون حول الكرة بعشوائية. هذا النوع من الدفاع -أي المنطقة- قد ينتج عن انتظام ذاتي تلقائي إذا ما كان اللاعبون أذكياء، غير أنه كي يُتقن فنحن بحاجة لفبركة وصناعة في ملعب التدريب.

دفاع المنطقة هو نظام أو استراتيجية دفاعية يحاول فيها الفريق استعادة الكرة عبر نصب كتلة أمام الكرة تتنقل معها ذات اليمين وذات الشمال، صعوداً وهبوطاً. يتوزع اللاعبون بشكل معقول لتشكيل السد؛ أو بصياغة أخرى يتدرج اللاعبون في التمركز ولكل لاعب موقعه ضمن الشكل المتنقل/الديناميكي دونما أي اعتبار للمنافسين إلا حالة كان داخلاً في الهجمة. وبما أن الكرة تتحرك فالكتلة كلها تتحرك وتتموج كسرب. كلمة “المنطقة” تشير إلى منطقة الكرة وليس إلى منطقة محددة، لذا فاللاعب ليس مسؤولاً عن منطقة بعينها إنما يكون مركز اللاعب داخل الملعب ديناميكي وغير ثابت، فتموقع اللاعب مناطه حركة الكرة. نَصّ نظام المنطقة في بداياته -كنظام مُدرَّب- على أن المدافع يراقب المهاجم داخل منطقته، إذ لن تسند له مهمة اللحاق بلاعب محدد حتى وإن خرج من منطقته، واليوم ليس هذا هو الحال بالضبط، وإن كان هذا أحد درجات الدفاع الجماعي، ولكن في النظام الحديث يتموقع كل لاعب وفقاً لمكان الكرة أولاً وزميله ثانياً والمرمى والمساحة بعدئذٍ، أما المهاجم حتى وإن دخل ضمن منطقة المدافع المؤقتة فلا يجب مراقبته إلا حالة كان داخلاً في الهجمة، أي كخيار تمرير محتمل. يعرّف مورا ومارتزيالي دفاع المنطقة على أنه “عبارة عن تكتيكات دفاعية غايتها استعادة الكرة؛ وبهذا السياق ينبغي أن يخالج حامل الكرة إحساسٌ بأنه يلعب ضد 11 لاعباً. وكنتيجة ينبغي أن يغطي كل لاعب منطقة محددة دون انفكاك عن مكان حامل الكرة، وعن الكرة ذاتها.” في هذا النظام يعمد الفريق تضييق وتقليص مساحة اللعب، الأمر الذي سيرفع نسق اللعب وبالتالي يُجبَر الخصم على اتخاذ قرارات سريعة ما يُسفر أيضاً عن ضيق الوقت، إذ أننا في دفاع المنطقة “نحاول بأكثر الطرق معقولية معالجة أهم نطاقين في كرة القدم؛ الزمان والمكان”، وفقاً لفيكتور فيرنانديز مدرب سرقسطة السابق.

“في مرحلتي الدفاع والاستحواذ، أعتقد أنه من الضروري أن يكون الفريق قصيراً وضيقاً. عند الاستحواذ، نظام لعبي قائمٌ على التزامن/التناغم والتوقيت. إننا نتخلى عن المساحات، وسيصعب الوصول (استقبال الكرات) بحالة حركة. ولكن الخصوم سيجدون صعوبة في التعامل معنا. يجب ألا تزيد المسافة بين من يمتلك الكرة وبين المستلم بشكل عام 12 أو 15 متراً. إذا كانت المسافة أكبر، فستكون التمريرات أقل دقة، وستكون غالباً عالية أو بطيئة، وسيكون المستلم معزولاً. بالإضافة إلى ذلك، كلما زادت المسافة (عن المرمى)، كلما قلّ خوف المدافع من التعرض للهجوم من الخلف… فلديه ثلاثون أو أربعون متراً للتصرف.” –أريغو ساكي

تتسم الفرق المطبقة لدفاع المنطقة بتقارب الخطوط وقصر المسافة بين خطوط الفريق عرضياً وطولياً أو كما يسميه ساكّي الفريق القصير squadra corta، ذلك أننا في حالة الدفاع ننكمش حول الكرة. وعلاوةً على ترابط خطوط الفريق تتمتع الفرق المطبقة لنظام المنطقة بوفرة اللاعبين قرب الكرة، كما يمكن التكيف أمام أي خصم لا الانصياع لهم أو محاولة مطابقة الخصم كما في دفاع الرجل لرجل، إذ أن أولويتنا الدفاع عن النفس بالنفس دون القلق بشأن الخصم بل للمساحة والمرمى ومكان الكرة في المقام الأول، فإذا نزعنا المساحة والوقت من الخصم فسنُبشر بطول سلام من أي خطر.

المبادئ والمفاهيم

التعاون والتنظيم ضروري في دفاع المنطقة حيث:

1) يحتفظ كل لاعب بمركزه ولا يقفز على زملائه، فالضغط المزدوج على سبيل المثال لا يطبق إلا حالة التفوق العددي، عدا ذلك فقد تظهر الثغرات في مساحات أخرى، وعطفاً على ذلك فالأولى لنا هو تغطية المساحات، ولذا هناك توزيع مكاني وإلا لاختلط الحابل بالنابل؛

2) سنعرف من نقطة “1” أن حركة كل لاعب مرتبطة بحركة زميله بإزاء الكرة؛

3) وحركة كل خط مرتبطة بالخط الآخر، والخط يشد الخط؛

4) والكرة تجذبنا معها، وهذا مايعرف بالامتطاط أو التمغنط الدفاعي، حيث:

أ- حالة استطاعة حامل الكرة لعب كرة للأمام ينبغي أن يعود الدفاع أدراجه، ما يعرف بالكرة المكشوفة. ب- وحينما لا يستطيع القيام بذلك تسمى كرة محجوبة؛ كأن يكون حامل الكرة تحت الضغط أو ظهره لمرمى فريقه فالفريق يبقى ثابتاً ولكن بوضعية استعداد حال انكشاف الملعب وقدرة حامل الكرة على تهديدنا. د- عندما تُلعب الكرة للخلف بالنسبة للمنافس أو تلعب عرضياً يتقدم خط الدفاع، وهذا تلقائياً سيضع المهاجمين في موقف تسلل.

“يتطلب الضغط فريقاً متراصاً ومنظماً، وفي الآن ذاته -من ناحية أخرى- من الضروري الانزلاق والإمالة بزوايا قُطرية. كمُن الإشكال في جعل لاعبي كرة القدم الذين يجرون للخلف يتقدمون إلى الأمام. يمكنك التقدم للأمام فقط إذا كنت منظماً وتعرف متى وكيف تفعل ذلك. كان الهدف هو التفوق العددي دائماً بالقرب من الكرة.” -ساكي

قبل الضغط نحن بحاجة لفريق متضام ومتراص ومتوازن لأقصى قدر ممكن كما رأينا في النقاط الأربع السالفة؛ دفاع المنطقة يعني الضغط المتواصل والموقف الهجومي من الدفاع أو كما يقول ماتورانا دفاع المنطقة يجعل الدفاع فن الهجوم، أي أننا نتخذ موقف المبادرة والهجوم في الحالة الدفاعية بلا كلل ولا ملل من الضغط، فإذا أردنا السلم ينبغي أن نستعد للحرب، وفي كرة القدم ينبغي أن نهاجم على هجوم الخصم. ولكن ثمة أسس للضغط، حيث:

– يضغط اللاعب عندما يكون هو أقرب لاعب للكرة ضمن نطاق منطقته المؤقتة/الآنية؛

– ضمان توفر التغطية والتدخل فور تخطيه؛ أي توفر القطريات والهرميات؛

– توفر التوازن حيث يغطي اللاعب الثاني لاعباً ثالثاً كذلك وهكذا. سيبقى الفريق متزناً بهذا الشكل طالما امتلكنا قابلية التغطية واتخاذ الفريق تكتل في عمق الملعب وجِهة الكرة وإغلاق الطرق المؤدية للمرمى.


مما سبق ينبغي أن يضغط اللاعبون في الوقت المناسب وفي حال توفرت الشروط لذلك:

أ) استعدادية اللاعب وتغطيته لظهره وإغلاقه منافذ عبور الكرة؛ ب) تأهب الفريق وترتبهم؛ جـ) مثيرات ومحفزات الضغط فردياً؛ د) مصايد الضغط جماعياً مرتبطة بالنقطة “ب”. وحينما نكون في حالة نقص عددي، لنقُل 2 ضد 4 فالأولى الانسحاب للخلف وانكماش الثنائي للعمق وتأخير الخصم، وفي حالة كان الفريق متقدما ينبغي الضغط على الكرة وتأخير الهجمة لحين عودة الزملاء وهكذا.

المنطقة تتعامل مع لا خطية كرة القدم وتعقيدها

دفاع المنطقة كاللعب التمركزي هو أسلوب عام، يضم العديد من المبادئ والمفاهيم الدفاعية، بل ينتشر دفاع المنطقة اليوم أكثر من أي نظام آخر، فالدفاع الجماعي مرتبط بدفاع المنطقة الذي يكون امتداداً للعب التمركزي وهما وجهان لعملة واحدة، ففي الهجوم نحاول توفير حلول وعدد حول الكرة، وفي الدفاع نحاول تكثيف الحضور أيضاً حول الكرة وقطع سبل مرورها بين خطوطنا. تطبق الفرق هذه المبادئ برؤىً مختلفة وتغليب مبادئ على مبادئ أخرى، وكونه عاماً لا يعني أنه سهل التطبيق بحذافيره، صف اللاعبين فقط بخطين مؤلفان من 4 لاعبين ومهاجمين أمامهما لا يعني إتقانه وضبطه، بل أن غالبية الفرق تطبقه بشكل سلبي ساكن فاقدة للحيوية ما حدا بالبعض اختيار الرقابة رجل لرجل لضمان الحيوية والاستباق والفعل وهو ليس دقيقاً -كما سنرى- بوجهة نظرنا. يمثل هذا الأسلوب خط التعقيد في كرة القدم، بالضبط مثل اللعب التمركزي، إذ تحاول التعامل مع التعقيد، تحاول التعايش معه، لا تبسطه، فهي تضع أمام اللاعب جميع المتغيرات والاحتمالات للتعامل مع هذا الواقع، لا تفترض أن المباراة عبارة عن آحاد مقابل آحاد، أي 1 ضد 1، بل أكبر بكثير من ذلك، فهي لا تخنق اللاعب ولا تضيق أفقه بمراقبة اللاعب المنافس، ولا تفترض أنه بمراقبة اللاعب ستتقلص ريبية اللعبة وستنحسر اللاتنبؤية، لأنه إن لم يفُتْك اللاعب فسيفوتك كل شيء آخر، المراقبة رجل لرجل مفهوم داخل المنظومة وليس خارجها، مضمومة في كنفها. المراقبة جزء من الدفاع وليس الدفاع نفسه، هو تكتيك في استراتيجية.

في المنطقة يعمل الفريق ككل، كوحدة تتنقل مع الكرة، تتحكم الكرة بتحركاتنا وسنحاول التحكم بتوجيهها، سنحاول إرغام الخصم على اللعب بسرعة بخنقنا إياهم زماناً ومكاناً، سنقطع مسارات وزوايا التمرير، سنحاول -بلا يقين- توقع مسار الكرة، سنحاول التعامل مع خيارات التمرير المحتملة، هنا قد وضعنا باعتبارنا عشرات الاحتمالات، ولم نقم بوضع لاعب أمام لاعب وحسب. وعندما يحدث خلل فالمجال للتعويض متاح، هناك ترميم ذاتي في حال تم تخطي اللاعب، هناك تغطية متبادلة، فمجال التعويض وتدارك الموقف لا زال متاحاً واللعبة مفتوحة على جميع الاحتمالات، فلسنا نلعب الشطرنج مثلاً، حيث لا يمكن استرجاع القطعة المفقودة ولملمة الثغرات. يزعم ساكي أن 5 لاعبين منظمين قادرين على دحض خطر 10 لاعبين، لأنه بدحض المساحة والوقت ندحض الخصم إلى حد كبير. فالظهير يخرج للضغط ويتبعه القلب مغطياً إياه ويمنع بتموقعه أي مسار قُطري للكرة، وحين تدخل الكرة للعمق عرضياً يخرج هو للضغط ويقوم الظهير بالضم للداخل ومجاورته، والقلب الآخر سيُبقي بصره على الكرة وسيتوقع مسارها وسيرى المهاجم وسيقف على الخط مع الظهير لتغطية القلب الضاغط وسيضع جسده بهيئة جانبية مطواعة وحية تمكنه من الدوران كي يركض نحو المرمى إذا استطاع حامل الكرة التمرير للمهاجم المنطلق. والأمر ذاته يطبقه بقية اللاعبين أسوة بالقلب الأخير. بإيصاد العمق ومهما كان العدد في هذه الحالة، لنقل 4 أمامهم 5 مهاجمين، ليس ثمة حلول إلا بينياتٌ لن يتيقّن حامل الكرة من إيصالها، ذلك لأن الخط المتباين الشكل والمتعرج بين المدافعين -على شكل هرمي- قد يَحُول دون وصول الكرة للمهاجم، وقد يضطر للخروج بالكرة إلى الطرف. من هذا المثال نرى أن اللاعب المدافع يتعامل مع سيناريوهات مختلفة، وليس متوقفاً على المهاجم، وإنما على عدد من العوامل في ذات الأثناء: كرة، زميل، مساحة، توقيت، منافس، مكان المرمى. ولهذا هي تتسق مع تعقيد اللعبة، لا تختزلها في لاعب ضد لاعب، ولا تحاول حجب التعقيد المتأصل في اللعبة. بل يبعد بنا خورخي فالدانو زاعماً أن “العظمة في كرة القدم ممكنة فقط بمراعاة نظام المنطقة.”

الدفاع مسؤولية جماعية

“المفهوم هو: كن متراصاً لتحسين التعاون والتواصل. أحد عشر لاعباً نشطاً بالكرة أو بدونها؛ هذه هي الطريقة الوحيدة للشعور بأن المجموعة أو الكتلة متحدة.” -ساكي

“المنطقة […] هو أن تدافع كنسيج حيوي وليس كمجموعة من الخلايا. في النسيج الحيوي، الفردية الخلوية تمتزج في المجموعة، والفرد موجود فقط في الكل، خارج ذلك، هو مجرد ضوضاء!” -جوليو غارغانتا

دفاع المنطقة دفاع عضوي وليس نتاج جودة لاعبٍ ما، لذا فهذا النوع من اللعب أو أي أسلوب جماعي هو صناعة لكائن خارق وانبعاث لقوة إضافية. ففي كرة القدم نحن بحاجة للذكاء الجماعي، يبزغ من ذكاءات الأفراد الذين تتباين مستويات الذكاء والنباهة لديهم، والإنسان مخلوق ذكي ويكون اللاعب أبرع كلما كان أذكى، وينخفض أداءه كلما انخفض ذكاءه. اللاعب المميز أو النجم المعروف جماهيرياً قد يبرز أكثر عندما يكون مضطلعاً بشكل مباشر بالكرة أو يكون حائزاً عليها، سواءً كمهاجم أو مدافع، لذلك تبرز عيوبه التكتيكية بعيداً عن الكرة أو عندما لا يكون في لحظة ما ليس متداخلاً في الهجمة، ولذا ربط جودة الدفاع كنشاط جماعي بجودة لاعب واحد رأي لا يمت للصواب بصلة. ولذلك نرى فرقاً متوسطة الجودة أو أدنى تبدو وكأنها قوية أو حتى فرقاً قوية تظهر بشكل أقوى مما هي عليه حينما لا يكون الفريق آحاداً وحاصل أجزائه فقط. يؤيدنا كانييدا قائلاً بأن دور المدرب هو “تزويد الفريق بمنظومة بحيث تتجاوز قيمة المجموعة (ككل) مجموع القيم الفردية”؛ قد تتخطى الفرق المُدربة والمتفاهمة جيداً قوة الأفراد كل على حدة، لذلك فلو جاز لنا سؤال من أولـﮯ بالعمل الجماعي والإعداد التكتيكي والاستراتيجي الجيد؟ سنقول الفرق الضعيفة أو الأقل على المستوى الفردي. والحق الحق أقول لكم، ما يبهرني في غوارديولا هو أنه يدرب فرقه وكأنها فرق متوسطة المستوى، رغم أنها ستفوز به أو بدونه ولكن هيهات أن تكون بهذا الاقناع والوحشية وأفضلية الدخول للمباراة أمام خصوم مرتعدة، وهي أفضلية لأن غالب الخصوم يدخلون المباراة خاسرين سلفاً. إننا نرى بعض الفرق الممتلئة بالنجوم والإيغو والأنـــا غير مميزة جماعياً مهما بلغ المدرب من جودة، لأن الفردية طاغية وقابلية التعلم منخفضة.

المراقبة جزء من دفاع المنطقة

لا يمكننا اعتبار مراقبة المنافس مضاد لدفاع المنطقة بل عنصراً من عناصر الدفاع ليس أكثر، ولا أعتقد أن لطريقة أسبقية على الأخرى، والطريقتان ليستا بمنفصلتين، أقول طريقة لأن الرجل لرجل لا يصح تسميته بنظام، فالفريق فاقدٌ للنظام، ذلك أن اللاعب يتصرف كفرد دونما اعتبار لزملائه ولمكان الكرة، أو بأشكال أقل صرامة حينما تكون هذه المرجعيات -أي الزميل والكرة- مرجعيات ثانوية. لا يجب أن نقع بخطأ الثنائية إما منطقة أو رجل لرجل، فهما مكملان لبعضهما في كرة القدم، يحسن بنا التوفيق بين الطريحة والنقيضة -إذا كان هناك ثمة تناقض-، فيتعين علينا تصور/تدريب الفرد النسبي، ذلك الجزء المتصل بالكل، ذلك الذي يتخذ قراراته وفقاً لزملائه والخصم والكرة والمرمى؛ أي اللاعب الشامل الذي يتخذ قراراته من تلقاء نفسه، الذي يعرف متى يراقب ومتى يبقى، متى يستبق ومتى يتريث.

لدفاع الرجل لرجل مثالب، كسهولة سحب المدافعين من مراكزهم وخلق مساحات. وثانياً شبه انعدام التكاتف جماعياً بما أن كل مدافع مهتم بمراقبة خصمه المباشر، وثالثاً سيترتب على النقطة السالفة قلة الترابط وخصوصاً عرضياً لأن الفرق هنا تدافع على مساحات متفرقة وتدافع توافقياً أي أن كل مدافع/لاعب يقترب من اللاعب الذي يتوافق مع مركزه؛ القلب مع المهاجم، الظهير مع الجناح وقس على ذلك، أي أننا توائمنا مع شكل الخصم الهجومي وسعينا أن نجيء على مقاسهم. وأخيراً نحن فصلنا الدفاع عن الهجوم وأصبحنا بالمراقبة ندافع من أجل أن ندافع، حتى وإن كان الفريق هجومي مبادر، لذلك تصبح التحولات عسرة وتتطلب مجهود مضاعف، لأن حالة التشتت من فرط التكيف مع الخصم لن يضفي سلاسة في التحول، ذك أن الفريق غير مترابط.

هناك للفرد الكلمة الفصل، جيداً كان أو سيئاً وستقل لديه قراءة اللعب وسيقل التعقيد إذ سيحاول إيقاف اللاعب أمامه وحسب؛ أي تم اختزال الدفاع بواحد ضد واحد، فإذا أُوقف اللاعب ستُدحض المساحة والوقت وكل تبعات ذلك، على مبدأ أن الكرة كي تدخل المرمى يجب أن تُركل نحوه، سيبدو وكأنه ناجع وفعال ولكن بالنسبة لكارلوس كارفالهال ليس هذا هو الحال: “لا، (ليست فعالة) لماذا؟ لأن الرجل لرجل والرقابة الفردية ذات خطر محدق. في المنطقة هناك تعاون ومساندة، هناك تبوء ذا فعالية للمساحات. وإذا ما اتقنت الإمالات والتنقلات فهناك كثافة بالقرب من الكرة ولدينا تغطية جيدة للمساحات الداخلية.” ثم يردف قائلاً: “على الرغم من أن الرجل لرجل والرقابة الفردية سهلة التطبيق إلا أنها أقل فعالية من المنطقة.” بالنسبة له هي أقل فعالية وأقل عملاً وأكثر أماناً لبعض المدربين؛ أي الرجل لرجل، هي آمنة لهم عندما يعملون، ولكنها ليست كذلك تكتيكياً حسبما يعرب مدرب براغا؛ “عندما أقول أكثر أماناً، فأقصد بأنه آمن في العمل/التدريب، ولم أقل أنه ناجع…” كما يبدو هو أسهل وأقل تعقيداً لأن التغطية والتعاون، توجيه النظر نحو الكرة، مراعاة الزميل، مكان المرمى، رصد المنافسين، الداخل منهم والخارج، جل هذه العناصر المتداخلة ستُجز وتضمحل. يتضح أن دفاع المنطقة يتطلب عملاً يربط اللاعبين ويناغم بينهم، وليس على غرار الرجل لرجل، فتوكيل كل لاعب بمراقبة لاعب -وإن كان ضمن منطقته- هو توزيع مهام منفصلة، تعتبر -بلا وعيٍ ولا إرادة- أن اللاعب فرد منفصل عن الفريق، فيصبح الدفاع ضمنياً مشكلته وحده، بينما في المنطقة ثمة توزيع مهام ضمن عمل واحد، الهارموني في الموسيقي هو صوتين مختلفين متآلفين في ذات الأثناء لكنهما منسجمين لا يتضادان بين العازفين، ثمة تفاهم بين العازفين ولا يعزف كل واحدٍ كما يرغب ويهوى. فالدانو يدعم هذه الحجة قائلاً أن “مراقبة الرجل لرجل تُباعد بين (اللاعب) وبين الفريق نفسه، ذلك أنها تقلص التعقيد عبر اللهث خلف قميص الخصم”. ولكن اتخاذ الطرق الوعرة والأساليب الجماعية مغزاه مشروع لعب، عدم فهم مشروع المدرب عصف بمدربين كثر، لم يعد يطيق أحد هذه العملية وبالطبع ينطبق الأمر على الأسلوب المتكامل الذي لا يحتمل الاختصار والتقافز، لذا يحترق الكثير من المدربين خلف لهث أنديتهم على أسلوب لعب ضمن فترة وجيزة، بل تضعهم النتائج على مقصلة الإقالة. فلا هي توفر الوقت وتتحمل التبعات، ولا هي توفر اللاعبين المناسبين، ظناً منها أن كرة نابولي سارّي تنطوي على لاعب يجيد التمرير من النقطة أ إلى ب!

نتيجة بحث الصور عن maturana cruijff

“أنا أستمتع بمشاهدة أتليتكو، يتبدّى لي ما أريد من الأسس ومن المبادئ في فن الدفاع. يُبدون لي أيضاً مدى خطأ من يعتقد أن الدفاع يحتاج إلى رجل ضخم يمكنه القفز جيداً، أو الركل جيداً. عندما تنظر إلى الأتليتي، ترى أداء الفريق. أرى ضغط مزدوج (مضاعفة)، انكماش، شراسة، نظام، تقارب…” -فرانسيسكو ماتورانا

لعلاج ضعف غوارديولا الدفاعي لم يكن لكرويف بدٌ إلا تقليص الحمل عليه، والأمر سارٍ على البقية. “الأمر يتعلق بالتنظيم، وأكثر من أي شيء آخر يتعلق بالتمركز”، يكمل كرويف ويضيف “لم أعرف قط كيف أدافع، إذا تحتم علي أن أدافع بمقدار هذه الغرفة وتقدم نحوي أحدهم فلن أجيد، وإذا كان علي الدفاع بهذا الجزء فقط (يشير بيديه بمقدار نصف متر) فلن يمر أفضل لاعب بالعالم، ما أرمي إليه هو أن الأمر نسبي، وما كنا نطلبه من غوارديولا على الدوام هو أن يدافع بمناطق مكتظة، ليس عليك أن تدافع بالمساحات الكبيرة. […] عندما يلعب الفريق متقارب (الخطوط) هذا يعني أن المنافس حال حيازته الكرة مرغمٌ على السيطرة على الكرة بشكل دقيق، فإذا أفلتها لنصف متر فنحن لها”. والمسألة بالنسبة لكرويف لا تنطوي على الجودة أو الضعف أو “إذا ما كنت جيداً أو سيئاً (دفاعياً)، بل بالقدر، بالأمتار التي يجب عليك الدفاع عنها.”

المنطقة والضغط اقتصاد في الطاقة

في المنطقة نحاول إخفاء عيوب اللاعبين/المدافعين ليس بتقليص التعقيد، بل بتقليص الحمل على كل لاعب من المدافعين وحتى المهاجمين، يصبح اللاعب القوي أقوى وأذكى إذا ما أبدى استعداداً، وسيبدو الأضعف أقوى، أو على الأقل سيقل أثره السلبي الذي سيكون واضحاً في الأسلوب الفردي، فسيكون بالأسلوب الفردي عالة على الفريق عندئذٍ، ففي المنطقة الدفاع مسؤولية الجميع، أو بتعبير خوانما لـيّو مشكلة الجميع، فـ “في المنطقة تصبح المشاكل جماعية، كل شيء ينتمي للجميع، ولا شيء ينتمي لأحد”، أي أن الدفاع ليس مشكلة لاعبٍ بعينه كما يخبرنا المدرب الباسكي. من ذلك سيلوح لنا بيت القصيد، فلن يركض أحد أكثر من الآخر إلا ضمن مراكز معينة أو توزيع خططي معين، بيد أن هناك توزيعاً عادلاً للمجهود والكفاح، ليس متساوٍ ولكن هذا ما تقتضيه خصائص كل لاعب، لن يبذل رودري مجهوداً كغوندوغان مثلاً، لأن الأخير لديه قدرات تحمل أكبر ولا يجد عناءً في التنقل بينما الأول قد يُستنزف. بزعم مينوتي “هناك توزيع للمساحة والجهد، كل شيء صالح داخل الفريق؛ بدون ذلك، لا شيء سيعمل”. لكل لاعب قدر ومنطقة يدافع فيها، نحن نتعاون وإن تخلّف أحدهم فالفريق هو الذي سيتضرر، لأن لاعباً ما سيضطر المدافعة بمنطقة أكبر، حينئذٍ سيركض أكثر وسيفقد طاقته، وقد يرتكب خطئاً يترتب عليه أن يركض بعض اللاعبين أكثر وأكثر. فمن أجل مسمار لحدوة الحصان ضاعت المملكة؛ أحياناً ليس الأمر بتلك البساطة، الخطأ البسيط قد يكون وقعه وخيماً إذا ما تم لململته فوراً.

بالنسبة لساكي فالضغط والفريق القصير في جميع حالات اللعب قد يكون اقتصادياً بدنياً، ففي حالة خسر الفريق الكرة “فالضغط -إضافة للكتل الوقائية- سيجعلنا نركض بقدرٍ أقل وسنوفر طاقة؛ سباقات السرعة ستكون أقصر، كما سيتجنب الفريق بأكمله الركض الطويل للخلف. فبواسطة التصدي الفوري للهجمات المرتدة عبر الضغط، تتهيأ الظروف لمواصلة التحولات القاتلة […]. ينطوي على ذلك مهارات تنظيمية وحدسية كبيرة، بالإضافة إلى المعرفة التي لا يمكن اكتسابها إلا من خلال العمل الطويل والمرهق والصبور.” نصبو بالتنظيم والجماعية بذل جهد أقل، والغاية هي البقاء في المباراة حتى النهاية، نهاجم بتروٍ وبتباعد جيد وبذات الأثناء بكثافة حول الكرة، نأخذ وقتنا بالكرة ونحاول تقليص فترة التحول للدفاع عبر الضغط المباشر، نضغط بتقارب وتعاون وفي أنسب الأوقات. هناك أيضاً الإجهاد الذهني، في المنطقة قد يصاب اللاعب بالإرهاق ذهنياً لمحاولة ربط عناصر/عوامل متعددة في وقتٍ واحد ولهذا هي تتطلب معرفة تتشكل بواسطة لعب وتدريب طويل الأمد، في دفاع الرجل لرجل الموضوع أيسر، غير أنه سيصبح أعسر لأن اللاعب مقطوع عن الفريق إلى حدٍ كبير، وحتى ذهنياً يسهل تشتيته، تبادل المراكز، الحركة المضادة، التقاطعات ما بين المهاجمين. صرح مارادونا ذات مرة أنه يواجه صعوبة بالغة في اللعب ضد دفاع المنطقة، ففي المنطقة ليس ثمة نقطة مرجعية للمهاجم بحيث يتخلص من الرقابة، حتى تبادل المراكز والتقاطعات يصعب إتقانها أمام فريق يجيد دفاع المنطقة. معاناة برشلونة كرويف ضد مهاجم أتليتكو مدريد خوسيه غاراتي ستلخص المراد، فالحل الذي أتى به يوهان هو التوقف عن مراقبته، لأنه كان جيداً في التخلص من الرقابة، وبحسب كرويف لن يتخلص من الرقابة إذا لم يُراقب من الأساس؛ “بلا مراقب لم يعد قادراً على شيء. لقد ضل الطريق، كان الأمر وأن نقطته المرجعية هي المراقب.”

لا يجب أن تحرمنا خصال كالحدة والقوة أو الجري بلا هدى لاعباً كإينييستا أو تشافي، لأننا نبحث أولاً عن لاعب كرة وليس مسترجع كرة، قد يعيدها مجدداً للخصم بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن ثَمَّ التقاتل على كرة ليس أمراً بسيطاً، عدد الكرات المقطوعة من القدم بنقاء قليلة جداً، (نستثني التدخلات سواءً احتسبت أم لم تحتسب) تسترجع الكرات غالباً عبر الأخطاء وليس من قدم لقدم، حتى الاستباق -وهي مهارة كروية عامة وليست لنظام معين- هي خطأ في التوقيت. بناءً على ذلك فالدفاع الجماعي التعاوني يثمر بوضوح أكثر حتى للفرق التي تدافع نسبياً بشكل فردي، لأن الضغط يرفع النسق، من يجيد الضغط حتى لو لم يقطع الكرة قد يتسبب في اخلال توازن الخصم، استعجال اتخاذهم القرارات، طردهم لمناطق أقل خطراً، وهلم جراً.

دفاع المنطقة حرية

نتيجة بحث الصور عن valdano menotti

هناك سوءة لا يمكن مواراتها في دفاع الرجل لرجل، إذ يرى مينوتي أن دفاع المنطقة يمنح الحرية؛ حرية لأن اللاعب يفكر ويبحث عن حلول، حر لأن اللاعب مستقل عن المنافس، مستقل عن مراقبة لاعب بعينه كما في المراقبة الفردية، نحن نحاول أن نفعل لا أن نرد بفعل. فالمراقب يصبح هو المُقيَّد بدلاً من أن يكون المُقيِّد، ويصبح أسيراً للمهاجم، يدلي فالدانو بهذا الصدد دلوه قائلاً: “من يستخدم رقابة الرجل لرجل سيذهب حيث يريد الخصم. هذه المطاردة هدفها القبض على العدو، لكن الوسيلة المستخدمة تجعل المراقب/المدافع سجيناً.”

قد يبدو وأن اللاعبين في الأنظمة الجماعية التي لا ترى الفرد إلا ضمن مجموعة ليس حراً لأنه مرتبط بالفريق، والحقيقة أنها تراه حراً لحدٍ ما، ولكن ليس فرداً مطلقاً، وهذا عائدٌ إلى أن هناك سياقَ لعِب، كل تصرف سبقه تصرف وسيلحقه تصرف، هناك تفاعل، إذا اتفق حامل الكرة وطالب الكرة على حركة معينة في لجة المباراة فثمرة هذا التفاهم منتج مفيد، لا تستطيع إلزام زميلك على التحرك للداخل كي تمرر له بينية وهو متشبث في مكانه على خط التماس، بالطبع التصرف الصحيح في معظم الأحيان هو الدخول لاستلام البينية، إذ ستمنحنا أفضلية تجاه مرمى الخصم، لكن على أحدهما التنازل. تضارب الحريات يعصف بالفريق ويكون للفرد الأولوية، ولهذا الذكاء الكروي مرتبط بالتصرفات التي تفيد الفريق ويكون الفرد إثرئذٍ عبقرياً والفريق قوياً، الجناح الذي يرفض الدخول واستلام البينية لم يتصرف بذكاء، والذي بدوره سيرغم حامل الكرة على إما التمرير له وستقل قيمتها، أو سيبحث عن حلول أخرى ونخسر بذلك وقتاً. هناك هدف مشترك، الهدف أو الدفاع نتيجة تسلسل لعب، هناك استثناءات لا شك، كوصول كرة بالخطأ من الحارس لمهاجم الخصم الذي سيحولها فوراً لهدف، ولكن اللاعب هنا لا زال متفاعلاً مع محيطه، أي الخصم والكرة ولم تكن هناك عبقرية خالصة. الفرد مهما كان جيداً هو داخل المنظومة، عضو يؤدي وظيفة، وإذا مرر أينما يريد، وتحرك كيفما يريد، وإذا راوغ طوال الوقت، أو سدد من مسافات بعيدة، فما هو إلا ضوضاء ونشاز وإزعاج. يخبرنا ساكّي أن اللعبة “تغيرت جذرياً عندما انتقلت من أسلوب فردي إلى أسلوب جماعي. في السابق، كانوا يقومون بـ ‘واحد زائد واحد، زائد واحد، زائد واحد …’حتى تصل إلى أحد عشر. لقد بدأت من أحد عشر للوصول إلى واحد.”

“في إيطاليا، الفريق بأكمله في الميدان كان يفكر بالفرد، بالعبقرية والإلهام الشخصي للنجم، كما لو أن الفرد بإبداعه سيحمل اللعب على عاتقه بمفرده. كرة القدم ليست [ولن تكون أبداً] هكذا. تُحقق النتائج الرائعة عندما يلعب الفريق بأكمله معاً، عندما تتناغم الخطوط المختلفة للفريق بانسجام، عندما يكون هناك نوتة مُتّبعة. هذا لا يعني بتر أجنحة الموهبة، بل منح اللاعب إمكانية التعبير عن صفاته الخاصة وتعظيم تلك الصفات، كالقيام بالتنويع في ذات الثيمة موسيقياً. ما كنت أبحث عنه هو الانسجام بين الخطوط، اتصال مستمر بين اللاعبين. بهذه الطريقة، سيلعب كل لاعب دوره في لعبة يكون فيها كل شخص هو بطل الرواية في التصرف، مع الكرة أو بدونها.” -ساكي

التحول للهجوم

كما شددنا ينبغي أن تتمتع الحالات بانسيابية واتصال وثيق، عندما نضغط عالياً فاحتمالية التسجيل تزيد، فقاعدة التقمع والتي تعني انحسار الفريق أكثر كلما اقتربنا من مرمانا، يقابلها دفاعٌ بمساحات أكبر في الأمام، تلك إذاً علاقة عكسية، كلما ضغطنا عالياً كلما ازدادات المسافات بين اللاعبين، وكلما تراجعنا كلما تقلصت. التباعد لا ينبغي أن يكون كبيراً، فمثلاً في دفاع الرجل لرجل نجد أن كل لاعب يقابل لاعب، في المنطقة يتوزع اللاعبون ضمن مناطق معينة كما في الصورة التالية؛

صاحب اللقطة والتوضحيات كتب أن ليفركوزن يضغطون عالياً رجلاً برجل، وهذا خاطئ تماماً بالنسبة لي، فكما نرى، الجناح الأيمن بعيد عن ظهير دورتمند، ويتخذ موقعاً توسطياً، ليس ثمة رقابة، هناك تموقع جيد وتغطية طبيعية تبعاً لمركزه. نرى كذلك المهاجم على اليمين، هناك تضييق في عمق الملعب وهذا طبيعي لأن اللاعبين في الوسط يتوافقون تلقائياً في التمركز وهذا بيهي في عمق الملعب.

في حال تم تجاوز خط الهجوم يتعين على المهاجم/المهاجمين أن يتخذوا مواقع توسطية تمكّنهم من التدخل في الهجوم والدفاع، الأمر مماثل للجناح في الجهة البعيدة عن الكرة مثلاً. عندما يقتاد المنافس المدافع أنـّا شاء ففرضية الارتداد التلقائي متعسرة، فاللاعبون أقل اتحاداً، وسيبذلون جهداً مضاعفاً لمهاجمة المساحات واستعادة التواصل الذي قُطع فيما بينهم، يقول ليـّو بهذا أنه “في الواقع، الفريق الذي يدافع رجل لرجل أو بشكل فردي سيكون غير متوازن من الناحية التمركزية [غير منظم!] في اللحظة التي يستعيد فيها حيازة الكرة، وهذا سياق لا يتوافق والتحول من الدفاع للهجوم [لن يكون سريعاً وآمناً!]، علاوة على كل العواقب السلبية التي قد تنشأ عن ذلك”. تلك حالات جدلية لا يمكن لنا اثبات صحتها، كما لا يمكن للآخرين أو من يختلفون في الرؤى نفيها. لذلك كرة القدم ليست علماً وهي لعبة الآراء، والجميع بمقدوره إثبات وجهة نظره بقليلٍ من الإحصائيات أو صورة جامدة يبين فيها عشوائية فريق قوي جداً تنظيمياً، صدقاً، الشيء ونقيضه ستجد له داعماً إحصائياً أو من وجهة نظر مدرب قدير. النقد لأي أسلوب أو فكرة هو نقد لتبرير رفضها وليس لنقد مستخدميها.

مثال للمراقبة رجل لرجل، كل لاعب مع لاعب، فريق متناثر، فقط لاعب في الأمام يأخذ موقعاً توسطياً لتعويض النقص العددي، في الخطوط الخلفية يزيد الالتصاق. مساحة طفيفة تترك فقط لأجنحة المنافس لبعيدة.
دفاع منطقة حيث أنظار اللاعبين للكرة ومعها تموضعهم الجسدي، تقارب خطوط مسافات مضبوطة بين كل لاعب ولاعب.

كرة ولاعبون

سؤال يجمل بنا استدعاءه ولو كان بديهياً، في كرة القدم أنلعب ضد لاعبين؟ أم ضد لاعبين إضافة لكرة ونقطة نهاية؛ أي مرمى؟ ألا تربط الكرة العلاقات والتفاعلات ما بين اللاعبين؟ ومن يكون هؤلاء الرجال بلا كرة؟ لن يكون هناك لعبة من الأساس! اللاعب الحامل للكرة أو اللاعب الذي يُحتمل أن يتداخل في الهجمة يتعين علينا الاحتياط منهم، بصورة أوضح، ينبغي أن نحتاط من اللاعبين المضطلعين بالهجمة فقط. اللاعب بلا كرة في حالة ما ولا يبدو داخلاً في خضم الهجمة ليس هاماً، لكن الكرة مقترنة باللاعب ومحمولة بواسطة اللاعب، وتغطية منطقة الكرة تشمل أيضاً مراقبة اللاعبين في هذه المنطقة كحل ظرفي لا أكثر، وأيضاً بالقرب من المرمى يستحسن التضييق على المهاجم، لكن ليس مراقبةً لصيقة قد تُفقد المدافع الرؤية للكرة وما يترتب عليها من توجيه جسدي مواتي. في الوقت نفسه لا يجب أن يكون المدافع محدّقاً على الكرة فقط، بل ينبغي أن يختلس النظر بين الفينة والأخرى لما يحيط به، ففي كرة القدم أفظع عمهٍ هو رؤية الكرة فقط كما يقول نيلسون رودريغيش، وفي كرة القدم ليس مكان الكرة الحالي وحسب هو ما يهمنا، بل من يتفاعلون معها كذلك، إلى أين ستذهب وإلى أي نقطة ستهبط ومن هم المُستقبِلون المُحتَملون وأين زميلي وما هي المساحة الأكثر خطراً. إذاً، ضمن نطاق الكرة هناك تضييق على المهاجم ولكن ضمن ظروف معينة كما تقدم، لا يمكن أن نرى اللاعب وحده أو الكرة وحدها وحسب، أيضاً لا يمكن إهمال المساحة ومكان المرمى، كل هذه النقاط ينبغي أن تسترعي انتباهنا، لا مجال للاختزال.

ختاماً حالة الدفاع ينبغي أن تكون حالة مؤقتة، وأيضاً امتداد للهجوم. الدفاع في كرة القدم مؤقت لأن الفريقان في الأصل يتنافسان لامتلاك الكرة وليس لمنع الخصم من التسجيل وتوهّم السيطرة على المباراة، من يسيطر ويهيمن هو الذي يمتلك الكرة والذي يسعى لامتلاكها، من اليسر أن نقف بوسط الملعب مشكلين حواجز ساكنة ونبيع فكرة أننا المسيطرون لأن الخصم عاجز على تخطي الخطوط واختراقها، أعقد وأصعب أن تتخذ موقفاً هجومياً في حالة الدفاع أيضاً، المنطقة حل للضغط المتواصل وليس للتقوقع، قد تكون لعبة كرة القدم اللعبة الوحيدة التي يمكن أن ترفض فيها اللعب، هذه سلبية نظام مفتوح ككرة القدم، وكونها نظام مفتوح هي أيضاً ميزة، لهذا يصف روبرت مورينو كرة القدم بأنها ملكة الرياضات: “ربما تكون كرة القدم هي الرياضة الجماعية الوحيدة التي قد يتمكن فيها فريق ليس لديه أسلوب هجومي -كنهج طاغي- أن يفوز بمباراة، بل وحتى ببطولة. هل يمكن لأي منا تخيل فريق كرة سلة أو فريق كرة يد يدافع فقط؟ إن كرة القدم أيضاً واحدة من الرياضات القليلة التي يستطيع فيها فريق أدنى بكثير من منافسه -نظرياً- تحقيق الفوز. ربما لهذا السبب هي ‘ملكة’ الرياضات.”

باراديم التمركز… أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم

“ثمة خطأ شائع جداً في كرة القدم ألا وهو النظر إليها كمرحلتين مختلفتين: واحدة للهجوم (عند الاستحواذ على الكرة) والأخرى للدفاع (بدون الكرة). هذه المراحل تتداخل في كرة القدم، بحيث يكون المنطق السابق صالحاً فقط للرياضات مثل كرة اليد، أو عندما تختلف المساحة الجغرافية للهجوم والدفاع، لأن ما يحدث في نصف الملعب ليس سوى تحول. […] أما كرة القدم فعلى العكس تماماً، ففي الوسط يقبع أساس اللعبة، لذا فإن ما هو حاسم حقاً -عندما يتعلق الأمر بالتمييز بين المراحل- هو أهمية التحول للدفاع بأسرع طريقة ممكنة بعد خسارة الكرة. وكذلك أن نكون في وضع يسمح لنا بالهجوم في أقصر وقت ممكن عندما نتوقف عن الدفاع (عند خسارة المنافس الكرة).” -راول كانييدا

“كيف يمكن أن يوجد الهجوم والدفاع إذا لم تكن لدينا الكرة؟ كيف يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر؟ ولكن الناس بحاجة إلى التواصل، لذلك هناك اختزال للمفاهيم، هناك تبسيط.” -خوانما لـيـّو

في اللعب التمركزي، التنظيم الهجومي يحدد أسلوب اللعب بالكلية. بمعنى أن الأسلوب ينطلق من رؤية اللعبة ككل “كلانية”، فلا تفرّق ولا تفصِل الحالة الهجومية عن الدفاعية، ولا ترى التحولات كحالات منفصلة. وتبعاً لذلك فاللعب يكون استرسالياً تواصلياً كما هي طبيعة اللعبة، ولكن سرطان تجزئة اللعبة والحشو في التنظير بدأ ينخر كلانية وشمولية اللعب. فبرأي كانييدا تمتد “الرغبة في التفتيت إلى الفصل بين الهجوم والدفاع والتحولات، متجاهلة كل ما يوحدنا في جميع الأوقات: اللعبة، الشمولية”. لقد طال هذا التقسيم والاختزال اللعبة من ناحية عملية، بمعنى أننا بدأنا نرى فرقاً جامدة، تلتزم بالخطة والتوزيع المكاني الساكن بإفراط، أو متكتلة حتى والكرة بحوزتها (اكتظاظ وتباعد سيء)، أو حتى متشتتة؛ أي متباعدة زيادةً عن الحاجة. أو فرقاً أخرى تدافع بالقرب من مرماها كنهج اعتيادي. وقد توهمنا عشوائية اللعب أن هجمتهم المرتدة الوحيدة التي سُجلت، أو تلك الكرة الثابتة التي تُرجمت، أو التجلي المنفرد من أحد اللاعبين والذي أعقب هدفاً أن أسلوبهم ناجع. أو أن هناك علاقة مباشرة بين الدفاع والشباك النظيفة أو بين الاستحواذ الممل وتسجيل هدف من رحلة فردية أو لأي سبب نابع من شواشية اللعبة وفوضويتها. ولكنهم لم يرفضوا فقط اللعب، بل رفضوا طبيعة اللعبة ونواميسها، فالمسألة تطال حتى الفرق التي تسمى هجومية، وما أفضله هو تسميتها فرق مبادرة وفاعلة ومستقلة الإرادة. وبهذا يذكر غارغانتا أن “الطريق لا زال طويلاً أمامنا لنقطعه في استيعاب أو أنظمة هذه الأمور، أي إدراك اتصال (الحالات) وفهم اللعبة على أنها تدفق مستمر.”

يصعب في الواقع فصل الحالتين -أو الأربع-، لأن اللعب في سيرورة مستمرة بين تلك الحالات. كل الفرق تهاجم وتدافع، تفضيل جانب أو آخر أو ظهور فريق يميل إلى أحد الجانبين راجع لعديد أسباب، رؤية المدرب وتأثيره، مستوى الفريق، روح المبادرة، طبعاً دون تجاوز ظروف المباريات. إن المدرب الجيد والمتمكن بالنسبة لي هو من يضفي لدانة وانتقال سلس بين هذه الحالات والتي هي في الأصل تواصلية ولكنها عشوائية، وعند خلق لغة مشتركة يَحلُّ الانسجام والتفاعل والتفاهم بين اللاعبين. في المقابل فالمدرب المتواضع -بوجهة نظر أوسكار كانو- يفصل ويفكك، “اختزالي ويرعبه اللايقين”. يريد كل شيء بالمسطرة والقلم، لذلك تجد فرقه كثكنة عسكرية فاقدة لعنصر الإبداع وابتكار الحلول ما يتماشى وطبيعة اللعبة التكتيكية، فتكون ساكنة وذابلة وبلا دينامية وحيوية، فاللاعب حافظٌ ومطيع وينتظر إشارة المدرب ولا يملك من أمره شيئاً، أما اللعبة فظاهرة حية وتنطوي على تقلب محموم ومستمر يتطلب يقظة، وتطرح -بلا توقف- مشاكلَ تتطلب حلولاً وابتكاراً من اللاعب، الأمر الذي لا يستطيع أعتى مدرب تلقينه.

هجوم ↔ دفاع ↔ هجوم ↔ دفاع

“الواقع ليس فيلماً مكوناً من فوتوغرام، إنه لا يعمل على هذا النحو؛ الواقع مستمر.” -فيرناندو سافاتير

“لا يوجد هجوم ودفاع، ولكن هجوم – دفاع – هجوم – دفاع … أي أن هناك علاقة مستمرة بين هاتين اللحظتين.” -روي كينتا

لا يستطيع جوزيه مورينيو أن يقول “ما إذا كان الأمر الأكثر أهمية هو الدفاع بشكل جيد أو الهجوم بشكل جيد، لأنني لا أستطيع فصل هاتين اللحظتين. أعتقد أن الفريق “كل” والعمل عليه سيكون “كلٌ” أيضاً.” نفس السؤال طُرح على مورينيو وبرؤيته البنيوية ووضوحه منهجياً يجيب: “لا يمكنني عزل وفصل المكان الذي يبدأ فيه التنظيم، سواءً في الدفاع أو الهجوم. لا يمكنني تحليل الأشياء بهذه الطريقة التحليلية. عندما أقوم بإعداد فريقي، أقوم بإعداده بنية الفوز، أدربه بالقدر ذاته دفاعياً وهجومياً. لذلك لا يمكنني القول من أين أبدأ في إعداد فريقي.”

كرة القدم تواصلية وسائلة، هي سلسلة متصلة “continuum” وتمتلك خاصية الثبات الذي لا يتزعزع بحسب فيتور فرادي، ثبات حالة اللاثبات. أو كما يشير نونو أمييرو هي “سلسة في المرور من حالة إلى أخرى، وستكون أكثر من ذلك عندما ندرك هذا الأمر وندرك الحاجة إلى «بناء» «الأجزاء» على طريقتنا في «اللعب» (مبادئ اللعبة بالنسبة لكل حالة من حالات ‘اللعب’ الأربع) تُصاغ حسب ‘كل شيء’ مرغوب”… تنفيذه. وبالنسبة له فهي تتطلب “تنظيماً شاملاً/موحداً للعبة”، بمعنى أن نحاول تنظيم اللعب حسب الظهور المستمر لمختلف الحالات تواصلياً ودون انقطاع، والتكيف مع واقع ومنطق اللعبة، ككل واحد عضوي. بأطروحته، يشير أمييرو بأن “تصور (وتدريب) المبادئ المتعلقة بكل حالة من الحالات الأربع للعبة -بشكل واضح- هو ما سيعبر بنا للوصول إلى فكرة لعب متماسكة، مما يؤدي بالفريق إلى الاستجابة بشكل تلقائي لهذا التعاقب الدائم بين «امتلاك الكرة» و«عدم امتلاكها» وهي «اللعب».”

ينتابك الإحساس بأن البعض يعتقد أن المباراة تقف لوهلة بين الحالات، أو أن هناك حد فاصل أو فاصل زمني بين حالة وأخرى. كرة القدم تواصلية والعلاقة بين الحالة والأخرى ليست سببية خطية، وإنما سببية دائرية، فعندما نمتلك “الكرة نخلق بالفعل ظروف دفاعية مستقبلية والعكس صحيح” يدلي أوسكار كانو بدلوه بهذا الصدد، إذ تعيد اللعبة انتاج نفسها باستمرار، وتكون العلاقات بين أجزائها وعناصرها سبباً ونتيجة في الوقت ذاته، هناك تأثير متبادل وحواري بين الحالتين، ليس الأمر وأن الفريق المبادر/المهاجم مُعرض لاستقبال الهجمات المرتدة لأنه هجومي، كما لا يعني أن الفريق المدافع سيجيد في الهجمات المرتدة، ليست علاقة خطية (أ سبباً لـ ب) بهذا الشكل، هناك تعقيد أكبر من ذلك، -وبغض النظر عن عشوائية اللعبة لوهلة- فالفريق المهاجم يتحاور ذاتياً وينبغي أن يتوخى الحذر، والفريق المدافع ينبغي أن يستعد للهجوم. بكلماتٍ أخرى أعني أن الفريق الذي يستقبل هجمات مرتدة بكثرة قد يعني أن هيكله غير مشيد بشكل مثالي وليس لأنه يلعب الاستحواذ. نحن لا نبدأ بالهجوم أو الدفاع، ولكننا حتماً نبدأ باللعب، واللعب بإجماليته، بكلانيته. إننا لا ندافع كي ندافع، هذا لا يبدو منطقياً، نحن ندافع ولكننا نحاول استعادة الكرة ونواصل الهجوم أو نبدأ الهجوم والعكس صحيح، فإذا هاجمت فأنت بمأمن ولست عرضة للهجمات، بديهي للوهلة الأولى، وهنا المفارقة فنحن نهاجم ولكننا بنفس الوقت ندافع عن أنفسنا عبر الهجوم. يخبرنا مانويل كوندي أن الوصية الدفاعية الأولى هي عدم التفريط بالكرة، تتضارب فكرة الهجوم والحذر بآن لدى فالدانو، ولكن -عند المدرب الأرجنتيني- ينبغي تحليلهما سويةً. الهجوم التمركزي سيكفل لنا التحول الجيد، وليس في كل الأحوال سنتمكن من إنهاء الهجمة كما في بعض الرياضات الأخرى، ولهذا يجب أن نكون مستعدين. كرة القدم ليست لعبة كرات ثابتة، كالبيسبول أو كثيرة التوقف أو أقل تحاورياً وجدلياً بين الفريقين بسبب القوانين ككرة السلة وكرة اليد. والفرق التي تتقوقع حول مرماها تحول اللعبة إلى هذا الطابع الميكانيكي، ولذلك ستتغلب على تعقيد اللعبة ولا يقينيتها عبر القيام بلا شيء، ومن يفشل عندما يقوم بلا شيء؟ هذه الفرق من حيث لا تعلم تختزل اللعبة في حالة واحدة وترفض تعدد أبعاد لعبتنا الجميلة ضمن جوهرها الواحدي، هي تدافع لكي تدافع، ونسيَت أنها تدافع لاستعادة الكرة، وقبل الهدف الضمني، أي منع الكرة من الولوج للشباك. يستخدم رافضو اللعب جميع السبل والوسائل لإفقاد اللعبة ديناميتها وتواصليتها؛ نزالات بدنية، ركل وضرب، شد وسحب، تشتيت وتمثيل، إضاعة للوقت، هم لم يأتوا ليلعبوا بل أتوا ليفوزوا، هم حضروا للكسب أيّاً كانت الوسيلة، فالغاية بكل ماكيافيلية تبرر الوسيلة. ولهذا لا أحبذ مباريات خروج المغلوب فسِمة الفرق الصغيرة كروياً وربما أخلاقياً تتسرب إلى نفوس بعض المدربين فيسيل لعباهم للكسب.

هنالك عدة نقاط ينبغي أن تؤخذ في الحسبان إذا ما أردنا انسيابيةً بين مراحل اللعب وخصوصاً إذا رُمنا البحث عن الهجوم المتواصل، والذي لن يحدث إلا عند تشييد هيكل جيد أولاً، حيث:

Manchester City 'malillo': Juan Manuel Lillo habría traído mala suerte en  FA Cup [VIDEOS] | Pasto

1) ينتشر اللاعبون ويتباعدون بشكل معقول؛ أي بصورة متصلة.

2) يتقدمون سوياً (الارتحال) وهذا يعني أن الفريق سيردم الفجوات والثغرات، فعندما يتقدم لاعب الوسط يلحق به خط الدفاع ويبتعد اللاعبون في الأمام، وحينما يتراجع خط الدفاع يتراجع البقية. التقدم للأمام يعني دفع الخصم لمناطقه والابتعاد عن المرمى، الأمر الذي من شأنه تعقيد فرضية ارتداد الخصم.

3) يتخذ اللاعبون -بناءً على قربهم أو بعدهم من الكرة- مواقع تتيح لهم التصرف وفق ما يطرأ، مثلاً الظهير البعيد لن يتقدم بل يتخذ موقعاً يتيح له التدخل حال خسارة الكرة، أو بالنسبة لغوارديولا لا يجب أن يقف لاعبيْ الطرف على ذات الخط بالقرب من الكرة، أو برأي لـيّـو؛ “يجب أن يطغى مفهوم ملموسٌ للغاية، (وهو): إذا لم أستطع التدخل في الدفاع، يجب أن أتخذ وضعية الهجوم: وإذا لم أستطع التدخل في الهجوم، يجب أن أضع نفسي للدفاع”.

4) في غالب الأحوال عدة تمريرات في بداية الهجمات تكفل إتمام ما سبق بصورة ديناميكية.

يصعب تشييد هيكل جيد بدون تناقل للكرة، يصعب التمتع بالاستقرار عند بناء الهجمات بدون اخفاض الرتم. ليس بالضرورة لـ 15 تمريرة كما يقول مجازاً غوارديولا، ولكن عدداً جيداً من التمريرات أو الوقوف على الكرة، أو التقدم بروية بالكرة، سيكفل للفريق والزملاء الترتب وضبط التموقع. كون الفريق يبدأ ببطء هو أمرٌ تقتضيه الضرورة وليس سلبياً في هذه الحالة، فبقدر السرعة التي تذهب بها الكرة بقدر السرعة التي ستعود بها، فليس من الحذق تمرير الكرة للاعبٍ متقدم والفريق ليس مستعداً ومنتشراً بشكل جيد. هب أن الكرة وصلت للجناح وهو معزول والفريق متراجع قليلاً، هنا الفريق لن يكون فعالاً هجومياً لأنه ببساطة لا يحظى بأي تفوق، أحياناً نوفق بتواجد لاعب ذكي يُخفض الرتم ويقاوم الضغط وينتظر المعونة من الزملاء وربما يعيدها للخلف. هذه التصرفات إن لم تكن جيدة بعيون الجماهير فهي في غاية الأهمية تكتيكياً، لاحظوها في فرق غوارديولا كثيراً ما تعود الكرة للخلف لهذا الغرض، ما نرغبه هو الكرة الذكية وليس الكرة السريعة. فرق غوارديولا تطبخ هجماتها على نار هادئة، ولكنها بذات الأثناء تستطيع سحقك بثوانٍ إذا تأتى لها ذلك. وهل تعلمون كيف يستعيد برشلونة الكرة بسرعة؟ يتسائل كرويف ثم يجيب: “لأنه ليس عليهم الركض للخلف أكثر من 10 أمتار، بما أنهم لن يمرروا الكرة لأكثر من 10 أمتار.” وكذلك لأنهم متقاربون، وما يقوم به اللاعبون ليس بذلاً للطاقة وإنما تعديلاً طفيفاً للتمركز لغلق المنافذ، أما اللاعبون البعيدون فيضمون للداخل، وبالتالي فالمراد في لعبة التحولات هو التركيز الذهني جنباً إلى جنب مع التشييد الهيكلي.

“التحليل الذي يتم إجراؤه عموماً حول قدرة استعادة برشلونة للكرة بعد فقدانها هو: رؤية ديكارتية كلاسيكية ستؤثر فقط على اللحظة، أو تقريباً على الصورة، وستميل إلى تمجيد مجهود استعادة الكرة الكبير وتتجاهل الأساسيات: اللعبة، “السلسلة المتصلة” ]…[ يجيد برشلونة استعادة الكرة بعد الخسارة عندما يقومون بعددٍ جيدٍ من التمريرات الجيدة ما يُفسح المجال للفريق واللاعبين ليكونوا سوياً ويُخضعوا الخصم.” -راول كانييدا

“لعِلّة تنظيم المساحة حوالينا قبل خسارة الكرة. ولهذا يخطئ -في كثير من الأحيان- من يقول أن عليك القيام بالعديد من التمريرات للوصول إلى المرمى. علينا القيام بتمريرات كافية لتنظيم أنفسنا على مستوى المساحة والوقت، وفي البعد الذي نقوم بتقديره في كل لحظة يمكن أن يكون أكثر فعالية للقيام بهذين الأمرين. أو للاحتفاظ بالكرة دون المجازفة بفقدانها، أو في المساحة التي سيكون علينا خطر فقدانها، ننظم أنفسنا بقصد احتمال خسارة الكرة، ومن ثم نمر إلى العكس (أي إلى الدفاع). نحن نسعى إلى التفوق سواءً كان عددياً أو تمركزياً أو إدراكياً أو اجتماعياً/عاطفياً للعمل على استعادة الكرة.” -باكو سيرولّـو

عندما نهجم فيجب أن نكون مستعدين للتحول للدفاع، ولكن في اللعب التمركزي ليس للتراجع وإنما لاستكمال الهجوم، وهذا لن يتم إلا باتباع النقاط الأربع أعلاه -كمبادئ- لدى أي فريق عموماً. واللاعبون -بالهيكل الجيد- يهاجمون ومستعدون للانتقال للدفاع، لأنهم متصلون ومتحدون، وخصوصاً عند خسارة الكرات عمودياً، إذ أن هناك صعوبة بالغة للخصم كيما يشن هجوماً ارتدادياً، لأن أقرب لاعب سيكون غالباً أمام الكرة. هذا لا يعني أن التمريرات العمودية سيئة، ولكن خسارتها وخصوصاً في مناطق متأخرة سيكون مكلفاً، لذلك نجد دوماً أن القلبين ليسا ببعيدين عن بعضهما البعض، وإذا ما ابتعدا يشغل المحور المساحة بينهما. لا يستحسن أن تسافر الكرة مسافة طويلة “أرضاً” عندما يحاول القلبان استدراج الخصم بتناقل الكرة أو في أغلب التمريرات العرضية. إنّ هيكل الفريق العريض أو تطبيق الملعب الكبير لا يعني تباعد كل لاعب عن الآخر بمسافة كبيرة، وإنما التدرج في التباعد، القلب عن الظهير عن الجناح، المحور عن لاعب الوسط عن الجناح… وهكذا.

“يجب أن تكون ردة فعلنا عند فقدان الاستحواذ قوية؛ هيكل ثابت تمركزياً وهيكل متحرك، لذلك، هناك لاعبون لديهم مواقع ثابتة في الملعب، وهناك لاعبون آخرون لديهم القدرة على الحركة بسبب ديناميتهم، هذا بالرغم من ضرورة الاحتفاظ الدائم على التوازن التمركزي.” -مورينيو

كما ذكرنا هناك لاعبون سيضمون للداخل وهناك لاعبون تتسم مواقعهم بالثبات وهم اللاعبون في العمق. إن اللااتصال بين الأفراد؛ أو بعبارة أخرى سوء الهيكل لن يجعلنا هجومياً تحت رحمة الفرديات والحوادث العشوائية وحسب، بل سيكون ضرراً على انسيابية اللعب وعلى التحول للدفاع. ولهذا يُقرّ روبيرتو دي دزيربي أنه منشغل بالهجوم أكثر من الدفاع وعلى سبيل التقريب يقول أنه يكرس “80% من الأسبوع التدريبي على الهجوم، دون التغافل عن التغطية الوقائية. وإذا قَصَرت العمل على الدفاع لـ20% فسنخسر جميع المباريات، بالمقابل، عندما أدرب مرحلة الهجوم فأنا أعتني بالتمركز بحيث لا نجد أنفسنا بحالة لا توازن عند ضياع الكرة، هنا فقد جمعت الحالتين في تدريب واحد.” دي دزيربي يرى أنه عندما يدرب فريقه هجومياً فهو يعتني أيضاً باللاعبين خلف الكرة والمعروفة بالإيطالية copertura preventiva أو مفهوم التغطية الوقائية كما ترجمة الأخ (@Mouhamdi_Alawi)، بحيث يغطي اللاعبون المناطق الخلفية أو البعيدة عن الكرة ضمن مواقع محددة وأكثر عرضة للاستغلال، العمق وبين الخطوط أو الميل نحو الأطراف إذا كانت الكرة على الطرف، وبالتالي فمدرب ساسوولو يدرب فريقه دفاعياً في حالة الهجوم، عد للنقطة (3) مقولة لـيـّو أو المفهوم الملموس والمفصلي بالنسبة له. بالنظر للحالة البدنية يتفق جوزيه مورينيو -على الأقل في بداياته- بمفهوم الدفاع عبر الاستحواذ، وعوضاً عن الضغط المستمر لأن التعب قد ينال منّا، سنحاول التقاط الأنفاس بامتلاك الكرة؛ “عندما يندفع الفريق بعيداً إلى الأمام، سيحتاجون إلى الراحة أثناء المباراة. وما الأفضل؟ الراحة بالكرة أم بدون الكرة؟ أريد أن يعرف فريقي كيف يستريح بالكرة، ومعرفة كيفية الراحة بالكرة يعني وجود لعب تمركزي جيد، أن يشغل اللاعبون المساحة بعقلانية وتكون لديهم القدرة على امتلاك الكرة حتى ولو -في بعض الأوقات- لا يكون الهدف التعميق”…؛ أي اللعب في العمق.

لا يمكن أن تفهم الهجوم دون فهم الدفاع، لأنك تقوم بما يناقض ما يقوم به المنافس، والمنافس يقوم بما يناقضك. أي لن تتمكن من بناء أسلوب لعبك دون محاولة فهم ما يواجهها ويضاددها، والعكس صحيح لا يمكن أن تكون مستوعباً للدفاع بلا استيعاب للهجوم ومعارضة المنافس وإقفال المساحات وتوجيههم كيفما نريد. استيعاب كرة القدم هو استيعاب كلـّ(ـي)، إذا أجدت في الحالة الدفاعية فأنت تعرف ضرورةً كيفية الهجوم، وإن أحسنت هجومياً فأنت تعرف ضرورة كيفية الدفاع، إذا كان فريقك مشتتاً حالة الهجوم فأنت لم تهاجم بصورة جيدة ولن تعود للدفاع بصورة سلسة. سيميوني وغوارديولا لديهما رؤية متقاربة لكرة القدم ولكنهما لا ينتهجان نفس النهج كأخذ المبادرة والبناء والتركيب لدى الكتلوني، ولكن سيميوني لا شك مدرب مميز في كرة القدم، تنتشر فرقه هجومياً بشكل جيد، تتحول بإتقان وليست جامدة بل سلسة وطَلِقة بين الحالات. بالضبط ككلوب أو رانغنيك أو سارّي رغم الفروق بين هؤلاء المدربين، إلا أنهم يرتكزون على نفس المرتكزات، ويتّبعون نفس الأسس.

ما يميز فرق غوارديولا وكذا الفرق السالفة -مع احتفاظها ببعض الفروق من ناحية هيكلية ومفاهيمية- هي احتلال مواقع متقدمة بعدد كبير ورغم ذلك يعسر على الخصم اصطيادهم في الارتداد. بمعنى أنهم بالرغم من سطوتهم الهجومية فهم محتفظون بالتوازن للأسباب الآنفة الذكر، إلا أن هذا لا يكفي بلا تحول سلوكي، فبمجرد خسارة الفريق الكرة تبدأ حالة من الهلع الإيجابي، أو كما يسمي هيلموت غروس الضغط المضاد الخاص به وبرانغنيك أنه فوضى منظمة، وهو يراها لدى غوارديولا حالة فريدة من نوعها. نسمع عن قاعدة الـ5 أو الـ6 ثواني لغوارديولا وهي تعود بالأصل لفان خال -وفقاً لغويلم بالاغ- أو هناك من ينسبها لساكي. يشبهها سيرولّـو بزمرة الذئاب حينما تتعاون للإيقاع بفريستها، بالنسبة له فهو نوع من أنواع التفوق، وإذا كان التفوق التمركزي سيعزل اللاعب الذي سرق الكرة، والتفوق العددي سيمكننا من تغطية بعضنا، فسيوفر التفوق “العاطفي التطوري لدينا مساحة فورية للتعاون، كزمرة ذئاب، كل واحد منهم يؤدي وظيفة لمهاجمة الفريسة. يتيح لنا هذا الموقف تفسير أنه عندما نخسر الكرة، فإننا نستخدم التفوق الذي يفيد الفريق في تلك اللحظة.” وبالنسبة لغوارديولا فـ”إذا استعدنا الكرة فهذا عائدٌ لاتصال وترابط اللاعبين خلال بناء اللعب، وليس بسبب قاعدة ستة ثوانٍ من الجهد.” في حين يرى بيتر بوش أن الخصم “يحتاج إلى أكثر أو أقل من خمس ثوانٍ للتموضع بصورة صحيحة، لذا علينا استعادتها على الفور.” إن هذه الأوصاف الرنانة -إعلامياً- تؤخذ حرفياً، ويعتبرها البعض غاية، بينما هي ليست إلا شكلاً من أشكال التواصل، وانتفاض اللاعبين بعد خسارة الكرة هي نتيجة الاعتياد في التدريبات لدى هذه الفرق وشحذ همم اللاعبين لاستعادة الكرة بأقرب وقت ممكن، فلا يمكن تحديد الوقت الذي نستعيد به الكرة أو حتى استعادتها من الأساس، ولكن هناك أهدافاً أخرى، أهمها الحفاظ على الهيكل المؤسس قُبيل خسارة الكرة، والحفاظ على التفوق إن كان عددياً أو مركزياً، وتبعاً لذلك سنبقي المنطقة حول الكرة تحت السيطرة، كما أن ضغط أقرب لاعب يعني تأخير الخصم ومنح الزملاء وقتاً للعودة إذا لم نكن مستعدين تماماً، أو كذلك توجيه اللعب لمناطق أقل خطراً.

ردة الفعل بعد فقدان الكرة -حتى ولو امتلك الفريق هيكلاً متيناً- ينطوي على عوامل نفسية/انفعالية، وبالضرورة هذه العناصر غير منفصلة، كون أي تصرف له أبعاد متعددة؛ نفسي، انفعالي، بدني، وفني. تركيز اللاعبين العالي مع اللعب سيساعد في التفاعل مع أطوار اللعب دون توقف، فالتقاعس أو الانشغال بالاحتجاج أو ندب الحظ بعد ضياع الكرة سيعود سلباً على الفريق. هذه التصرفات تتطلب محركاً داخلياً من اللاعب للتضحية والاستعداد لما يطرأ، ممارسة هذه السلوكيات تتطلب هذا الدافع، السلوك في كرة القدم مركب ومعقد تتحايث فيه العناصر، ليس مجرد تكتيك فقط أو نفسي فقط أو بدني/حركي فقط، نحن بحاجة لهذه العوامل سوياً، الداخلي منها والخارجي ليرى هذا التصرف أو السلوك النور ويبرز المفهوم: وحدة التعدد. التمريرة يجب أن يكون لها غاية، وليست حركة فنية منفصلة عن سؤال لماذا، وكذا الركض والحركة، والتفكير واتخاذ القرار يتطلب تنفيذاً إن كان فنياً أو حركياً.

في كرة القدم نبدأ بالتنظيم ومن ثم يتبعثر اللاعبون على المعشب، غير أن هنالك شبكةً رابطةً بين اللاعبين إذا ما خلقوا لغة مشتركة تتسم بالتناغم والتجانس، هناك تفاعل بين اللاعب وزميله والكرة والخصم والمساحة والوقت، هناك حالة من الانتظام الذاتي وإعادة الانتظام الذاتي المستمر. كرة القدم سريعة على أن نتنظم في التحولات، كونها تمثل الاختلال/اللااستقرار، بل وحتى في أكثر الحالات استقراراً لا نستطيع التيقن مما ستؤول إليه الأمور ولذا فشغل المساحات ومعرفتها والضبط المستمر للتموقع هو تسلسل تلقائي لطبيعة اللعبة. فعليه، لا يمكن معاكسة فطرة اللعبة والبحث عن خطوط سيمترية/هندسية نستطيع تمييزها، سكون ولا انسيابية بين الحالات، ولهذا الصورة التي نلتقطها عندما نحلل لا تقول الكثير، أو قد تكون مضللة. أمّا الهجوم بعدد قليل فقد يضمن لنا سلامة وأمان في التحول الدفاعي بيد أنه لن يضمن لنا هجوماً جيداً أو أسلوباً شمولياً. أو حتى اتباع اللعب المباشر دوماً لن يورث إلا فقدان الحيوية والطاقة وركضاً خلف الكرة في كثير من الأحوال أو وضعيات غير مواتية لهجوم فعال: لن نتمكن من خلق تفوق إذا لعبنا الكرة لمناطق ليس لنا فيها أي نوع من أنواع التفوق، عدا ذلك فنحن نرقب عشوائية اللعبة وهدايا السماء. تصبح تلك الفرق -خصوصاً المتقوقعة في الخلف- ليست محببة للعين وليست بتلك الانسيابية وهذا عائد للرفض الضمني لهذا التدفق المستمر في اللعبة، وعوم عكس التيار الجارف، كما لو أن بعض المدربين يمنون أنفسهم بوقت مستقطع بين حالة وأخرى، عندنئذٍ ندرك أنهم يجدون مشقة أو عجز في غالب الأحوال في تشييد أسلوب جامع وبهذا التعقيد والعمق. ذلك أنه بحسب سيرولّـو “عملية فهم أسلوب كرة القدم كهذا لا تتم في موسم واحد. إنها فلسفة لفهم اللعبة”.

بعض الأمثلة العملية

خصوصاً في أعلى الملعب يصعب الارتداد ضد السيتي، فهم في كثير من الأحيان متفوقون عددياً وتمركزياً وسلوكياً، فلا أحد من لاعبي السيتي مضطر للركض كثيراً، باستثناء زينتشينكو (كعضو ديناميكي) لأنه بطرف الملعب سيضطر للضم وملاحقة الجناح. ولهذا نستطيع إطلاق هجوم المنطقة على الهجوم التمركزي، فاللاعبون بالقرب من الكرة وتحكم تصرفاتهم الكرة كمرجع رئيسي مع التكيف الضروري كما نرى في تصرف زينتشينكو.
نرى في المثال الثاني التحول السلوكي للاعبين، المنطقة حول الكرة تحت السيطرة بهذه اللحظة. دخول اللاعب البعيد “ستيرلينغ”. انضمام الظهيرين وإغلاق العمق وبالطبع ضغط مباشر من اللاعبين القريبين وحلول للخلف فقط لحامل الكرة.
تم تخطي الضغط ولكن هذا لا يلغي جودة النوايا، المحصلة قد تكون سلبية في تصرف اللاعب؛ أي المقياس الدقيق/الصغروي، ولكن على المستوى الكبروي (الفريق / الهيكل) كل شيء مؤسس بجودة ولكن ليس كاملاً بالنهاية. وبالرغم من ذلك لا زال الأمر مستتباً، رودري أمام حامل الكرة وتساوي في العدد في الخط الأخير، ووضعية جسدية جيدة للقلبين والظهير الأيمن. من غير العقلاني مطالبة الفريق العودة بالكامل بل وليس منطقي أساسأً.
تخليق المثلثات يساعد في التباعد هجومياً ويساعد أيضاً في الارتداد الدفاعي وفي تدرج المسافات والمواقع، الأمر يتعلق بالزوايا.
انكماش مباشر حول الكرة، اللاعب المواجه لمرمى فريقه لا يسمح له بالدوران.
المثال الثالث؛ في منطاق متأخرة هناك صعوبة أكبر في الانتقال السلس، ذلك لأن الفريق للتو بدأ في تشييد الهجمة، ورغم ذلك فالسيتي نجح لحد كبير ف ياخماد الهجوم المعاكس، رودري ضاغط مباشر، تفوق عددي في الخط الأخير، انضمام اللاعبي الخارجيين.
هنا نرى أن الأمر استتب إلى حد ما، تفوق عددي للسيتي انكماش خط الظهر، والكرة انتهت إلى طرف الملعب وعادت للسيتي.

الأمثلة لا تنتهي هي بالملايين، كما يقول فينغر “أنت تلعب 11 ضد 11، هذا يعني ملياراً من المواقف المختلفة الممكنة … ولا يوجد موقف مماثل تماماً للحالة السابقة”. إن ما يتدرب عليه اللاعبين هو الحافز stimulus، وليس نمط محدد لأن كل وضعية تختلف عن الأخرى وكل حالة هي حالة جديدة، أما الحافز فلا تعني تحفيز اللاعبين وتشجيعهم، بل هو الحافز الداخلي، كما في مستثيرات الضغط. فعندما تفلت الكرة من المنافس يتولد حافز ومثير داخلي للاعب أي الآن سأضغط، وهو كذلك عندما نفقد الكرة، يتصرف اللاعبون ضمن مثيرات معينة تعلموها من خلال اللعب بأشكال مشابهة في التدريبات، كالتدريبات التمركزية، 4×4+3 كمثال، إذ بذلك تتخلق المحفزات الداخلية لدى اللاعب، طبعاً دون إغفال تحفيز المدرب وإلحاحهم للتحول السلوكي، يسبق ذلك التدرب على الهيكل الهجومي والتنظيم الدفاعي كمكلين لبعضهما وضرورة أساسية أو كما يقول خوسيه لويس أولترا: “من الواضح أنه من أجل “تنظيم” الدورات التدريبية و “بغية الفهم” مع اللاعبين، يمكن التمييز بينها، ولكن في الحقيقة فيما يتعلق باللعبة نفسها، فهي غير قابلة للتجزئة، لأنه عندما تهاجم، يجب أن تكون مستعداً بالفعل للدفاع (المراقبة، التغطية، الحركات والتوازن التعويضي، …) والعكس صحيح، عندما تقوم بالدفاع يجب أن تستعد فعلياً للهجوم (مواقع توسطية، حركات مسبقة في حالة استعادة الكرة حسب مساحة الملعب ومواقف المنافس وزملائه …).

إذا ما أردنا استخلاص سلوكيات السيتي عند خسارة الكرة فسنقول:

1) ينبغي استرجاع الكرة بسرعة وتقليص مدة التحول؛

2)إن لم نستطع فسنوجه اللعب ونغلق الحلول؛

3) وإن لم نستطع فيضغط أقرب لاعب ويتراجع البقية؛

4) باعتراف دومينيك تورنت مساعد بيب السابق، في حال خسارة الكرة وبوضعية غير حصينة فالإعاقة التكتيكية هي الحل الأخير.

“ندافع بطريقة معينة للهجوم بطريقة معينة، ونهاجم بطريقة معينة لأننا قادرون على الدفاع بطريقة متوافقة. يجب أن تكون الجوانب الدفاعية مرتبطة دائماً بالجوانب الهجومية، وإلا فلن نحصل على أسلوب جيد أبداً”. -جوزيه غيلييرمي أوليفيرا

الأمر سيان في حالة الدفاع، إذ ينبغي أن يكون هناك اتساق بين الفكرة الهجومية والفكرة الدفاعية، لا يمكن أن تبحث عن لعب تمركزي وتدافع بالقرب من المرمى. لا مجال للانتظار، ففي أسلوب غوارديولا حالة النفير عند استحواذ الخصم للكرة والتعطش للـ”هجوم” على الكرة ركن أساسي لانسيابية اللعب. هذا المفهوم الساكياني “أهاجم على هجوم الخصم” يعيدنا لمفارقة وجود الهجوم في الدفاع ووجود الدفاع في الهجوم. على غرار مقولة هيراقليطس يوجد الانسجام في اللاانسجام. أو مقولته الأخرى إننا نحيا بالموت ونموت بالحياة، والتي يعلق عليها موران قائلاً “أن الأمر لا يتعلق بمفارقة تافهة، فأجهزتنا العضوية لا تحيا إلا بعملها المستمر الذي تتلف جراءه وخلاله جزيئات خلايانا. ليست هذه الجزيئات وحدها تتلف، ولكن خلايانا ذاتها تموت، إن خلايانا تتجدد بلا توقف خلال حياتنا وبشكل دائم، باستثناء تلك المتعلقة بالدماغ وباستثناء ربما بعض خلايانا الكبدية.”

ليس ثمة أسلوب هجومي بل هناك أسلوب مبادرة، فاعلية، استقلالية في انتهاج اللعبة، هجوماً أو دفاعاً. أي أننا نحاول اللعب كما نريد، لا كما يريد الخصم. أن نبحث عن الكرة طوال الوقت، استحواذ، ثم استنفار بعد خسارتها، وشراسة عند حيازة الخصم لها. ولذا هناك أيضاً هجوم منطقة ودفاع منطقة، أو بالأصح، يوجد أسلوب المنطقة، يوجد الأسلوب التمركزي وهما متممان لبعضهما (كما سنرى في المقال القادم)، هناك وحدة أسلوب… فعلى خط وحدوية سبينوزا القائل بأن الكون شطر لا يتجزأ، فاللعبة شطرٌ لا يتجزأ، لا يوجد مدرب جيد هجومياً، وآخر جيد دفاعياً، اللعبة -وكذا عمل المدرب- ليست مجزئة، بل هي كيان لا ينفصم. ليس ثمة مهاجم ومدافع، هناك لاعب كرة قدم، تختلف الخصائص والمزايا بلا شك، ولكن إذا تمكّن اللاعب من التلاعب بالمنافس وهزم الدفاعات فهذا عائدٌ لأنه يفهم الدفاع، وإن كانت لديه نواقص بدنية قد تتطلبها المراكز الخلفية، هنالك خلط بين اللاعب الذكي الذي يستطيع الضغط وقطع مسارات التمرير أو تغطية المساحات وبين من يصارع ويركل ويعيق، الأول، ذلك الجناح القصير يعرف كيف ومتى يضغط ويدافع (قطع مسارات التمرير والتغطية… الخ) لأنه سيحاول البحث عن ذات الأمور عندما تكون الكرة بحوزة فريقه! والعكس كذلك، فأفضل المدافعين هم من يجيدون المفاهيم الهجومية، ولو أن الدفاع أيسر كونك تخرب وتُكسر، ولست تبني وتركب. وعلى خط مثنوية ديكارت تمتد الشرذمة والتفكيك والاختزال إلى وضع متخصص للتكنيك ومتخصص للهجوم ومتخصص للدفاع، بل ومتخصص لرميات التماس، وهذا ليس إلا إفراطاً في التخصص، اللعبة واحدة وأنت جيد بها بكليتها، فالمدرب الجيد والقدير محلل وتكتيكي واستراتيجي وقائد ومحفز و”مدير رياضي” وجيد للفئات السنية ولفرق الكبار، وينبغي أن يكون له دراية في الأمور البدنية، وجود مساعدين هو لتخفيف العبء وسد النقص المعرفي لا لتحمل المسؤولية، مثلاً مدرب الحراس أو المعد بدني قد يكون أكثر معرفة من المدرب في نطاق تخصصه. كرة القدم واحدة، اللعبة واحدة، والجيد جيد بها بكليتها…

بارادايم التمركز … إينييستا أنموذجاً…

“في أي مجموعة، كبرشلونة مثلاً، هناك هويتان مختلفتان تتعايشان: الفرد من الأفراد وجماعة الفريق. إنها مسألة عميقة في علم النفس والإيثولوجيا وعلم الاجتماع: تحقيق الانسجام بين الهويات الفردية (لكل فرد هويته) والهوية الجماعية (واحدة مشتركة للجميع). إنه لأمر مأساوي أن تكون الهوية الجماعية ضعيفة بسبب الافتقار إلى التماسك بين الأفراد (في هذه الحالة يُطلق على الفرد اسم غير اجتماعي ويضيع ويصبح غير محمي بسبب عدم اليقين) ومأساوي أيضاً أن الهوية الجماعية تسحق الهوية الفردية بسبب الإفراط في التماسك الاجتماعي الذي لا يستطيع الفرد تحمله. القضية حساسة للغاية لسبب واحد: هناك حالة انسجام واحدة فقط من بين حالات لانهائية ليست كذلك. تحديد مكانها والعناية بها تُعد نقطة هشة وسحرية، وهي محورية لتعايش اللاعبين داخل الفريق. يمكن أن تسمى هذه المسألة مسألة البقاء والنجاة. إنه السؤال الأساسي لكائنٍ خارق superorganism مكون من الكائنات الحية organisms. لم يستوعب اللاعبون اللامعون مثل رونالدينيو وإيتو وإبراهيموفيتش هذه التفاصيل الجوهرية أبداً.” -أوسكار كانو

لن يكون هناك فريق بلا فرد وفرد، وفرد، … الخ. لن يكون هناك فريق بلا أفراد ولن يكون للفرد قيمة بلا فريق، فالقاصية عن القطيع صيدٌ سهل للمفترس. لن يكون هناك كلٌ أكبر من مجموع الأجزاء إذا لم يطغى الانسجام والاتحاد بين الأفراد. لن ينشأ الكائن الخارق أو -الكائن السوبر- بلا كائنات حية متناغمة ومنسجمة للهدف النهائي، فهم ليسوا كالغثاء زيادته كنقصه، كل فرد له قيمته وكل فرد ينتظم ذاتياً. ذلك أن الذكاء المحدود لدى كل فرد من مستعمرات النمل لن ينتج شيئاً. الكائن الخارق هو مجموعة أفراد متآلفة محاوِلة تشكيل كلٍ واحدٍ متحد أمام مصاعب الحياة، للتحامي، وللمناعة الاجتماعية، طمعاً في استمرار وبقاء النوع. ولكلٍ مهامُه، مثلاً، ملكة النمل دورها وضع البيض في الحقيقة وليس دوراً سلطوياً، النمل الذكر للتزاوج، الإناث للعمل. تضافر الجهود لدى الأفراد محدودي الذكاء يصنع الكائن الخارق ويحقق الغاية التي يصعب على الآحاد إتمامها، يسمى ذلك بالذكاء الجماعي أو الذكاء الموزع.

Shaking the swarm—researchers explore how bees collaborate to stabilize  swarm clusters
أسراب النحل تشكل كائناً خارقاً لمجابهة المخاطر، والرياح والأمطار.

بروكلي رومانيسكو وتشابه الجزء للكل وهي تحفة ولدت من العشوائية. مثال للهندسة الكسيرية.

يعتقد مانويل كوندي أن الفرد غير موجود في كرة القدم، اتفق إلى حدٍ كبير، ربما لأن الفرد يذوب في الفريق حلولاً واتحاداً فيصعب فصله عن الفريق. سيقوم الفريق بلا أحد أفراده ولكن الفرد ليس شيئاً بلا فريق. غير أن الفرد قائمٌ بحد ذاته؛ أي أن الفرد موجود نسبياً وقد يكون صورة مصغرة من الكل الأكبر، كما في الفراكتال أو الهندسة الكسيرية، فالكسرة أو أجزاء الشكل تبدو مماثلة للكل أو الشكل الأكبر وهي بذلك متشابهة ذاتياً ومتكررة النمط ولكن بأحجام مختلفة كما في الصورة. يحدث تشابه الجزء بالكل أو تماثل الجزء للكل في تقنية الهولوغرام، فمثلاً، عند انكسار اللوح الفوتوغرافي يُظهر كل جزءٍ من الأجزاء المكسورة صورةً كاملة لا مجزأة، أي أن الكل يتمظهر داخل الجزء. يتعذر أن نولف فريقاً أو أسلوب لعب دون معرفة الأجزاء؛ أي اللاعبين، دون فصل الأجزاء عن الكل ودون فصل الأجزاء والأبعاد عن بعضها البعض. فلا ينبغي أن نرى الكل كشيء جامد بل بتعددية أبعاده، “لا يمكنني تمثل الكل دون تمثل الأجزاء، ولا تمثل الجزء دون تمثل الكل” أي لا يجب أن نرى الأجزاء فقط ولا الكل فقط كما يبين بليز باسكال. درءاً لأي التباس، لا يعني هنا أننا سنعزل الجزء، وإنما أن نفهمه بتمثله من خلال الكل.

“في البشر كما في الكائنات الحية الأخرى، الكل موجود داخل الأجزاء؛ تحتوي كل خلية في كائن متعدد الخلايا على مجموع تراثها الجيني، والمجتمع ككل موجود داخل كل فرد بلغته ومعرفته والتزاماته ومعاييره. مثلما تحتوي كل نقطة مفردة من الهولوغرام على مجمل المعلومات التي تمثلها، فإن كل خلية مفردة، وكل فرد يحتوي هولوغرامياً على الكل الذي هو جزءٌ منه، وهو في نفس الوقت جزء من ذلك الكل.” –إدغار موران

في المقال السابق تحدثنا عن الأسلوب التمركزي، وهو أسلوب جماعي، ولكنه في ذات الوقت أسلوب يشمل الفرد، قد يكون الفريق سيئاً تمركزياً لكن أحد أفراده بارع فيها، تشافي، إينييستا، بوسكيتس، تياغو ألكانتارا، فيرّاتي، دي بورين، والآن دي يونغ، ريكي بوج أو بيدري أو من هم في الظل تراشوراس أو روكي ميسا، برونو سوريانو، من بين أسماء عديدة هم صورة مصغرة للأسلوب، وفيهم انطوى الأسلوب الأكبرُ. يتشبع بعض اللاعبين بهذا الأسلوب ثقافياً منذ نعومة أظافرهم، ففي لا ماسيا يُدرَب اللاعبون كي يكونوا صالحين لهذا الأسلوب، تمركز، هيئة جسدية سليمة، استلام/لمسة أولى موجهة، قراءة اللعب فيكون إما رجلاً ثانياً أو ثالثاً، أو يميز من سيكون الرجل الثالث، يقف على الكرة (la pausa)، يجذب المنافسين، يرمق بنظره لذاك ويمرر لآخر، يرى البعيد ولكنه لا يفقد ملاحظته للقريب، يلعب السهل، ويبرع في لعب الصعب إذا دعت الحاجة، هذا هو المثال، هذا هو النموذج.

لهذا يبحث المدرب الذي يمتلك أسلوباً خاصاً عن لاعبين منسجمين مع فكرته، لأن اللاعب أسلوبٌ في حد ذاته، “اللاعب حقيقة تكتيكية في حد ذاته” كما يقول خوانما لـيّو. اللاعب نفسه تكتيك، بتموقعه، بتشتيته أو جذبه للانتباه، وبحركته يساهم في تطور الهجمات. هم بالنسبة لليـّو أو بيب لاعبي الوسط، لطالما تصورا فريقاً يعج بلاعبي الوسط الفنيين والخلاقين ذوي الحس التمركزي، هذا لا يعني أبداً أن بيكيه ليس جيداً لأسلوب بيب، بل هو كذلك، بيدرو أو ستيرلينغ أيضاً، وأي حارس جيد بقدميه، النجم الخارق كميسي أو الهداف الحساس كليفاندوفسكي، أو ظهير كآلفيس، بعض اللاعبين ليسوا استثنائيين ولكنهم متممون لهكذا أسلوب. ولن يعيش إينييستا أو تشافي بدونهم.

“كرتنا لم تنشأ بمحض الصدفة، إنها نتيجة ما تعلمه بيب، ونتيجة الكثير من العمل… أسلوب لعبي يحتاج إلى شركاء، بدونهم لا معنى لأسلوب لعبي. أنا لا شيء عندما لا يحاول أحدهم التخلص من الرقابة، أو لا يوفر الآخر نفسه كخيار تمرير قصير… بدون زملائي في الفريق، أسلوبي لا معنى له. يمكنني الالتفاف، ولكن إذا لم أجد تمريرة، فما الفائدة من ذلك بالنسبة لي؟ … أخبروني في برشلونة أنه إذا لعبت في المنتصف فلا ينبغي أن أفقد الكرة، ولأنني رجل مسؤول للغاية، فقد تعلمت الاحتفاظ بها، يروق لي ذلك. أكثر ما أحبه في كرة القدم هو امتلاك الكرة، أو امتلاك زميلي لها. أستمتع عندما نمرر الكرة، بوم، بوم، بوم ومثلث، ثم تمريرة جدارية…” تشافي

بعيداً عن المراكز والتنميط، هناك لاعب كرة قدم بالكلية ولخصائص اللاعب وبنيته أو سرعته أو نواقصه يوضع بمكانٍ ما. ولكنه مكملٌ يمكن أن يتعايش ويتأقلم، هؤلاء ليسوا المثال والنموذج، كإينييستا، تشافي أو بوسكيتس، بيد أن الثلاثة قد يحتاجون لأجنحة يرفرون بها، أو لصمامات أمان في الخلف تحميهم، هم مركز اللعبة والبقية أفلاك تدور حولهم. الأمر يتعلق بأدوار اللاعبين كمواقع وخصائص، ديل بوسكي يتفق مع بيب فيما يتعلق بلاعبي الوسط، “وليس فقط للربط واللعب، بل في الابتعاد عن الكرة، والبحث عنها بعمق الملعب” على حد تعبيره. ولكن قد يكون تشافي أو إينييستا نقيصة على الفريق، لأنهم محكومون بالآخرين، -كما يوضح تشافي- فهو لاشيء بدون الآخرين الذين يتحركون جيداً، ويفتحون مسارات تمرير أو يغطون المساحات سوياً، إذا كان اللاعبون من حولهم جامدين سيكونوا الأسوء، لأنهما ليسا بمقاتلين، أو يقضيان وقتهما لهثاً خلف الكرة، وإنما رسامان، زادهما للبقاء هو الكرة، تشافي وإينييستا لاعبا كرة نقيّيْن، وهم بحاجة للآخر. يعانقان الكرة بلطف وأنق، يريدان الكرة، ولكنهما يمهدان لها السبيل لترتمي بين أقدامهم، بوضعية جسدية متقنة، بإيماء جسدي مخادع، قلقان باستمرار ويترقبان الوضع حولهما، فعندما يجتمع القلق واللايقين يظهر ويتلجى إبداع.

Спартак Spartak Футбол GIF - AndresIniesta FCBarcelona Football - Discover  & Share GIFs

بالنسبة لي، كتفضيل شخصي، ثمة أمر إضافي لدى إينييستا، هو جناح طراز العقدين الماضيين، كفيغو أو بيريس، وهو دوره في إسبانيا أراغونيس 2008. “أندريس لديه قدرة نادرة على اللعب في الداخل بالضبط كما في الخارج”، يقول بيب ويزيد “عندما تكون بجوار الخط، كجناح، فمن السهل اللعب، لأنك ترى كل شيء. أما اللعب في الداخل فمقلق، فلا ترى أي شيء لأن الكثير من الأمور تحدث في مساحة صغيرة جداً. لا تعرف من أين سيهاجموك أو كم عددهم. اللاعب الرائع هو الذي يجيد اللعب في المركزين…”. أندرس هو لاعب الوسط الداخلي interior كما يسميه الإسبان، كتشافي، هو الذي يتحكم بالكرة كجزء من جسده كريكيلمي، يدور بخصمه ويخرج من الضيق كالزئبق، رشيق الخطى لأنه يتزلج كما وصفُه تيتو فيلانوفا؛ “أندرس لا يركض، أندرس يتزلج. كلاعب هوكي الجليد، يتزلج ولكن بلا زلاجات. يذهب إلى جانب من الميدان، يتزلج، ويترقب ما يحدث حوله دوماً. ثم ينتقل فجأة إلى موقع آخر بتلك الانسيابية التي يتمتع بها. أندريس لا يركض، أندريس يتزلج.” بزعمي إينييستا قد يتغلب على بوسكيتس في مركزه، لأن رؤيته بانورامية، يبصر كل شيء، يرى قبل الجميع، يلعب السهل والصعب، ومضافاً لكل ذلك يرواغ كبرازيلي عتيق… نيمار يقول.

GIF iniesta - animated GIF on GIFER
이니에스타의 롱패스.gif | 인스티즈
꼬마의 `질식 수비` 꿰뚫는 이니에스타 미친 킬패스

“… سنفوز بالمباراة لأن ميسي يسجل وأندرس ينتج كل شيء آخر: المراوغة، التمريرة الحاسمة من الداخل أو الخارج، إخلال توازن الخصم، والتفوق… يرى كل ما يحدث، ولديه موهبة المراوغة، هذه الهبة له وحده. المراوغة هي كل شيء اليوم، ساعدني أندرس في إدراك أهمية اقتياد الكرة عبر لاعبي الوسط الدخليين، عندما يراوغ ينساب كل شيء ويندلق، ستدرك ذلك مع الوقت.” -غوارديولا

Andrés Iniesta - When Football Becomes Art - ShareonSport.com

“يسألني ماركوس ورامون عما أشعر به حينما أكون محاطاً بستة أو سبعة لاعبين، أو ما إذا كان أسلوبي مشابه لأسلوب فيدرر، في سرعته وتناسق حركته. يغمرني الخجل حقيقةً حينما يصفاني بأني بلعبةٍ واحدة فقط قد أُظهر جميع الصفات المطلوبة للاعب كي يعتبر مكتملاً: السرعة في اتخاذ القرار؛ جودة التمريرة؛ التسارع والتروّي أو الوقوف على الكرة؛ القدرة على الاستلام الموجه أو قدرتي على الدوران وتغيير الاتجاه. لا أعرف ماذا أقول، أفضل أن يصفني الآخرون.” -أندرس إينييستا

“أعتقد أن باكو [سيرولّو] وصفه بدقة، أندرس من أعظم اللاعبين، لماذا؟ لأنه بارع في العلاقة بين الزمان والمكان. يعلم أين يكون في كل الأوقات، حتى وإن كان محاطاً بعدة لاعبين، ويختار دوماً المنفذ الأنسب، ومن ثمة لديه خطفة وانطلاقة خاصة به.” -غوارديولا

“الحاصل أن إينييستا يُبطأ اللعب، يقول الناس: ‘أنظروا إلى سرعة ذلك اللاعب’، لا، لا يجب أن نخطئ، السرعة ليست الأهم، السر في الحقيقة يكمن في كيفية تمهله وأين يقف على كرته وكيف ينطلق.” -لورنزو بوينافينتورا

منسق الأوركسترا، لمسة ثم حركة مضادة يوهم منافسه بالذهاب لجهة ويذهب لجهة أخرى، يتخلص من مراقبه، لمسة ثانية وتمريرة خلاقة، هناك الكثير في دماغه، هن 3-4 ثواني ولكن سماكة غشاء الميالين المحيط بالألياف العصبية تقف خلف كل ذلك. كرة القدم في رأسه، يصنع لعب، بل يصنع سياقاً..
이니에스타 패스.gif - 인스티즈(instiz) 인티포털

في اللقطة الأخيرة، نرى كيف يعيش إينييستا اللعبة، كل شيء محسوب لا شعورياً، يفهم كرة القدم بعمق ودون حاجةٍ للتنظير. يستخدم إينييستا نوعاً يبدو غير مفيداً من خذ وهات، (one-two) يمرر للاعب أمامه واللاعب الثاني يعيدها له مجدداً، نلاحظها بين قلب الدفاع ولاعبي الوسط أحياناً لسحب الخصوم وتوليد لاعب حر بين الخطوط. ولكنه بذات الأثناء لا يتحرك كما في اللقطة الثالثة من الأسفل، وعلى ذكر ذلك، يؤكد تشافي أن برشلونة تعلم الصغير أيضاً أن يمرر ويقف وليس أن يمرر ويتحرك وحسب، “أحياناً قد تبدو وكأنك ستصطدم بجدار، بهذه الحالة أمرر وأقف.” وبمجرد عودة الكرة لإينييستا خرج أحدهم للضغط عليه، وباستلام موجه؛ أي استلام بالقدم البعيدة للمساحة أو نحو المرمى، فقد راوغ أندرس خصمه حرفياً قبل أن يلمس الكرة، كما يشير خوان كارلوس أونزوي “أندرس يستطيع تخطي خصمه دون أن يلمس الكرة، أول أمرٍ يفعله 95% من اللاعبين هو السيطرة على الكرة، هذا هو الخيار الأفضل، ولكن إينييستا يرواغ دون أن يلمس الكرة.” بعد أن تخلص من الأول انفجر وكما يبدو وأنه سريع، لديه خطفته، تلك خطفته التي تحدث عنها بيب. وإن كانت الكرة الإنجليزية التقليدية تخدعك بسرعة اللعب وهي ليست إلا تقاذفاً للكرة وصراعات بدنية، فإينييستا يوهمك بأنه سريع بتملصه، ينتظر أن ينقض عليه الخصم، لأنه يتخطى بعقله وليس بقذف الكرة واللحاق بها، هو يبدع لأن لديه بعض النواقص، ليس سريعاً ولكنه رشيق، يغويك كي تقدِم إليه، ولأنه يعرف توقيت لمس الكرة، فهو ينتظر تلك القدم الممتدة لسرقة ما ليس لها، وبعدها….

Espanyol Vs Barcelona • Andres Iniesta Dribbling Skill GIF by Эстетика  Футбола | Gfycat
이니에스타 드리블.gif - 해외축구 - 에펨코리아
이니에스타 2인타카.gif

خذ وهات لعبة معقدة، فبمجرد خروج الكرة من قدم الممرر يخرج عن نطاق السيطرة، لأن الأنظار تتجه صوب الكرة وحاملها المستقبلي. هنا، لأن الكرة قريبة من المرمى فمدافعي الخصم مضطرون للمواجهة، بالتالي فالمساحات خلف المدافعين القريبين ستُستغل، يخرج المدافع للضغط على أندرس، يمرر إينييستا لميسي وثم يهاجم المساحة خلف الضاغط… ميسي هنا يقوم بالعكس يمرر ويقف، هذه الكرة سريعة لسرعة العقول لا الأقدام.

الاستلام الموجه، بالإسبانية control orientado، أي استلام الكرة بالقدم البعيدة (أو الاستلام بأية كيفية) نحو المرمى أو المساحة، ينبغي على اللاعب قبل ذلك معاينة محيطه إن كان ظهره لمرمى الخصم خصوصاً، ويوجه جسده -وفقاً لمكان الكرة- لتمديد نطاق رؤيته كما في الصورة الأخيرة، وضعية جسدية مفتوحة صوب حامل الكرة، وبما أن الكرة على زاوية قُطرية فجسده أفقي/جانبي وليس صوب المرمى أو لا يعطي مرمى الخصم ظهره. قد لا يستطيع أحياناً الدوران أو القيام باستلام موجه، ربما ليس لإينييستا، لأنه يعي غاية اللعب، إينييستا يفاجئك بسرعة وجودة قراراته، فما يبدو وأنه صعب يستطيع الخروج منه بيسر. أندرس يكسر الأعراف والتقاليد، يسيطر بالقدم القريبة، بالكعب، أو ظهره للمرمى وخلفه مدافع، ليس ثمة تكنيك/تكتيك صحيح، هناك غاية، التصرف أو الوسيلة ينبغي أن تخدم الغاية، الغاية هي جني المساحة والتقدم للأمام. هنا يعجز المدربون، اللاعب هو المعلم، عبره سُنّت النظريات وباختراعاته كتبت كرة القدم عبر التاريخ، يقول المدرب الألماني ديتمار كرامر أن “أفضل مدرب في العالم ليس مدرباً دولياً ناجحاً، بل اللاعب نفسه. شاهد اللعبة وستتعلم ماذا تفعل”، اللاعب نفسه هو الذي علم المدرب بدون شرح وبدون تنظير، فاللاعب غوارديولا هو الذي أسس لغوارديولا المدرب.

__
دائماً يلقي النظرات، يبتعد عن الكرة ولا يقترب إليها كما تقتضي الحاجة، يستطيع الاقتراب من الكرة غير أنه يعي قواعد اللعب التمركزي، يكمل أضلاع المثلث بخلق زاوية وخيار تمرير مُقدماً التسهيلات لفريقه في سبيل تطوير الهجمات، هذا غير تفريغ نفسه وتقديم التسهيل لنفسه.
الاننشار مبدأ جماعي يحدث عندما يتباعد الأفراد (كل فرد) وينتشروا على عرض وطول الملعب وبين خطوط الخصم، وإذا امتلكنا أفراداً يجيدون ذلك، فسنحصل على هيكل قوي لبناء الهجمات. بمعنى أن اللاعبين بانتظامهم الذاتي يخلقون النظام، حتى ولو دون مدرب! نرى هنا إينييستا يبتعد ويتخذ موقعاً بين خطوط الخصم موفراً تمريرة كاسرة لزميله.

كل هذه التصرفات لكسب الوقت والمساحة، أندرس يبتعد قليلاً، يقترب قليلاً، يميل، ينتظر، يتنبأ ويتخذ قراره.. اللاعب السريع واللعب السريع ليسا نفس الشيء، أن تجعل المنافس متأخراً دوماً ولا تسمح له بإعادة الانتظام، ما يسفر عن الكثير من الركض ومحاولة تدارك الأخطاء، انزلاق، شد، دفع، انعدام تفاهم وارتجال يقابله ارتجال فتحدث فوضى عارمة في خطوط الخصم على المستوى الجماعي. وهنا تتجلى جودة اللاعب وجودة الفريق، باتخاذ قرارات صحيحة وبالطبع تنفيذها بصورة صحيحة، ولهذا إينييستا هو سيد المساحة والوقت، “إينييستا هو اللعب التمركزي مجسداً”، ونفسه أوسكار كانو يقول عن إينييستا أنه هو اللعب التمركزي بذاته. وعلى مبدأ الهولوغرام عند موران، إينييستا ككسرة هولوغرام يحمل تفرده دواخلها… هو صورة مصغرة للعب التمركزي، بتصرفاته التي تضيف بعداً آخر للفريق، هو يحسن من زملائه، يربط بين زملائه ويطور شبكات الاتصال لمن هم حوله، وليس بينه وبينهم وحسب.

كما ذكرنا في المقال السابق، الحركة قد لا تفيد اللاعب نفسه، وبقصد أو بدون قصد قد تظهر المساحات بأماكن أخرى. الحركة ضرورية خصوصاً في الثلث الأخيرة لهز دفاعات الخصم. وأحياناً عدم الحركة مفيد للفريق، نرى دافيد فيـّـا في اللقطة اكتفى بالوقوف بعيداً، مهملاً من الخصم، ولكنه مع تواتر اللعب أصبح ضلعاً أساسياً في تسجيل الهدف الثاني. مثلما رأينا مراراً أن إينييستا لا يجري كثيراً بل يعدل وضعيته، يعدل تموقعه. هذه التفاصيل الدقيقة والتصرفات على المستوى الصغروي/المايكروي تقوم بغربلة على المستوى الكبروي، وقد تكون تلك محددات المباراة، اللمسة التي لا تبدو شيئاً جللاً قادرة على التأثير -كعلاقة ارتباطية وليس كعلاقة سببية- على الحاصل النهائي للهجمة، وربما للمباراة. هنا يقف المدرب موقف المتفرج، فلا يسعه تحفيظ اللاعبين الذكاء والدهاء الإبداع والابتكار والخيال، ولا يسعه اقتلاع اللايقين واللاتنبؤية والعشوائية من اللعبة، لكنه قد يقلصها بإفراط فتغدو فرقه ميكانيكية، والمدرب هنا يصبح عالة. لأنه يرى الكل ولا يرى الجزء، فيلغي الفرد، ويصبح رقماً فقط، وليس قيمة إبداعية. يقتبس كازا بازيلي لمانويل كوندي شارحاً أن الفريق الذي يتمتع بتناغم عالٍ سينمو، وسيخلق شفرة تكتيكية كونية لتأسيس توظيفه الجماعي دون تقييد أي لاعب، أن تعطي اللاعب على قدر ما يستطيع وبحريته النسبية. هنا تمكن قوة الفرق، في تفاعل الأفراد: فعل بالتزامن مع فعل؛ أقوم بكذا وزميلي يقوم بكذا، والثالث يقوم بكذا، عندئذٍ تتأسس اللغة المشتركة اللاواعية، وكلما استوعب اللاعب اللعبة كلما تيسر له التفاعل، وكلما يسّر للآخرين التفاعل. ومن ثم يتقلص اللايقين والشواش، ليس مسحها، لأن مسحها ضرر وتركها ضرر.

“إينييستا يستطيع اللعب بدون ميسي لكن ميسي لا يستطيع اللعب بدون إينييستا. […] ميسي يقوم بأفضل الألعاب والحركات، إينييستا هو أفضل لاعب في العالم.” -خوانما لـيّو

بالنسبة لمينوتي فـ “برشلونة عبارة عن إينييستا و10 لاعبين آخرين.” قد يبدو من المبالغة أن يعتبر المدرب الفائز بكأس العالم 78 أن إينييستا هو أفضل لاعب بالعالم وليس مواطنه ميسي، ولكن في سياق آخر قد تجلو العتمة عن تصاريحه السابقة بقوله: “بالنسبة لي ميسي لاعب عظيم في الـ15 متراً الأخيرة ولاعب مليء بالأخطاء عندما يعود 50 متراً للخلف.” ميسي خارق، فنياً وتكتيكياً، سرعته، ولكن على مستوى استيعاب اللعبة هو ليس كإينييستا أو تشافي، ظهرت براعة الأخيرين مع المنتخب بوضوح فهما بصحبة بوسكيتس في وقت ما، أو سينّا أو سيلفا طرزوا سياقاً يعزفون به سوياً، بتناغم وهارموني ليس لها مثيل، ليس هناك ميسي، قد يذهب بمغامرة لوحده -ليس لوحده بالضبط كما ذكرنا- ولكنهم سوياً صنعوا الكائن السوبر. تضافرت تلك المواهب التي “لا تبدو خارقة” لكي تنتج كلاً أكبر من مجموع أجزائها. فيما يجد ميسي صعوبة في فريق مشكلٍ من آحاد، هو يتصرف وحيداً، وليس هنالك سياق (أسلوب لعب) يبرز ما لديه. لذلك قد يظهر أبرع البارعين بأداء رتيب أحياناً في فريق ليس بـ”فريق”، ويظهر العادي بارعاً في فريق يصح تسميته بالفريق، ولا أجده إلا أمراً مثيراً للسخرية والامتعاظ بآن أن يعجب الكثيرون بإفراط ببعض اللاعبين الذي يأدون أداءً مميزاً في موسم ما، أو ضمن ظروف وسياقات خاصة، ثم ينتقل بمبلغ وقدره ولا يكاد يمضي الوقت إلا وهو كبقية اللاعبين بل وقد يقابل بالسخط، قد يكون مميزاً فعلاً ولكن الظروف الجديدة لم تخدمه، أو قد يكون عادياً والظروف السابقة خدمته، أو ببساطة قد يحتاج للوقت. لذا لا يرى مارتشيلو ليبي أن الأفضل كفرد هو من يلعب أو يُنتقى، بل الأفضل للفريق. ولا غرو أن الأمر يسهل عندما يضم المنتخب لاعبين من فريق واحد، متفاهمين ومنسجمين ويعرفون بعضهم البعض.

يبحث الفرد عن مصالحه الشخصية في المباراة، يقل ذلك أو يزيد ولكن كل لاعب يريد الكرة، يريد أن يكون أحد أضلاع المجد، ولكنه من حيث لا يدري قد ينفع فريقه، هذا الصراع الداخلي بين الإيثار والأنانية وبين “نحن” و”أنا” من شأنها أن تضيف للفريق؛ مهاجمٌ يتحرك نحو المرمى طالباً الكرة فإذا به يسحب الظهير فاتحاً المجال للجناح. المهاجم يريد التسجيل، ربما يريد المجد الشخصي ولكنه إن سجل فالمصلحة هي الفريق، والمنفعة تبادلية. قد تتسبب الأنانية بزعزعة تماسك الفريق، يتحرك اللاعب نحو الكرة باحثاً عنها، مظهراً انعدام الثقة بزملائه في الخلف وضارباً بأصول التمركزية عرض الحائط، لكن الفرد والفريق يمكن أن يتعايشان، فمن سيشكل الفريق؟ وأين الفرد كحقيقة تكتيكية؟ وكيف سيعيش الفرد بلا زملاءٍ يمدونه بالحلول ويتوزعون على بقاع الملعب، ويتبادلون المهام وتتقاطع مصالحهم وتتأثر قراراتهم بقرارات الآخرين؟

بارادايم التمركز… بارادايم بيب

ليست أسلوباً وحسب، المركزية مجموعة مبادئ أساسية وجوهرية في كرة القدم. فلعب كرة القدم بشكل “جيد” مرتبط بالمركزية. في أي فريق كرة قدم أو حتى أي رياضة جماعية يجب أن تتضمن بعض أو معظم أو حتى كل المبادئ المتعلقة بهذا الأسلوب. قد حاولت جاهداً البحث عن صياغة مصطلحٍ أكثر دقة، قد نقول تموضعي أو تمركزي أو التسمية التي توصلت لها مؤخراً “هجوم المنطقة” وسأوضح لاحقاً لمَ أسميتها ذلك في مقال متصل، لأني أزمع كتابة المقال الأول -الذي نحن بصدده- بالتحديد عن المركزية جماعياً، أما المقال القادم فسيكون على المستوى الفردي، وأخيراً -المقال الثالث- عن كلانية الأسلوب، بيد أنه لا يمكن تشظية وتفصيل هذا الأسلوب بهذا الشكل ولكن سننزل اضطراراً للأسلوب التحليلي للتعمق وسبر أغوار هذا الأسلوب الثري، ولذا فسنشير للفرد وللتحولات كمرور اضطراراً، فالحالات الأربع متصلة، مثلما أن عناصر اللعبة متصلة، والفرد ليس منعزلاً عن الجماعة، هذا الفصل ضرورة نظرية، وما إن نصل إلى الملعب فنحن نألف ونركب، فكرة القدم عملياً وواقعاً كلٌ ومركب عضوي.

ما هو الـ  Positional play؟

“كما تشير الكلمة، المركزية، ببساطة هي أن تتمركز جيداً بحيث نتناقل الكرة بشكل مكثف ونصل للمناطق الهجومية بوضعية سانحة.” -ألبرت بوج

Positional يعني: مركزي (أو موضعي، أو مكاني)؛ ومركزي أي حول الشيء أو جزء رئيسيّ تتجمَّع حوله الأجزاء الأخرى. والواقع أن هذه التسمية مسألة خلافية لدى الإسبان كذلك، يظهر ذلك عبر اعتراض خوانما لـيـّو على لفظ posición واقترح عوضاً عنه مصطلح ubicación ويقابلها في الإنجليزية locational منطلقاً من فكرة أنه من الممكن “أن تتمركز -جسدياً- بشكل مثالي ولكن في المكان الخاطئ، أو أن تتمركز بهيئة سيئة في المكان الصحيح” فكلاهما مرتبطان (وضعية الجسد، والتمركز المكاني) ولكن اللفظة -كما أسلفت- تشمل أيضاً الفريق ككل، والفرد كجزء.

في الفيزياء مركز الكتلة هو نقطة في جسم أو نظام من أجسام يمكن اعتبار إجمالي كتلتها مركّزة عندها، والأمر سيان كذلك في الاشكال الهندسية والجيومترية وتكوين المثلثات، فهناك نقطة مركزية تربط الأشياء ببعضها. أطلق هذا الاسم لأول مرة اللاعب والكاتب البريطاني أيْفان شارب عام 1952 الذي أشار لتطور الكرة آنذاك وتراجع الكرة الإنجليزية حيث أدلى: “اللعب التمركزي أسلوبٌ أكثر تطوراً في اللعبة؛ لأنه قائم على عدد وكمية التمريرات، لا يمكن اعتبار أنفسنا من مصاف الدول المتقدمة كروياً إذا ما تحدثنا عن الأساليب والطرق…”. في الشطرنج بزغ أسلوب اللعب التمركزي قبل قرنين من الزمن، فاللاعب ذو الأسلوب المركزي يحرك قِطَعهُ بتروٍ وتأنٍ وبخطة بعيدة المدى، وبالطبع يحاول نشر قطعه وفتح الطريق أمامها للتحرك، الأمر مماثل في تباعد وتوزيع اللاعبين (الانتشار) الذي يعني جودته جودة الهيكل ما يتيح لنا استعادة الكرة (حماية القطع في الشطرنج)، أيضاً فتح المساحات، ومحاولة تفعيل أدوار اللاعبين فيستطيعون الإسهام في بناء وتقدم الهجمة عبر جودة التمركز وتوفير أنفسهم كخيارات تمرير (كل لاعب في الحالة الهجومية له دور هجومي).

يصعب أن نسك تعريفاً دقيقاً للعب التمركزي كونها تنطوي على عدة مبادئ ومفاهيم، ولكن اللعب التمركزي في جوهره يعني: ترتيب/تمركز اللاعبين في مساحات مختلفة لتكوين زوايا وخيارات تمرير في مختلف المناطق ومختلف مراحل اللعب للاحتفاظ بالكرة وبحثاً عن مرمى الخصم. ولا يبقى اللاعبون في هذا النمط بثبات بل وبحركة مستمرة لخلق المساحات بالكرة، أو بدونها كفتح خيارات التمرير للزملاء أمام الكرة خصوصاً وللخلف إذا اقتضى الأمر. الحركة قد تكون تعديل وضعية جسدية لبضع سنتيمرات، ولكل حالة ومرحلة سلوكيات معينة مرغوبة طمعاً في التمتع بانسيابية تقدم الهجمات.

استناداً لدومينيك تورّنت مساعد بيب غوارديولا السابق فـ”هي تتعلق بكيفية التمركز بشكل متصل بالآخرين على أرض الملعب عند حيازة الكرة…”، أو كما يشير بيب غوارديولا إلى أن اللعب التمركزي هي تأدية كل لاعب -في حالة الهجوم- وظيفة هجومية. بالنسبة لكازا بازيلي هو “نوع من الهجوم يحتاج إلى هيكل وتشكيلات هندسية مستمرة؛ مثلثات، ماسيات (معين الشكل)، إلخ. ولهذا هي مركزية، لأننا بحاجة إلى مزيج مختلف من اللاعبين في مواقع تكتيكية محددة كي نصل لغاياتنا.”

Position not Possession –مركزية وليس استحواذ!

“بالنسبة لبيب ولمدرسة برشلونة فقد أصبحت عادة، ولكن في البداية ظن الألمان أنه تمرينٌ من أجل الاستحواذ على الكرة، هراء! إنه الأسلوب التمركزي، أن تعرف كيف تتمركز عند الاستحواذ، أن تعرف أين هي المساحات، وأن تعرف من أين تضغط عندما لا تمتلك الكرة.” دومينيك تورنت

ليس ثمة خلط لدينا في لغتنا فالكلمتين ليستا متشابهتين كما في الإنجليزية أو في اللغات اللاتينية. ولكن هناك خلط ولبس مفاهيمي، بمعنى أن البعض يظن أن هذا الأسلوب غايته الاستحواذ، (السيطرة على الكرة)، تصميم هذا الأسلوب في جوهره ليس غرضه الاستحواذ فقط، وإن كان هاماً بالنسبة لبيب كما سنرى. هذا الأسلوب لا يهدف بالضرورة للهيمنة على الكرة والسيطرة عليها بل بتوفير خيارات التمرير عبر شكل كلي وبين الأفراد على أتم صورة، ومن ثَمَّ على مستوى زعزعة استقرار الخصم وإخراجهم من مناطقهم وفتح الثغرات بين خطوطهم. لذا يشمئز غوارديولا من عبارة “تيكي تاكا” المختزلة والتي لا عمق فيها ولا هدف منها إلا التمرير من أجل التمرير، هدف غوارديولا أبعد من ذلك، فالاستحواذ ليس عبثي بالنسبة له. نستشهد هنا بغوارديولا نفسه الذي يقول “ليست تمريرة تلك التي لا تقصي خصماً” وهنا يهدف الفريق لاستفزاز الخصم وجذبه للكرة وبالتالي تبرز المساحات ويجري استغلالها. والحال كذلك بالنسبة لخوانما لـيـّو الذي يشدد “لا تمرّر إن كنت لا تريد إنتاج شيء، مرّر لخرق خطوط الخصم…”.

والاستحواذ من وجهة نظر غوارديولا يفيد في تحقيق الاستقرار من خلال تناقل الكرة، حيث يوضح بيب “إن لم تكن هناك سلسلة من 15 تمريرة في البداية، فمن الاستحالة أن نُجيد في التحول من الهجوم للدفاع، مستحيل!”، لذا فتداول الكرة في بداية بناء الهجمات والبحث عن الخيارات السهلة ضروري، إذ بتناقل الكرة بين اللاعبين لفترة يضمن استقرار وتوازن بحيث يستطيع الفريق إحكام القبضة على وسط الملعب.

وأخيراً الاستحواذ الدفاعي، يستخدم غوارديولا الاستحواذ كوسيلة للدفاع، أي أن يحرم الخصم منها عند التقدم في النتيجة فلا يكون فريقه عرضة للهجوم من الأساس، كما يتم التلاعب بالخصم ذهنياً، في استفزاز الخصم الذي سيكون بأمّس الحاجة للكرة، “هناك كرة واحدة، لذا يجب أن تمتلكها” على رأي يوهان كرويف. إن التمرير من أجل التمرير له عواقب، فقدان فرصة إيصال الكرة للاعب الحر، أو ببساطة عاجلاً أم آجلاً قد يفقد الفريق الكرة وربما في وضعية مزرية بحيث لا يمكن تدارك الموقف، أو كما يشير ماتياس مانـّا يجب إنهاء الهجمات بغض النظر عن خواتيمها، إن كانت هدفاً أو لا، فبذلك نستطيع إعادة الانتظام أو نجد أنفسنا بوضعية سانحة لاستعادة الكرة، أو أن نخسرها في مناطق عالية وبعيداً عن مرمانا.

التفوق (العددي، التمركزي، النوعي):

نصل الآن الى مبدأ أساسي آخر في اللعب التمركزي ألا وهو التفوق أو الغلبة “يتشكل اللعب التمركزي عبر خلق التفوق ابتداءً من خط الدفاع ضد الخصم الضاغط” خوانما لـيـّو يشير إلى النوع الأول من التفوق، وهو التفوق العددي، ففي حالة بناء اللعب يسعى الفريق لخلق زيادة عددية لإخراج الكرة من الخلف. فمثلاً عندما يضغط الخصم بمهاجميْن فعلينا إذاً إضافة لاعب إلى ثنائي قلب الدفاع، سواءً بإقحام قلب ثالث أو حتى تعويض ذلك بسقوط المحور بين قلبي الدفاع من آن لآخر لتكوين تفوق عددي 3 ضد 2 أو حتى بسقوط لاعب وسط بين القلب والظهير. أيضاً التفوق العددي على طرفي الملعب (الظهير زائداً الجناح) ضد ظهير الخصم 2 ضد 1، والتفوق الأهم والمرغوب سيكون في وسط الملعب.

النوع الثاني من التفوق هو التفوق التمركزي، أي أن يكون أحد لاعبي الفريق حراً وبوضعية سانحة للتقدم حال استلامه للكرة دون إعاقة، ولا يصح أن نقول على اللاعب حراً مالَمْ يستطع الدوران أو التقدم عند استلام الكرة وأن يجنيَ مساحةً للأمام، الأمر أيضاً مقرون بحامل الكرة ورؤيته وسرعة بديهته في ملاحظة الرجل الحر بين خطوط الخصم. فغايتنا عند تناقل الكرة هو توليد لاعب حر، بما أن الفريق يتناقل الكرة لاجتذاب الخصم وإخراجهم من مناطقهم. لذا فعند تناقل الكرة نحن نبحث عن تحرير لاعبين بأماكن حيوية لنتمكن من إحراز تقدم نوعي في الهجمة ونصل للثلث الأخير بأفضلية، ونصل للغاية الكبرى: تسجيل هدف.

ثالثاً التفوق النوعي فردياً، أي الجودة، كالثنائيات (1 ضد 1) أو حتى مجموعة أكبر من اللاعبين، فميسي -لا للحصر- بمواجهة أي لاعب يعتبر متفوق نوعياً وقادر على ترجمة هذا التفوق وكسب الثنائيات غالباً، “هناك تفوق عددي ومركزي ونوعي، ليس كل حالة 1 ضد 1 تكافؤ عددي” باكو سيرولّو.

أسلوب جماعي

للفريق الأولوية؛ الأفراد جزء من فريق، والفرد في كرة القدم نسبي، بمعنى أنه حر بنطاق معين، أولاً لأنه لا يتصرف لوحده، بل هو محكوم بمن حوله: منافسين، زملاء، حدود الملعب، والكرة قبل أي شيء. ثانياً، إذا تحرك اللاعب بكل مكان سيحدث خللاً هيكلياً، كما سيتعدى على حرية زملائه، فحرية الفرد تقف عند حرية زميله، لا مجال للارتجال في التمركز إذا ما أردنا تطبيق هذا الأسلوب بحذافيره، لكل لاعب مركز وموقع معين، ذلك من شأنه منح الفريق خيارات متعددة في أماكن مختلفة ما يؤدي إلى الغاية ألا وهي تشكيل هيكل جيد. غير أن التعقيد وطبيعة اللعبة العشوائية تضطرنا أحياناً لتبادل المراكز ولكن بالاحتفاظ بذات المفهوم، أي أن تشغل المساحة التي تُركت من قِبل زميلك. بالنسبة لمانويل كوندي فلا وجود للفرد في كرة القدم، تفاعل العناصر هو ما يشكل النظام، سواءً في الحواري أو في أعتى الملاعب، لكن الهدف المشترك والوصول للتناغم المثالي يتطلب ذكاءً، وكذلك اعتياداً (تدريب). التجليات الفردية العبقرية لن تتم بدون اضطلاع غير مباشر من الزملاء، أو حتى سوء تواصل وتفاهم بين أعضاء الفريق المنافس، فتفاعل الفرد يؤثر حتماً على دينامية اللعب وتبدل أحواله. يخطر في بالنا مراوغة ميسي لعدد من اللاعبين ببراعة، تثبيت زملاء ميسي للمدافعين حوله من شأنه إحداث أزمة قرارات وتَشتُت بالنسبة للمدافعين، أو حتى طلب -المهاجمين- للكرة وحركتهم، بل والإفراط في محاولة إيقافه تفضي إلى خلل في النظام.

“يحدث أن ميسي في المنتخب يبدو لاعباً عادياً، لأن كرة القدم لعبة جماعية، وميسي مصنوع أيضاً من زملائه في الفريق.” –ألڤارو آبوس

الهيكل والانتشار

“عند الاستحواذ، 11 لاعباً يتوجب أن يكونوا في حالة حركة وضبطٍ مستمرٍ للمسافات. المسألة لا تتعلق بكم الجري بل إلى أينَ تجري، خلق المثلثات بلا توقف يعني أن تدوير الكرة لن يتعطل.” -يوهان كرويف.

الانتشار هو تباعد اللاعبين على ارتفاعات مختلفة، عمق وعرض وبذلك نخلق مثلثات ونتموقع بين خطوط الخصم. أما الهيكل فهو شكل الفريق ضمن شكل الخصم وليس مجرد خطة كـ 4-3-3، قد يقف الفريق بشكل 4-3-3 ولكن دون تباعد وانتشار جيد، وبالتالي يفتقد الفريق لمفهوم الهيكل فلا معنى لهذه الأرقام بلا مفاهيم ومبادئ متقنة. إذاً فالانتشار الجيد وضبط التباعد يفضي إلى هيكل قوي ورصين. يعني أيضاً قابلية استعادة الكرة حال خسارتها في التحول الدفاعي، فيقول أوسكار كانو “باستدراج أقصى عدد من لاعبي الخصم حول الكرة، نسترجع الكرة عاجلاً عندما نفقدها في المساحات التي نكون فيها متحدين.”

كمثال نرى هنا أن المثلثات والتكوين الجيومتري ليس محض شكل جمالي، بل ضرورة. في الشكل يساراً نرى اللاعب المحاط بالدائرة يغطي خيار العمق. فثلاثة لاعبين على نفس الخط الطولي لا يأتي بأي منفعة سوى الاكتظاظ وتخريب تطوير اللعب. على اليمين نرى أن اللاعب بتعديل تموقعه أنشأ المثلثات وكثرت خيارات التمرير. نفس الشيء في عرض الملعب فعدد 4 لاعبين على نفس الخط لا يضفي شيئاً للفريق تكتيكياً.
الأدوار الحرة للاعبين تودي إلى التهلكة تمركزياً، من يمتلك لاعبين أحرار يضحي باللعب التمركزي كأسلوب لعب. بعض الفرق -كما في الصورة- كالصحراء المقفرة في عمق الملعب.

كل الفرق يجب أن تتوفر على انتشار ملائم واستحلال مساحات محددة، ولكن هذا ليس اختيارياً في اللعب التمركزي، بل حتمياً لئلا يكون بين الزملاء تداخل في التمركز، أي ألا يشغل لاعبان نفس المركز وأن يفصل بين كل لاعبَيْن لاعب من الخصم. وليس أفضل من تشاڤي ليوضح لنا أهمية ذلك “ليس علينا أن نعلّم اللاعبين كيفية تبادل المراكز بل أن يتعلموا كيف تسير الأمور، عندما أتقدم بالكرة ويقترب مني أحدهم أتساءل مالذي تفعله؟ نحن على وشك التصادم… إن كان إينييستا هناك فلا يمكن أن أكون بنفس المكان ولكن إن كان محاصراً فسأعطيه مخرجاً”. أو عندما يقول المعلم كرويف “إذا أردت معاونتي، ابتعد عني” قاصداً الابتعاد لمساحة أخرى، أو عندما يفسر بيرارناو أسلوب غوارديولا “فكرته أن تصل الكرة للاعب وليس العكس” أن يقترب اللاعب من الكرة؛ أي أن يبقى اللاعبون في أماكنهم ومراكزهم عوضاً عن التداخل. أمّا لـيّـو فيوضح: “يجب أن تذهب الكرة للمركز، لا أن يذهب المركز للكرة.”

“الجبناء فقط يركضون، هذا هو شعار برشلونة. يقول الناس دائماً: عليك أن تركض أكثر من خصمك، يا له من هراء… عليك فقط أن تلعب كرة قدم أفضل من خصمك. ” –كارلِس ريكساتش

وفقاً لڤان خال فالكثير من المدربين يبذلون وقتهم في محاولة جعل لاعبيهم يركضون لأقصى وقت ممكن، بينما يرى بأن “أياكس يدربون لاعبيهم كي يركضوا بأقل قدرٍ ممكن، ولذلك فالمباريات المركزية هي الركيزة”. وهذا ما سينعكس ويتجلى بطبيعة الحال في المباريات، الحركة والجري ينبغي أن يكون طابعها الذكاء والجودة، لا الحركة من أجل الحركة. اللاعبين يستلمون الكرات بأماكنهم كأولوية، الكرة هي التي تتحرك، اللاعب يتمركز كي تأتيه الكرة ويضفي انسيابية في تناقل الكرة. وإذا فقد حامل الكرة كرته فليس وحده مسؤولاً، -كما يقول كيكي سيتيين- بل ينبغي أن نسأل هل وفر له الزملاء خيار تمرير أو اجتذبوا المنافس؟ هذه إحدى أهم نقاط اللعب التمركزي. بلا شك سيضطر اللاعب للتأقلم أحياناً فسيركض ليصحح التمريرة البطيئة أو للحاق بتمريرة أقوى مما ينبغي، الأهم أن كل لاعب يضع جسده بحيث يستلم بقدمه البعيدة، وفي البينيات يتحرك ويستلم في المساحة. وهذا يعتمد أيضاً على اللاعب وخصائصه، فالتمرير لتشاڤي ليس كالتمرير لبيدرو، التمرير في المساحة ستأخذ طاقة من تشاڤي، ناهيك عن افتقاده للسرعة.

في هذا النوع من اللعب، ومن خلال تدرج وتوالِ اللعب يسعى الفريق إلى غاية بعيدة الأمد حيث أن “كل تصرف يشي بالتصرف اللاحق” بوصف أوسكار كانو. وبالتزام اللاعبين بمراكزهم فهم مضطلعين باللعب بشكل غير مباشر وربما يساعدون الفريق في المستقبل القريب، “اللعب التمركزي صعب جداً، لأن اللاعبين بحاجة لجرعةٍ كبيرةٍ من التواضع، فهي تعني بشكل أساسي إدراك الفرد أنه لن يكون في حمى الوطيس لبرهة، ولكنه بذلك يساعد الفريق”، يوضح بيب غوارديولا أن التزام اللاعبين بأماكنهم يأتي بالمنفعة للفريق، بيد أن ذلك يتطلب تضحية من اللاعب لعدم الاقتراب من الكرة “عليك أن تقبل فكرة أنك لست داخلاً في اللعبة، ذلك هو دورك، أن تفتح المساحات لزملائك.”

“بيدرو لم يلمس الكرة، مع ذلك هو أكثر من يساعد الفريق. وليس بالحركة: بل بالبقاء في مكانه! بدون لمس الكرة هو يساعد الفريق أكثر بكثير من العديد من اللاعبين الذين يبدو وكأنهم يفعلون أشياء كثيرة”. خوانما ليـّـو كمعلق في الفيديو السابق.

“بالنسبة لغوارديولا، الفوز هو نتاج اللعب الجيد -على الأرض- ثم احترام خططه، والبقاء دائماً في مركزك، والاستحواذ الدائم على الكرة.” تييري أونري

توسيع الملعب

مبدأ أساسي آخر ألا وهو توسيع الملعب أو الملعب العريض؛ من الخط في جهة إلى الخطة في الجهة المقابلة. فِرق غوارديولا مفتوحة على مصراعيها، أي تستخدم كامل عرض الملعب في الهجوم، “في الهجوم افتح الملعب وإذا دافعت ضيق الملعب”، هذا المبدأ الكرويفي غرضه إجبار المنافس على الدفاع في المساحات الواسعة، وبالتالي يفقد الخصم ترابطه وتتفكك كتلته، وإن أظهر الخصم عكس المراد، فيمكننا جذب الخصم لجهة وتغيير اللعب للجناح البعيد. ليس الغرض استغلال الأفراد في حالة 1ضد1 وحسب، بالطبع هذا أمر مرغوب ولكن اللعب في الطرف ليس هو الهدف الأهم من هذا المبدأ لأننا لن نتمكن من غزو العمق أين يقبع المرمى إذا لم نضع عنصر جذب على الطرف. ولهذا يريد بيب أن يعانق الظهير أو الجناح خط التماس وهو أمر عانى منه مع بعض اللاعبين، نتذكر أونري مثلاً، أو في حادثة في وقتٍ ما وجد بيب فريقه فاقد لديناميته المعهودة عازياً السبب لعدم احترام فريقه اللعب التمركزي؛ بهذه المناسبة صرح ڤيكتور ڤالديز أن الجناحيْن (ميسي وهليب) لم يلتزما بفتح الملعب. “إفراط في الرغبة للدخول في العمق” كرويف يضيف، ” ذلك ما جعل العمق مكتظاً والملعب أضيق”. تشاڤي يقول بذات الشأن أن الأمر كلفهم تناقل الكرة. في سياق آخر يدلي غوارديولا بدلوه قائلاً أن “ملعب كرة القدم كبير، كبير جداً وشاسع. والمساحات موجودة، ولكننا نغلقها بحركتنا السيئة.”

ثم على مستوى الخصائص لاعبي الطرف البعيدان ينبغي أن يكونا سريعين لخلخة دفاع الخصم، بالنسبة لبيب عدم التزامك بالابتعاد إلى الخط قد يكلفك مركزك، نرى تفضيل بيب لستيرلينغ وهو أقل من محرز بسنوات ضوئية -برأيي- إلا أن سببه عائدٌ للخصائص والالتزام. غوارديولا يريد لاعبين انفجاريين، يريد جناحاً مقداماً بأقل عدد من اللمسات يتخطى خصمه، روبن، دوغلاس، كومان، وغيرهم.

“فرض كرويف فلسفة جديدة داخل برشلونة، مفهومٌ جديد، في طريقه إلى الانقراض بعد وفاة جارينتشا. أراد يوهان منا أن نلعب بهذه الطريقة، بطرفي ملعب متطرفين، طبق [كرويف] تلك النظرية تحت كل الظروف”. –غوارديولا

هيكل مانتشستر سيتي

صورة1: هيكل السيتي في وسط الملعب.

في الآونة الأخيرة لعب سيتي بـ4-2-3-1، بالعديد من المتغيرات وتبادل المراكز خصوصاً ما بين دي بروين وستيرلينغ أو جيسوس، إضافةً للمهام الموكلة للاعبين باختلاف خصائصهم وباختلاف مكان الكرة. نرى في (الصورة 1) توسيع ميندي للجانب القوي؛ أي جانب الكرة، فودِن للداخل، ناثان آكه حاملاً للكرة وغوندوغان مكملاً أضلاع الماسة، الأمر سيان للمحور الآخر رودري. في الجهة المقابلة نرى كانسيلو بداخل الملعب وسيترلينغ (ليس ظاهراً) هو من يفتح الطرف الآخر. جيسوس أعمق نقطة، حامل الكرة ينبغي أن يرى أبعد نقطة سواءً في العمق أو الطرف؛ “كرويف كان يقول أنه عندما تمتلك الكرة، يجب أن تنظر إلى العمق… إن لم تتمكن من ذلك لا بأس ولكن دائماً إلعب للعمق إن سنحت الفرصة”، الفريق متخم بالحلول ومترابط وهذا عائدٌ للتباعد الجيد.

صورة 2

غالباً فودن مسؤول عن المنطقة ما بين العمق والطرف؛ تسمى half-space بما أن بيب يقسم الملعب أفقياً لخمسة مناطق، اللاعبين لا يشغلون هذه المناطق بجمود لأن التقسيم أغراضه تدريبية ليس أكثر، اللعبة ديناميكية متحركة متغيرة. دي بروين دوره في 4-3-3 مشابه لدوره هنا، ولكنه متنقل بين الجهتين كحل بين الخطوط كونه يلعب خلف المهاجم. في صورة 2 ميندي في الداخل وفودن هذه المرة يبتعد للخط باقتراب دي بروين وبدخول ميندي. يفيد دخول الظهيرين (أو أحدهما) للعمق أولاً في الزيادة العددية في الوسط، بالإضافة لسحب جناح الخصم أو حتى إن لم يلحق الجناح بالظهير فهو لاعب حر كما يشير غوارديولا. وأيضاً “إذا استطعت لعب تمريرة مباشرة للجناح فقد تخطيت خط وسط الخصم كاملاً، وإذا خسرت الكرة فالظهير في الداخل ويستطيع إغلاق المساحة على الفور.” غوارديولا يشير إلى فائدة أخرى لدفع الظهير للعمق وهي خلق توازن وتحكم في المساحة حول الكرة في حالة خسارتها، فتمركزه نافع في هذه المنطقة الحيوية. بيد أن الأهم عند غوارديولا ألاّ يكون الظهير والجناح على نفس الخط، أحدهما في الداخل والآخر يفتح على الطرف، “إزدواجية التمركز تسلب خيار خلق التفوق، إنه لمن المهم ألاّ يشغل الظهير والجناح نفس المسار، وإذا كان الجناح بعيداً، فيجب أن يكون الظهير في الداخل، أي في المسار التالي، والعكس صحيح‘‘ .. ’’يجب أن يكون الظهيرين في الداخل، وعندما يدخل الجناح للعمق يجب أن يتحولا للطرف على خط التماس… ولكن عندما يلعب كليهما على نفس المسار سيكون الظهير خلف الجناح وسنعود لحالة 1 ضد 1 ولن نتمكن من خلق تفوق عددي في الوسط.” بعض الفرق تستخدم هذا المفهوم اليوم إلا أنها تفتقر لكل شيء آخر.

صورة 3
صورة 4: ردوري يسقط بين القلبين بمجرد ابتعادهما عن بعضهما. تعرف بإخراج لافولبي، salida la volpiana تيمناً بالمدرب الأرجنتيني ريكاردو لا فولبي.

يظهر أن رودري هو المنظم وهو امتداد للامتماثلات ( لا سمترية) في فرق غوارديولا، ظهير أكثر للداخل وآخر أكثر للخارج، جناح يزيد للداخل وجناح يبقى على الخط وهكذا. رودري يحتفظ بتموقعه في وسط الملعب، بينما يميل غوندوغان كما رأينا للإنسحاب جانبياً فبمعية الظهير البعيد (كانسيلو) يشكلان نقطة إتصال مع الجناحيْن أو اللاعبان البعيدان. بذلك ينتشئ شكل حلقي من الجناح (ستيرلينغ) للظهير في الداخل إلى قلبي الدفاع ثم لغوندوغان وصولاً لنقطة النهاية ألا وهي الظهير في الجهة المقابلة. قد يتغير الأشخاص ولكن الفكرة باقية، لأسباب دفاعية أيضاً وليس فقط هجومياً. الشكل الحلقي أو السلسلة -catene عند الطليان- هي المثلث بين الظهير ولاعب الوسط الداخلي والجناح، كي لا يحصل الخلط.

لقطة1: لو سيمنا تشكل السيتي في مراحل اللعب اللأخيرة فهو أقرب لـ2-3-5. دائماً 5 في الخط الأمامي. نرى كذلك زيادة غوندوغان العددية كخيار عكسي خلفي مع دفع المهجامين للمدافعين نحو مرماهم.

عدة مفاهيم ظهرت في اللقطة 1 ننتهز الفرصة لنذكرها وهي هامة في تطوير وبناء اللعب، أولاً مفهوم الإرتحال، يعني ذلك تقدم الفريق سوياً للأمام خلال بناء الهجمة، قد يعود ذلك بالنفع للفريق حال فقدان الكرة، فيريد بيب من لاعبيه “التقدم سوياً لعدة أمتار للأمام، لذا، عند خسارة الكرة لا يمكن للخصم استغلال انعدام وحدتنا.”هنالك أيضاً مفهوم التقدم بالكرة أو اقتياد الكرة، نرى رودري هنا يتقدم في المساحة حتى يصل للخصم ويعود، نفس الأمر قام به كانسيلو، والغاية؟ استدراج الخصم، فإذا تقدم اللاعب بالكرة قد يرغم منافسه على الخروج والضغط وبالتالي تظهر المساحة خلفه. أحياناً الوقوف على الكرة يفي بهذا الغرض، خصوصاً إن لم تكن هناك مساحة، بهذا الصدد يقول جيرارد بيكيه “حين استلم الكرة، أحاول استدراج الخصم لتقديم تمريرة مفيدة، أبحث عن 2 ضد 1، مثلاً، عندما أرى تشافي مراقَباً، أحدق في اللاعب الذي يراقبه وبهذا سيحاول الخصم تحديد إما القدوم إليَّ أو البقاء مع تشاڤي. عادةً يتقدم نحوي فأمررها لتشاڤي، عندها يستطيع تشاڤي الدوران والتقدم للخط التالي.” نرى كذلك تعديل دي بروين وغوندوغان لتمركزهما، فلا يقتربان من حامل الكرة بل على العكس يبتعدان للإستلام بين الخطوط، ذلك من شأنه أيضاً أن يرغم لاعبي وسط الخصم على التراجع وتغطية مسارات التمرير نحوهما، حامل الكرة بالتالي حر، وقد يترتب على ذلك حالة 1 ضد 1 على طرف الملعب. أخيراً وفرة الخيارات في الثلث الأخير وهذا تسلسل طبيعي لتوازع اللاعبين على عرض وطول الملعب، على دفع الخصم نحو منطقة جزائهم؛ “إنه يضع كل شيء سعياً للوصول بنا للثلث الأخير، ومن ثم يضع ثقته في فريقه لاستكمال المهمة، في المكان الوحيد الذي يصعب التخطيط فيه.” تييري أونري عن غوارديولا.

صورة5: حتى الحارس يتقدم ليجذب، أو يتقدم بالكرة يا يجبر المهاجمين على التضييق ومنع الكرات للعمق، وكذلك يسحبهم للضغط عليه كي تظهر المساحات في مكان آخر، هنا القلبان يجدان المساحة لاستلام الكرات والتقدم بها كذلك.
صورة6
صورة7
صورة8

لا يستخدم غوارديولا أنماط لعب، وإنما أنماط حركة وحسب، هناك حركة ومهاجمة للمساحة وشغل مساحات لا أنماطاً جاهزة، هناك تكيف وحالة ضبط مستمرة، وهنا يكون اللاعبون أبطال الرواية وليس محض أراجوزات يحركها المدرب كيفما يرغب. في صور 6,7,8 يحدث هذا النمط باستمرار لدى السيتي، الكرة تدخل العمق وبمجرد إلتفاف حامل الكرة يقوم الجناح أو الظهير البعيدان إضافة لدي بروين أحياناً بالتوغل بالتزامن مع الالتفاف.

لقطة2
صورة9

في اللقطة الأخيرة نلاحظ تغيير لعب ثم حركة قُطرية من فيرّان فاتحاً مساحة لدي بروين، غوندوغان وتوغلاته المتأخرة المعتادة، اللاعبون الذين يقومون بحركة نحو المرمى أو نحو المساحة خلف خط ظهر المنافس هم يفتحون مساحات ويجذبون الخصوم معهم لا شعورياً، لذا هاجم المساحة حتى ولو لم تكن حلاً حقيقياً، سنتحدث عن ذلك في المقال القادم أكثر. الأمر ذاته كما نرى في صورة 9: تغيير لعب ثم حركة من اللاعبين في الداخل، أي الجناح والمهاجم، حركة قطرية من الجناح فاتحاً مساراً للمهاجم، وبالتزامن يقوم المهاجم بحركة عمودية. هذه إحدى منافع فتح الملعب، فعند تغيير اللعب ينتقل الخصم مع الكرة ومع تسارع وتيرة اللعب تبرز الثغرات عرضياً مع تباعد خطوطهم.

لقطة3
صورة10

من أكثر الحركات تكراراً في السيتي، كرة قطرية نحو الطرف وبالتزامن يركض دي بروين طولياً محاولاً استغلال القنوات بين الظهير والقلب، لعل الظهير قرأ اللعب جيداً ولكنه أتاح لكانسيلو التقدم شبه حر. كذلك نمط تغيير اللعب والتوغل العمودي أو القُطري يظهر في الصورة 10.

صورة11: ينفلق القلبين على طرفي منطقة الجزاء، المحور إلى القوس، الظهيرين نحو الخط.

أمام السيتي إذا انتظرت في الخلف كويست بروميتش ستعاني وإن ضغطت عالياً أيضاً ستعاني، بلا شك للجودة أحكام، ولكن لجودة الأفكار قيمة مُضافة. كما نرى في الصورة 11 إخراج الكرة من الخلف للسيتي أمام ساوثمبتون، واجه السيتي صعوبة في الحقيقة خارج دياره، ولكن هنا نرى عدم تنازل بيب عن أهم مبادئ اللعب بالنسبة له، ألا وهو بناء اللعب من الحارس، تلك هي الخطوة الأولى لبناء هجوم منظم. يستشهد بيب دائماً بمقولة لمساعده الحالي خوانما لـيـّو أنه “بقدر السرعة التي تذهب بها الكرة، بقدر ما تعود بنفس السرعة” مشيراً للبناء بالكرات الطويلة. يشدد لـيـّو أيضاً إلى أنه “إن لم تستطع البناء من الخلف فمن الصعوبة أن تلعب كرة قدم جيدة.” الكثير من الفرق اليوم تبني اللعب من الخلف، بات أمراً مألوفاً. ولكن تعامل السيتي معها خاص، ليس فقط من حيث جودة بناة اللعب، بل بتصرفات اللاعبين عند البناء، اقتياد الكرة أو الوقوف على الكرة، فالتوجيه الجسدي بالكرة أو بدونها، تعديل التموقع لعدة سنتيمترات، كلها تتم بعناية، فالاستلام الصحيح والتسليم الصحيح والتموقع الصحيح هو ما يجعل اللعب انسيابي وسلس وليس تناقل الكرة أو التمركز الساكن وحسب.

صورة12

استكمالاً للهجمة في صورة 11 والتي بدأت من الحارس لقلب الدفاع للمحور للظهير لدي بروين بدوره المتنقل حيث يقترب من موقعه كخلف مهاجم للزيادة العددية وخلق شكل ماسي اعتيادي على الطرف. مع تطور الهجمة ومع اندفاع الخصم نلحظ هنا جرّ الخصم لجهة الكرة، الأمر الذي خلّف زيادة عددية في الجهة الأخرى، “نبدأ هجمة بجهة وننهيها بالجهة الأخرى”.

في الختام خلف السيتي وكرته الرشيقة السيّالة الكثير من العمل، كما يلحّ بيب “‘بدون الكثير من العمل التكتيكي’، الكرة هي التي تأمرنا وتقودنا”، يضيف ماتياس مانـّا. هناك الكثير من الهيكلة برأي برندان روجرز، والكثير من المفاهيم التي لا مجال للتنازل عنها، الهيكل والإنتشار، فتح الملعب، التقدم سوياً وتقليص المسافات، تمريرات سهلة في بداية الهجمة للترتب والتنظم، الاستحواذ المغرض، كسر الخطوط متى ما تأتى ذلك، الحركة ذات الغاية والتي قد لا تفيد المتحرك ذاته، تكوين المثلثات، استدراج المنافس، البحث عن التفوق بأنواعه. ثم هناك الفرد كما سنرى في المقال القادم، وهناك دينامية اللعب وتعقيده ووحدته ووحدة مراحله، دفاع وهجوم وتحولات في المقال الذي يليه…

المدرب الكتلوني المتشبع بهذا الأسلوب منذ صباه هو الرائد لهذا الأسلوب سيما مع فوزه بالألقاب وللأسف فالأسلوب ينتشر بالفوز، وينتشر أي شيء للشخص لا للشيء في حد ذاته. وبطبيعة الحال هناك فرق تقوم بهذا الأسلوب بشكل جيد لعل أبرزها رد بُلّ وساسوولو وليفركوزن، هناك فرق تطبق مبادئ عديدة بشكل جيد وهناك فرق تنظر لهذا الأسلوب من منظور مختلف، لعلنا نتصدى لها لاحقاً.

الإحصائيات في كرة القدم

“يوجد ثلاث انواع من الأكاذيب .. أكاذيب، وأكاذيب لعينة، والإحصائيات.” -بنيامين دزرائيلي

هناك طريقتان للاستدلال في المنطق الصوري أو الأرسطي أو أياً كان المسمى، الأولى هي الاستنباط والثانية هي الاستقراء؛ أما الأولى فهي استنتاج قاعدة جزئية من قاعدة كلية، في حين أن الثانية -وهي الاستقراء- فنستنتج قاعدة كلية من قاعدة جزئية. كي نورد مثالاً للاستنباط سنتبع خطوات القياس المنطقي أو القضية المنطقية:

مقدمة كبرى: كل الأرجنتينيين جنوب أمريكيون؛ مقدمة صغرى: وميسي أرجنتيني؛ النتيجة: إذاً ميسي جنوب أمريكي.

أما الاستقراء فينقسم لقسمين: أ) استقراء تام، ب) استقراء ناقص. الأول يقيني حيث نعمم الحكم بأقصى درجات اليقين، لأننا نستطيع إحصاء “كل” أجزاء النظام، كأن نقول: كل لاعبي منتخب الأرجنتين أرجنتينيون، هذه العبارة صحيحة لأننا نستطيع التثبت من ذلك، فعدد اللاعبين محدود ونستطيع المرور عليهم واحداً تلو الآخر، كما أن أوراق اللاعبين الثبوتية يجب تكون مستوفاة لدى الاتحادات، بالبداهة a priori، أي معرفة مستقلة عن التجربة، بمعنى أننا لسنا مضطرين للذهاب بأنفسنا والتحقق من وجود جوازات سفر أرجنتينية لدى كل لاعب، بصرف النظر عن احتمالات التلاعب والتزوير. أما النوع الثاني من الاستقراء فهو ظني، أي أننا لن نقطع بفكرة أن كل اللاعبين الأرجنتينيين موهوبين لأن ميسي وأغويرو موهوبان، فلن نعمم الحكم بناءً على حالات جزئية أو خاصة. مقدمة كبرى: ميسي موهبة؛ مقدمة صغرى: وميسي أرجنتيني؛ نتيجة: إذاً اللاعبون الأرجنتينيون موهوبون! نرى هنا أننا بدأنا بحالة جزئية، “ميسي”، فيما بدأنا في الاستنباط بحالة كلية، “الأرجنتينيون” ثم نهبط للجزء. وهنا على النقيض من البداهة نحتاج للتحقق من هذه الفرضية لا الإطلاق جزافاً. لا يتميز المنهج الاستنباطي كثيراً عن الاستقرائي رغم أن المقدمات الصحيحة ستفضي بنا ضرورةً إلى نتائج صحيحة، غير أن الاستنباط طريقة تحليلية ميكانيكية مغلقة ولا تأتي بجديد واستخدامها يصح بنطاق ضيق كفيزياء نيوتن الكلاسيكية، هذا النهج لاقى نقداً عبر لاهوتيين كالغزالي أو عبر فلاسفة كبيكون ولاحقاً عبر برتراند رَسِل.

عودٌ على بدء، ملحوظٌ أن الغالبية تنزع إلى الاستقراء الناقص -لا شعورياً- عند إطلاق الأحكام، خوان مدرب إسباني إذاً سيلعب تيكي تاكا، ماركو إيطالي إذاً سيكون دفاعي، وقس على ذلك. وتبعاً لذلك تسود الصورة النمطية وما درج عليه الناس دون تفحص ونقد. انتقد بعض فلاسفة العلم ككارل بوبر الاستقراء باعتباره نهجاً غير وافٍ لدى دراستنا أي موضوع، حيث أننا سنحكم بناءً على ما رأينا وشاهدنا ولاحظنا وليس ما خفي عنّا، تحسُس الفيل في الظلام يبدو تشبيهاً مثالياً كوني -كذات مدركة- لن أستطيع الإحاطة بكافة جوانب المستدرك أو الموضوع أي -الفيل- فلن أصف إلا ما ميزته وما لمسته. مثّل بوبر مثال البجعة السوداء الشهير، حيث جرى افتراض أن كل البجع لونه أبيض، بيد أنه اُكتشف في القرن السابع عشر وجود بجع أسود في أستراليا فعلاً، الأمر الذي وضع مزيداً من علامات الاستفهام حول الاستقراء، فالمعرفة ناقصة ونسبية وموقوفة ومتجددة بتجدد المعطيات والمعلومات.

هكذا تسير غالبية الإحصائيات، أي أننا ندرس عينة فقط، لأننا لن نستطيع إخضاع جميع أجزاء الموضوع للاختبار والفحص، وعليه يكون استقراءً ناقصاً أو الاستقراء المشهور بوصف ابن سينا. فتلك الدراسة تزعم بأن اللاعب الأمهر هو من يلعب بالقدم اليسرى، أو أخرى تقفز إلى أن اللاعب الأفريقي أكثر تحملاً… العينة المدروسة قد تجيء بهذه النتائج ولكن قد تكون العينة منتقاة بعناية وبالتالي تكون مضللة وهذا ما يعرف بالالتقاطية في الانحيازيات الإدراكية، أو تعتمد على كم المسافات المقطوعة وليس على النوع، كالشدة أو عكس الاتجاه أو الالتحام، أو من الناحية التكتيكية كالهجوم على المساحات الصحيحة أو التغطية الصحيحة، أو التواصل الجيد مع الزملاء وقراءة حركات الخصم، الإحصائيات الكمية مليئة بالفجوات، فلن تميز فائدة التمريرة أو فاعلية الحركة عبر أي خوارزمية، نحن بوعينا نميزها ونفهم كرة القدم، الآلة لا تفهم ولا تفكر، هي لا تملك وعياً ولا عقلاً.

ولنفترض جدلاً أننا درسنا عينة من اللاعبين البرازيليين بمقابل عينة من اللاعبين الألمان لنرى أيهم أقدر على المراوغة والخداع، معيارنا الرئيسي كان معدل المراوغات، وجدنا في استنتاجاتنا أن اللاعبين البرازيليين أمهر وأكثر مراوغة، هل هذه الدراسة ستجعلنا نستغني عن فكرة جلب لاعب ألماني بحجة أنه ليس مهارياً ولن يمنحنا أفضلية في الثنائيات أو في الثلث الأخير؟ بالطبع لا، لأن سانيه أو أوزيل مثلاً مواهب لا تضاهى. إن دراسة عينة أو شريحة “كبيرة” ستعطينا تصورات ومقاربات أفضل، لن نستغني عن ذلك، لكن ما الجدوى من دراسة من أمهر مِن مَن؟ خصوصاً إذا اعتبرنا أن الموهبة لا تنتمي لعرق ولا لجنس أو لون، بالتالي فستجلب اللاعب الأفضل بصرف النظر عن عرقه وبلده ولونه… الخ. من الممكن أن تفيدنا دراسات من قبيل: لِمَ يَكثُر المراوغون والمهاريون في البرازيل؟ إذ نستطيع بذلك أن نطور أساليب مشابهة للأساليب التي أفرزت هذا العدد من المواهب، سنجد كرة الشوارع، أو كرة الصالات، حيث الحرية والتعلم الفطري، أين يراوغ اللاعب كيفما يشاء وتحت ظروف صعبة كالمساحة الضيقة وأرضية اللعب وتنوع الكرات حجماً وخامةً. ولكن مجدداً لا يجب أن نقع في مغالطة التركيب، فليس “كل” برازيلي لعب في الشوارع أو تعلم فيها، ألا يصح أن طفلاً بدأ في أكاديمية ما فوراً أو لم يكن الشارع العامل الرئيس في نموه وتحسنه؟

حدود وعجز المصفوفة والخوارزميات

تحرز التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تقدماً مذهلاً من جراء استخدام النماذج أو الصيغ الخوارزمية/اللوغاريتمية، كالروبوتات، وسائل النقل ذاتية القيادة، أجهزة الخدمة الذاتية، دقة أجهزة الاستشعار لكافة المجالات، في التنبؤ بالأمراض، أو التنبؤ بالحوادث المرورية، وإلى غير ذلك. إن دراسة دماغ الإنسان وآليات التفكير، وتمييز الأنماط، أنتجت الروبوت، وبنفس الآليات تعمل أجهزة التعرف على الوجوه، مثلاً. دُرست آلية الحركة لدى الطيور الكبيرة وتمت محاكاتها في الطائرات، إذ بذلك تُدرس الكائنات الحية لمحاكات سلوكياتها على الآلات وليس العكس. وبالرغم من أن أي شكلٍ من أشكال الكمال ليس إلا وهم، إلا أن البعض يفترضها بالآلة كونها موضوعية ولا تحركها المشاعر.

فيديو (يصعب برمجة الحدس في الكمبيوتر؛ حديث البروفيسور في MIT سيرتاج كارامان)

تكمن الإشكالية الكبرى في تطبيق هذه النماذج الحسابية على أي مجال، حتى المجالات التي لا يمكن أبداً أن نستغني بها عن حدس الإنسان وتأملاته وتأويلاته، كونه كائناً بيولوجياً واعياً وعقلاً. يصعب على “غوغل” ترجمة نصٍ ما بدقة، فسينتقي مرادفاً للفظةٍ أو كلمة أو مصطلح دون اعتبار للسياق، ذلك من شأنه قلب المعنى رأساً على عقب، سيعرف ذلك من يجيد لغتين أو أكثر. لا شك أن البعض قد لا يجيد تحليل الخطاب فيقع بذات الخطأ، ويظل الاحتمال أن تتطور هذه البرامج للدرجة التي قد تغنينا عن الوسيط البشري… من يعلم.

من بين المزالق العديدة هو عدم قدرة أي نموذج أو مصفوفة على الإحاطة بجميع المتغيرات أو التقلبات أو الحوادث الاستثنائية أو الغير متوقعة في النظم المعقدة، في علم النفس ثمة ما يسمى “مشكلة الساق المكسورة” والتي افترضها عالم النفس الاكلينيكي بول ميهل، وبحسب أتول غواندي “قد تكون الصيغة الإحصائية ناجحة للغاية في التنبؤ بما إذا كان شخصٌ ما سيذهب إلى السينما في الأسبوع المقبل أم لا. لكن الشخص الذي يعرف أن هذا الشخص مصاب بكسر في الساق سوف يتغلب على الصيغة. لا توجد صيغة يمكن أن تأخذ في الاعتبار النطاق اللامتناهي لمثل هذه الأحداث الاستثنائية”. وكيف لأي مصفوفة ناقصة -بالضرورة- أن تزعم الكمال؟ بالنسبة لغارغانتا وزملائه فاستخدام طرق خورازمية algorithmic عوضاً عن الطريقة التجريبية/الاستكشافية heuristic سيكون له مضار إذا ما رُمنا استيعاباً أكبر لكرة القدم. (غارغانتا وزملائه ص303د).

تنطوي الإجراءات الخوارزمية على التعرف على جميع الحالات البدئية التي قد تعتبر حاسمة وعلى ضوئها تتوقع ما سينتهي عليه الأمر، ولكن هذا غير ممكن في نظام مفتوح ككرة القدم. يشير غارغانتا إلى أنه “كي تكون الخوارزمية فعالة، يجب أن تأخذ في الحسبان جميع البدائل الممكنة المتعلقة بكرة القدم، وهذا يتعارض مع العشوائية وعدم القدرة على التنبؤ في المواقف العديدة والمتنوعة التي تحدث أثناء اللعب”. أما الطريقة التجريبية فهي تعتمد على الحدس وعلى اتخاذ القرار بأسرع وقت ممكن، الأمر الذي يتطلب خبرة وفراسة، يطلق إدغار موران على الطريقة التجريبية “فن الاكتشاف”، أو بتعبير أبراهام مول: علم إيجاد الحلول. يرى الباحث في التدريب الرياضي جان فرنسيس غروهاينيه أن الإجراءات التجريبية -التي لا تزعم الدقة- أكثر اتساقاً مع طبيعة اللعبة التي لا يمكن التنبؤ بها تماماً؛ بالطبع للتجريبية أيضاً اعتواراتها ومثالبها، وبالمقارنة بالخوارزميات فالإنسان لا يستطيع التعامل مع البيانات الكبيرة أو يحسبها بسرعة ودقة، وعليه فالمزج بين الأرقام ورأي العين ضروري. بين الكمي؛ أي الأرقام الفضفاضة أو بساطة المنهج التحليلي والتركيز على المحصلة؛ عدد الأهداف، عدد التمريرات الصحيحة، عدد الأهداف المتوقعة، المراوغات الناجحة…الخ. وكذلك بالنسبة لغارغانتا وزملائه تنطوي على اللاعب الفرد معزولاً عن السياق وعن التفاعل مع بقية اللاعبين. ومن ثَمَّ هناك التحليل النوعي، تأويل البيانات وتفسيرها، تسلسل اللعب الذي يفرز الأنماط (المتكررة) أو حتى العشوائية بغض النظر عن المنتج النهائي، أي أن يجيد فريقٌ ما اختراق الخصم من العمق باستخدام تمريرات ارتدادية، قلب > مهاجم > لاعب وسط داخلي، باختصار أن نركز على العملية لا على المحصلة.

يرى مورينيو أن قراراته ينبغي أن تكون بعينه المجردة بالدرجة الأولى: “لا تستهويني الإحصائيات المجردة، […] مثلاً لو جريت أنت كلاعب وسط 5,2كم، وهو جرى 4,8كم، قد يكون الأخير هو الذي قام بما أرغب والأول لم يقم بذلك ولذا فلن أهتم بالمساحة المقطوعة. بعض اللاعبين لديهم معدل هائل في التمرير الدقيق، ولكن أين كانت التمريرات؟ لذا فالإحصائيات المجردة أو التي أسميها الإحصئيات العارية لا تعني شيء، ولكن الإحصائيات التي تقوم بتحليلها وتستخلص منها الاستنتاجات هي المهمة”. كلوب لا يرى أنه بحاجة للأرقام كي يرصد مشاكل الفريق، فهو “هاوٍ للإحصائيات التي تنظر في المباراة السابقة أو حتى التي تقيم الموسم ككل. أنا نصير لفكرة أن ترى بنفسك، في الغالب سأكون على بينة ما إذا كان بناء اللعب عندنا بطيء قبل أن يمرر لي أحدهم أية بيانات، أنا أدرب لأكتشف هذه الأشياء بنفسي”.

“أحب كرة لقدم لأنها تتعارض مع العلم: لأنها متقلبة، لأنها غريزية، لأنها وجدانية. قد نعرف في يومنا الحاضر أن لاعباً قد جرى 12.345كم خلال مباراة ما، ولكن هل جرى اللاعب للمساعدة؟ لتوفير نفسه؟ وهل كان يفكر عندما كان يجري؟ إننا بحاجة للسياق، عدا ذلك فلندع الأرقام لأمر آخر.” -خورخي فالدانو

“الإحصائيات كلبس البحر، تظهر كل شيء ما عدا الجوهر.” -فيتور فرادي

“ليس كل ما يمكن احتسابه يعول عليه، ولا يمكن حساب كل ما يجب أن يعول عليه.” -ألبرت آينشتاين

Fernando Redondo in Milan: A time of frustration, grace and standing  ovations – The Gentleman Ultra

من جانب آخر، قد لا يبرز بعض اللاعبين في إحصائيات ما بعد المباراة ولكن مايـّو يرى أن “هذه النوعية من اللاعبين ترفع من تناغم الفريق، حيث يعملون على تحسين شبكات الاتصال والتنظيم من خلال إنتاج سلوكيات لافتة تساعد على نشوء تآزر ترابطي بين الزملاء. هذا مهم للغاية ويجب أن يكون مصدر قلق كبير لمحللي الأداء، إذ أن العديد من البيانات المسجلة أثناء المباراة تعكس فقط معايير وصفية لا تساعد في الحصول على فهم جيد لديناميات اللعبة والأداء الحقيقي للفرد والفريق”. بالنسبة لبعض المحللين وأيضاً -كما يشير أوسكار كانو- بالنسبة لبعض المدربين، فبغض النظر عن قدر البيانات التي جُمعت فإنها تمنحنا إحساساً زائفاً بالسيطرة، من شأنها تخدير قدرتنا على التأمل. تعطي الأرقام إجابات ولهذا فهي مريحة لكارهي الإرتياب. سيرولّو له في هذا مقالة، إذ يقول بأن البعض يعتقد أن المعلمات/البيانات علمية لأننا نستخدم علماً وتحليلاً.

“لا جدوى من ذلك، لأننا نستخدم منهجية خطية في الرصد في منهجيات وظواهر غير خطية وهذا ليس جيداً بما يكفي بالنسبة لنا. […] علينا أن نرصد ونلاحظ -اللاعبين- من منظور مختلف. اهتمامنا هو ما يحدث لكل رياضي بعد خلق ظروف بيئية مناسبة. المهم هو ما يحدث داخل اللاعب وليس التغيرات الخارجية التي يمكننا ملاحظتها.” -باكو سيرولّو

لا شك أن تأثير الأمريكان بادٍ وواضح في التحليل الكمي وفي الإحصائيات، تحدث كرويف عن هوس الأمريكان في الإحصائيات، إذ كان يرى أن كرة القدم مختلفة عن الرياضات الشعبية في الولايات المتحدة، فبالحديث عن الإحصائيات:

“ثمة أمر لا يؤخذ في الاعتبار: تُلعب جميع الرياضات الأمريكية الشعبية باليد. لذا فإن الإحصائيات دائماً ما تكون موجبة. وإذا كانت الإحصائيات سلبية في ألعاب تُلعب باليد، فيجدر بنا إغلاق التلفاز. بالمقابل، تُلعب كرة القدم بالقدمين. عليك أيضاً أن تضع في اعتبارك أن الكرة تتنطط في ملعب قد يكون أملساً أو قد لا يكون كذلك، قد يكون فيه كل شيء، أنقوعة، مسامير، حجارة، كل ما تريد. لذلك فإن كرة القدم رياضة تنطوي على الكثير من الإخفاقات والكثير من الذكاء ويجب اتخاذ القرارات فيها باستمرار. وبالتالي، فهي رياضة أقل ميكانيكية ولا يمكن التنبؤ بها أكثر من غيرها: إذا قارنتها بألعاب الأمريكان، مثلاً، يمكنك إيقاف اللعب وإعداد أنماط اللعب وقتما تحب. في لعبة هوكي الجليد، يدخل اللاعبون ويخرجون، يقوم المدرب بالعديد من التغييرات وتختلف الظروف باستمرار. في كرة السلة، يمكنهم أيضاً النقاش، وبعد أن يطلبوا وقتاً مستقطعاً سيحضّرون تكتيكاً أو يغيرون تَشكَّلهم، وفي الدقائق الأخيرة، يغيرون كل شيء مرة أخرى عبر وقت مستقطع آخر ثم يعدّون لعبة استراتيجية. نفس الأمر يحدث في البيسبول، يقضون وقتهم في التحدث والشرح … كرة القدم، من ناحية أخرى، انسيابية ومستمرة. يجب أن يكون اللاعب والمدرب أسرع ذهنياً. بالمناسبة، أنا لا أنوي التقليل من سمعة الرياضات الأخرى، ولكن فقط كي أوضح فكرتي في أن كرة القدم مختلفة. وإذا كانت مختلفة، فيجب التعامل معها بطريقة مختلفة، لا الهوس خلف محاولة تطبيق تلك المفاهيم وطرق التحليل من الرياضات التي تُلعب باليد. ما أرمي إليه هو أنه لا يمكنك تطبيق نهج كرة السلة أو كرة القدم الأمريكية على كرة القدم. لا يمكنك تطبيق إحصائية كرة السلة على كرة القدم، مثلاً، حاول تطبيق الإحصاء على روماريو، ففي كرة السلة، اللاعب الذي يستقبل تسع كرات ويضع واحدة فقط بالداخل ليس إلا كارثة، كارثة مطلقة. بينما قد يلمس روماريو تسع كرات لكنه استطاع وضع اثنتين في الداخل، فزنا بالمباراة وحصلنا على النقاط الحاسمة أو مررنا للدور القادم. إحصائياً، كان روماريو كارثياً، حيث أضاع سبع كرات من أصل تسعة. كروياً، عبقري وأداءه كان رائعاً.”

في الحسم ثمة خلط بين الفعالية والحظ -أو شيئاً منه على الأقل- مثال روماريو قد يفي بالغرض؛ أما الفعالية أو المسمّاة “كفاءة” في الاقتصاد فتعني الانتاج الأكثر بأقل التكاليف، بالنسبة للاعب كرة القدم فهي الاقتصاد في تصرفاته، فإن كان بحاجة للمسة واحدة وليكن، وإن كان التسديد القرار الأفضل على أطراف منطقة الجزاء وليكن، وهكذا. أي أن الفعالية لا علاقة لها بتسجيل المهاجم للفرصة الوحيدة التي حصل عليها، أو -بالنسبة للفريق- حينما يسجلون هدفين من فرصتين. وأيضاً لا يحتاج الفريق لعدد كبير من التمريرات للوصول لمرمى الخصم بوضعية مواتية، لكننا لا نختار وإنما تقلبات اللعب والعراقيل تفرض هذا الشيء، لذلك قد نلجأ لتدوير الكرة وتداولها. بالنسبة لي أود أن يصنع فريقي العديد من الفرص “كماً” ومن خلال الكم قد نحصل على نوع، أن نصل للثلث الأخير وبعدد جيد من اللاعبين وباستغلال مساحات معينة أو حالات 1ضد1، وفي اللمسات الأخيرة للجودة القول الفصل.

سنعرج على ما يعرف بإحصائية الأهداف المتوقعة Expected goals أو اختصاراً xG؛ تقيس هذه الإحصائية جودة الفرصة وأرجحية تسجيل هدف منها، بناءً على معايير كالموقع والمسافة من المرمى، بناءً على الزاوية، وكذلك ما إذا نُفذت بالقدم أو الرأس، فللقدم أفضلية، وعلى نوع التمريرة الحاسمة (التمريرة الأخيرة). الهدف من مسافة بعيدة يحمل قيمة منخفضة، وكلما كان موقع التسديد أقرب للمرمى كلما ارتفعت احتمالية التسجيل وبالطبع مع زاوية مواتية وعراقيل أقل أو أبعد بين المسدد والمرمى؛ أي مدافعين. كذلك تضع بحسبانها جودة اللاعب، فمن المرجح أن يحول ميسي أو ليفاندوفسكي الفرصة لهدف مقارنة بلاعبين متوسطي الجودة فنياً. هذا مبدأياً جيد، لكن عدد الثغرات بهذه المصفوفة بمثل عدد الحوادث والعوارض الصدفوية في كرة القدم، بشسع الملعب، كرة القدم معقدة جداً على أن نقرر من أين نسدد، أو أي زاوية، وكيفية استلام الكرة أو تتبع مسار التمريرة وعدد لا نهائي من المتغيرات تفرضها القيود والقوانين، الخصم، الزملاء، حدود الملعب، الوقت والمساحة، ضف إلى ذلك المتغيرات البيئية والمناخية والنفسية والفنية والبدنية.

فريق يبني اللعب من على بعد 100م أو أكثر، ينجح للوصول إلى ثلث الخصم الأخير بسلاسة وروعة، ولكن لم تحدث تسديدة، أو اصطدمت التسديدة بالمدافع أو تعثر اللاعب أو عُرقل أو اختل توازنه، أو أثّر الجو على مسار الكرة، أو حتى سجلت من على بُعد 20م فلماذا يكون لها قيمة منخفضة؟ أين العملية هنا؟ لماذا التركيز على النتيجة فقط؟ ماذا عن تسلسل اللعب الذي أدى لركلة الزاوية أو ضربة الجزاء؟ ماذا عن تسلسل اللعب الغير متوقع لهدف مُنح قيمةً عالية؟ … الخ. ولو اعتمدنا على إحصائية لتقدير فريق أو آخر فيجب أن تكون عدد الاهداف المسجلة كمعيار مطلق، بينما معيار الأهداف المتوقعة فهو معيار نسبي وخاضع لـ “رأي” ومعايير مطور المصفوفة الشخصية. فبالنسبة لي هناك احتمال ليس بالبسيط أن يسكن روبن تسديدته الشباك بعد أن قطع بعرض الملعب. أو مقصية من إبراهيموفيتش، أو شوبوشلاي لاعب سالزبورغ بقذائفه. تخيل أن تخبر لاعبيك أن يسددوا بالقرب من المرمى في المرات القادمة لأن الاحصائيات تثبت أن الفريق لديه معدل أهداف متوقعة منخفض؟ لا يبدو أمراً عقلانياً، هو مثل مطالبتنا للاعب بالفوز بكل ثنائية، وتصويب التمريرات كلها بدقة… يعتقد بعض مطوري أو معتنقي هذه الإحصائية بحتمية هبوط أداء الفريق إذا كان معدل أهدافه المتوقعة منخفض، مثلاً، يسجل الفريق “س” أهدافاً من مسافات بعيدة ومن زوايا صعبة أو حالات غير متوقعة، هذا الفريق يُعتبر لديهم محظوظاً أو فاق التوقعات ولن يستمر في هذا الأداء. ألقِ نظرة على إحصائيات دوري معين، ستجد أن فرق المقدمة أفضل إحصائياً من فرق المؤخرة، هناك استثنائات دون شك، لكن تحول الكم إلى نوع مرتبط بالجودة إلى حد كبير، مثلاً من يمتلك ميسي ليس كمن يمتلك “فلان”، فريق منافس على الهبوط ولكن معدل الاستحواذ لديه عالٍ، ويلعب كرة جيدة، ولكنه يعاني من حسم الفرص أو من ندرة التمريرات الحاسمة أو المفتاحية، من الإجحاف ترك كل شيء والبحث عن المحصلة أو كيف جاءت التسديدة في الهدف.

عدد الاحتمالات في المستوى أو العمق السادس في الشطرنج يتخطى 119 مليون احتمال، لك أن تعرف أن كل قطعة لها نطاق حركة ضمن قوانين اللعبة الداخلية، ما بالك بلعبة عدد اللاعبين فيها 22 كائن حي ومفكر تحركه المشاعر والغريزة والعادة، علاوةً على الحالة البدنية وانشغال الذهن بالتفكير واستقبال المعلومات دون انقطاع، أو الالتزام بالتعليمات، إضافةً إلى مجال ونطاق حركة حر!

أي شخص يطور صيغة أو خوارزمية، إنما يطورها بناءً على وجهة نظره الخاصة، هو يرى أن هذا الهدف يستحق قيمة أكبر، آخر يرى غير ذلك، وبالتالي ليس موضوعياً 100%. وعندما لا يكون الأمر موضوعياً 100% فليس مُلزماً لنا، مثلاً عندما تنتهي المباراة 1-0، فهذه الإحصائية مطلقة وموضوعية 100%، شئت أم أبيت، فلا يمكنك أن تقول أن المباراة بالنسبة لي انتهت بالتعادل فهدفكم لا يحمل قيمة عالية في الإحصائية كذا، قد نتجادل حول الاستحقاق أخلاقياً أو فنياً، ولكن قانون كرة القدم يقول بأن من يُدخل الكرة في شباك الخصم يحتسب له هدفاً، بالطبع شريطة أن يكون شرعياً، وكونه شرعي أو غير شرعي يعود للمشاهد/الراصد؛ أي الحَكم وهذا أمر نسبي فقد يرى الحكم أن اللاعب قام بارتقاء عادي، في حين رأى المدافع أن الاحتكاك يقتضي خطئاً وبالتالي يجب ألا يحتسب.

ملف:Kaninchen und Ente.png
يرى اثنان الصورة بشكل مختلف، ما قد تراه أرنباً قد يراه غيرك بطة. والأمر نسبي يعود للمشاهد أو الراصد.

التضليل أو الاستخدام الخاطئ للإحصائيات

“الأرقام كائنات هشة، ولشدة التعذيب تعترف بنهاية المطاف بكل شيء نرغبها أن تقول.” -ألفريد ساوڤي

يلوي البعض -أياً كانت مآربهم ونواياهم- عنق الاحصائيات كي تطابق انحيازاتهم، فنُشيح بوجوهنا عمّا ينفي ما نعتقد، نغض بطرفنا عمّا لا يخدم ميولنا ورأينا، ولهذا دوماً أقول أن الأرقام قد تدعم الرأي، ولكن ليس حقيقٌ بها أن تصنع رأياً أو حكماً، ماذا وإلا لن تكون على خطأ فالفريق الفائز دائماً أفضل من الخاسر، والفريق يصبح مسيطراً ومهيمناً لأنه امتلك نسبة استحواذ أكبر، أو الفريق “ص” أمتع لأنه سجل عدداً من الأهداف، أو نقول بأن المباراة ممتعة لأنها مليئة بالأهداف وهكذا دون أن نشاهد أو نرى المباراة بعين تحليلية نقدية. لا شك أن هناك من يرى أن المباراة تصبح ممتعة إذا امتلأت بالأحداث والأهداف، بغض النظر عن جودة الفرص واللعب … على رسلكم، ليس من ناحية قرب مكان المسدد أو الظروف المذكورة في إحصائية الأهداف المتوقعة، بل من ناحية تسلسل اللعب. ومن ثَمّ لا يجب أن نثق بعمق آرائنا أحياناً فيجب أيضاً أن نراجع أنفسنا إذا أثبتت إحصائية ما ضعف وجهة نظرنا، فلا يمكن أن نقول أنّ فريقاً ما يدافع بدفاع منخفض بالرغم من أن متوسط ارتفاع الفريق تثبت أن كتلة الفريق عالية، وهكذا. أو أن نقول على فريق آخر بأنه دفاعي أو سلبي ومعدل الاستحواذ لديه عالٍ، نسبة الاستحواذ هنا لا تعني أن الفريق جيد أو ممتع، هي على الأقل تدحض فكرة أن هذا الفريق دفاعي، أحياناً تُتهم الفرق بأنها دفاعية أو مملة أو غيرُ مُبادرة فقط في المناسبات الكبيرة ودون النظر للطرف المقابل أو ظروف المباراة نفسها، نسبة الاستحواذ تتغير في المباراة، استراتيجياً كالفريق الذي يتراجع بعد أن يسجل، أو يتراجع في الدقائق الأخيرة للحفاظ على النتيجة، أو يتراجع بسبب نقص عددي، قد يتراجع فريقٌ ما للخلف مجبراً لا مختاراً، لقوة الخصم أو لسوء نهج المباراة واستراتيجيتهم المتبعة. لا يتحكم المدربون دوماً بمجريات اللعب، بل هو على الأكثر مزيج من جودة اللعب كفريق، وجودة الأفراد، وجودة الأفكار، وجودة استراتيجية المباراة، دون التغافل عن التقلبات الدراماتيكية التي يحدثها هدف عشوائي أو طرد أو إجهاد أو خطأ تحكيمي، ما يؤثر سلباً على ذهنية الفريق.

المشاعر والعاطفة تتدخل في اتخاذ القرارات، برأي عالم الأعصاب أنتونيو داماسيو قد يقرر أحدهم تناول العلاج إذا قيل له أن 90% من المرضى بقوا على قيد الحياة بعد 5 سنوات، ولكن قد يعتريه الخوف إذا قلبنا الصياغة وقلنا أن 10% قد فارقوا الحياة بعد نفس المدة! في الثانية تم توجيه انتباه المريض إلى نسبة الوفيات وليس نسبة حالات الشفاء أو البقاء حياً. يقول داماسيو بهذا الصدد: “من المحتمل أن المشاعر التي أثارتها فكرة الموت أدت إلى رفض اختيار سيكون مقبولاً في صياغة أخرى، وهذا باختصار، استنتاج غير متسق ولا عقلاني”. قد نستخدم الإحصائيات بما يخدم مزاجنا، عندما نحب الدوري الفلاني فسيكون معدل التهديف العالي دليلاً على أن الدوري ممتع، وعندما نكره ذلك الدوري فسيكون معدل التهديف العالي دليلاً على ضعف الدفاع، هذا الرأي قد يقول به شخص واحد!

الأرقام لا تجيب من تلقاء نفسها، النموذج لا يصفي وينقد، لا يعي، لا يرى ولا يبصر. نحن كذات مدركة ووعي نستخدم هذه الإحصائيات ونأولها ونعطيها معنى، هي بحد ذاتها لا معنى لها. ولنعلم أن جميع النماذج خاطئة ولكن بعضها مفيد كما يقول الإحصائي البريطاني جورج بوكس.

أحب كرة القدم: يوهان كرويف، الجزء الثاني

الفصل السادس

ثمة اعتقاد خاطئ آخر، ألا وهو الانتظار لفترة طويلة حتى يُدفع بالشباب للمشاركة أو يتم تصعيدهم. لا يحسُن بنا تقييم اللاعب بعمره، بل بجودته. إذا أظهر لاعبٌ بسن اثني عشر عاماً أنه كبير على فئته، وتفوقاً من الناحية الفنية على الكثير من أقرانه، فيجب تصعيده حتى يتمكن من التنافس مع الأكبر سناً ويتسنى له النمو كلاعب. لأن هذا سيجبره على بذل جهد أكبر، لا أن يقنع ويرضى بما يعرف القيام به، وفي نفس الوقت، سيكون بمثابة حافز. في النهاية، أنت تدفعه لمواصلة التعلم.

على سبيل المثال، ساعدني اللعب في الفئات الأعلى -على المستوى النظري- كثيراً. ففي الفريق الذي يتطابق معي عمرياً، أتناول الكرة وأبدأ بمراوغة لاعب، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، وحتى ستة منافسين. مدربي يقول لي بيأس: “يوهان، عليك أن تمرر الكرة أكثر.” وأنا، ولأنه بدا لي أن الأمور سالكة وتسير على ما يرام، لم أحفل به كثيراً. ولكن عندما قاموا بتصعيدي، وجدت أنه يمكنني مراوغة الأول والثاني، وأحياناً حتى الثالث، ولكن حين ظهر الرابع، بووم! تم ركلي عبر قشاش دفاع الفريق المنافس، ووجدت نفسي مستلقياً على الأرض وبلا كرة.

إن كل هذا يجبرك على تعلم إطلاق الكرة باكراً، ورؤية الملعب بشكل أسرع، وكذا اتخاذ قرارات أسرع وأكثر فاعلية.

اليوم، ولسوء الحظ، يبدو مستحيلاً لأي لاعب أن يشارك لأول مرة في كأس العالم وهو بعمر بيليه. مع ذلك، إذا كانت لديك هذه الجودة، فيجب أن تكون قادراً على استهلال مسيرتك واللعب أينما تريد. ولما لا تستطيع؟ أحياناً أشعر باليأس عندما أجد في الفئات التابعة للأندية المهمة لاعبون في سن الواحد وعشرون عاماً لم يظهروا لأول مرة بعد في الدرجة الأولى. بالطبع، هؤلاء اللاعبون الشباب الذين استهلوا مسيرتهم وتميزوا بجودتهم لا يمكن مطالبتهم بتحمل أعباء الفريق بين عشية وضحاها. دعهم يقدمون ما بوسعهم، سيكون لديهم الوقت ليصبحوا أبقاراً مقدسة. غير أنه عوضاً عن ذلك، ما قد يقدمه هؤلاء اللاعبون الصغار جداً للفريق سيصبح بمثابة صدمة للجميع.

أنا أحب هذه العفوية، تلك الطريقة في رؤية الأمور، تلك الطريقة للقيام بشيء جديد. وحينما ترى شيئاً ما لأول مرة في ملعب كرة قدم، فهذا لا يعني أنه شيء جيد ضرورةً، كما أنه ليس بالضرورة أمر سيء. بالنسبة لي، دائماً ما يسهم الصبي الصغير الجيد بشيءٍ ما للعبة، كما سيضيف لبقية اللاعبين أيضاً: العفوية والجرأة والخيال والثقة بالنفس … وبلا ريب عليه أن يتعلم، ولكن إذا لم تكن لديه خبرة، فكيف سيستطيع مواصلة التعلم؟ الشاب الذي يتمتع بجودة كافية يجب أن يُمنح فرصة الظهور ويمنح دقائقاً، وفي نفس الوقت ينبغي حماية ظهره.

دعونا نحلل على سبيل المثال حالة إيفان دي لا بينيا، اللاعب الذي اتُهمت إبان تدريبي لبرشلونة بحرمانه اللعب بشكلٍ كافٍ. ما أسميه بالبيئة في تلك الأوقات لم تترك له وقتاً للعثور على غطاء لظهره، وهو أمر من شأنه أن يمكنّه من تحفيز ذاته عندما لا يتسنى له القيام بالأفضل.

ذلك لأن ما يمتلكه إيفان استثنائي. ولهذا السبب على وجه التحديد، لا يمكن القيام بعشرة لمحات عبقرية في كل مباراة؛ دعونا لا ننسى أن الاستثنائية قادمة من الاستثناء <الاستثنائية حالة خاصة وليست حالة اعتياداية>. كان عليه أن يحمي نفسه من خلال تجويد وتحسين الجوانب الأخرى لديه بما يتماشى والخطوط العامة، وكذا على مستوى الخصال الأكثر تنافسية واعتيادية. فالبراعة التي يكتنزها ستظهر بالفعل مرة، مرتين أو ثلاث مرات في المباراة، وليس في كل مرة يلمس فيها الكرة. ولا مفر من أن تلعب مع الفريق ثلاث أو أربع حالات محددة تستطيع فيها اللجوء إلى العبقرية.

الأمر السخيف هو أن يطلب الجميع – الجمهور والصحافة والمدراء – من صبي صغير أن تكون كل كرة بين قدميه حاسمة، عبقرية، بلاستيكية، رائعة، ولا تُنسى، وعندها يتضح لي أنه سيرتكب أخطاء وتجاوزات، وبعد أن يخطؤوا سيشتكي الناس وسيمتعض الفريق. وقد يمل اللاعبون الآخرون الاكثار من اللمحات الفنية، فيقررون عدم مساعدته، وفي النهاية، يتوقف المدرب عن الاعتماد عليه ويجلسه بجانبه على مقاعد البدلاء أو قد لا يستدعيه، كما حدث -مع إيفان- للأسف. هذا أمر محزن للغاية، لأن الضغط النفسي في تلك الحالات يصبح مرتفعاً جداً وسيجد البعض في الإصابات مهرباً وغطاءً جيداً. وهذا محزن، لذا لا تقل لي أن إيفان لم يلعب عندما كنت مدرباً لبرشلونة. منطقياً، في سن الثامنة عشر لم يكن قادراً على لعب كل مباراة لكنه كان يستطيع أن يلعب نصفها وبهذا المعدل كان ينضج ببطء.

فيما يخص سافيولا، على سبيل المثال، كنا نعلم أن لديه جميع الصفات للنجاح ولكنه بعمر 19 عاماً فقط. ماذا يعني ذلك؟ حسناً، على الجميع أن يتعلم. إذا كنت لاعب كرة قدم عادة ستتعلم حتى سن 26 عاماً، أما هو فقد يكون جاهزاً وناضجاً في سن الـ 23. لكن تلك السنوات الأربع لم يسلبها أحد. وإذا خسر الفريق ثلاث مباريات متتالية وبدأت حالة الطوارئ ووضعوا عليهم المسؤولية الكاملة، فسيسهل إحراقهم وإفساد تقدمهم. ميزة سافيولا أنه بدا مستعداً للغاية؛ لقد ظهر لأول مرة في سنٍ صغيرة، في فريق من الدرجة الأولى وكان معتاداً على الضغط؛ هذا الأمر جاء في صالحه.

الفصل السابع

إن أول الجوانب التي تجعل ترجمة وتطبيق قيم ومُثل كرة القدم أمراً صعباً هي المسألة الاقتصادية. وفي هذا الشأن يخطئ الكثير من الناس. لأننا يجب أن نعي ماهية قائمة الفريق؟ هي غرفة الملابس، مكان يلتقي فيه خمسة وعشرون شخصاً، أحد عشر منهم سيلعب فقط، وربما عشرين عائلة بكل ظروفها المختلفة والمتنوعة تتكل وتعتمد.

بكلماتٍ أخرى، غرفة الملابس هي قنبلة موقوتة حقيقية. ومن الطبيعي أن يكون الحال كذلك، لأن العديد من الأشخاص المختلفين يجتمعون هناك، تكتل بشري كامل بحيث يعمل هذا الشيء – أي الفريق – وفي نفس الوقت، يثير الملايين من الناس. أيمكنك تصور أمر أكثر تعقيداً؟ لهذا السبب من المهم للغاية وضع معايير واضحة، تعليمات في الملعب، تعايش في غرفة الملابس، وقيم الكيان … ولهذا من الرائع أن تكون هناك. ففي بعض الأحيان أعتقد -ومن أعماقي- أن ضرب الكرة يكاد يكون المرحلة الأخيرة في هذه الرحلة. هناك أشياء كثيرة يجب تسويتها أولاً!

أعتقد أن هذا المكان تتشكل فيه الإخفاقات الشخصية والجماعية عبر سلوك الأشخاص الذين لم يشاركوا في ذلك من قبل – المدراء أو المدربين الذين ليس لديهم ما يكفي من الإحساس للتعامل مع كل تلك التفاصيل التي تبدو غير هامة ولكنها حاسمة في النهاية – هم فقط يفكرون في المال، يجدر بك التفكير في الأداء فقط. ولسوء الحظ، لا يفكر معظم قادة كرة القدم إلا في إطفاء استثماراتهم بدلاً من الاستهلاك على أساس الأداء، وهو أمر مختلف تماماً.

فلنضرب مثالاً، إذا كنت أنت وهو على نفس القدر من الجودة، ولكن كي أجلبه اُضطررت إلى دفع 3 مليار لناديه كشرط جزائي، أما أنت فقد أتيت بلا مقابل، وإذا غضضنا الطرف عن الجانب الاقتصادي البحت، فأنتما متساويان كروياً. أليس كذلك؟ ولذا لا يمكن أن يتقاضى ضعف ما تتقاضاه أنت، أو أن يكون، مثلاً، أفضل لاعبٍ في الفريق ليس الأعلى أجراً.

كل شيء معروف ومكشوف في غرفة الملابس: المشاكل العائلية – الأطفال والنساء، لا أدري ما هنالك أيضاً – المشاكل المالية – الأعمال التجارية والضرائب … – كل شيء معروف، ذلك لأنه مكان للتعايش بطبيعة الحال. لا يمكن أن يتقاضى البديل ثلاث مرات أكثر من الأساسي، ولا أن يتقاضى صبي يبلغ من العمر 20 عاماً أكثر من ذا الـ 27 عاماً، هذا مستحيل. يمكننا قبول بعض الاستثناءات دون شك، القليل من الاستثناءات ليس إلا، هذا وأن تكون تلك الاستثناءات مقبولة ومفهومة من قِبل المجموعة قبل أي شيء. لكن على الخطوط العريضة، لا يجب أن يكون هناك تفاوت ولا مساواة.

أمَا وإن كان أفضل منك، فلا مشكلة في أن يتقاضى أكثر منك، لأنك تعلم جيداً أنه أفضل. وعندما تدخل غرفة الملابس، أو تخرج للتدريب، فستعرف فوراً من هو الأفضل، وليس على أحدٍ أن يأخذ بيدك ويقول: “أترى؟ ذلك الرجل هناك، أفضل منك” لا داعي لذلك. وبعد أسبوعين من انضمامك للفريق، وحالما تخطو على أرض الملعب، فستعرف جيداً من هم الجيدون، ومن هم الأقل جودة، أو لنطلق عليهم السيئون. أتحدث عن الجودة في كل شيء، ليس فقط في التمرير أو تسجيل الأهداف، بل أيضاً في المسؤولية وكل تلك الأمور التي تشكل شخصية لاعب كرة القدم.

كمدرب، عندما تلاحظ أن كل هذه المكونات بدأت في الغليان في القِدر، حينها ستعلم أن غرفة الملابس ستنتهي بالانفجار. ولهذا يجدر بنا فرض نظام بسيط للغاية، وفي نفس الوقت صارم للغاية. أنت صغير وهو أكبر سناً؟ سيتقاضى أكثر منك. أنت تلعب أكثر منه؟ مع الجوائز والمكافآت يمكنك أن تكسب أكثر منه. لكن الراتب أو المقطوع، يجب أن يخضع لمعيار العمر. تعمل الجوائز وجدول المكافآت على تعويض التفاوتات المحتملة، ودوماً بتطبيق المعيار الأكثر عدلاً والذي نستطيع إيجاده في المجموعة: ألا وهو معيار الأداء.

أمّا إذا كان هو أفضل ولكنه أصيب لنصف موسم، وزُجّ بك إلى الميدان كي تخرج كستناء أحدهم من النار <أي تقدم يد المساعدة>، فيجب أن يُدفع لك ولن يغضب أبداً. وكما يتضح ويبدو، كل هذا يرسم طريقة أخرى لفهم اقتصاد النادي وميزانيته وسياسة الانتقال، وما إلى ذلك…

الفصل الثامن

لأسباب تتعلق بسيرتي الذاتية، وتطور مسيرتي كلاعب وبعد ذلك كمدرب، شَهِدت انطلاقة العديد من الأشياء وساهمت في إطلاق جوانب في هذه المهنة لم تكن موجودة في ذلك الحين. ليس الأمر وأني كنت ألهث خلف القيام بذلك ولكن الظروف حتّمت هذا الأمر. كلما طفت المشاكل على السطح -سواءً أردت أم لم أُرِد- اضطررت إلى اتخاذ موقف ومحاولة المشاركة في حلها. هذا ما حدث مع القضايا المالية والضرائب التي ندفعها نحن لاعبو كرة القدم في هولندا.

إحدى المشاكل التي واجهتنا هي دفعنا الكثير من الضرائب، كثير جداً برأيي. في ذلك الوقت، أي في أوائل السبعينيات، كنا ندفع حوالي 75 % من ضريبة الاستقطاع. كانت هذه في الواقع نسبة مبالغ فيها للتداول، إذ ستقبض لمدة ست أو سبع سنوات ولكنك لن تحتفظ إلا بالقليل أو بلا شيء. لذلك كنت مع اتحاد لاعبي كرة القدم الهولنديين المحترفين وتوصلنا إلى اتفاق مع السلطات بخصوص الضرائب.

كان الاتفاق ينص على أنه يمكن لجميع اللاعبين المحترفين وضع 30 % من دخلهم الإجمالي في صندوق تقاعد رسمي في ظل شروط صارمة للغاية. كان هذا الصندوق مسؤولاً عن إدارة أموالك. تضمّن الاتفاق التأمين على الحياة والتقاعد وما إلى ذلك. لم يكن الأمر يخصني، لأنني لعبت في الخارج لسنوات عديدة، ولكنه حل الإشكال بالنسبة لمن كانوا يلعبون في هولندا، حيث كان بمقدورهم المساهمة لمدة عشر سنوات في الصندوق، وفي نهاية حياتهم المهنية سيجدون مبلغاً معتبراً من المال أدى -علاوة على ذلك- إلى توليد فوائد مناسبة أضيفت إلى المبلغ المحفوظ.

حينما تنتهي مسيرتهم كلاعبين في سن 36، سيتأتى لهم -عبر الصندوق المذكور- تغطية السنوات التي تفصلهم عن سن التقاعد الرسمي، أي في سن 62. تَنعّم جميع لاعبي الفريق الأول من هذا النظام الذي سمح لهم بالتوفير والادخار، كان ذلك حلاً جيداً للجميع. جيد للمحترفين إذ لم يكونوا عرضة لاقتطاعٍ تعسفي، ومفيد للسلطات، بحيث يمكنهم المتاجرة والمداولة بمبلغ كبير من المال لسنوات عديدة.

فأنا، مثلاً، منذ أن بلغت الأربعين من عمري نلت حوالي خمسين ألف يورو سنوياً. في كثير من الأحيان يؤدي حل مثل هذا إلى تجنب المواقف التي -وللأسف- يضطر بعض لاعبي كرة القدم التعايش معها. فالمحترفون الذين تلقوا مشورة سيئة أو الذين بددوا رأس مالهم في سنوات الشباب بسبب تفكيرهم السيء أو لسوء حظهم، لم يتمتعوا بهذا الشكل الآمن من الدخل، والذي يأتي بسن يكون فيه اللاعب ناضجاً بما يكفي لتفادي ارتكاب بعض الأخطاء الاعتيادية بسن الشباب أو الضغط الذي يصحب شهرته كلاعب كرة القدم.

كان الهدف بسيطاً ومنطقياً للغاية: عندما تنتهي من دراستك في السادسة والثلاثين، تجد أن لديك فجوة عشر سنوات مقارنة بمن استطاع الدراسة والحصول على شهادة. تتيح لك هذه المساعدة أو هذا المعاش التقاعدي عيشاً كريماً وسيلبي الحد الأدنى من الاحتياجات، كما ستظهر في المجتمع وستستأنف مسيرتك الخاصة. الإنجليز هم الأوائل، وإذا لم تخني الذاكرة، فقد قمنا في هولندا بتكييف نظامهم مع واقعنا.

في إسبانيا، بذلنا الكثير من الجهود كي نطبق هذا النظام هنا أيضاً، حيث سيتمكن لاعبي كرة القدم الإسبان الاعتماد عليه، ولكن في الوقت الحالي يبقي كل شيء في الاجتماعات والمزيد من تلك الاجتماعات. أنا شخصياً ناقشت هذه المسألة مع الوزراء ووزراء الخارجية، ولكن حتى اللحظة لم يتقرر شيء بشأنها.

الفصل التاسع

حينما نتحدث عن تأثير البيئة، أو تأثير وسائل الإعلام على تقدم الفريق أو على عمل وسلوك المدراء والمسؤولين في غرف الملابس، فالمستحسن تقدير الكلمات. لا يمكن التعميم بالطبع، لكنه واقعٌ في كرة القدم ومحيطها -كما في جميع المجالات- أن ثمة كثير من الأشرار وقليلٌ من الأشخاص الطيبين.

وأنا أقصد الجميع: مدراء ومدربون ومديرون فنيون – أو أسمهم ما تشاء. هناك انتهازيون كثر. ولهذا السبب يستحيل التنظير حول مخطط تنظيمي مثالي بحيث يصلح لجميع الفرق، لأنه سيعتمد بدرجة كبيرة على جودة الأشخاص، أي الأشخاص الذين يشاركون ويتولون مقاليد منظمة معينة. أمر واحد واضح: بالمنطق؛ إذا كان الشخص الذي يقود النادي كسولاً، فإن الآخرين أكثر كسلاً.

وعلى أي حال، هناك حقائق موضوعية لا جدال فيها. على سبيل المثال، حيثئذ يوجد الكثير من المال، يوجد الكثير من الجشعين عادةً. إذا بدأنا بفرضية 20% /80%، <أو مبدأ باريتو> على سبيل المثال، قد نجد أن 80% من المناصب في منظمة ما يهيمن عليها الاستغلاليون، أو الأشخاص ذوو الشخصية الضعيفة، أو من يمكن التأثير عليهم، أو غير الأكفاء بشكل مباشر. وإذا سمحت 80% من الأندية لهؤلاء المدراء أو المديرين الفنيين بالقيام بأعمال الأندية، فنحن لا نبلي بلاءً حسناً، لأن هذه العمليات لا تهدف إلى مساعدة كرة القدم بل لدعم أعمال شخصية. لهذا السبب من المهم للغاية فرض قاعدة واضحة في غرفة الملابس وأيّا كان من يقود اللاعبين فهو من سيرسم الحدود.

بالنسبة لي، وعلى الرغم من أنني لا أعرفه شخصياً، إلا أنني أكنّ احتراماً كبيراً لباكو فلوريس، مدرب إسبانيول. يعجبني لأنه رجلُ نادٍ يمكنه في لحظة ما، قبول أشياء معينة بسبب ظروف محددة للغاية، لكنه بشكلٍ عام، يختط خطاً صحيحاً. وأنا أراه كشخص نزيه، يعمل والنادي بذهنه، ويقوم بما هو أفضل للكيان. قد يخطئ دون جدال، كأي شخص آخر، ولكن من المعروف سلفاً أن من يقوم بالأمور سيخطئ. وبالإضافة إلى ذلك، فهو يعمل لصالح اللاعب، والأهم من ذلك لصالح النادي.

إذا كان هنالك شخص مثل هذا أمام غرفة خلع الملابس، فلا أعتقد أن أي مسؤول سيحظى بفرصة الدخول وإحداث فوضى. يحدث التدخل لأن شخصاً ما تساهل مع ذلك. إذا اتخذت خطاً مستقيماً، فيمكنك السماح لنفسك بإجراء بعض الاستثناءات ومع ذلك ستبقى ثابتاً. سوف يفهمك أعضاء غرفة الملابس، حينما تتحدث مع كل أحدٍ منهم بالتأكيد.

وحين يكون للمسؤول تأثير كبير في النادي فذلك لأنك سمحت له بالدخول. أجمل شيء في غرفة الملابس هو أنك إذا دافعت عن معاييرك، فسيقبل الآخرون الخسارة. ما لا تحتمله وتتقبله غرفة تبديل الملابس تحت أي ظرف من الظروف هو الظلم كنظام أو الكيل بمكياليْن. ذلك اللاعب متأخر؟ سيدفع غرامة. ستسأل اللاعبين: في أي وقت تريدون أن تتدربوا؟ قرروا أن تكون الساعة 10:30 صباحاً؟ حسناً، عليهم الالتزام بالجدول. وإذا كان على الحافلة التحرك عند الساعة الواحدة، فلن تغادر في الساعة واحدة ودقيقتين.

وإذا تأخرت لأنك كنت تتمتع بمقابلة صحفية فستدفع غرامة، ويجمُل بك أن تفعل ذلك أمام الجميع، حتى يروا أنك، كمدرب، أول من يلتزم بالقواعد الخاصة التي قد قمت أنت بفرضها.

الفصل العاشر

عندما نتحدث عن التسلسل الهرمي، فإن الفريق الذي يمثل ذلك بوضوح بالنسبة لي هو بايرن ميونخ. كل شخص لديه خصاله الخاصة. غير أن هنالك رئيساً واحداً فقط ولن يقوم أي شخص بأي شيء دون موافقته، أو الأسوأ من ذلك، دون رأيه وقراره. يدير رومينيغه وهونيس الأعمال اليومية، فيما يقوم بيكنباور بالمصادقة أو تأييد أو تقييد المقترحات، فيوافق عليها أو لا يوافق عليها.

هذه هي الهرمية. أساساً، إدارة النادي بهذه الطريقة لا تعدو كونها أكثر من إعادة إنتاج الكيفية التي تعمل بها غرفة الملابس. ولا تقرر هذه السلطة في غرفة الملابس ما إذا كنت المراوغ الأفضل أو الشخص الذي يسجل أكبر عدد من الأهداف، بيد أن هذا يُعرف على الفور. ستشمها عندما تدخل غرفة خلع الملابس، وهكذا، لا توجد طريقة للتغلب عليها ولا أحد يعرف السبب. بالنسبة لي، غرفة تبديل الملابس أكثر أهمية من مجلس الإدارة.

الكابتن، على سبيل المثال، ينبغي أن يكون شخصاً يفكر بمصلحة غرفة الملابس، مدافعاً عمّا يجب عليه الدفاع عنه، وفقاً للفطرة السليمة والمصلحة الجماعية؛ كما يجب عليه أن يهاجم أيضاً ما يجب مهاجمته لنفس السبب. وإذا حدث وأخطأ المدرب، فيمكنك إخباره بطريقة صحيحة ومنطقية حُجَجية. ولكن إذا تم اتخاذ قرارٍ ما، فيجب أن يكون الكابتن أول من يهتم بتنفيذ الاتفاقية وبالتزام جميع اللاعبين بالقرارات.

أحياناً أعتقد أن هذا الأمر قد ضاع للأبد في ظل الوضع الراهن في غرف خلع الملابس، خاصة بوجود العديد من المصالح الشخصية التي تتعارض مع روح المجموعة.

أعتقد أن حقوق الصور واستغلالها يشكلان همّاً مشتركاً، رغم الفروق الكبيرة بالطبع بين الرقم 11 والرقم 12، إلا أن هذا الاختلاف يجب أن يبقى داخل المجموعة فقط. دعونا لا ننسى أن الجميع يعيش على النتائج وعلى أداء الفريق <أي على النتائج التي حققها الجميع وليس لاعب واحد>. ولهذا لا ينبغي التسامح مع الظلم، كأن يتقاضى المرء الكثير على حساب الآخرين أو يتقاضى الكثير مقابل عدم القيام بأي شيء، منتعماً بظلال هيبة الأشهر <أي أن يتقاضى لاعب قيمة عالية لأنه صديق للاعب الأشهر>.

ثمة ظلم وإجحاف آخر: الذهاب مع راعٍ آخر متجاهلاً الرعاة الداعمين للفريق، كما حدث عندما وافق لاعبو برشلونة على عمل برنامج في التلفزيون الإسباني في حين كان من يرعانا هي محطة TV3. حينئذٍ، اقترحت في غير اجتماع إنشاء شراكة بين اللاعبين والنادي لاستغلال حقوق الصور بشكل مشترك. في هذه الحالة، ما يجب وضعه بالاعتبار وما ينبغي تثمينه هو المجموعة ككل.

هذا ما فعلناه على الأقل في المنتخب الهولندي عام 1974. ظننا بأن المجموعة تستحق الكثير، ومن يلعب أكثر يتقاضى أعلى. وإذا لم تلعب كثيراً لأنك في الخارج ولم يكن بمقدورك تلبية نداء المنتخب الوطني، فستتقاضى أقل وهذا كل ما في الأمر. هذه هي الروح التي كانت بيننا ولم تكن لدينا أي ضغينة. أما هنا بالمقابل، ورغم مناقشة الجميع لم تكن هناك طريقة لتسوية الأمر، وكما كان متوقعاً، بدأت المشاكل بالنشوء. من المحبط ألا تستطيع السيطرة على المؤثرات الخارجية في بيئة كرة القدم أو حتى على تأثير الرعاة على حياتك المهنية. ذلك أن تحكمهم في المجموعة ليس مقبولاً. فيما يخصني مثلاً، فقد واجهت راعي المنتخب الوطني ولعبت بملابسي الخاصة لهذا السبب تحديداً.

بالطبع تلك أيامٌ قد خلت، فعام 1976 مختلف قليلاً عن اليوم. حقوق الصور واستغلالها كانت في بداياتها وقتئذٍ. يريد الراعي فرض شروطه، ومن وجهة نظرهم كان ذلك منطقياً، بيد أني أعتقد أنه لا يمكن لقضية خارجية أن تؤثر أبداً على الداخل. وحينما يحدث ذلك، فذلك حيادٌ عن جادة الصواب.

الفصل الحادي عشر

كل سنتين أو ثلاثة سنوات يُعاد فتح النقاش حول الحاجة لتغيير بعض قوانين كرة القدم أو بعضاً من مواد اللائحة الحالية، نتجادل في بعض قطاعات المهنة أو كرأي العام أو حتى المشجعين. فمثلاً، يعتبر البعض أن التسلل يضر بالفرق الهجومية والبعض الآخر، يؤيد القوانين المطبقة في كرة السلة، كقانون الـ backfield، أي عقوبة إعادة الكرة إلى نصف ملعبك.

لا اعتقد أن نظام التسلل عقبة أو أداة دفاعية أبداً. بل على العكس من ذلك، أنا أعتبره سلاحاً هجومياً، لسبب بسيط، لأنه يجبرك على الانضمام إلى صفوف الفريق وهذا يسهل حركة الكرة ويزيد من سرعة اللعب. فدون وجود نظام التسلل سيطوق المدافعون المكان حول حارس المرمى، متقوقعين في منطقة صغيرة، والشيء الوحيد الذي يمكنك القيام به هو التسديد من بعيد وما إلى ذلك. كما لا يمكنك صنع اللعب من خلال استغلال المساحات الخالية. إذ لا ينبغي أن ننسى أنّ كرة القدم تقوم بالتحديد على خلق المساحات وليس على تقليصها.

بدلاً من تغيير القوانين الحالية، قد يكون ضرورياً تطبيق لوائح تجيء في مصلحة كرة القدم وخصوصيتها أكثر من التطبيق الغير مرن للقانون، والذي يجعل سلطة الحكم هي السائدة. العنف، مطالبة الحكم ببطاقة للاعب المنافس، السقوط في منطقة الجزاء أو التظاهر والتمثيل على عرقلة غير موجودة لا يخدم كرة القدم نهائياً. في بعض الأحيان، لدى متابعتي للمباريات التي تُلعب في المنافسات الكبيرة وملاحظة سلوك بعض الحكام تترك انطباعاً لدي بأنهم يعاقبون على الاحتجاج أكثر من الضرب والعرقلة.

إن الاحتجاج برأيي جزء من كرة القدم طالما لم يخرج عن حدود الأدب. يجب على الحكام أن يفهموا أن كرة القدم أيضاً لعبة مشاعر وعواطف. وحينما توقفني الصافرة معلنة تسللاً لم يكن صحيحاً بوجهة نظري، فمن الطبيعي والمفهوم أن تكون ردة فعلي حادة واحتجاجية. نحن لم نخلق من حجر، اللعنة! هذه ليست إهانة، وإنما تعبير ومظهر من مظاهر العاطفة والانفعال. ما السيء في ذلك؟

ما لا يمكن التغاضي عنه أيضاً أن يقوم لاعب ما بتأجيج الناس ضد الحكم. ينبغي الدفاع عن الحكام ويجب ألا ننسى أبداً أن عملهم صعب للغاية. كبقية الرياضيين في الميدان، لدى الحكام أيضاً هامش خطأ يجب أن نقبله. وليس جديراً بالأهمية أن تكرر البرامج التلفزيونية الرياضية قرارات التحكيم إلى حد الغثيان. فلا يمكن أحياناً إزالة الشك حتى لو أعدت اللقطة 80 مرة بالحركة البطيئة، فستظل الآراء متباينة ومتناقضة.

أما المختصون المزعومون الذين يدلون بآرائهم في الحالات المتنازع عليها بعد المباراة وفي هدوء الاستوديو، فيتعين عليهم أن يحظوا بنفس الوقت الذي يحظى به الحكم في الملعب. أي؛ ثانية أو نصف ثانية، ومن نفس منظور وزاوية الحكم. أما فيما يتعلق باللعب العنيف، فأنا أؤيد معاقبة التدخلات الخطيرة وأحبذ التسامح مع الشد والدفع ولمسة اليد وهلم جراً من المخالفات هذه.

من بين الجدالات الكبرى الأخرى التي لا تكف عن ملاحقة كرة القدم هي الحاجة إلى مساعدة الحكام من خلال الأنظمة السمعية-البصرية، إعادة الحالات الشائكة، طاولات جانبية للتشاور حول الشكوك، كما هو معمول به في كرة السلة أو كرة القدم الأمريكية. لست مع إدخال هذا النهج. هو ابتكار ناجح في كرة القدم الأمريكية، ولكن دعونا لا ننسى أن هذه الرياضة لم تولد تلقائياً وعفوياً، إذ بوسعنا اعتبارها -بشكل أو بآخر- منتجاً مُختبرياً.

يبدو لي من الخاطئ إيقاف اللعب والانتظار لبرهة من أجل اتخاذ قرار. إذ لن تنتهي المباريات هكذا أبداً! كرة القدم، مثلما نلعبها، وكما اعتدنا على رؤيتها، هي لعبة مستمرة وسلسة وانسيابية. بينما كرة القدم الأمريكية بالمقابل، تبني مفهومها على متواليات من عشر، خمس عشرة ثانية من اللعب وباستيقافات مستمرة. كل الرياضات في الولايات المتحدة هكذا.

الاضطراب جزء من ثقافتهم. أما عقليتنا فمختلفة تماماً عن عقلية الأمريكيين الشماليين. نحن نحب الفوز. تبدو الخسارة مرعبة بالنسبة لنا، ولكن هناك تعادل، طوق نجاة وأهون الشرين، وهو في أعماقنا مفرٌ من الخسارة. الرياضة من أجل الرياضة لا تروق لنا كثيراً. لا أحد في الجمهور رياضيٌ صرفاً، فلن يصفق للخصم كما هو الحال في بعض البلدان. نصفق للخصم هنا؟ لم يسامحك حتى على مباراة لُعبت قبل ست سنوات! اللعب النظيف؟ لا تعرف الغالبية حتى تهجي الكلمة.

ما يجدر بنا تقديمه هو الإعداد الأفضل للحكام، ليس فيما يخص الجانب البدني بل بطريقة رصد وتحليل اللقطات من المباراة. بحيث يقومون بذلك بمعية الطاقم المساعد من زوايا مختلفة. بعدئذٍ سيتم إعدادهم وتوجيههم من قبل حكام آخرين. وسيكون من الجيد في عملية التعليم والإعداد أن يأخذوا في الاعتبار وجهة نظر اللاعب. عليهم أن يفهموا ما يشعر به اللاعب ويفكر فيه، ما هي إحباطاته وآماله … إذا استوعبت ذلك ووضعته في الحسبان، سيغدو إطلاق الصافرات أسهل بكثير. لأن النظام ليس حقيقة واحدة مطلقة وغير مرنة.

عليك أن تصفر ضمن إطار اللائحة، لا أن تطبقها بصرامة، أي عبر تقدير ظروف وملابسات كلا الطرفين وليس حرفياً. ما يبدو واضحاً لطرف لن يكون واضحاً جداً للطرف الآخر، لأن العديد من العوامل المتنوعة تتداخل فتجعل القاعدة العامة نسبية. أعلم، ولا غرو في ذلك، أنه يصعب بحال كتابة لائحة يمكن أن توفر كل ذلك. ولكن كلما تركت هامشاً أكبر لهذا النوع من التقدير، كلما كان أفضل لكرة القدم وعندئذٍ سنستفيد جميعاً.

من جهة أخرى، الأمر الأهم عند إطلاق الصافرة هو الصدق. حتى لو كنت لا توافق على قرار الحكم، وبغض النظر عن مدى خطأه، ومهما كان قراره فاضحاً، فنحن على دراية لما وراء صافرته. لا أعرف أي لاعب يغضب عندما يقترف الحكم خطئاً بغير قصد. لهذا السبب لا يغضب أحد. لكن الحكم الذي يجعل الفريقين ينظران إلى بعضهما البعض باستمرار لمعرفة أي منهما قد ارتكب خطئاً فتلك كارثة، لأنك لا تعرف ما الذي يجري.

لو لزمني التوضيح لحفيدي عن ماهية سلوك لاعب كرة القدم مع الحكام، في أي فئة، فسأقول له أن يكنّ للحكم الاحترام في جميع الأوقات. بذلك سيتفهم الأمر بشكل أفضل ولن تعميه عفوية اللحظة، سأقول له ألا ينسى أن الحكم يرتكب أخطاءً أقل من اللاعب، أؤكد لك ذلك. دعونا لا ننسى أن الأفضل في كرة القدم هو من يرتكب أخطاءً أقل.

تنويه: وجدت أن هذا الكتاب مترجم للعربية فعلاً ولذا ثقُل علي استكمال الباقي، لهذا أحيلكم إليه لقراءة ما تبقى منه للرابط هنا، فغاية القصد المساهمة لا المنافسة.

تنويه آخر: الكتاب كامل وليس ملخصاً كما يظن المترجم الكريم، إذ هو نتاج حوار دام لستة ساعات بين كرويف والكاتب سيرخي باميز.

أحب كرة القدم: يوهان كرويف

Me gusta el fútbol by Johan Cruyff
غلاف كتاب يوهان كرويف: أحب كرة القدم (2002).

رغم أن المعروف لا يعرف، إلا أن هندريك يوهانس كرويف (1947-2016) لاعب هولندي برز في السبعينات وخصوصاً في أياكس والمنتخب الهولندي، كان ضلعاً رئيسياً لكرة رينوس ميخلز الشاملة. كان ولا زال للثنائي دور بارز في الكرة الحديثة. يوهان -كمدرب- قد سبق زمنه فعلاً، إذ أن بعضاً أو كثيراً من أفكاره التكتيكية والتدريبية للتو وصلت لبعض البلدان المتقدمة كروياً. أقول وقلت أن كرة القدم الحديثة انفلقت لنصفين، نصفٌ تابع لكرويف، حيث العفوية والجمال والإبداع والحرية، ونصف آخر لساكي حيث التنظيم والدقة والجماعية، وبلا شك جمال التناغم والكلانية التكتيكية. يذكر كومان مثلاً أن كرويف كان يأتي للتدريبات بلا تحضير ولا أوراق يزدان فيها لردم قصوره كما نرى اليوم، ولا تمتلئ تدريباته بالأقماع والتنظيم الماسخ لانسيابية كرة القدم. كل كرة القدم كانت في رأسه، حاضر وفكرته منه وله تتداعى لذهنه بوميض لحظ. كانت منهجيته بعظمة ما أنجزت هي البداهة والحدس، أين يتوق الكثير إلى مواجهة الطبيعة وسيرورتها، فقد تجلت له بساطة كرة القدم كلعبة وفن -للمفارقة- بتعقيدها وعشوائيتها، فيما ارتأى آخرون مساراً خطياً مفرط السببية والحتمية والسطحية مفسدين أجيالاً من اللاعبين.

بالرغم من كون كرويف هو المعلم الأول في كرة القدم -بالنسبة لي- فأدعوا نفسي وإياكم ألا نكون إمعة ونأخذ بكل شيء، ماذا وإلا كان تأجيراً صريحاً لعقولنا وكبح لإعمال هذه الهبة الإلهية. إذ أن هناك تطورات كبيرة في منهجيات التدريب أو حتى بعض الأفكار التكتيكية ربما تخطت كرويف أو قد تتخطاه لاحقاً، والحدس لأي إنسان يظل منقوصاً ورهن التجربة إن أمكن، أي أن يتصدى العلم أحياناً لما نظن أنه بديهي وفطري. فمثلاً تعتمد مؤسسة كرويف -وهي مؤسسة مرموقة في تقديم الدورات التدريبية- على مؤشر مايرز بريغز للأنماط MBTI وهو مؤشر لا يعتد به علمياً. وختاماً، ستظل كرة القدم مدينة لكرويف وسيظل مرجعاً نعود له، أترككم للإستمتاع والاستزادة منه في هذا الكتاب الصغير والذي يقع في صحفاتٍ لا تتجاوز الـ50، وسأترجمه على أربعة أجزاء، وما يلي هو الجزء الأول.

ملاحظة: ما بين < > هو إضافة أو شرح المترجم.

الفصل الأول

تنطوي كرة القدم بشكل أساسي على أمرين، أولهما هو عندما تكون الكرة بحيازتك يجب أن تكون قادراً على تمريرها بشكل صحيح. أما الثاني فحينما تُمرر الكرة إليك يجب أن تكون قادراً على السيطرة عليها. أما وإن لم تستطع السيطرة عليها فلن يكون بمقدورك تمريرها أيضاً. هذان الجانبين هما الأهم على الملعب، ذلك لأنه لا ينبغي أن ننسى أبداً أن كرة القدم هي رياضة تنطوي على العديد من الإخفاقات، بل وقد تكون النجاحات فيها بنفس أهمية الأخطاء.

يُحتمل أن تصل الكرة إلى قدميك أو على منتصف ارتفاعك أو صدرك أو رأسك، لذا من المهم جداً مراعاة التكنيك بشكلٍ كافٍ لتتمكن من التحكم بالكرة بأكثر الطرق فعالية، واعتماداً على الظروف الناشئة عن اللعب. بالتالي، وبتملّك أصابع اللاعب مفاتيح آلته الموسيقية، سيكون قادراً على اتخاذ أفضل قرار وفقاً للسياق -الذي يكون هو فيه- في أي لحظة.

إذا لم تتمكن -لأي سبب كان- من التحكم بكرةٍ اصطدمت بك في موضع معين أو بسبب سرعتها، فلن تتمكن من البدء في تطوير نفسك، وعطفاً على ذلك فسيتضرر الأداء الجماعي وسيتضرر العرض. ولسوء الحظ، يتضاءل العمل على هذه الأمور أقل فأقل في التدريب وكذلك على المستوى النظري بسبب عوامل تعليمية أو اجتماعية أو ببساطة لعوامل على مستوى العقلية. إن اللعب الجيد -في رأيي- يتألف من التنفيذ الصحيح لجميع التصرفات.

إذا تحتم علينا نقل الكرة بسرعة معينة وببعض الدقة، فيجب أن تكون قادراً على القيام بذلك دون أن تفشل وفي الوقت المناسب. إن التنفيذ الجيد -بجوهره- يعني أداء جميع تصرفات مباراة كرة قدم بصورة ملائمة. رتم وإيقاع الكرة، التحكم، كيفية تمرير الكرة، التمركز، والمراكز … هي عوامل حاسمة يجب التعامل معها بفنية كافية بحيث تُنجز وتُنفَّذ بنجاح.

لا شك أن أحد أسباب نقص الجودة الفنية <تكنيك> لدى العديد من اللاعبين ذو صلة بالمكان الذي يتعلم فيه الصغار كرة القدم. في وقتي، كانت الأكاديمية الأكثر شعبية لاكتشاف أسرار هذه الرياضة هي الشارع. الأطفال الذين يحبون لعب الكرة بأقدامهم يتعلمون في الشوارع والساحات في الأحياء. لم يقتصر الأمر علينا نحن فقط، بل والصغار الذي يكبروننا أيضاً. وحتى الكبار، وأولئك الذين يعملون، بعد نهاية عملهم، وأولئك الذين كانوا يدرسون، بعد أن يغادروا مدارسهم. الجميع في الشارع لممارسة رياضتهم المفضلة.

لم يكن الاحتراف بمثل ما هو عليه في يومنا الحاضر، باستثناء بعض الاختلافات، يتدرب الجميع في نفس الوقت. أنا أتحدث عن أوقات مختلفة تماماً، ليكن بمعلومكم. ضع باعتبارك أنني كنت -على سبيل المثال- ثاني لاعب كرة قدم محترف في هولندا، بعد صديقي بِيت كايزر، والذي خضت معه العديد من التجارب في أياكس والمنتخب الهولندي.

كما أسلفت، خلال النهار إما أعمل أو أدرس، وفي فترة ما بعد الظهر ألعب. ألعب هناك، في تلك الشوارع التي تحولت إلى معسكرات تدريب مؤقتة، هناك حيث يمكن للصغار التعلم. كيف؟ مشاهدة وتقليد ما يفعله الكبار. أنا مقتنع بأن هذا المشهد نفسه يتكرر في الكثير من المدن الأخرى في العالم، في جميع القارات، وفي جميع البلدان.

حاولنا في السنوات الأخيرة استعادة روح كرة الشوارع. على سبيل المثال، أتذكر في بطولة كرة الشوارع للأطفال أقمناها في أمستردام، وبحضور جمهور كبير، بتوقعات وآمال كبيرة، إلا أننا افتقدنا لمرامٍ في اللحظة الأخيرة بسبب مشكلة تنظيمية، فكادت أن تلغى البطولة. بدا وأننا لن نتمكن من اللعب وسنضطر لتعليق هذا الحفل الذي أيقظ حماساً كبيراً بين المشاركين، حتى أتى شخص ما بفكرة وضع سيارتي إطفاء بدلاً من المرمييْن، الأمر الذي خدمنا بالشكل الأمثل.

كم عدد الأطفال الذين لم يستخدموا المحافظ أو حقائب الظهر أو المعاطف أو بعض الأحجار البسيطة لوضع مرميين! يتجلى من هذه التفاصيل، -علاوة على تفاصيل أخرى- أنه ليس من الضروري امتلاك جميع العناصر دائماً، كما أن أوجه القصور مليئة بالإبداع والخيال.

الفصل الثاني

فلنعد مجدداً إلى تعليم كرة القدم. حينما كنت في بداياتي كان بمقدور الصغار التعلم لأنه دوماً ما تواجد لاعب أكبر منّا يبقى معنا ويعلمنا بعضاً من خدعه، ويصحح بعض الأخطاء ويشاركنا بعضاً من أسراره. لطالما اعتقدت بأن أفضل طريقة لتعليم الطفل كرة القدم هي أن ترشد لا أن تمنع وتحظر. الأمر لا يعني بالضرورة منعك مما تريد القيام به، وإنما تكميل معلوماتك أو تحسين جودتها؛ <أي جودة المعلومات>.

بصرف النظر عن مدى تطور التكنولوجيا أو الطرق البيداغوجية/التربوية، وبصرف النظر عن عدد الرسائل العلمية المنشورة حول كرة القدم، وبصرف النظر عن السعي الحثيث لتحويل كرة القدم إلى علم دقيق ومتنبأ به، كامل ومعصوم عن الخطأ عبر الصدح بالخطب التكتيكية وخطب السبورة، بظني، أفضل مدرسة لا تزال هي النقل الشفهي والعملي للمعرفة إلى اللاعبين بمختلف الأعمار. والأمر الأهم هو أن انتقال المعرفة سينبعث من لاعب إلى لاعب آخر، بما أن الاثنين يتحدثان نفس اللغة، بالتالي فبإمكانهما التفاهم والتناغم. وإذا لم تكن تتحدث ذات اللغة التي يستخدمها المدرب فبالكاد ستتعلم أي شيء.

من بين الأمور التي لاحظتها عندما كنت طفلاً هو أن أولئك الذين استمتعوا بتعليمك شيئاً ما هم القادرين على التحكم بالكرة بشكل أفضل. من الناحية الأخرى، أولئك الذين كانوا قادرين فقط على الالتحام مع المنافس، أو الوقوف في منتصف الملعب والعرقلة أو الركل لم يكن لديهم ما يعلمونه (على الرغم من أنني أخشى أنه يجب أن يتعلموا الكثير). على عكس هؤلاء المدربين المهنيين العفويين وعشاق التكنيك الجيد، والذين يقولون: “انظر يا فتى، إلعبها هكذا وانظر كيف تسير الأمور.” وبهذه الطريقة، بالاستماع إلى نصائحهم، وبالتجربة والتصحيح، وتطبيق ملاحظاتهم، فستتعلم بالأثر، ومن الحِكم، كيف تمتص الكرة القادمة من الأعلى، كيف تحرك رأسك وتضع بقية جسمك عند الإنهاء، أو البحث عن مساحةٍ خالية، وهكذا…

 هذه إحدى طرق التعليم، ولكن للأسف يبدو أن الأمور قد تغيرت قليلاً منذ ذلك الحين. اليوم، حتى مدربي الفئات السنية لكرة القدم يدرسوا كي يصبحوا مدربين. لكنهم مدرسون بمعنى التدريس بالإضافة للتدريب. يمكنهم إخبارك كيف تسدد بقدمك اليسرى، حسناً، هذا جيد جداً. لكن إذا لم يعلموك كيفية التسديد باليسرى، مالجدوى من ذلك؟ .. هل تعلم لماذا لا يشرحون لك ذلك؟ ببساطة شديدة، لأنهم لا يعرفون القيام بذلك. وإذا لم يكن لديك التكنيك المطلوب كي تُعلم، فما الذي ستتحدث عنه بحق الجحيم؟ حسناً، الجانب البدني وهذه الأشياء مهمة، لا بأس، لكنها ثانوية إذا قارناها بالتكنيك.

من ناحية أخرى، إذا كنت تدرب طفلاً ويمكنك أن تشرح له كيف يجب أن يلمس الكرة، بأي جزء من قدمه، بأي وضعية يسدد، وما هي التدابير التي يجب اتخاذها إذا اقترب منه الخصم، وما هي الظروف التي يجب أن يضعها في الاعتبار، وبأي سرعة يقوم بالتنفيذ، يمكنه بعد ذلك التدرب بمفرده، ينتسخ ويقلد، ويصر ويكرر، يتحسن ويتعلم ويصقل مهاراته، ثم يكيف هذه المعرفة ويطبقها على طريقته في اللعب، وأيضاً على شخصيته الكروية. أكرر، إذا كنت لا تعرف كيف تفعل ذلك، فلا يمكنك أن تُعلمه. فستبدأ في الحديث عن أشياء أخرى، مهما كانت أهميتها، لن تكون أبداً بنفس أهمية التكنيك. وهكذا، شيئاً فشيئاً، تتناسى التفاصيل، تبتعد عن الجوهر وعن نواة المسألة. وهذه هي مشكلة كرة القدم الحالية.

أعلم بالطبع، أنه ليس من السهل كسر هذا الجمود. يحتاج جميع المدربين- بمن فيهم مدربي الفئات السنية- إلى الأوراق <الرخص> ويحتاجون إلى الاستيفاء بالمتطلبات من خلال الهيئات الرسمية المعنية. هذا مفروض من الأعلى، لذلك سيكون من الصعب للغاية كسر هذا التسلسل الهرمي. وهذا لا يعني أنني أعارض تماماً هذه الإدارة التنظيمية والرسمية، الأمر ليس كذلك، لأن كل ما تتعلمه باتباع هذا النظام يخدم أيضاً غرضاً ما. ولكن من المؤسف أن ثمة جوانب أخرى يتم نسيانها بشكل متزايد. وأخشى أن هنالك قدراً كبيراً من الحياة يتجاوز ما يتم تدريسه بشكل عام.

ولهذا السبب لطالما رغبت في إيجاد طريقة لتعليم هذه الأمور. بالتدريب طبعاً، ولكن أيضاً من خلال دروس كرة القدم، ومن خلال محاضرات الماجستير للمدربين، أو ببساطة، باستخدام قرص مضغوط (CD) أو لعبة كمبيوتر بحيث تظهر فيها كل هذه العناصر ويمكنك بعد ذلك أن تتدرب في المنزل. ومن ثمة يمكن لأي شخصٍ أن يصل إليها ويأولها بطريقته الخاصة. وهي بدورها ستعلم صبياً لا يعرف كيف يسدد بقدمه اليسرى فينزل إلى الحديقة أو الشارع ويحاول تكرار ذلك.

أتذكر قبل بضع سنوات محادثة أجريتها مع خورخي فالدانو حول كرة القدم. تم نشر المحادثة في El País (3 يونيو 1996) وهذا ما قلته عن كرة القدم للفئات السنية. في الحقيقة، ما زلت أفكر في ذات الأمر: “في نادٍ كبير مثل برشلونة أو ريال مدريد، من هو مدرب فريق كرة قدم على مستوى القاعدة؟ مدرب أم مربي؟ إذا كان مدرباً، فقد يرغب يوماً ما في الترقي كمدرب. هذا يعني أنه يعتاش بالفعل على النتائج. والصواب ألّا يعيش على النتائج: عليه أن يطالب بالنتيجة كتعليم. ما حدث يمكننا رؤيته فوراً: الجودة الفنية قد انخفضت في السنوات العشرين الماضية. غير أني ضد مطالبة مدربي الفئات السنية بأوراق <رخص> للقيام بعملهم.

من هو المخول لكي يدرب؟ إنه الفتى من البلدة المجاورة، والذي لعب كرة القدم طوال حياته ويريد الآن تعليم الأولاد. وليس ذلك الذي درس، لأن ذلك الرجل يقضي وقته في تسلق السلم. وكيف يتسلق السلم؟ عبر الفوز. إذا كنت مديراً، فلن تقوم بالتوقيع مع شخص ترك فريقه الشاب في المركز الرابع. لكن من وجهة نظري، قد يكون هذا هو المدرب الأفضل.

الفصل الثالث

بالطبع، يصعب العثور على شوارع يمكن اللعب بها قياساً بالوضع الذي تبدو عليه المدن. وخاصة في المدن المركزية الكبيرة التي اجتاحتها حركة المرور، غير أن هنالك صيغاً أخرى. على سبيل المثال، يمكنك تنظيم بطولات مدرسية ومسابقات في الأحياء بدعم مؤسسي من مجالس المدينة أو كذلك تنظيم مباريات على الشواطئ … يمكنك ذلك إذا أردت. بالنسبة لي، أحاول تنظيم بطولات الشوارع، كرة الشوارع، بستة لاعبين لكل فريق. أفعل ذلك بالتحديد لمحاربة أولئك الذين يقودون كرة القدم بطرقهم المحدودة والميكانيكية/الآلية في فهم الأمور، وأيضاً لاستعادة تلك الروح الأصلية.

هكذا صَممتُ كرة الشوارع، يتكون كل فريق من ستة لاعبين: حارس مرمى وخمسة لاعبين داخل الملعب. ولا يوجد إلا ثلاثة قوانين. عدد اللاعبين ليس اعتباطياً، فلقد لاحظت أنه بعددٍ أقل من ستة لاعبين، ليس ثمة تناقل للكرة ويسهل فرض صلابة دفاعية. وبوجود سبعة لاعبين، وبغض النظر عن كيفية تموضعهم، هناك دائماً لاعب حر. يبدو لي أن ستة هو العدد المثالي للاعبين، لأنه يتطلب تركيزًا أكبر، وتكيفاً سريعاً مع كل حالٍ من أحوال اللعب، بحث عن مسارات تمرير سريعة وقصيرة، وتقديم المساندة، التدخل، اتخاذ القرارات، دون أن تكون قادراً على تجاهل ما يحدث أو حتى دون الشرود ولو لبضع دقائق.

مساحات الملعب هي كما رقمي 14، وهو ما يعادل على وجه التقريب نصف الملعب النظامي. القوانين بسيطة جداً، يجب ألا يمرر حارس المرمى الكرة أبداً بعد خط الوسط، يمكنه فوق ذلك أن يلعب، إذا أراد، بل يمكنه تسجيل هدف. هذا يجعل اللعبة أسهل ويجبر حارس المرمى على تعلم اللعبة واللعب بالكرة؛ ما يتيح له الاندماج في تطوّر كرة القدم الإبداعية. بهذه الطريقة، نناضل ضد نزعة وضع صندوق لحارس المرمى، والذي يشغل مساحة كبيرة ويقتصر لعبه على الركل إلى الأمام. الأمر يتعلق بلعب كرة القدم. إذا لم يكن الأمر كذلك، فسنضع رجلاً طويلًا وضخماً في المقدمة، أو شجرة كستناء في المقدمة، وهذا كل شيء، وليكن ما شاء الله. ولكن لحسن الحظ، بالنسبة لأولئك الذين يمارسونها وكذلك بالنسبة للمشاهدين، فإن الأمر لا يتعلق بذلك.

القانون الثاني: يجب أن تكون جميع الركلات الثابتة غير مباشرة دائماً. يهمني أن تكون الأخطاء أيضاً جزء من اللعبة، وليس ليبرزوا لنا كيف يضربون الكستناء <أي يصيبون الهدف>. يمكنهم تدريب هذا التكنيك لاحقاً، إذا أردت وكان لديك الجودة، فسوف تتحسن بمفردك. الأمر المثير للاهتمام هو أنه حتى في الركلات الحرة يجب عليهم التفكير واتخاذ القرارات، وابتداع واختراع حركة. بالمناسبة، بالحديث عن الركلات الثابتة، عندما كنت مدرباً لبرشلونة، أتذكر أننا كنا نلعب بمعية كومان أو ستويتشكوف لا أن نسجل – كان ذلك سهلاً للغاية – ولكن كي نضرب العارضة أو أحد القائمين بالتحديد للزيادة من دقة التسديدة، وكنا نقوم برهانات بالطبع. كل تسديدة، خمسة آلاف بيلاس، والدفع كاش.

في كرة الشوارع، أنا مهتم بأن يكون الخطأ غير مباشر بحيث لا يتوقف اللعب ويستمر، فيصبح الإيقاع أعلى. وأخيراً، القانون الثالث: بعد ثلاث ركلات زاوية <هناك> ركلة جزاء، لتتمكن من ممارسة نوعين من الألاعيب وإضفاء المزيد من التنوع والحماس على اللعب.

*<ربما يقصد بعد 3 ركلات زاوية تحتسب على الفريق المدافع ركلة جزاء>.

الفصل الرابع

أكثر ما يشدني في مهنة التدريب هو أنها تمنحك إمكانية استخراج أقصى ما لدى جودة الفرد الفنية. هذا أشد ما أحبه. يبرز أحدهم بالتكنيك، وآخر ضارب رأسيات بارع، وآخر يسدد من خارج المنطقة، وآخر سريع على الأطراف، ولكن كيف يمكنك استغلال كل هذا التنوع في الخصائص وتوجيهها معاً إلى هدف مشترك؟ اليوم، مع ذلك، يبدو أن الجميع يقومون بذات الشيء. فينتهي بك الأمر تلقائياً إلى إيذاء جميع اللاعبين لأن الجودة هي ظاهرة فردية. لا يمكننا أن ننسى أن كل شخص يعيش كرة القدم بطريقته الخاصة ويتمتع بأمور معينة ويقوم بأشياء مختلفة. وهذا على المدى الطويل يقلل من مستوى الجودة وتنوع الأساليب، وتبعاً لذلك سيؤدي إلى إفقار العرض وإضعافه.

لا يوجد حالياً إلا عدد قليل من اللاعبين ذوي الجودة العالية. برأيي أن المشكلة -كما قلت من قبل- هناك ضعف في التكنيك ولكن، مضافاً إلى ذلك، هناك القليل من الحب للفن. يبدو أن كُثراً مهووسون بإقناعنا بأن كل شيء موجود في الكتاب؛ كيف يجب عليك الجري للدخول والقفز، كيف تتراجع، أو تتحكم بالكرة، كيف تسدد ركلة حرة أو ركلة ركنية … حسناً، أنا متمرد على كتالوج/دليل التعليمات للاعبي كرة القدم لأنني أعتقد أن كل فرد مختلف ولذلك، لديه شيء مختلف. أساس الأمر هو أن الأطفال يستمتعون بلعب كرة القدم، وليسوا كارهين لها، ويرون جودة ذلك الطفل الذي يمكنه الوصول إلى القمة كاستثمار في المستقبل، كإمكانية للانتفاع بها لاحقاً.

قبل بضعة أشهر، كي نورد مثالاً، تقرر في هولندا أن يكون لكل فرق الهواة مدرب مؤهل. عندما سألوني ما رأيك بهذه الخطوة يا يوهان؟ لم يسعني إلا قول: كارثة. لماذا؟ حسناً، لأن هذا المدرب لا يفعل شيئاً سوى تطبيق ما يقوله كتاب الدورة. لما لا نسمح للأولاد الأكبر سناً والذين يلعبون ويعشقون كرة القدم بالتعليم في الفئات الدنيا؟ أولئك الذين -عطفاً على نقلهم للفنيات- سينقلون أيضاً الحب والاحترام لكرة القدم وتفاصيلها.

ماذا يفعل المدرب المحترف المرخص؟ حسناً، الشيء المنطقي هو: محاولة الفوز بأي وسيلة كي يتسلق السلم فيصبح مهووساً بالنتيجة لأنه يتعين عليك أن تكون جديراً كي تترقى. وبالمناسبة، يبدو لي أنه من الصواب ترك إدارة الفرق في أيدي مدربين محترفين في سن معينة. لكن من سن أربعة عشر عاماً، وليس قبل ذلك! دعهم يلعبون، اللعنة! دعهم يستمتعون! وبالطبع، لست الشخص الأفضل للحديث عن ذلك، لأنني تجاوزت بمكر تلك القناة التنظيمية وتمكنت من التدريب بدون رخصة، على الرغم من اضطرارنا لابتكار منصب “المدير الفني” لذلك.

من ناحية أخرى، أعتقد أنه من الجيد منح بعض الاستثناءات. ففي هولندا، على سبيل المثال، يحظى اللاعبون الذين تميزوا بسجل حافل كمحترفين بتسهيلات معينة كي يدربوا، وهو ما يبدو منطقي تماماً.

الفصل الخامس

الخطأ الكبير الذي يرتكبه العديد من المدربين، من الناحية النظرية على الأقل، هو اعتقادهم بأن الأطفال ذوو 7 أو 8 سنوات لا يريدون الفوز. إنه خطأ فادح، <الأمر مخالف للواقع> لدرجة أنهم يريدون الفوز! بل أكثر بكثير من البالغين! لأن الأطفال لعينون أكثر، وأحياناً أشد قسوة أيضاً. لك أن تعود بذاكرتك للطفولة، وتتذكر إن كان لديك صديق مقرب ولكنه كان سيئاً جداً في اللعب، وعندما تنظم مباراة في الشارع، فلن تضمه أبداً ليكون في فريقك. فيما ستختار اللاعب الجيد للعب معك عوضاً عنه، حتى ولو كان ألد أعدائك أو كان طفلاً لم تك تُكنّ له محبة كبيرة. وبعد المباراة، ستعود واللاعب السيء أصدقاء مجدداً، لكن خلال المباراة فقد تحالفت مع الأفضل. أليست هذه رغبةً في الفوز؟

ولذلك، ما يجب تعليمه للأطفال هو الاستمتاع واللعب والإبداع والابتكار واستغلال خصالهم عبر تقويم مساوئهم دون إفساد محاسنهم، أي، بالضبط على العكس تماماً ممّا يريد الجميع -هوساً- غرسه فيهم. ذلك لأنهم فعلياً عمليون للغاية، وهم أول من يرغب بالفوز.

أنا أتحدث هنا عن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و 8 سنوات، لأنك فيما بعد، كلما اكتسبت الخبرة واتسعت وجهة نظرك، فسيكون لديك المزيد من الحجج لفهم أسباب الخسارة. ولهذا السبب من المهم بمكان أن تحظى بمدربين يصيبونك بعدوى الاستمتاع وحب الفن، لا الجوانب الأقل استحباباً أو الأكثر تضحية في اللعبة، بل جانبها الأكثر إشراقاً وإثارة.

لم يعد هذا هو الحال اليوم لسوء الحظ. يجب أن نعود إلى جذور كرة القدم، إذ أن الأصول تخبرنا أن كرة القدم هي تكنيك في الغالب، ولهذا السبب لُعبت، وأن هذه الرياضة الرائعة تم ابتداعها للاستمتاع، ومن هنا توافد المشجعون، لا من أجل الركض بدون إيقاع وسبب أو الركض من أجل الركل.

أكثر الأسلحة فعالية في لعب كرة القدم هي مجموع التكنيك والفطرة السليمة. أما التكنيك فيتعلمه اللاعب في صغره. كثيرًا ما أُسأل: كيف يمكننا غرس هذه المفاهيم الفنية في الفئات السنية وما بين الأطفال الذين ما زالوا قادرين على التعلم؟

أتذكر أنني عندما كنت مدرباً لأياكس، كنت أذهب أحياناً لتدريب الأطفال البالغين من العمر عشر سنوات، ولكن ليس في الملعب وإنما في مواقف السيارات. لماذا؟ حسناً، لأنك في مواقف السيارات ستتعلم الكثير. إذا كنت تلعب في مسطح نجيلي، من ذاك العشب الأخضر الرقيق المثالي والمتوفر بكثرة في هولندا، وحدث إن اصطدمت بلاعب وسقطت على الأرض، فلن يحدث شيء، ستنهض وهذا كل شيء. أما في مواقف السيارات، في المقابل، إذا اصطدمت بلاعب وسقطت على أرضية خرسانية فستؤذي نفسك، وستجرح نفسك، وستتألم، بل وأحياناً ستنزف.

لذا عليك أن تكون متيقظاً وتتعلم التحرك بشكل أسرع، وتقرر بسرعةٍ أكبر ما يجب فعله بالكرة أو كيف تتحرك بدون كرة. بهذه التفاصيل الصغيرة لأي حصة تدريبية أنت تقوم بالفعل بتكييف جانبين أو ثلاثة جوانب هامة جداً في اللعبة: التموقع، والتحكم بالكرة، والسرعة، والتركيز. وعلى المدى الطويل، كل هذا سوف يخدمك وسيكون له تأثير مباشر على أداءك في الميدان، وبالتالي على الأداء العام للفريق.

عندئذٍ، بمجرد تغيير شيء بسيط مثل مكان التدريب من مسطح عشبي إلى مواقف السيارات، وإدخال ظروف التضاريس الوعرة وغير اعتيادية، فإنك تعزز التوقع/الحدس والسرعة.

ستتعلم الوصول أولاً، وستطلق الكرة باكراً، وستمرر الكرة بسرعة. باختصار، أنت تقوم بتدريب ثلاثة تصرفات في آنٍ واحد. واللاعبون الأقوياء والضخام ربما لم يتدربوا على هذه التفاصيل أبداً.

لكن لاحقاً، عندما نكون في سن 18 عاماً وفي مباراة تنافسية، سيكون الاختلاف بيني وبين الرجل القوي هو أنني أعرف كيف أتوقع، وأفاجأُ <الآخرين> بالسرعة، وفي النهاية، أفكر بشكل أسرع لأنه إبان مرحلة تكويني كان لدي فرصة العمل على هذه الجوانب التي قد تبدو ثانوية ولكنها أساسية في لحظة الحقيقة.

في مسيرتي المهنية كمحترف، أنقذتني هذه التفاصيل في العديد من المواقف. فحين كنت لا أزال طفلاً، طورت التكنيك في التدريب لأتمكن من استغلال موهبتي بشكل أفضل والتغلب على وهني وضعفي البدني بالمقارنة باللاعبين الأضخم، هم أضخم فعلاً ولكنهم أبطأ كذلك. وهذا لا يعني أني تدربت أكثر، ولكني استفدت أقصى استفادة من التدريبات.

لم أزل معتقداً بأن لكل عيبٍ مزايا. فإذا كنت قصيراً، يجب أن يقظاً أكثر. وإذا لم أكن قوياً، فيجب أن أكون أكثر ذكاءً، ليس لدي أي خيار آخر. الأمر الشائن هو أن الشباب الذين يمتازون بالإبداع والتكنيك يُستبعدون، لذلك عددهم يقل ويقل، ومن ثمة يصعب العثور على لاعبين من نوع أيمار أو سافيولا على سبيل المثال.

في ذلك يجب أن ننسب الفضل إلى ماركو فان باستن، -لاعب من الصف الأول اضطر إلى الاعتزال بسبب الإصابات، بكل خبرته المتراكمة ومكانته- حيث قال: “في رأيي، إن كان قد دربني عشرة مدربين، فأحدهم علمني شيئاً، وثلاثة لم يفسدوني، وستة منهم حاولوا تدميري”.

أما أنا في المقابل كنت محظوظاً جداً لوجود مدربين يقدرون كرة القدم. وعلى الرغم من أني لم أمتلك القوة البدنية لتنفيذ ركنية بشكل جيد، إلا أنهم وضعوني دائماً في الفريق. وبسبب بنيتي، لم أتمكن من التسديد من خارج منطقة الجزاء. كانت كارثة، الكرة لا تصل إلى المرمى. ولكن نتيجة لذلك فقد مدوا يد العون، وحاولوا مساعدتي في التغلب على محدوديتي، إذ أضافوا حصصاً لبناء العضلات في تحضيراتي، ولكن قبل كل شيء، قاموا بتحفيز السرعة دون إساءة استخدام لهذه التمارين أيضاً.

اليوم، يدعي الكثيرون أنهم يستحقون ذلك، لكن القليل منهم يستطيع إثبات ذلك. لم يمسوا جودتي أبداً وهذه هي الطريقة التي تعلمت بها أهم شيء لأصبح مدرباً لاحقاً: لست مضطراً أبداً أن تمسس جودة شخص ما. إذ نعمل في التدريب على التعديل، بل وبجرعات صغيرة منها. اعتمدت في مسيرتي التدريبية بالكامل على تحليل كل لاعب بعينه، ومن هنا، نعمل على جودته وأن يكون لهذه الجودة تأثير إيجابي على أداء الفريق وعلى العرض.

الانتظام الذاتي في كرة القدم

“أترى أحياناً سرباً من النحل يخرج من خليته؟ … العالم، أو الكتلة العامة للمادة، هي خلية كبيرة… هل ترى السرب يتحرك إلى نهاية غصن شجرة مُشكلاً مجموعة طويلة من الحيوانات الصغيرة المجنحة، وجميعها مرتبطة ببعضها البعض بواسطة أقدامها؟ …. هذا التجمع هو كائن، فرد، حيوان من نوعٍ ما … لكن هذه المجموعات يجب أن تكون متشابهة مع بعضها البعض. نعم لو سمح بمادة واحدة متجانسة فقط … أرأيتها؟ “نعم، لقد رأيتها.” “هل رأيتها؟” “نعم يا صديقي، كما قلت لك.” “إذا قرر أحد هؤلاء النحل بطريقة ما أن يلسع النحلة التي تعلق بها، فماذا سيحدث باعتقادك؟ أخبرني.” “ليس لدي فكرة.” “أخبرني، على أي حال … لذلك أنت لا تعرف، لكن الفيلسوف يعرف … نعم، هو يعرف. إذا رأيته يوماً ما، ولا بد لك من رؤيته في وقتٍ ما -لأنه وعدك بذلك- فسيخبرك أن النحلة الثانية ستلسع النحلة المجاورة لها، فستثور المجموعة بأكملها وسيكون هناك أحاسيس مستثارة بمثل عدد الحيوانات الصغيرة، أي أن كل شيء سوف يثور، وسيغير نفسه، وسيغير موضعه وشكله، ثم ستنشأ ضوضاء، صرخات صغيرة، وأن الشخص الذي لم يسبق له أن رأى مجموعة كهذه ترتب نفسها بنفسها سيميل إلى اعتقاد أنه حيوانٌ له خمس أو ستمائة رأس وألف أو اثنا عشر مائة جناح … ” -دُنِي ديديرو

استخدمت إيزابيل ستينغرز هذا المقطع من “حلم دالُمبير” للفيلسوف ديدرو، إذ دللت بأن ديدرو كان يعرف بلا وعيٍ ما يُعرف اليوم بالإنتظام الذاتي (self-organization). الانتظام الذاتي هو انتظام عفوي ينشأ عبر تفاعل عناصر نظام معين، يكون في بدايته مضطرب وغير منظم، يحدث هذا الانتظام بلا أي عوامل خارجية، أي أن كل عنصر ينظم نفسه مع بقية العناصر وبالتالي يحدث التناغم. يعرّف دوارتي أراوجو الانتظام الذاتي على أنه آلية ملازمة للنظم المعقدة في الطبيعة، وهي توضّح كيف ينشأ النظام بسبب التقلبات الحرجة في الديناميات الذاتية للنظام.

لقد خصصتُ مقالة في كتابي الذي نشرته مؤخراً عن الانتظام الذاتي وهي ضمناً تفترض أن كرة القدم بدأت بدون مدرب ومن الممكن أن تقوم بلا مدرب. مع يقيني بصعوبة تفهم السواد الأعظم لذلك. اليوم يبدو أن المدربين بأي لعبة يُوضعون بذات السلة، إذا كان “س” لديه أسلوب خاص فبالضرورة المدرب “ص” له أسلوب خاص. والحق أن عدد الأساليب أو اللا أساليب بعدد المدربين، فكل مدرب له معالجة وقراءة معينة للأمور. ربما لا يعي البعض أن هنالك مدربين يرفضون الأسلوب ويعتبرونه قمعاً لحرية اتخاذ القرار في الملعب وتجني على اللاعب كبشر مفكر وذكي وقادر على التكيف والتنظم ذاتياً. في المقابل، هناك مدربون واعون لذلك فهم يضعون أسلوباً كنوع من العرض أو الإرشاد، فمهما يكن من الأمر، فاللعبة جماعية وصنع لغة مشتركة يتواصل بها الزملاء ستكون مثرية، سيما إذا امتلك الفريق لاعبون استثنائيون قادرين على إضفاء الجديد والابتكار والعزف ضمن السرب بلا تنشيز. أو حتى تحسين شبكات الاتصال والتنظيم من خلال إنتاج سلوكيات محبذة تساعد على نشوء تآزر ترابطي وتناغم بين الزملاء طبقاً لخافيير مايّـو. فاللاعب يحسن من الآخر والعكس، فكلما تحسنت تصرفات اللاعبين كلما تحسن الفريق، يرى أوسكار كانو أن هنالك لاعبين يطورون السياق للجميع مع كل كرة يلمسونها. فالتصرفات الذكية تسهل اللعب للفريق ككل، سواءً بمراوغة تقصي لاعباً وتنقل الفريق لحالة تفوق مركزي وعددي أو تمريرة تشق طريقها متخطية 3-4 لاعبين أو استلام صحيح نحو المرمى، توفير مسار تمرير… الخ.

لكن السؤال ما هو دور المدرب الممكن في الفريق؟ بمانشيت عريض سنقول بأن المدرب هو الجانب المتنبأ به في كرة القدم، دوره يتجلى فيما يستطيع التحكم فيه. دوره في النظام order، وبناء عادات محددة وسلوكيات معينة، محاولاً تقليص العشوائية وتقليص الصدفة، لأنه يستحيل إلغاء هذه العوامل المتأصلة في كرة القدم من حيث هي نظام معقد. إن التواصل والتفاعل بين اللاعبين -كعناصر- يخلق نظاماً، لك أن ترى مباريات الحواري وستجد بعض الفرق تلعب بشكل جيد، تبني هجمات، يقفون بشكل معين، ويخططون عفوياً، بالطبع ليس على مستوىً عالٍ ولكنه ممكن وواقعي. ولكن المدرب العارف والخبير سيحفز بروز تصرفات أكثر نفعاً للفريق من خلال تكرارها في التمارين، ليس كنمط رتيب، إنما كاستراتيجية يمكن أن يثريها اللاعبون بابتداع الجديد وفق ما تقتضيه الحالة، أي بروز مشكلة يتعين على اللاعب حلها، يؤكد هذا مينديليبار مدرب إيبار والذي يقول “لا أستطيع السيطرة على اللاعبين من على مقاعد البدلاء، عليهم اتخاذ القرارات. أقدر حقاً اللاعب الذي يتخذ قراراً في الملعب دون أن ينتظر ما سأقوله له.” هوية الفريق تنشأ وتتبلور عبر تنظيم المدرب وعبر عفوية وغريزية اللاعب وإبداعه، عبر الاستقرار الهيكلي المنسق من قِبل المدرب، خطة الفريق 4-3-3، 4-4-2… الخ، مركز اللاعب وأدواره، مركز الثقل للفريق؛ أي أين يقف في الحالة الدفاعية وإلى أي مكان يحبذ توجيه اللعب. وهناك اللااستقرار في دينامية اللعب وحركة اللاعب وحركة الزميل وفقاً للخصم، تبادل المراكز الذي تفرضه تقلبات النظام وطبيعته العشوائية، أي أن المدرب بمقدوره العمل على المستوى الماكروي-الكبروي في اللعبة فيما يتصرف اللاعب على المستوى الصغروي-المايكروي، المراوغة والتمرير وتبوء مساحة وإلى غير ذلك، يبدأ النظام باستقرار ثم يبدأ بالاضطراب ويتمازج اللاعبون بهيئة شبكة من التفاعلات، ما يعرف بالإنتروبيا في الديناميكا الحرارية، أي أن النظام يذهب نحو ازدياد العشوائية ولا يمكن أن يعود للإستقرار إلا عند خروج الكرة من الملعب أو عودتها مثلاً للحارس وبذلك يتأتى للفريق الانتظام مجدداً وهكذا بشكل حلقي دائري. فإذا كان المدرب يمثل الجزء الواضح والمتنبأ به فاللاعب على العكس يمثل اللاتنبؤية والغموض واللامتوقع، فهذه هي كرة القدم، ما بين متوقع ولا متوقع، بين استقرار واختلال، بين نظام ولا نظام، هذه التناقضات والمفارقات بين المدرب واللاعب تشكل العرض… وكلما زاد التنظيم من المدرب تقلصت دينامية الفريق وانسيابيته فيصبح فريقاً نمطياً روتينياً كالآلة التي لا تصدر إلا منتجاً واحداً. والعكس كلما ازدادت الفردية كلما ازدادت فوضى غير محمودة، فالفريق سيبدو مفككاً وبلا تناغم ولا تعاون، الكل يقف بمركزه لا مبالٍ بكونه جزءاً من كل، فهو فردٌ يشكل جزءاً من فريق وبمقدور كل فرد تشكيل كل أكبر من مجموع الأجزاء إذا ما تكاتفوا وتعاونوا وانتظموا ذاتياً.

“عندما يكون هناك تفاعل بين معرفة اللاعب المحددة وبين أفكار المدرب في اللعب، ستكون النتيجة مشروعاً جماعياً ديناميكياً للعب، وللمفارقة، في ذات الأثناء، سيكون متنبأ به وغير متنبأ به. تنبثق القدرة على التنبؤ من أفكار اللعب التي ينقلها المدرب وهي منظمة على المستوى الكبروي. من ناحية أخرى، ينشأ اللاتنبؤ من القراءة والتفاعل المنظم على المستوى الجزئي-الصغروي الذي يصنعه اللاعبون المختلفون من تلك الأفكار، بمعرفتهم وإدراكهم ومزاياهم.” -غارغانتا وتوليدو وغيليرمي.

“نحن نبني بيننا لغة مشتركة نفهم من خلالها ما نقوم به. غالباً ما تكون تلك اللغة لا واعية؛ إنه تفاهم. ولكن حتى بدون مدرب يحدث ذلك؛ عندما كنا أطفالاً نتعلم أنه عندما تظهر مواقف معينة، فمن الأفضل القيام بأمور معينة”. -خوانما ليـّو