رالف رانغنيك.. صناعة الكرة

واجه رالف رانغنيك مقاومةً وتمنعاً في البداية، ألمانيا إذ ذاك لا يزال فيها دور الليبرو أو القشاش، ولا يزال دفاع الرجل لرجل بشكله القديم هو السائد، يتقدمهم أوتو ريهاغيل. يخرج رانغنيك في شاشة التلفاز ليعلن عن فكرته المستلهمة من ساكّي ولوبانوفسكي؛ خط دفاع رباعي وبلا قشاش! ليس ذلك وحسب، بل لن يلاحق المدافع المهاجم إلا في حدود منطقته، تتباين ردود الأفعال فذاك المتعجب وذاك الساخر، كسخرية وتهكم الاعلام به وتسميته بـ “بروفيسور الكرة”. كانت تعد هرطقة وقتئذٍ يقول رانغنيك.

يبدو أن هذا التهكم أصبح حقيقة لاحقاً، إذ دأب رانغنيك على تطبيق كرته وحمل فكرته في كل فرقه التي دربها، بدءاً من الفرق الهاوية وصولاً للدرجات الدنيا مع فريق “أولم” ووصولاً للبونديسليغا عبر شتوتغارت وكلا الناديين يقبعانِ في ولاية بادن-فورتمبيرغ في جنوب غربي ألمانيا. تلك المنطقة شهدت ثورة كروية في الثمانينات، وكان خلفها مدرب ومهندس مدني يُدعى هيلموت غروس، وهو الملهم لرانغنيك، ومعاً وصلا بكرتهما إلى القمة في ألمانيا نهاية التسعينات ولكنها نجحت فعلاً بالجمع ما بين الأداء والنتيجة في نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة عبر هوفنهايم.

قضى غروس مسيرته التدريبية خلف الكواليس، مسؤولاً عن المنهجية التدريبية والكشافة وهو دوره في أندية رد بُل حتى تنحى الصيف الماضي. غروس متصالح مع هذه الفكرة؛ أي البقاء بعيداً عن الأضواء: “أفضل أن أكون في الكواليس”، لم يخطط المدرب السابق لعدة أندية هاوية بمسيرة احترافية؛ “كمهندس مدني، كنت منخرطًا في بناء الجسور طوال السنوات الماضية وكانت مسيرتي المهنية مُرضية، لذا لم أكن مهتماً أبداً بالاحتراف في كرة القدم. كانت ولا زالت كرة القدم شغفًا، لكنها لم تتحكم بي.”

روجر شميدت وماركوس غيسدول وأنا شكلنا هيلموت غروس، وهو مدربٌ عظيم من فورتمبرغ، طبق فعلاً أسلوب الضغط والتغطية المكانية المناطة بالكرة في منتصف الثمانينات.

“التقيت هناك بمهندس انشائي كان قد تعلم التكتيكات ذاتياً وأصبح أول من يطبق التغطية الموجهة للكرة، نظام يجمع ما بين دفاع المنطقة والضغط الشرس، كان اسمه هيلموت غروس.”

-رالف رانغنيك
Adieu RB Leipzig! Fußball-Philosoph und Rangnick-Mentor Helmut ...
غروس ورانغنيك.

بقي هيلموت غروس مغموراً إلى يومنا هذا، غير أن صاحب الـ 72 عاماً كان العضيد واليد اليمنى لرانغنيك، وهذه العلاقة بدأت بين الثنائي منذ بداية الثمانينات. ومن الوهلة الأولى بدا التوافق والتوائم بينهما في رؤية كرة القدم. “غروس سبق عصره” يبين رانغنيك: “تعرفت به حينما كنت في الخاسمة والعشرين من عمري، أدركت فوراً بأنه كان مختلفاً.” درس المدربان عدة مدربين أبرزهم إرنست هابل وفاليري لوبناوفسكي وأخيراً أريغو ساكي، حيث يبدو ميلهما إلى الكرة ذات النسق والرتم العالي، وإلى الضغط ونصب الفخاخ لانتزاع الكرة ولكن في ثلث الخصم الأول وبالقرب من مرمى الخصم. ذهبت أحلام المدربَيْن إلى أبعد من ذلك فبدأا محاولة نشر أفكارهما وطرحها منهجياً في اتحاد منطقة فورتمبيرغ لكرة القدم، وكذلك في نادي شتوتغارت أكبر أندية المنطقة والذي كان يقود فئاته السنية غروس وقد اختار رانغنيك كمدرب وهو الخيار المثالي لتطبيق كرة غروس حسب تعبير الأخير، هذه الكرة التي بدأ صياغتها غروس في ناد من الدرجة السادسة يدعى غايسلنغن. لم تكن هناك لغة كروية، ولا مراجع لغروس ورانغنيك، إذ يشير الأخير إلى أنه “لم يكن هناك كتب ولا تمارين يمكن أن ننهل منها، حتى المعجم لا وجود له”، وهذا اضطرهما لصناعة المواد والكتيبات التدريبية. غروس ورانغنيك لم ينفكا القيام بذلك حتى اللحظة، أي تعليم المدربين أسلوبهم والحقيقة أن لهما الفضل الأكبر في ازدهار المدرسة التدريبيةوتبلورها في ألمانيا، عدد لا بأس به من المدربين مروا برانغنيك إما كمساعدين أو كلاعبين، أخيم بايرلورتزر مدرب ماينتز، أوليفر غلارزنر مدرب فولفسبورغ.

من بين المدربين الذين تخرجوا من تلك المدرسة الكروية توماس توخيل والذي شبهها بمدرسة أياكس وبرشلونة، بالإضافة إلى ماركوس غيسدول وهذا الأخير تدرب على يد غروس في غايسلنغن وهو من أطلق عليه لقب أريغو ساكي الكرة الألمانية، غيسدول اعتزل كرة القدم بعمر 27 بسبب إصابةٍ في ركبته وقال إزاء توجهه للتدريب “قدم إليّ وناقشنا المادة التي طورها في مدارس التدريب، كنت متحمساً”. هذا دوناً عن ذكر مدربين تأثروا بأسلوب رانغنيك كأليكساندر زورنيغز، أدي هوتر، روجر شميدت وغيرهم. غروس وكذلك رانغنيك أسسا لما سمي لاحقاً بـ konzepttrainers وهو مصطلح ألماني يطلق على المدربين الذيم يمتلكون أسلوباً واضحاً وطويل المدى.

“التعاون مع رالف رانغنيك وهيلموت غروس أثر فيّ، يمتلكون خبرة في هذا النوع من اللعب”، رانغينك أعجب بباديربورن الخاص بروجر شميدت وعرض عليه تدريب رد بُل عام 2012، شميدت لم يتردد في قبول العرض “حاولنا بناء فريق شاب بكرة قدم خاصة؛ كرة شرسة وضغط عالي.” يزعم رانغنيك أنه قادر على تحويل عدائي المسافات المتوسطة إلى لاعبين قادرين على تقديم كرته خلال 4 أسابيع “أعطني 16 من عدائي المسافات المتوسطة وسيكونون قادرين على تطبيق التغطية المكانية الموجه للكرة […] مكان الكرة هي الفكرة المركزية، نريد أن نكون حيث تكون الكرة”. رانغنيك كساكّي، لا يرى أن الجودة الفردية ستصنع كرة جماعية، قد تنتصر بفضل الفرديات لكن قد لا تقدم كرة تبهج الجماهير. مغمورون، دائماً هم لاعبوه، لأنه قادر على تطويرهم ما لم يتملكوا الحد الأدنى من المهارات بلا شك. فبفضل كشافيه يقتنص رانغنيك اللاعبين الأنسب لكرته، ليس فقط تكتيكياً-فنياً وإنما سلوكياً من حيث العطاء والتضحيات، كرته تنطوي على الكثير من الركض… الذكي بالضرورة.

كمناصريْن لدفاع المنطقة بدأ غروس ورانغنيك متابعة الفرق من هذا المنطلق، كانا معجبيْن بهولندا إرنست هابل، كانوا من الفرق القلائل الذين يطبقون دفاع المنطقة آنذاك “كان هابل أحد القدوات بالنسبة لنا، استعرنا بعض العناصر من عنده، كالدفاع برباعي وضبط التسلل”. ومن هابل إلى لوبانوفسكي، وهذا الأوكراني كان أحد المؤثرين بأسلوب غروس، هيلموت كان محظوظاً حيث شهد تدريبات دينامو كييف على الطبيعة خلال معسكر منتصف الموسم والذي أقامه الأوكران في جنوب غرب ألمانيا كعادتهم وقتها. رانغنيك لعب ضد لوبانوفسكي دينامو بفريقه الهاوي فيكتوريا باكنانغ عام 1983 ولم يخفِ اعجابه “أنا متأكد أنهم يمتلكون لاعباً زائداً”. كان ذلك بمثابة الانكشاف أو التجلي الكروي، لسان حال رانغنيك كان “يوريكا … وجدتها” يؤكد صاحب الـ60 عاماً “فهمت أن هناك طريقةً مختلفة للعب”.

“كنت أدرب في باكنانغ عام 1984 عندما لعبنا مباراة ودية ضد دينامو كييف لوبانوفسكي. كانوا يقيمون معسكراً تدريبياً شتوياً لمدة أسبوعين كل عام، يقبع بالقرب منّا، وكنا خصومًا بهذه المناسبة. لم أكن أصدق ما كنت أراه … حركتهم وحيويتهم، انتظامهم كان مذهلاً.”

-رالف رانغنيك

أكثر المؤثرين برانغنيك وغروس كان أريغو ساكّي، يشترك الثلاثي -رانغنيك وغروس وساكّي- بأنهم لم يركلوا الكرة على المستوى الاحترافي، رانغنيك هو الآخر لم يتخطى الدرجة الخامسة في ألمانيا، فِهم اللعبة وحتى الاختراع والابتكار ليس له علاقة بالاحتراف. يتحدث رانغنيك عن مثله الأعلى وملهمه: “لم يكن اسماً كبيراً، لم يحظَ بمسيرة لامعة كلاعب، كان يشبه لوي دو فونيس (كوميدي فرنسي)، لا يمكن أن نتصور أن نادياً ألمانيا سيعين رجلاً مثله آنذاك، كسر ساكي التابو”. رانغنيك وغروس كانا مهووسان بساكّي، استطاع الثنائي الحصول على أشرطة لمباريات ميلان ساكّي، بفضل معارف لهم في إيطاليا، غروس يتذكر: “ابتعت مسجل فيديو غالي الثمن، كان الأحدث في السوق آنذاك. ولكن سرعان ما اخترب لأننا كنا نعيد ونقدم الشريط لنرى تفاصيل تكتيكات ساكّي ومدربين آخرين”. يتذكر رانغنيك بأنه بمجرد أن تعرف بغروس شاهدا فيديو لمباريات ميلان ساكي، “لم يكن أحد يلعب بهذه لطريقة في ألمانيا”. أيضاً في إيطاليا كان هنالك رائد من رواد اللعب بالمنطقة والضغط الشرس، رانغنيك لا يفوت الفرصة. يختار رالف أن يصيف برفقة العائلة في شمال إيطاليا حيث جبال سودتيرول أو آلتو أديجي ثنائية اللغة إيطالية/ألمانية، هناك حيث معسكر الفريق الممتع والثوري فوجيا الخاص بزدينيك زيمان “زيمان كذلك كان رائداً في الضغط وتغطية المساحة (دفاع المنطقة) في كل أرجاء الملعب.”

يبحث رانغنيك وغروس عن فرق شرسة وحادة في الحالة الدفاعية، لا تبحث وكفى عن حماية المرمى، بل هناك سعياً حثيثاً لاستعادة الكرة في أقرب فرصة. ذلك لن يحدث إلا عند تقليص الوقت والمساحة ونزعهما من الخصم، يشرح غروس: “كانت فكرتي أنه يجب عليك الفوز بالكرة في أسرع وقت ممكن، هكذا نشأت فكرة التغطية المكانية الموجهة للكرة”. هذا لا يحدث عبر اندفاع عشوائي وإنما باستخدام آليات ضغط وتمركز جيد يستطيع الفريق إرغام الخصم على ارتكاب الأخطاء في التمرير. ثم هناك ما يُعرف بمصايد الضغط، نصب طعم للخصم، بحيث يفسحون قليلاً من المساحة في العمق وبمجرد دخول الكرة للعمق يُحاصر حامل الكرة وتُغلق بوجهه مسارات التمرير ويمنع من الدوران، هذا عطفاً على رفع النسق عند انتقال الكرة للطرف.

اللعب في العمق أمام لايبزغ جحيم، فبانتظار مستقبل الكرة كماشة متوحشة.

ترتكز كرة رانغنيك وغروس على الحالة الدفاعية، على الضغط وعلى المرتدات، وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال افتقاد الفريق للهجوم، حتى في الشوارع لا تخلو كرة القدم من دفاع وهجوم تحولات وكرات ثابتة. لكن استطالة الاستحواذ قد تكون له سلبياته وهذا ما لا يفضله رانغنيك، إنما يرى كرة القدم بطبيعتها سجال، أهاجم وأدافع وأتحاور مع الخصم. الهيمنة على الكرة أحياناً كثيرة هي كالطمع والجشع، كتجميع المال بلا طائل، “أريد أن نمتلك الكرة” لكن لماذا؟ بالطبع هناك إجابات مقنعة لدى غوارديولا أو كرويف، هناك مغزى من تناقل الكرة، حتى لو كان للاحتماء من هجمات الخصم.

جيسي مارش مدرب رد بُل سالزبورغ حالياً ومساعد رانغنيك الموسم الماضي يشرح أسلوب فرق رد بُلّ، البحث عن الحلول عمودياً لوصول سريع لمرمى الخصم، زائداً تكثيف العمق. وهذا بالطبع ينطوي على تكتيكات وآليات لا كلاماً مرسلاً.

في حالة الهجوم -والمتردات وهي حالة هجومية بالطبيعة- يبحث الفريق عن العمق حيثما يكون المرمى. ولا يرغبون بالخروج للأطراف. كذلك في الحالة الدفاعية، يسعون لتكثيف العمق، ولذا هم يفضلون خططاً كـ4-4-2 تبدو وكأنها 4-2-2-2 حيث يميل الجناحان للعمق، أو كـ4-3-1-2 وهذا ما صرح به رانغنيك سابقاً، 4-4-2 وتفرعاتها تبدو مثالية لتكثيف العمق وكذلك لتوفرها انتشارٍ جيدٍ.

يبحث الفريق عن العمق حيثما يكون المرمى، في الهجوم المنظم أو المضاد أو في حالات بين بين (الكرات العالية) نجد أن الفريق كما هو موضح في الصورة يغمرون العمق ويكثفونه ويهاجمون من خلاله. المهاجمين مستعدين للتوغل بمجرد استعادة الكرة.

ارتداد وتحول سلوكي انسيابي لدى لايبزغ، راقبوا استباق زابيتزر #7 وبولسن #9، لن أقول سريع لأن معظم المرتدات سريعة كون الخصم مفتوح أحياناً كثيرة.

في الحالة الهجومية “يعتقد الناس دائمًا أن حيازة الكرة فتراتٍ طويلة يؤدي إلى المزيد من فرص التهديف. لا يمكن إثبات هذا الارتباط إحصائياً”. يبدو أن غروس لا يحفل بالهيمنة عند الاستحواذ، هو يعتقد أنك لا تحتاج إلى الكثير من الاستحواذ للتقدم بالكرة وخلق فرص التسجيل، رانغنيك يصادق على قول رفيق دربه مشبهاً نقل الكرة من جهة لأخرى بكرة اليد، أو ما يسميه غوراديولا بـU shape أي تناقل الكرة بين الطرفين وحول هيكل الخصم وليس دواخلهم (عمق). عزا هيلموت غروس إقصاء فرنسا لألمانيا في يورو 2016 للاستحواذ قائلاً: “استحوذت ألمانيا كثيراً على الكرة. عندما تلعب على الاستحواذ، فإنك تقوم بتنحية الإيقاع تلقائياً من اللعب؛ أنت تلعب كثيراً في الأطراف”. ومع ذلك، فإنه يعتقد أنه إذا استحوذ الفريق على الكرة لفترة بشكل جيد “يمكن أن تؤدي إلى إرهاق ذهني للخصم”. لكنه يصر على عدم وقوع فرقهم في هذا الفخ “في لايبزغ نحن لا نتعب ذهنياً، عندما تكون الكرة بحوزة الخصم، فنحن نتطلع لأن يحدد الخصم إيقاع اللعب. ثم لدينا فرص أكبر لاستعادة الكرة بأنفسنا”.

عند امتلاك الكرة، يطمع رانغنيك باختراق خصومه بأسرع وقت ممكن، تبادل عمودي سريع للكرة، حركة سلسة. مثل زيمان، الذي يرى أن تمريرتين عرضيتين كثير وغير ذي جدوى. أحياناً تدفع الثمن عندما تفعل ذلك، خصوصاً حينما لا تحتمي بهيكل جيد عندما تمتلك الكرة، أي تقارب اللاعبين من منطقة الكرة وتغطية المناطق التي يستهدفها الخصم في المرتدات. يعتقد غوارديولا أنك بحاجة لما لا يقل عن 10 تمريرات كي تشيد هيكلاً جيداً، تناقلٌ للكرة بين القلبين، مثلاً، ويتقدم الهيكل ويرتحل للأمام ومن ثم يكون مستعداً للتمريرة الكاسرة، إن نجحت كان بها وإن لم تنجح فهناك مجال للانقضاض واستعادة الكرة. رانغنيك لا يرى أن ذلك ضرورياً… يهاجم فوراً، ولكن ليس باعتباط، لأن فرقه تتخذ شكلا وهيكلاً ضيقاً عادة، فاللاعبون متقاربون تلقائياً، والمنطقة حول الكرة مكتظة باللاعبين، كفرق ساكي.

لاكتظاظ العمق وبتوجيه اللاعبين لأجسادهم بشكل صحيح وإلقاء نظرات سريعة لما خلفهم يستطيع الفريق اغلاق مسارات التمرير، عدا ذلك فالفريق مضطر للعودة وسد الثغرات.

اشتهر مصطلح Gegenpressing مع كلوب قبل سنوات، وارتبط بالكرة الألمانية. “الضغط المضاد” هو ما تعنيه هذه الكلمة، هو ما أشرنا له في السطور السابقة. فحينما يخسر الفريق الكرة ويضغط بشكل شرس لاستعادة الكرة هو ما يطلق عليه بالضغط المضاد، هو قتل هجمات الخصم المرتدة من المهد. مرحلة مميزة في فلسلفة رانغنيك وغروس، جامحة وعنيفة وتبدو فوضوية؛ “عندما يلاحق ثلاثة لاعبين في سرب خلف كرةٍ فقدت للتو، قد تبدو فوضوية في بعض الأحيان، ولكنها فوضى منظمة وإبداعية للغاية”. هكذا يصف غروس الضغط المضاد الخاص بهم. ليس الضغط المضاد بالجديد، إذ تطورت من هابل مروراً بميخلز ولوبانوفسكي ووصولاً لساكي، وانتهاءً بشكلها الجامح عبر رانغنيك وكلوب وشميدت.

ساهم رد بُل لايبزغ مع الباحثين وخبراء التكنولوجيا في تصميم SoccerBot360 وهو تمرين واقع افتراضي لتطوير المهارات المعرفية/الإدراكي. بالإضافة لاستخدامهم تقنية Helix و footbonaut التي ساهم بتصميمها رانغنيك وكلتا التقنيتين من SAP.

كرة القدم في وقتنا الراهن ومع اضمحلال المساحات ومؤدى ذلك في كثرة التحولات وتقلب أحوال اللعب وسرعتها أصبحت تتطلب حدة ذهنية وتركيزاً مضاعفاً. على اللاعبين اليوم استقبال ومعالجة المدخلات الحسية بسرعة للتأقلم مع واقع اللعبة المعقد أكثر فأكثر. ولهذا يقول أليكساندر دزورنيغر أن التحولات في اللعب كثيرة وينبغي أن نكون متهيئين. رانغنيك وغروس يثقان بالعلم ويحاولان التعاون مع مراكز الأبحاث في تطوير القدرات المعرفية/الإدراكية، يقول غروس: “أكبر معدلات النمو تتم عقب تدريب الدماغ […] يجب على اللاعب أن يلاحظ ويتوقع ويحلل ويقرر بسرعة، ثم يتصرف بأسرع ما يمكن. إن إمكانات الدماغ هائلة ولا يمكننا حتى تقديرها”. يضيف غروس قائلاً: “هناك باحثون يطورون ألعاب كمبيوتر خاصة للاعبي كرة القدم طمعاً في تطوير مهارات التفكير هذه. كل هذه الأمور مهمة جدًا بالنسبة لنا في لايبزغ. لدينا -من بين أمور أخرى- علاقات وثيقة مع الجامعات، إننا نتعلم منهم، ولكن هنالك أمورٌ نقوم بها نحن”. يركز رانغنيك في تدريباته على المباريات المصغرة والمساحات المضغوطة لإرغام اللاعبين التأقلم والاعتياد على تعقيد اللعبة: “إننا ندرب بشكل ديناميكي ودائماً عبر حالات تكتيكية. نحن نتدرب على المباريات المصغرة، والتي تستغرق ما بين 30 و 60 ثانية فقط. ولكن في وتيرة لا تتحقق في كثير من الأحيان في المباراة. تتم مراقبة وتقييم جميع المعلمات البدنية باستخدام نظام GPS.”

“المدربون الألمان لم يُعرفوا أبداً بأنهم استراتيجيون مميزين”. يزعم رانجنيك، “كأس العالم التي رُبحت كانت تعتمد على القتالية والمهارات الفردية للاعبين”. على الرغم من أن سيب هيربرغر وأوتمار هيتزفيلد تميزا تكتيكياً إلا أن كرة القدم الألمانية كانت تفتقر إلى هوية خاصة. يميل غروس كذلك للجماعية وأسلوب الفريق حيث “أظهر المدربون الأصغر سناً مثل كلوب، وسترايخ وتوخيل أن كرة القدم في الأساس رياضة جماعية، وكما هو الحال في إسبانيا، من الممكن القيام بالكثير كمجموعة. ربما يجب على الإنجليز أن يتعلموا، النجم المدفوع الثمن بالكاد يمكن أن يحرك شيئاً. إيطاليا تقليدياً أرض التكتيك والعمل الجماعي الذكي”. في مقابلة مع سبوكس يرد على هونيس الذي يرى بأن الفرديات هي التي ستجلب لك النصر مدعياً -أي غروس- بأن التكتيكات طريقٌ للفوز؛ “.. ماذا سيحدث إذا تساوت كفة الفريقيْن؟ ماذا سيحدث إذا كان لديك لاعبين أضعف على الورق؟ هل يجب على المرء أن يستسلم على الفور؟ التكتيكات ليست إلا أحد جوانب كرة القدم، ولكنه جانبٌ مهمٌ جداً”.

عُرف الألمان بالذهنية القوية، وعقلية الانتصار، ولكن في أوائل الألفية الثانية، بدأت كرة القدم الألمانية في التغير. بلا شك -ولو بطريقة غير مباشرة- قدم غروس و رانغنيك مساهمة ملموسة في كرة القدم الحديثة في المنطقة الناطقة بالألمانية عموماً. تأسيس ثقافة تكتيكية وطريقة جديدة للتفكير في كرة القدم، مع التأكيد على أن العمل الجماعي يأتي أولاً.

في ميلان وهي وجهة رانغنيك المحتملة، ويبدو من خلال سير المفاوضات أن الألماني وضع شروطه، ماركوس شوبّ لاعب بريشيا السابق ومدرب هارتبرغ النمساوي سيكون الخبير بالكرة الإيطالية بالنسبة لرانغنيك. وضع الشروط خطوة مهمة، رانغنيك لا يهمه ميلان مهما كبُر اسمه، فالأندية كيانات لا وجود لها فيزيقيا جسدياً، والإنسان، أي إنسان أكبر من هذه الكيانات الوهمية، الأندية والشركات ليس لها قيمة بدون الإنسان، أفكار ووعي الإنسان هي التي صنعت الكيانات، ولكي يعود الميلان بطلاً ينبغي أن يعود بالأفكار التي يحملها الرجال، أو يأخذوا الأمور “من قاصرها” بالأموال، فلا حاجة للأفكار والاستراتيجيات كما يفعل رانغنيك فهو مطور لما حوله من لاعبين أو حتى مدربين فضلاً عن ثقته بالعلم، واستغلال الأموال بالشكل الصحيح. وأيّاً يكن فحقيقة النتائج أكبر من أي شيء. هكذا تسير كرة القدم، ببراغماتية، أعطني نتائج وسأبني لك تمثالاً، لا تهمني أفكارك ولا استراتيجيك، سيكون كلاماً جميلاً، نردده في الإعلام وقت الرخاء فقط ووقت امتحان الصبر تسقط الأقنعة.

“الفوز أمرٌ مهم، ولكن أن يكون لديك أسلوبك الخاص، أن يكون هناك من يستنسخ أسلوبك، ومن هو معجبٌ بك، تلك هي الهدية الأعظم”.

-يوهان كرويف

خوانما لـيّـو: الرحلة قبل القبلة

أصغر مدرب في تاريخ اللا ليغا الإسبانية بعد صعوده بسالامانكا إلى دوري الأضواء بعمر الـ29 فقط. بعد الخسارة ذهاباً من الباسيتي 2-0 أستطاع المدرب المولود في تولوسا في إقليم الباسك سحق الباسيتي بخماسية نظيفة صعدت بالفريق إلى الدرجة الممتازة بعد غياب دام 12 عام، أو بتعبير أصح، صعد الفريق، ذلك لأن ليـّو يرفض حتى الاحتفال بالأهداف كونها من صنع اللاعبين وهو كمدرب لن يغتصب الفضل بحسب تعبيره. المدرب الباسكي الذي اعتزل صغيراً جداً قبل حتى أن يخطو خطاه الأولى في كرة القدم “للصالات” لأن “قدماي وعقلي لايتفقان، لكنني أحسست فعلاً بأنني مدرب” الأكثر غرابة أنه بدأ التدريب بعمر 16 سنة فقط بفريقٍ هاوٍ يدعى “أماروز” وبعد 4 سنوات وبعمر الـ20 التحق خوانما بنادي المدينة “تولوسا” الذي كان يلعب بالدرجة الرابعة. مكث في تولوسا لثلاث سنوات ثم شد الرحال إلى ميرانديس لموسم واحد ثم عاد بعد البقاء بلا عمل لعام كامل لنفس النادي؛ ميرانديس. بدأ ينتشر اسمه في أرجاء اسبانيا ليلتحق بنادي كولتورال ليونيسا في الدرجة الثالثة وهو أول نادي محترف يدربه الباسكي وبعمر الـ 26 عاماً فقط ليصبح أصغر مدرب محترف في إسبانيا. بعد أن لمع اسم خوان مانويل لييّو وأسلوبه العصري في عالم كرة القدم من الصعود خطوة أكبر وربما الأكبر في مسيرته عندما وصل الى سالامانكا بعد ان أثار بهجة المتابعين في موسمه الوحيد في الدرجة الثالثة مع كولتورال ليونيسا.. كما يقال.

في سالامانكا استطاع الإقلاع بالفريق من الدرجة الثالثة إلى الممتازة في غضون عامين وفي موسمه الأول في اللاليغا احتل المركز الأخير لكن بمعدل تهديفي كبير حيث قبع الفريق في المركز الـ10 تهديفياً من بين 22 فريق كانوا في اللا ليغا آنذاك. أقيل من سالامانكا قبل نهاية الموسم بـ 6 أسابيع فاحتجت الجماهير وقبلهم اللاعبين على ذلك لحبهم له.. كما يقال. الفريق هبط فعلاً لكن خوانما بقي في اللاليغا وبالتحديد في “ريال أوفييدو” ولكن الأمور لم تسر على النحو المطلوب، أقيل قبل نهاية الموسم لسوء النتائج. عاد للتدريب في فبراير عام 98 لينقذ “تينيريفي” من الهبوط وبقي معهم للموسم التالي ولنفس المشكلة أقيل خوانما لسوء النتائج بعد 3 أشهر فقط.

سرقسطة هي الوجهة القادمة لخوان بعد توقفٍ دام عام ونصف العام، لكنه أقيل أيضاً بعد 3 أشهر فقط. أصيب المدرب الباسكي بعد ذلك ببعض الإحباط فعمل معلقاً لقناة Antena 3 خلال كأس العالم 2002 ليعود للعمل عام 2003 عبر بوابة مورسيا في الدرجة الثانية لموسم ثم درب تيرّاسا في الموسم الذي يليه بلا نجاحات ملحوظة. في عام 2005 رحل للمسكيك لنادي دورادوس، تلك الفترة امتلأت بالمشاكل حيث اتهم الباسكي المتفسلف الإتحاد المكسيكي بالإنحياز لبعض الفرق انتهت تلك الفترة بهبوط دورادوس. في 2006 يعود لإسبانيا وبالتحديد للنادي الباسكي ريال سوسيداد وفشل في الصعود بالفريق لدوري الأضواء حيث احتل المركز الـ6 لينتهي ارتباطه سريعاً في سوسيداد. التحق لييّو بالنادي الأندلسي ألميريّا لينقذهم من الهبوط عام 2010 بل وينهي الموسم بالمركز الـ13، جددت إدارة ألميريّا الثقة بخوان للموسم التالي حتى خسارة الفريق الكارثية أمام برشلونة بـ 8-0 في نوفمبر 2010 ليبقى خوان بلا عمل حتى 2014 ثم يرحل إلى كولومبيا إلى النادي الكولومبي العريق ميّوناريوس النادي الذي انجب دي ستيفانو وفالكاو، تلك التجربة لم تكن باللامعة كما جرت العادة فميّوناريوس لم يعد النادي المليوني كما كان من قبل.

إنتخابات برشلونة 2003 .. العلاقة مع غوارديولا

Tres días con Guardiola en Murcia | La Verdad

عام 2003 بدأت انتخابات برشلونة وترشح كلٌ من لويس باسات وخوان لابورتا لرئاسة النادي الكتلوني، من ضمن خطط باسات أن يضع غوارديولا مديراً رياضياً للفريق بعد الإتفاق فعلاً مع بيب. غوارديولا لم يكن في عقله إلا مدرباً واحداً ألا وهو خوان مانويل لـيّو، غير أن باسات خسر كرسي الرئاسة وعدل بيب غوارديولا عن قرار الإعتزال ورحل إلى قطر. وتتلاشى الفرصة الأكبر للـيّو صاحب الـ37 عاماً آنذاك. علاقة كبيرة وصداقة قوية واحترام متبادل تجمع بين خوانما لـيّو وبيب غوارديولا حيث صرح خوانما مراراً أن غوارديولا هو أفضل لاعب وسط في العالم، العلاقة بدأت في الكامب نو في مباراة برشلونة وريال أوفييدو إبان تدريب خوانما للنادي الأستورياسي. أعجب بيب بالكرة التي يقدمها أوفييدو تحت إمرة المدرب الباسكي ولم يخفِ غوارديولا رغبته باللعب تحت قيادة لـيـّو وهذا ما حدث فعلاً في 2005 عندما انتقل إلى دورادوس المكسيكي وهي آخر محطات غوارديولا قبل الإعتزال وحصل الوصال هناك في المكسيك. وجهة غوارديولا لم تكن فقط للعب بل لتعلم بعض من أفكار “أستاذه” – كما يسمّيه بيب – قبل التوجه لعالم التدريب. بالرغم من أن الفترة التي لعب فيها غوارديولا رفقة خوانما كانت قصيرة (6 أشهر) إلا أن مدرب السيتي الحالي صرح بأن لـيّـو هو المدرب الأهم في مسيرته مع الوضع في الحسبان مدربون قديرون دربوا بيب مثل يوهان كرويف -وهو المثل الأعلى للـيّـو- فابيو كابيلو، خافيير كليمينتي، كارلو ماتزوني، فان غال.

بعد تعيين بيب غوارديولا كـ مدرب لـ برشلونة B عام 2007 لم يستلهم غوارديولا أفكار لـيّو فقط بل وأدار خوانما لييّو أولى الحصص التدريبية بشكل غير مباشر وجنباً إلى جنب مع بيب، الطريف في الأمر أن بيب غوارديولا نفسه كان السبب في إقالة لـيّـو عام 2010 من ألميريّا عندما سحق برشلونة النادي الأندلسي بـ8 أهداف دون رد.

“أنا اتفهم لماذا يتم إقالة المدربين، لكن الشيء الذي لا أفهمه هو لماذا يتم تعيينهم في البداية ؟”

هذه كلمات لـيّـو بعد إقالته من ألميريّا في نوفمبر 2010. آثر خوانما دوماً وفي كل الفرق التي دربها الكرة الجميلة والهجومية مبدياً امتعاضه في الحكم على المدربين بالنتائج وأن يتناسى الإعلام عملية كاملة ومنهجية يسير بها مدرب كرة قدم جيد، “الإعلام لا يخسر” يقول لـيّو ويضيف: “الصحافة تحلل كل شيء من خلال النجاح، التحليلات والتقارير تنجز من خلال النجاح، ولذا فهم دوماً على صواب.”

محطات خوانما لييّو لم تكن متناسبة مع خططه وتكتيكاته الهجومية الطويل الأمد والتي تتطلب صبراً في هذا العالم المتسرع والملح والراغب في النتائج الفورية. يتسائل لـّيو هل تشتري صحيفة لمعرفة النتائج أو تذهب إلى الملعب في الدقيقة 90 وترى النتيجة، أم ترى المباراة -وهي العملية…؟ لا أحد سيصبر على مدرب يضع فلسفته وأفكاره قبل النتيجة النهائية التي ستتحدد أحياناً عبر الصدف المحضة، أو عبر الفرديات العظيمة التي لم تكن فرقه -بلا شك- تمتلكها. وهل من الممكن أن تُطبق كرته في دوري النخبة؟ يستغرب أوسكار كانو مورينو هذا السؤال، “لا أفهم ما المقصود بـ’كرته’، ما هو أهم، هو أنه لطالما قال بأن كرة القدم بالنسبة له تنتمي لمن يلعبها؛ أي للاعبين.” أسلوب لـيّو ببساطة يتمحور حول الكرة، فبلا كرة ما الجدوى من “كرة” القدم؟ كما أنه الأسلوب الذي سيقربه من الفوز على حد وصفه، “إذاً أنت براغماتي أيضاً؟” يسأل سيد لو، يجيب ليـّو: “أيضاً؟ لا، قبل أي شيء، ما يقوم به المدرب هو محاولة زيادة مؤشر احتمالات الفوز في المباراة، كمدرب كل ما بوسعك تنحية عامل الحظ من دوره قدر الإمكان.”

في كل نشاط إنساني ثمة فسحة للأخلاقيات، كرة القدم ليست نتيجة وحسب، “لا شيء في هذه الحياة يضمن النتائج، حتى أولئك الذين يتحدثون عن النتائج إنما هم يبيعون الهواء ويخادعون الناس. أستطيع أن أظهر النوايا لا النتائج، لأن النوايا ستظهر الأفكار”، بإمكانك الفوز وإن كنت سيئاً بغض النظر عن الأفكار والأسلوب، يتحدث لـيّـو كما كرويف عن النوايا، عن الكيفية، عن الرحلة قبل المحصلة وقبل الوصول “إننا نعمل بلعبةٍ متغيراتها كثيرة والصدف من ضمن متغيرات كرة القدم”. ولكنه يُصرّ على البقاء على نفس النهج الذي يتّبعه قائلاً “تلافي المخاطر هو أخطر شيء على الإطلاق، من أجل تجنب المخاطر، سأواجه المخاطر.” يحب الناس البساطة كما يشير لـيّو، فالناس “تتجنب نظريات التعقيد”، الناس تبحث عن بساطة التفكيك والسببية، لكن عندما تذهب من مكان إلى آخر لن تعرف ما الذي ستواجهه في طريقك، فالسبب والأثر لا وجود لهما -بحد ذاتهما- “كيف تعرف أن السبب لم يكن تأثيراً لشيء سبقه، وأن التأثير لن يتسبب في شيء آخر – في سياق متغيرات أخرى لا تعد ولا تحصى؟” هذا ينطبق على كرة القدم بمتغيراتها اللانهائية. يشدد لـيّو المطلع على نظريات التعقيد “أدق متغير قد يغير كل شيء، إنها نظرية الفوضى.”

قدّم الفيلسوف المبتكر لعالم المستديرة خطته الجديدة (4-2-3-1)، وهذا الشيء الذي قد لا يعرفه الكثيرون، لـيّو هو مبتدع الخطة الأكثر انتشاراً حالياً في عالم الكرة. قضى لـيّـو معسكر موسم 91-92 خلال فترة تدريبه لكولتورال ليونيسا في العمل على خطة 4-2-3-1، المدرب المهووس بالمركزية والذي تأثر بيوهان كرويف قال عنه خورخي فالدانو: “لقد قابلت رجلاً مجنوناً، يتكلم عن لعب الكرة بشكل صحيح!” لـيّـو هجن مركزية كرويف بمنطقة ساكي وهي عطفاً على ذلك أكثر الأساليب انتشاراً حتى وقتنا في إسبانيا. أخذت الـ4-2-3-1 في الانتشار أكثر فأكثر في كرة القدم حالياً لسلاستها ولمرونتها على الجانبين الدفاعي والهجومي، يصر لـيّـو أن الرسم هو عبارة عن أرقام ليس إلا، الأهم تمركز اللاعبين والتحرك داخل الملعب، “طالما أن الكرة تتحرك فليذهب الرسم للجحيم” في الحقيقة استخدم لـيّـو 4-4-2 مع إسقاط أحد المهاجمين للخلف، ولكنه أسماها 4-2-3-1 على أي حال.

“كنت أحاول صنع توزيع مكاني بناءً على نوعية اللاعبين الذين كنت أمتلكهم، نجح ذلك ومنذ سنوات بدأ الجميع يستخدمها. أعتقد أنها خطة جيدة، ولكني متأكد بأنه إذا رأيت تصرف اللاعبين عوضاً عن الأسماء المستخدمة للخطط، فالخطة قد اُستخدمت فعلاً قبلي بألف عام، ستبدو وكأنها 4-4-2 بمهاجم متأخر وجناحين متقدمين، كل ما في الأمر أن هناك هوس لتسمية الأشياء، لذا فقد أطلقت عليها 4-2-3-1”.

يولي خوانما لـيّـو اهتمامه الأكبر للإستحواذ في أسلوبه ويعتبر أحد رواد الـ Juego de Posición أو أسلوب المركزية ويعتبرها الحجر الأساس في نهجه ولكنه ينكر كونه يبحث عن كرة ذات طابع جمالي وفني “أنا لا اطلب من اللاعبين أن يرسموا لوحات عبر أقدامهم”، يفسر لـيّـو هوسه بالإستحواذ برؤيته للكرة كجزء لا يتجزأ ولسيت مختزلة في الثنائيات، هجوم أو دفاع، كاتيناتشو أو تيكي تاكا، “كرة القدم ليست هجومية ولا دفاعية، تقول القوانين من يسجل أكثر سيفوز، لذلك نحن نحتفظ بالكرة، وبدونها لن نستطيع إحراز الأهداف” الفكرة الرئيسية للتمركز لدى لـيّـو هي أن يمرر اللاعبين الكرة فيما بينهم في مساحات ضيقة لخلق مساحات في جهة أخرى من الملعب ومن ثمً تمرير الكرة للاعب الحر (الغير مراقب) في الجهة الأخرى، التفوق المركزي ضروري ليكون بمقدور الفريق اختراق دفاع الخصم. تمرير الكرة بدقة وفعالية يبقي الكرة بحوزة الفريق كما أن التفوق العددي خلال عملية تدوير الكرة يُنبت اللاعب الحر أو اللاعب الغير مراقب وهذا ما يهدف إليه لـيّـو في التمركز والاستحواذ على حدٍ سواء. اللاعب الحر سيكون حاسماً لإنهاء الهجمة، “المركزية تبدأ من انطلاق الكرة من الخلف في الوقت الذي يضغط الخصم في ملعبك، كل شيء يصبح أسهل عندما تخرج الكرة من الخلف بنظافة.”

يرى لـيـّو أن ثمة أزمة في تسمية هذا الأسلوب بالمركزية أو اللعب التموضعي بالإسبانية Juego de Posición أو بالانجليزية Positional play، هو يفضل اطلاق مصطلح juego de ubicación “اللعب التموقعي” عوضاً عن ذلك، ذلك لأن من الممكن “أن تتمركز -جسدياً- بشكل مثالي ولكن في المكان الخاطئ، أو التمركز بهيئة سيئة في المكان الصحيح”. والواقع أن الفكرة الأساسية في المركزية هي التموقع والتوجيه الجسدي وبعبارة أخرى (تفوق مركزي؛ أي ايجاد لاعب حر للتقدم بالكرة)، وهي أولى من التفوق العددي، أو النقل البسيط للكرة.

ليـّـو يصمم تدريباته دوماً على الكرة وبطريقة مبنية حول الكرة ويرفض فكرة أن تمارين القوة واللياقة مهمة في بناء فريق. يؤكد لـيّـو بأنها كرة قدم لذلك يجب أن تكون التمارين عبر الكرة لا الركض وحسب لأنه وكما -باكو سيرولّو- كرة القدم لعبة ينبغي أن تتبع التعقيد أي أنها كلٌ متكامل، وتمارين اللياقة والتحمل لا تمكّن الفريق من اللعب بشكل أفضل ولا تجعل من اللاعب لاعباً أفضل، لأنه وببساطة تمت ممارستها خارج سياقها، أي أنه تم اختزالها في اللياقة. لـيّو يعشق اللاعبين الأذكياء ويفضل اللاعبين الفنيين دوماً على اللاعبين البدنيين أو العدائين ذلك لأنه –بالنسبة له- سرعة اللاعب غير مفيدة إذا لم تُستخدم بالشكل الصحيح ولا يعتبرها ضرورية في المفاهيم الكروية.

“يومياً أسأل، أَخبرني من يلعب في الوسط سأخبرك ما نوع فريقك.”

“إينييستا يستطيع اللعب بدون ميسي لكن ميسي لا يستطيع اللعب بدون إينييستا”، في برشلونة لـيّـو يعطي أهمية أكثر لإينييستا، أكثر حتى من أهمية ميسي على سبيل المبالغة، أو ربما كلاعب متأخر قادر على إخراج الكرة من الخلف، لاعبو الوسط الفنيون -على سبيل التقريب لا الاختزال- لهم تقدير وتقديس بالنسبة لخوانما لذلك ولا غرو أن يكون غوارديولا -برأيه- هو أفضل لاعب وسط في كرة القدم. “ميسي يقوم بأفضل الألعاب والحركات، إينييستا هو أفضل لاعب في العالم” .. “يعجبني اللاعبون الذين يستلمون الكرات بأقدامهم البعيدة (استلام موجه)، (يعجبني) من يفتح الملعب، و(يعجبني) من يفتح مسار تمرير لنفسه.”

أما عن معاملة اللاعبين فعلى غرار فلسفته الكلانية، يرى اللاعب بجميع الأبعاد، قبل أي شيء كإنسان -يصرح لبليزارد- فالأمر يتعلق بالبشر وبكل شيء، لا يمكن اجتزاز ذلك من السياق: “لاعبو كرة القدم بشر في النهاية، يجب معاملة اللاعبين كمجموعة من البشر من الاثنين وحتى السبت، ويوم الأحد كلاعبي كرة قدم، على المدرب أن يكتشف قدراتهم الثقافية كلاعبين، هذا ما يجب على المدرب أن يبحث في اللاعب لبناء فريق. التركيبة يجب أن تكون منظمة ذاتياً بصرف النظر عمّا يريده المدرب” .. “اللاعب ليس علبة يجب ملأها، وانما شعلة يجب أن توقد” .. يبين لـيّـو في الأسطر السابقة أهمية التواصل مع اللاعبين إذا ما أردنا تشييد فريق واكتشاف نقاط القوى لديهم، يلزمنا اقناع اللاعب لا ارغامه، ويجب أن يعرف المدرب كيف يتعامل مع المعلومات التي يملكها عن اللاعبين ويكاشفهم بها دون أخذ أحكام مسبقة، وبالنهاية يتم بناء فريق قوي ذهنياً وفنياً. يشير لـيّو أنه إذا وصل لفريق جديد فالمهمة ستكون قائمة على التعديل وليس على تغيير جذري، 80% مشيد تلقائياً.

“لا يجعل اللاعبين كالآلات” خورخي سامباولي والذي عين لـيّو كمساعد له في تشيلي وأشبيلية، يكشف لنا طريقة لـيّو مع اللاعبين في التدريبات، “هو يريدهم مستقلين “خلف فكرة” امتلاك الكرة. بالنسبة لي، لـيّو معلم. من تمكن منّا من مقابلته في مرحلة ما فقد تعلم شيئًا ما.” كمربي هو يريد “تشجيع الاكتشاف الذاتي بين اللاعبين، تشجيع الحوار والتفاهم. أمرٌ معقد ومتقلب. أنت توجه الناس بدلاً من أن تأمرهم. أنت توازن، تتكيف، تستمع. البشر منفتحون، لا توجد إجابة تغلق النقاش بشكل نهائي. لا يقتصر الأمر فقط على أن ما يصلح مع لاعب لا يصلح مع لاعبٍ آخر؛ بل أن ما صلُح للاعب قد لا يصلح مع نفس اللاعب في وقت مختلف وتحت ظروف مختلفة.” نفسياً يتواصل لـيّو مع لاعبيه كأفراد ولكنه يرفض فكرة التدريب الفردي تكتيكياً، هذه خديعة كبرى بالنسبة له: “أنت لا تلعب فردياً، بل ضمن سياق الفريق” الكل يؤثر في الكل، وهذا ما يخلق التعقيد في كرة القدم، “ما يقوم به اللاعب الآخر هو ما يفرض عليك هذا القرار أو ذاك… […] يتكلم الناس عن التصفات الفردية، ولكن ليس ثمة تصرفات فردية”. لا تستطيع نزع الأبعاد المختلفة من أي تصرف، الزملاء أو الخصوم أو مكان المرمى أو حدود الملعب، البيئة أو المشاعر أو الحالة البدنية، اللاعب ليس فرداً مطلقاً في كرة القدم بل فرد نسبي، اللاعب بشر وليس روبوت.

يعتبر خوانما مرجعاً أساسياً في كرة الاستحواذ ودائماً ما يرتبط اسمه بها، ساهم بعدد من المقدمات لبعض الكتب، كتب كانو أو كتاب نونو أمييرو عن “المنطقة”. من بين المدربين المتأثرين به هو المتهور باكو خيميز -كما يصّدر لنا الإعلام- ويبدو أن مدرب كرة القدم الذي يدرب كرة قدم بأقل قدرٍ من المازوخية يصبح متهوراً، من تجلى له جوهر اللعبة “المتعة” يصبح متهوراً للعقول المقولبة. “تعلمت من لـيّو حب اللعبة” يقول خيميز ويزيد: “في كل تمرين تتعلم أمراً جديداً ورؤية جديداً، تنوعه ووضوحه يدهشني”. أوناي إيميري مواطنه كان قد أراد استهلال مشواره التدريبي كمساعد للـيّو -بالرغم من اختلاف الرؤى بينهم- إلا أن ذلك لم يحدث.

لا يسعني أن أختم هنا إلا أن أقول أن الكرة تنمو وتزدهر ميثودولوجياً وفلسفياً بعقول كليـّو وكرويف وغوارديولا ودانتي بانزيري وأنخيل كابّا وفالدانو ومينوتي وساكي وزيمان وغوارديولا وفرادي وغارغانتا ومورينيو، والعقل الأعمى الذي يبني جدراناً بين النظرية والتطبيق يأبى ذلك، يقول كانو أنه “يزعجني أننا نعترف بالخفاء أنه متوقد العقل، لكننا لا نستطيع الاعتراف علناً لسببين: لعدم فوزه بدوري أبطال أوروبا وللشعور بضآلة أحجامنا أمام المادة الرمادية (التي يمتلكها لـيّو).” يذكرني ذلك بجامباولو قبلة المدربين لسنين من بينهم سارّي وأليغري وكونتي ولكن بالخفاء…

إدواردو غاليانو والمدرب…

في السابق كان (يسمى) المدرب، ولم يكن أي أحد يعيره كبير اهتمام. مات المدرب وهو مطبق الفم عندما لم يعد اللعبُ لعباً، وصارت كرة القدم بحاجة إلى تكنوقراطية النظام. عندئذٍ ولد المدير الفني، ومهمته منع الارتجال، ومراقبة الحرية، ورفع مردودية اللاعبين إلى حدودها القصوى بإجبارهم على التحول إلى رياضيين منضبطين.

كان المدرب يقول: سنلعب.

أما المدير الفني فيقول: سنشتغل.

يدور الحديث الآن حول الأرقام، ومن ثمَّ الرحلة من الجرأة إلى الخوف هي تاريخ كرة القدم في القرن العشرين، إنما هي الانتقال من 2-3-5 إلى 5-4-1، مروراً بـ 4-3-3 و4-4-2. بإمكان أي جهول غير متضلع أن يترجم هذا مع قليل من المساعدة، ماعدا ذلك، لم يعد هناك من يستطيع فهم أي شيء. لأن المدير الفني صار يطوّر صيغاً سرية غامضة مثل المفهوم القدسي ليسوع، واضعاً معها خططاً تكتيكية تستعصي على الفهم أكثر من الثالوث المقدس.

ثم جرى الانتقال من السبورة القديمة إلى اللوحة الإلكترونية: الآن تُصمم (أنماط) اللعب العظيمة بواسطة الكمبيوتر وتُعلّم بالفيديو. وهذه الألعاب مثالية لا تشوبها شائبة، ونادراً ما نراها فـيما بعد في المباريات التي ينقلها التلفزيون!

أمّـا التلفزيون فيفضل عرض تعابير التشنج في وجه المدير الفني، يُظھره وھو يعض على قبضتيه أو يصرخ بتوجيهات ستقلب مسار المباراة رأساً على عقب إذا استطاع أحدٌ فھمھا. يحاصره الصحفيون في المؤتمر الصحفي بعد انتھاء المباراة، ولكن المدير الفني لا يذكر مطلقاً سر انتصاراته، مع أنه يصوغ تبريرات باھرة لهزائمه:

ـ التوجيهات كانت واضحة، لكن لم يُعمل بھا ـ يقول ذلك عندما يخسر الفريق.

آلية الاستعراض تطحن كل شيء، وكل شيء لا يستمر إلا لفترة، المدير الفني يُستخدم ثم يُرمى مثل أي منتج آخر من منتجات المجتمع الاستهلاكي. اليوم يصرخ الجمهور به:

ـ ألا تموت أبداً!؟

وفي الأحد التالي يدعونه كي يقتل نفسه. ھو يظن أن كرة القدم عِلم وأن الملعب مختبر، ولكن المسؤولين والمشجعين لا يطالبونه بامتلاك عبقرية اينشتاين وبُعد نظر فرويد وحسب، بل وبقدرات عذراء لورديس الإعجازية وقدرة غاندي على التحمل.

كرة القدم بين الشمس والظل ص11، ترجمة صالح علماني، بتصرف.

الفيديو التحليلي

إن استخدام الجلسات التحليلية وبالرغم من أهميته هو أمرٌ حديث، يتحدث مدرب هوفنهايم ألفريد شرودر في مقابلة مع  vi.nl أنه لم يعرف الفيديو التحليلي إلا في آخر موسمٍ له كلاعب 2008/09، كان ذلك مع مدرب فيتيسّه ثيو بوس آنذاك. “لم نرَ فيديوهات (تحليلية) قبل ذلك، لا لفريقنا ولا للخصوم”، الإيطاليون كانوا سباقين في هذا الأمر، فيشير فيكتور سانتشيز أنه شهِد فيديو تحليلي لأول مرة بعهد فابيو كابيلو في ريال مدريد. “بسن الـ22 كان ذلك اكتشافاً بالنسبة لي” يكمل مدرب ديبورتيفو السابق: “قبل هذا الوقت لم نناقش لقطات فيديو للحالة الهجومية والدفاعية للخصم وكيفية مواجهتها.”

لم يكن “جميع” المدربين في السابق يحللون خصومهم، والقصد هنا قبل المباراة، ففي المباريات يتعرف الفريقان على بعضهما في الدقائق الأولى استراتيجياً. أما قبل المباراة فكان البعض يرسل جاسوساً، البعض يرسل كشافين لمشاهدة مباريات الخصم المقبل. ما بالك وإشراك اللاعبين في هذه العملية! أمّا اليوم فأضحت ذات أهمية كبيرة، وكل الفرق المحترفة وحتى بعض الفرق النصف محترفة تمتلك متخصصاً للتحليل، أو على الأقل تدرس خصومها.

لقد سهلت التكنولوجيا اليوم وذللت العديد من العقبات، حيث تعفينا اليوم -ولو جزئياً- من إرسال الكشافين/المحللين وتكبيدهم عناء السفر والترحال لمشاهدة الخصم القادم، إذ توفر عديدٌ من المنصات المباريات واللقطات وبصورة بانورامية شاملة للملعب من الدفاع إلى الهجوم، بل وبوسعنا انتقاء الحالات المرغوبة، فبضغطة زر نصل للحالة المرغوب بها، بل وبإمكاننا تصميم مصفوفة خاصة بنا للحالات والمواقف التي نرغبها. وبالرغم مما تخبئه الكرة من خبايا، ولاتنبؤيتها التي لا نستطيع بالطبع أن نتحاشاها، إن كان تكتيكياً أو انفعالياً/عاطفياً، عندئذٍ نطاق ما يسعنا تحليله نطاق جزئي ولكنه حاسم أحياناً، إذ نستطيع أن نتعرّف على سلوكيات وعادات الخصم جماعة وأفراداً، مبادئهم والكيفية التي ينتهجون بها المباريات ويبقى الجانب الغامض من اللعبة متروكاً للدعاء!

التحليل في كرة القدم هو عملية تجميع المعلومات والبيانات حول الخصم أو فريقنا، ومحاولة تمييز الخصائص ونقاط القوة والضعف والتي على ضوئها نتخذ التدابير المناسبة ونقوم بانتهاج استراتيجية مضادة لذلك الخصم أو على مستوى فريقنا في التحسين والتطوير. كلمة scouting وتعني الكشافة، هي تشير للمحلل وخصوصاً فيما يتعلق بالإحصائيات، في إيطاليا كان الطاقم الفني يضم عضواً يطلق عليه “التكتيكي”، هذا الدور لم يكن يضع باعتباره الجانب الإحصائي. اليوم هناك الـMatch analyst وهو المسؤول عن الدورين، وربما يكون هناك متخصص للتكتيك وآخر للإحصائيات.

“بإمكانك تحليل أمورٍ كثيرة، أما أنا فأميل للتكتيكات. أفكر كمدربٍ يريد استخدام فيديو لكتابة تقرير تكتيكي يعود للفريق بالنفع.”

كارليس بلانشارت محلل بيب غوارديولا.

يقسّم دانييلي دزوراتّو (مدرب إيطاليا U16) عملية التحليل في أطروحته التي خصها عن إعداد الفيديو التحليلي للخصم كالتالي: 1- مرحلة الرصد: أين نجمع معلومات مفصلة عن سلوكيات الخصم مجموعةً وأفرادا. 2- الإعداد: في هذه المرحلة نحاول معالجة المعلومات التي جُمعت. 3- التطبيق: أخيراً سنستخدم تلك المعلومات المُعالجة لإستراتيجيتنا في مواجهة الخصم.

لا شك تختلف النماذج وطرق العمل وبروتوكولاته من مدرب لآخر، ومن محلل لآخر. بعض المدربين يسند المهمة برمتها للمحلل بالتعاون مع المساعد، بعضهم يتولاها بنفسه مع الأخذ بمشورة المساعدين. لارس كورنيتكا مساعد ناغلزمان ومحلل سابق لدى رانغنيك وروجر شميدت وعمل كذلك مع غوارديولا، مثلاً، لا يمانع من استجلاب المعلومات ممن لعبوا مع الخصم السابق، أو حتى الاستفسار عن مدرب الخصم ممّن يعرف المدرب. حتى الشروحات وطريقة المونتاج تتمايز وتختلف، الفيديو كمادة مرئية تتحدث عن نفسها بنفسها، فلسنا بحاجة للإسهاب بالشرح، “أستخدم الفيديو لشرح أفكاري، وبدونها ستكون التدريبات متعبة” يؤكد غوارديولا. الأسهم والإشارات ذات أهمية أيضاً فيزعم دزوراتو أن الرسومات تساعد بعض اللاعبين الذين يمتلكون رؤية قاصرة لتطور اللعب أو عواقب التمركز الخاطئ. عدد المباريات يختلف كذلك، هناك من يحلل آخر 3 إلى 5 مباريات، فيما يتعلق بالكرات الثابتة تزيد عدد المباريات إلى 7 أو حتى 10 كما يعمل فيكتور مانياس محلل أوناي إيميري. تقديم وعرض الفيديو -لا على التعيين- عند دييغو بيريز محلل باكو خيميز السابق ومحلل نادي ليل الحالي يعرض فيديو للفريق بعد المباراة بيوم للوقوف على أداء الفريق، ومن ثم يقومون بعرض فيديو للخصم قبل المباريات بيومين، بعدئذٍ فيديو خاص بالكرات الثابتة للخصم قبل المباراة بيوم واحد.

“خلال المباريات نسجل بكاميراتنا الخاصة تحليلاً حياً، حيث نرسل اللقطات إلى الدكة، -تلك اللقطات- مقتطعة لمفاهيم معينة بحيث نعرضها بين الشوطين للاعبين. أو يطلب المدرب أحياناً حالة معينة نصورها ونصححها. تلك اللقطات مقتطعة لمفاهيم مثل، بناء اللعب، الضغط، الأخطاء الدفاعية، الكرات الثابتة، الخ، ونقوم بأخذها إلى غرفة الملابس… هذا ما نقوم به أسبوعياً فيما يتعلق بالتحليل، ربما أكثر أو أقل.” -دييغو بيريز

“نحن نستعمل العديد من الأدوات والمنصات التي يمكن من خلالها الوصول لمقاطع الفيديو والبيانات في غضون ثواني، لكل نادي، يحصل اللاعبون بعدئذٍ على هذه المعلومات عبر تطبيق على هواتفهم […] إننا نقوم بهذا الأمر ليس فقط كأداة مساعدة للتعلم للقيام بردة فعل أفضل في بعض الحالات، ولكن أيضاً من ناحية تحفيزية، ثم نقوم بقصقصة لقطات ملخص للاعب طمعاً في دعمهم.”

لارس كورنيتكا

تحليل المباراة يبدأ بجمع المعلومات العامة “المبادئ”: هجوم > تحول من الهجوم للدفاع – دفاع > تحول من الدفاع للهجوم – الكرات الثابتة. عادة نضع الأطر العامة للخصم في الحالة الهجومية؛ خطة الخصم في الحالة الهجومية (3-4-3 مثلاً)، بناء اللعب (مثلاً: منوع ما بين كرات قصيرة وطويلة)، مرحلة الخلق وتطوير الهجمة (تكثيف الأطراف)، مرحلة الإنهاء (عرضيات مبكرة، عرضيات عكسية cut-back). بعد ذلك سنتعمق في تحليل الخصوم؛ أيّ المبادئ الفرعية، ونعني بذلك جزء من أجزاء الفريق، أو سلوكيات الفريق في جزء من أجزاء الملعب؛ كيفية بناء اللعب من الخلف مثلاً عدداً وتموقعاً، تصرفات الظهيرين مثلاً ما إذا كانا يتقدمان سوياً، أو كظهيري غوارديولا الوهميين واللذان يدخلان للعمق. ماذا نقصد بتكثيف العمق؟ تقاطع الظهير مع الجناح والزيادة العددية من قِبل أحد لاعبي الوسط لخلق مثلث، سقوط المهاجم وسحبه للمدافعين فاسحاً المجال لأحد لاعبي الوسط التوغل نحو المنطقة. تقدم الظهير خلف دفاع الخصم في مرحلة الإنهاء لمهاجمة القائم الثاني… إلى غير ذلك.

مثال: خلق مثلثات وزيادة عددية على الأطراف. نرى القلب الأيسر يتصرف كظهير عادي في الحالة الهجومية لأتالانتا.
مثال: قطع بابو غوميز بالكرة للداخل هي بمثابة إشارة لتحركات اللاعبين من الجهة الأخرى: المهاجم يأخذ مراقبه فاسحاً المجال لكريستانتي الدخول للمنطقة.
مثال: متغير لقطع أو قص بابو هنا الظهير سبيناتزولا يتوغل في قناة بين القلب والظهير طالباً الكرة وجاذباً نحوه فاسحاً المجال لإيليتشيتش.

ثم في الحالة الدفاعية؛ بأي شكل يقف الخصم؟ (5-4-1)، ما هو النظام الدفاعي؟ (مراقبة رجل لرجل)، ما هي منطقة الضغط؟ (عالي؛ في ثلث الخصم الأول)، هل يمتلكون استمرارية في الضغط العالي؟ سنبحث عن الحلول لمواجهة هذا النوع من الدفاع، كيف نستطيع إخراج الكرة من الخلف، مثلاً: عبر سقوط أحد لاعبي الوسط على رأس منطقة الجزاء للزيادة، أو حتى لعب كرات طويلة موجهة إذا كان الخصم أقل على مستوى الهوائيات. في المراحل المتقدمة من الهجمة، مثلاً، سنطلب من المهاجمين القيام بحركة مضادة، أي التحرك لجهة ومن ثم يغير الإتجاه فيتحرر من الرقابة، أو تحرير الزملاء بواسطة السقوط المتكرر، أو حتى التوغل للاعبي الوسط للزيادة العددية.

الحركة المضادة سلاح فتاك إذا ضُبط أمام الفرق التي تدافع رجل لرجل بغية التحرر من الرقابة.
استراتيجية نابولي ضد لاتسيو الذي يطبق نظام رجل لرجل، نرى استغلال نابولي للقنوات الجانبية كثغرة يستهدفها لاعبي الوسط للتوغل،
مستفيدين من انجذاب القلب والظهير للمهاجم والجناح على التوالي.
مثلاً لو كان خصمنا يلعب بدفاع منطقة، بمثل خصائص نابولي “فريق ضيق” يمكننا نقل اللعب للجهة الأخرى قياساً على أنهم سيتبعون الكرة وسيضيقون المنطقة حول الكرة. هنا نرى تعامل السيتي بحيث يغيرون اللعب ويستغلون انبلاج ثغرة ما بين القلب والظهير. أحياناً على عمق الملعب يمكن أن نلعب إلى أحد الجتهين وبتسريع وتيرة اللعب تظهر الثغرات كهذه.
خط الدفاع العالي، يمكننا استغلال جمود خط الدفاع لدى فرق المنطقة خصوصاً.
يمكننا اصطياد الفرق جامدة أحياناً، ربما ضمن استراتيجية المدرب أو إبداع اللاعبين. غالباً ما استلم توتي الكرات وظهره لمرمى الخصم، بالتالي سيبقى الدفاع ثابتاً ولكنه سيفاجئهم بلعبة من لمسة واحدة خلف ظهورهم.

ثم التحولات، في التحول من الهجوم للدفاع؛ يبادر الخصم في أخذ خطوة للأمام عوضاً عن العودة، كل لاعب سيضيق على خصمه المباشر والقريبون من الكرة سيضغطون فوراً، ولكن ماذا عن هيكلهم قبل خسارة الكرة، قد يتقدم لاعبيْ الوسط باستمرار فنستطيع أن نركز على هذه البؤرة في تموقع المهاجمين استعداداً للارتداد. بعد ذلك في التحول من الدفاع للهجوم؛ في تعامل الخصم عند استعادتهم للكرة، الترتيب الماقبلي للمهاجمين عند الفوز بالكرة في منطقة متأخرة، أو ردة فعل ظهيري الجنب لحظة الفوز بالكرة. إلى حدٍ كبير التحولات مسألة سلوكية خصوصاً في الهجمات المرتدة.

ثواني فقط خسر شالكه الكرة واستعادها عبر الضغط المضاد الجزئي، تأهب لاعبو مونشنغلادباخ تلقائياً وغيروا موقفهم إلى الهجوم “انتشار”. شالكه يستعيد الكرة ويقوم بمرتدة.

أخيراً الكرات الثابتة؛ ركلات الزاوية، رميات التماس، الكرات الثابتة عموماً. سنحلل هنا الخصم في الكرات الثابتة هجومياً؛ كم عدد اللاعبين داخل المنطقة؟ يغلب على الفرق اللعب بخمسة ولكن في حالات معينة يزيدون أو يقلصون بناءً على النتيجة والوقت. هل يفضّلون التركيز على القائم الأول، هل يقومون بخدع وألاعيب؟ أو يقومون بعمل اعتراضات لتحرير زملائهم من مراقبيهم؟ كم عدد المنفذين؟ مالإشارات التي يستخدمونها، إيماء باليد، أو قفز اللاعب الثاني -أي المنفذ الثاني- فوق الكرة. هل تمركز اللاعبين خارج المنطقة ليس كما يجب؟ أي يمكننا مداهمتهم بالمرتدات؟ ومن ثم الخصم في الكرات الثابتة دفاعياً، مالنظام الذي يطبقونه؟ نظام هجين / جزء يراقب رجل لرجل وجزء آخر يقفون بمنطقة محددة سلفاً، هل نستطيع استغلالهم في القائم الأول، بالكرة الثانية إلى القائم الثاني، هل قوة الخصم في الهوائيات قد تجعلنا نفكر بالكرات القصيرة، الخ. في كتابه The Evolution يذكر مارتي بيرارناو أن مساعد غوارديولا دومينيك تورّنت والمحلل بلانشارت لاحظا نزعة سلبية لدى شتوتغارت في ركلات الزاوية، إذ يميلون للعب كرة قصيرة لإينسوا الذي سيرسل عرضيته نحو المرمى، ولكنهم للتغطية لا يوجد إلا المحور سيري دي والبقية “8” لاعبين داخل أو حوالي المنطقة، عند عرض الفيديو زعِم تورنت أنه إذا ما تمكن اللاعبون من افتكاك الكرة من إنسوا سيخلقون خطراً حقيقياً. ذلك ما تم ولكن عرضية إينسوا الضعيفة التقفها فيدال ليقود المرتدة، 6 لاعبين للبايرن أمام سيري دي، وهدف “درسناهم، ودرسنا كيفية القيام بذلك وذلك ما تم فعلاً” يقول بلانشارت.

استخدم سوسيداد مؤخراً هذا التنظيم لصد ركلات ميسي المباشرة.
screening أو الحجب أو الكشف في كرة السلة مشابهة لعملية اعتراض المراقب هنا، الفريق المدافع هنا يستخدم رجل لرجل.

علاوة على كل ذلك ينبغي أن نتعرف على سلوك الفريق من الناحية الاستراتيجية، هل يسلك الفريق وينتهج نفس النهج أمام أي خصم، هل يبادر الخصم على ملعبهم؟ هل يتحفظون خارج قواعدهم وما إلى ذلك. يضعها دزوراتو في الحسبان، فهو سيحلل الخصم عندما يحلون ضيوفاً في آخر مبارياتهم، “إذا لعبنا داخل أراضينا، فالفيديو الذي سنعده للخصم سيكون في آخر مباراتين له خارج ارضه، وآخر مباراة على أرضه”.

ثم على المستوى الفردي، التشكيلة الأساسية المحتملة، تحليل سلوكيات الأفراد، خصائصهم ومزاياهم ومثالبهم ونقاط ضعفهم، مثلاً كان كرويف يعتقد أن خوسيه غاراتي مهاجم أتليتكو في التسعينات والذي أذّى برشلونة كثيراً لا يكون فعالاً إلا عندما يُراقب، إذ يجني المساحة عبر سحبه للمدافع، “أتعلمون، لن نراقبه” يقول كرويف، وعليه فنقطته المرجعية فقدها وظل الطريق. ليس فقط على المستوى التكتيكي المحض، وإنما أيضاً على المستوى التكتيكي-الفني في اللمسة والقدرة على اللعب في المساحات الضيقة، قد يكون أحد لاعبي الخصم صاحب قدرات ضعيفة في السيطرة على الكرة وبالتالي سيكون أحد مثيرات الضغط لدينا، ففور استلامه للكرة سيكون إشارة للفريق أو اللاعب القريب في بدء الضغط. كذلك على مستوى الرؤية والإدراك، فاللاعب “س” لا يسترق النظرات خلفه فيكون محطة ضغط. حتى المستوى النفسي يمكن تحليله، في استفزاز لاعبٍ ما (لا أؤيد ذلك، لكن هناك من يقوم بذلك). لا يمكن إغفال الجانب البدني، فقد تؤثر على بعض المدربين قدرات الخصم البدنية على خياراته، سنستخدم قلب قوي بدنياً وفي الهواء أمام خصم قوي بهذا الجانب وهكذا. كما لا يجب أن ننسى الحراس أيضاً إذ يهتمون بمعرفة خصومهم، في الكرات الثابتة أو ركلات الجزاء، والعكس بالعكس فيدعم المحللون المهاجمين بتحليل حارس الخصم، والظهير والجناح المواجه له …الخ. وعلاوة على ما سلف سنحاول إلقاء الضوء على الحالة البدنية للاعبين، واحتمالية أن يكونوا مرهقين، أو استغلال قلة المجهود أو انخفاضه.

بلانشارت يعطي مثالاً للتحليل الفردي؛ إذ يبين تصرف جورجينيو في الحالة الدفاعية، حيث يذكر أنه جورجينيو يمتلك نزعة للقفز فوقاً، مخلفاً وراءه مساحة.
هذا العيب سيستغله الفريق بدءاً من ملعب التدريب، إذ سيحاكي أحد اللاعبين سلوك جورجينيو. نرى أن هذه النزعة تكررت فعلاً، ولم تكن محض حالة عشوائية.

“ارفد بيب غوارديولا عمله الميداني بمقطع فيديو لتمركز توتي المحتمل والذي أعدّه كارليس بلانشارت:

“أنظروا – توتي سيغطي تشابي ألونسو، ولكنه لن يتمكن من القيام بذلك لفترة طويلة، لذا يا تشابي لا تقلق في البداية، سيضغط توتي بقوة في العشر دقائق الأولى ولكني أضمن لك أنه سيقف وسيدعك حراً طليقاً. ولهذا السبب نستطيع اللعب بثلاثة في الخلف؛ بن عطية على اليمين، بواتينغ في المنتصف وألابا يساراً. ولكن دافيد، أريد فقط أن تكون مدافعاً عندما يهاجموننا، بهذه الحالة يجب أن تألف سرعة جيرفينيو، ولكن عدا ذلك أريدك لاعب وسطٍ إضافي […] أسمعوا جميعاً، هذا ما سيحدث، إنهم يعتقدن أنه بمقدور توتي أن يوقف تشابي ولكن بعد 10 دقائق سيستسلم، وسيتمكّن تشابي من إخراج الكرة بيسر. لام سيُترك تماماً، وألابا سيمنحنا تفوقاً عدديا على الطرف الأيسر، بالضبط في المكان الذي لم يضعوه بحسبانهم …”

بيب غوارديولا من كتاب بيرارناو السالف الذكر.

إن التحليل نوعان فما سبق يدعى التحليل النوعي، مدعوماً بلقطات وصور للحالات شريطة أن تكون متكررة، أمّا النوع الآخر فهو التحليل الكمي؛ وكما يشير الاسم فهو يتعلق بالاحصائيات والأرقام المجردة، عدد الأهداف المسجلة والمستقبلة، خلق الفرص، نسبة الاستحواذ، المنطقة الأكثر استهدافاً، وأيضاً على المستوى الفردي، البينيات والتمريرات الحاسمة، عدد مرات الاعتراض …الخ. التحليل والتفكير –النوعي خصوصاً- ينطلق من منظور ذاتي/شخصي فكلٌ يرى اللعبة من منظور خاص، لا يرى اثنان المباراة بذات الكيفية ماذا وإلا هناك مَن نقل مِن الآخر! يزعم دزوراتو مثلاً أنه ينبغي أن يرى المحلل اللعبة بذات الرؤية للمدرب، ويعني بذلك الحالات التي تشد المدرب أكثر، من الممكن أن يتناغم المدرب والمحلل ولكن أن يشاهدا المباراة بنفس الطريقة أمرٌ صعب. يرى أندريا مالديرا وهو المحلل السابق لميلان والذي يعمل حالياً لمنتخب أوكرانيا رفقة شيفتشينكو أن المحلل الجيد هو الذي يقدّر ويقيم أي حالة بأقصى موضوعية ممكنة، دون أن يضع نفسه مكان المدرب “هذا لا يعني أننا لن نقول برأينا ولكننا سندعم آرائنا بالأرقام والبيانات، وبالطبع بالفيديو مصداقاً لدورنا”.

رؤية المباراة هي رؤية ذاتية، فكرة القدم ليست علماً بالنهاية، لكن أي ادعاء ينبغي أن يُدعم بإثباتات، وبالتالي يصبح موضوعياً، وإلا سيكون الزعم هراءاً محضاً، وربما عاطفياً، أو أن تؤثر الأفكار المسبقة -نظراً لضيق رؤيتنا لكرة القدم- على تحليلاتنا فنعتمد على ما يريده المدرب عوضاً عما يحدث فعلاً. فعندما نحلل فريقاً ونزعم أن الفريق “ص” يركز في هجومه على عمق الملعب، يتعين علينا إثبات ذلك، تكرر تموقع عدد من اللاعبين في عمق الملعب، مدعوماً بمتوسط تمركزهم احصائياً، وصول الكرة إليهم وتطور هجماتهم من خلال العمق، أو حتى حال عجز الفريق تطبيق ذلك معللين ومبرهنين. فلا يكتفي المحلل بعرض المشكلة، كأن نقول الفريق “ع” يعاني دفاعياً في الكرات الثابتة، ولكن ينبغي أن يعلل ويذكر الأسباب، بل ويطرح حلولاً لاستغلال ذلك أو حتى معالجته إذا كانت المشكلة تخصّنا. كما يمكننا الاهتمام بالحالات العشوائية ولكنها تتكرر في أي مباراة كرة القدم وقد لا تنم عن أسلوب الخصم، قد تكون تجلياً فردياً، أو لعبة جماعية عرَضية.

أمّا الأرقام والإحصائيات ففائدتها ضئيلة، فيشير دزوراتو مقتبساً لفرانكو فيراري: “لا تكشف (الأرقام) عن أسباب حالة ما، أو نتيجة ما، كما لا تعبّر عن التفاصيل ولا عن العلل المحتملة، وهذه التحقيقات تمثل الركيزة الأساسية لعمل المدرب.” فيما يؤكد سيموني مونتانارو محلل فينتشينزو مونتيلا السابق وكارلو أنتشيلوتي مؤخراً في نابولي أن “(للحالة الدفاعية) أستعمل الطريقة القديمة: مشاهدة المباريات وتعريفٌ واضح للنظام الدفاعي المطلوب تحليله”. بينما يستخدم في الحالة الهجومية معلَمات منتقاة وذات فعالية فنياً وبدنياً “وهي الأمور التي تهمني أكثر بالمقارنة ببيانات الأهداف المتوقعة (xG) الجامدة.”  يصعب أن تستبدل العين المرتبطة بالدماغ البشري وبقدراته العالية على الرصد والاستنتاج في الأنظمة المعقدة، على الربط وعلى التعرف وتمييز الأنماط. تقوم خلايا الدماغ وعددها بالمليارات بتسجيل الأحداث والخبرات والمعلومات، فتخزن ويسترجعها الإنسان وقت الحاجة، هذه آلية عمل الذاكرة البشرية باختصار مخل. الممارسة كِمّاً ستنعكس على النوع مع مشاهدة المباريات، ولكن ذلك يتطلب نباهة أيضاً، فعندما نبدأ بمحاولة التحليل، ستكون رؤيتنا محدودة إلا أنها ستنمو مع مرور الوقت، ثم سنستطيع الربط بين الكرة وحاملها والخصم ولاعب بعيد والمساحة، ثم سنعبر لمرحلة أكبر وهي التنبؤ وهو ما ينبغي أن يقوم به المدرب خلال المباريات وعليه يعدل ويبدل. وعلى أي حال سيظل اعتمادنا على مزيج بين رأي العين والأرقام والبيانات -على الأقل حتى وقتنا الراهن- فالتقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي يقفز لخطوات مذهلة… غير أن الحس والذوق ليس له بديل.

قد يتخطى التحليل أسلوب لعب خصم أو نقاط قواهم وضعفهم، إلى تحليل الحكام، حتى بعض الحكام أنفسهم إذا أوكلت لهم مهمة قيادة المباراة يقومون بتحليل الفريقين، من نواحي تكتيكية كالاعتراض في الكرات الثابتة، وبلا شك من ناحية نفسية سلوكياً، إنفعالاتهم، تمثيلهم، وما إلى ذلك. قطعاً لن يؤدي التحليل الجيد للخصم إلى نتيجة جيدة دائماً، فكرة القدم لعبة بالغة التعقيد وفيها الكثير من المفاجآت. حتى جاسوس ريال مدريد والذي تجسس على تدريبات ميلان ساكّي لم يُفد فريقه، إذ انتهت تلك المباراة بخماسية مقابل لا شيء للميلان. فيمَ يعترف بييلسا أنه يرسل جواسيسه للتخلص من قلقه، يركز دييغو بيريز –في فترته مع خيميز- على فريقه هو أكثر من الخصم، الفيديو التحليلي هو تفادي المفاجآت قدر المستطاع.

الخطة… قالبٌ جامد

نستطيع أن نعرّف الخطة -يسميها البعض “الطريقة”- على أنها التوزيع المكاني للاعبين على الملعب، ببساطة. هي قالب جامد، غير أنها هي المنطلق لصناعة توليفتنا عبر توزيع ونشر اللاعبين وتقسيمهم على مناطق مختلفة على الميدان. وهي الثيمة الأساسية للفريق والتي من خلالها نصنع التحركات والسلوكيات والديناميّات، وأدوار اللاعبين.

ثمة خطط تتميز عن خططٍ أخرى، خصوصاً فيما يتعلق بالزوايا ووفرة المثلثات، كالمتاحة في 4-3-3 أو 3-3-1-3 مثلاً. خطط أخرى تتمتع بتوازع شامل وعلى مناطق مختلفة ومتفرقة كـ4-2-3-1. خطط بلاعب طرفي واحد كـ3-5-2، أو خططاً أخرى أقل توازناً وتتطلب تعويضاَ وتغطية مستمرة لمساحات خالية كـ4-3-1-2. هنالك عاملين أساسيين لانتقاء خطة، الأولى هي اللاعبين طبعاً، أمّا الثانية فهي أسلوب المدرب. أمّاً اللاعبون فخصائصهم هي المحدد، وخصوصاً لاعبي الوسط، نوعيتهم ومزاياهم، فعندما نمتلك بيرلو أو بوسكيتس، فالمستحسن وضعهم كصناع لعب أمام الدفاع، ذلك لأنهم ليسوا من النوع الذي يقطع المسافات ويدخل في صراعات إلا بنطاق ضيق، وفي وضع بيرلو أمام المدافعين يقل العبء عليه، وذلك بسبب المركز والموقع وليس بسبب تواجد لاعب آخر يغطيه، اللاعبون يغطون بعضهم البعض ضمن حالات تكتيكية معينة ولكن ليس ثمة حارسٍ خاص للاعبٍ معين في الملعب، ماذا وإلا فقدنا توازننا فكل لاعبٍ بحيزه مشغول. على أي حال فقد نضع لاعبي وسط ذوي قدرة على قطع المسافات بجانب بيرلو، كفيراتي مثلاً المميز أيضاً فنياً وتكتيكياً أو كفيدال فترة كونتي، وهذه ليست قاعدة فبرشلونة كان يلعب بتشافي وإينييستا بجانب بوسكيتس وبالرغم من ذلك فيصعب فك سطوتهم، فذكائهم وإدراكهم المكاني وقراءتهم المستمرة للعب تغطي ضعفهم البدني، وقبل ذلك هيمنة برشلونة بقيادتهم على الكرة لفترات طويلة. بناءً على هذا الافتراض (بيرلو) سنفضل اللعب بثلاثي وسط، وإذا افترضنا أن فريقنا لا يملك أجنحة من الطراز الرفيع، قد نستخدم ظهيرين، وثلاثة في خط الظهر ومهاجميْن 3-5-2.

على أي مدرب أن يكون خياطاً بارعاً وقادراً على أن يطوع أفكاره وفقاً للموارد البشرية لديه.

أنتونيو كونتي عن تصميم الخطة

هناك خلط بين الأسلوب والخطة، إذا سلّمنا بأن الخطة مجرد توزيع مكاني للاعبين فكيف لها أن تكون أسلوباً؟ ليست كل الفرق التي تطبق 4-3-3 تمتلك نفس الأسلوب، إذ أن تطبيق الخطة بذاتها يختلف من مدرب لآخر، من سارّي (فترة نابولي) والذي يستخدم أجنحة تميل للدخول والاقتراب ضمن الهيكل، في حين يفضّل غوارديولا أن يبقى الأجنحة على خط التماس. حتى أدوار الأظهرة تتباين من مدرب لآخر، فسارّي يحبذ أن يتقدم الظهير القريب من الكرة ويبقى الآخر قريباً من قلبي الدفاع، يفضل بيب أن يدخل الظهيران للعمق، يفضّل كلوب أن يكون الظهيران بعيدان وهكذا. إذاً فالأسلوب أكبر من الخطة، بل هي سلوكيات وتصرفات وأنماط وليس لكل خط وحسب بل وأحياناً لكل لاعب دور ومهام. والخطة لا تعدو كونها خياراً استراتيجياً ضمن الأسلوب، فلن ترى سارّي يلعب بثلاثي في الخط الخلفي، ذلك لأنه يطبق دفاع المنطقة والكرة هي الموجه الرئيسي لتحركات الفريق في الحالة الدفاعية. لن تشاهد فرق غاسبيريني برباعي في الخلف، لأسباب دفاعية، ففرقه تطبق دفاع الرجل لرجل علاوة على تفضيله أن يكون خط دفاعه متفوقٌ عددياً على مهاجمي الخصم. في حين لا يمانع بييلسا تطبيق خطط مختلفة وفقاً للخصم، فإذا كان خصمه يلعب بمهاجمين فسيلعب بثلاثي دفاعي، وليست العلة دفاعية فقط، وإنما هجومية إذ يصبو إلى خلق تفوق عددي أمام المهاجمين في بناء اللعب، بينما لا يغير مدرب آخر الخطة وإنما يغير دينامية معينة، كأن يسقط المحور بين القلبيْن فيكون التفوق العددي، بينما يرتاح مدربون آخرون باستخدام خطة واحدة كزيمان الذي يقول “لن أغير الخطة أبداً، ليس هناك خطة أفضل من 4-3-3 لتغطية الملعب”، تغيير الخطة من عدم تغييرها لن يجعل لها أهمية، فسارّي بالرغم من اعتماده على خطة معينة يصممها وفقاً لخصائص اللاعبين، إلا أنه لا يراها مفصلية كما يرى بأنه “يمتلك أفكاراً معينة لِلعب كرة القدم، تلك الأفكار ليس لها علاقة بالخطط”. أو كما يشير غوارديولا بأنها ليست إلا أعداداً، كرة القدم أكبر من هذه الأرقام المجردة.

الهيكل والإنتشار

صورة1: لا حلول للفريق للتقدم من خلال العمق، فلا وجود لأي لاعب دواخل خطوط الخصم. الفرق غالباً ستلجأ بعد ذلك إلى حلول كالعرضيات أو براعة الأفراد في 1ضد1.
*هذه مجرد أمثلة فلا وجود لفريق مثالي، بمقدورنا التقاط لقطات سلبية أو إيجابية لأي فريق، إنما الفريق المميز تكتيكياً هو الأقل أخطاءاً والذي يبقى مشيداً ومتناغماً لأطول فترة ممكنة.

مبدأ الانتشار ومفهوم الهيكل ينبغي أن ينالا الإعتبار عندما نحلل أو ندرب كرة القدم، أما مبدأ الانتشار والذي تطرقنا له فيما سبق أهم وبكثير من التوزيع المجرد للاعبين، فالانتشار والذي نقصد به تباعد اللاعبين عن بعضهم البعض وتباين ارتفاعاتهم، هو تسلل وتخلل اللاعبين ضمن شكل الخصم علاوة على تعديلهم لوضعية أجسادهم وفتح مسارات التمرير وليس فقط التخفي خلفهم كتصرفات فردية. إن غاية الانتشار هو خلق تفوق مركزي ما يتيح لنا تطوير هجماتنا، فعندما يقوم بوسكيتس بإيصال الكرة لإينييستا بين الخطوط، سيقوم الأخير باستلام موجه يقرّب الفريق كثيراً من المرحلة النهائية وقد يشكل خطراً حقيقياً على مرمى الخصم، هذا الأمر ليس متاحاً كما في الصورة 1.

*نقصد بالتفوق المركزي ((لاعب حر بمساحة خالية يمكّننا من التقدم بالهجمة))

أمّا الهيكل فهو ثمرة الانتشار الجيد، هي كتلة الفريق تتقدم سوياً وتتراجع سوياً. الهيكل يعدّ بمثابة الهيكل القاعدي للسيارة “شاسيه”، إذ يضمن للفريق متانة وقدرة على التعامل مع ارتداد الخصم حال فقدان الكرة. سيبقى الفريق كما هو بتوازع اللاعبين في المنطقة القريبة من الكرة خصوصاً، ووفقاً لمركز كل لاعب. كما لا يجب أن نتجاوز الحالة الدفاعية، فعندما لا نمتلك الكرة يتعين علينا أن نتخذ مواقع قطرية كي نغلق مسارات التمرير، وأن نقطع الزوايا، وأن يغطي كل لاعبٍ ظهره، وهو ما يسمى بالتدرج الدفاعي، فلا فائدة من أن يكون شكل الفريق جذاباً وخطوطه متناسقة، والكرة ستمر بين الخطوط بسهولة، فكرة القدم ليست سيمّترية كما يشير غاسبيريني.

تعقب اللاعبين المكاني: مراكز اللاعبين ليست ثابتة في كل دقيقة، وإنما هي بالأحرى تمثيل سلس لمتوسط تصرفات اللاعبين.
حجم كل نقطة dot تمثل اضطلاع كل لاعب في الهجمة في الوقت الموضح أعلاه.

ولطبيعة كرة القدم الفوضوية، وتقلباتها تكتيكياً واستراتيجياً يصعب أن نجردها ونختزلها إلى هذه الدرجة المخلة؛ أقصد إلى 4-4-2 و4-3-3 الخ، فشكل الفريق في بناء اللعب ليس مثل شكل الفريق في الثلث الأوسط ليس مثله والكرة على طرف الملعب، وليس كذلك في الثلث الأخير، ناهيك عن تبادل المراكز والمعاوضة في التغطية، لا عجب أن يكون التطور القادم في كرة القدم هي اللامركزية، حيث يتبادل اللاعبون المراكز ويغطون بعضهم بعضاً ويحتلون المساحات بالتناوب بل ويخرجون عن السياق. للخطة في وقتنا الراهن أهمية كما ذكرنا في وضع الإطار العام وكمنطلق لتأسيس الأدوار والسلوكيات والعادات وليس أكثر، فكرة القدم لعبة عالية الحركية.

أصل التيكي تاكا

أنخيل كابّـا مدرب أرجنتيني ساعد لويس سيزار مينوتي في بداية الثمانينات، ثم ساعد خورخي فالدانو في تينيريفي وريال مدريد. يمتلك حساً فلسفياً وهو أيضاً أكاديمي سابق يمتلك شهادة في الفلسفة، كان وراء هوراكان الممتع موسم 2008 وأطلق عديد المواهب أبرزهم خافيير باستوري وماتياس دي فيديريكو وماريو بولاتّي. لطالما طرق وطرح الأسئلة الوجودية والأخلاقية لكرة القدم، ولطالما كان مدافعاً عن الكرة الجميلة، تلك التي تحتفظ بجوهر اللعبة ولبها بعيداً عن الماديات وأمراضها.

نتيجة بحث الصور عن GUARDIOLA CAPPA

“إننا نواصل عمل كرويف، وخوانما ليـّو ، وبيديرنيرا، وبرازيل سبعينيات القرن الماضي، ومينوتي وكابـّا، وأياكس، والمجر الرائعون… نحن ورثتهم الطبيعيون وبالطبع سنخسر في بعض الأحيان. لكن ستظل الشمس تشرق في اليوم التالي وسنستمر بأحلامنا، وسنقوم بأمورنا. ففي كرة القدم، لا أحد يفوز طوال الوقت يا صديقي. لم يفز مارادونا في كل مباراة. ولا حتى بيليه.” -بيب غوارديولا

إليكم المقابلة:

في 1994 عنون أنخيل كابـّا مقالا في إل بايس بـ tiqui y el toque -تيكي إي إل توكّي، خافيير كيلمنتي سخر من العبارة بقوله “تيكي تاكا”. حاور الصحفي لويس ميغيل إينوخال المدرب الأرجنتيني حول هذا المقال وحول الإنطباع الذي تركه منذ ذلك الوقت.

إننا نعيش وسط ثقافة الفورية والنفعية، كل شيء يجب أن يكون آنياً وعملياً، كل شيءٍ يتخذ الطابع العابر للمنتجات الاستهلاكية. وبسبب فوز الفائز -وطالما بقي يفوز- سيقع البعض بشراك الحيرة ويظن أن كرة القدم جيومترية وخاضعة للإحصاء، والحساب والتنبؤ. ولذا نعتقد أن الطريق الأقصر هو الطريق المستقيم لهذا الملعب الطويل. قضت ما بعد الحداثة على حس التسلية على اعتبار أن التسلية عديمة الفائدة، ينبغي أن تنتهي الرحلة إلى الهدف بالطريقة الأكثر كفاءةً وأناقة، ليس ثمة وقت للخسارة (كضرورة) لاستيعاب اللعبة، النتيجة وحسب هي المسعى، ذلك ما تم عبر القضاء على الوسطية وقرون طويلة من الذوق الجيد والموهبة. إن القوة والسرعة هو الشعار الوحيد للغرض اليتيم، وكأنما نقول كش ملك عبر ركل الرقعة، وبالتالي نسرّع اللعب. يُنظر (إلى الذوق الجيد) كهراء من وجهة نظر الفاعلية، أو النظرةٌ الفظة التي ترى حيثما ترى. الجوهر الحقيقي لكرة القدم هي اللمسة/التمريرة، إذ تُلعب عبر التمرير، نتقدم للأمام بالتمرير ولمسها، تختمر الهجمة عبر التمرير، نصل إلى منطقة الجزاء عبر التمرير. التمريرة أو اللمسة ليست محض امتاع أو خياراً جمالياً.

ليست شعراً، ولهذا تعجب بورخيس عندما سُئل عن أسبابها؛ أي التمريرة … “هنالك أسئلة غريبة جداً”، يقول المعلم، “كما لو أني أسألك عن سبب طعم القهوة.” إذا لم يُتِه الفريق خصمه في البداية، سيعز عليهم أن يصنعوا هجمةَ هدف، وإذا لم يكن هناك صناعة هدف، سيصبح الأمر أكثر صعوبة لإيجاد حالة ملائمة لتسجيل هدف. توّه وتلاعب ومرر، بدينامية وإحساسٍ إذا ما أردت إيجاد مساحة وزميل، التمريرة ضرورة ملحة في اللعبة، وليست بأي شكل من الأشكال تفاخراً سخياً بسياق العرض وحسب.

إننا نمرر لكي نلعب بشكل جيد، نلعب بشكلٍ جيد لكي نفوز. والحق أن التمريرة قد تكون أحياناً شحيحة الفائدة، عرضية، وبلا ضابطٍ محدد، وعليه ستكون مملة وبلا فعالية، لأننا نسينا أن الغاية هي التسجيل. وبالرغم من ذلك فحتى هذه الوضعية متعبة للخصم إذ سيلهثون خلف الكرة، بما أنه (أي تناقل الكرة) سيكفل لنا إنهاك الخصم، وسيجعل المباراة أكثر إمتاعاً للفريق المهيمن. دائماً ما كان اللعبُ أفضل بمعية الكرة، أبداً ليس بملاحقتها بغية الحصول عليها. لطالما انعدمت ثقة الكرة البراغماتية والفورية بالتمرير، بل هي تزدريها وتكرهها، متهمة إياها بأنها متعجرفة وواهمة. إنها كالثعلب الذي يحتقر العنب لأنه لم يتمكن من إلتقاطه.

لويس ميغيل إينوخال: كتبتَ هذا المقال في ديسمبر 1994، بنظرة على المنعطف الذي مرت به الكرة الإسبانية في السنوات الأخيرة يبدو وكأنه خطاباً تنبؤياً. ولكنك تحدثت عن أسلوبٍ خالد وأبدي.

أنخيل كابّا: كل جزء من أجزاء الالتباس لا تزال مستقرة، كنا في ريال مدريد في الأشهر الأخيرة، والتيكي إي إل توكّي كانت اعتراضاً على الفريق في احتفاظه بالكرة بشكل مفرط. كان ذلك التباساً وخلطاً بين أن يلعب الفريق متنازلاً للجماهير، وبين أن يلعب غير عابئٍ بالنتيجة. والأمر معاكس تماماً: التمريرة هي جوهر اللعبة، ذلك لأنها لعبة جماعية. كان ذلك صادماً، فبالرغم من كل ما قام به برشلونة ومنتخب إسبانيا من انتصارات وممّا قاموا به لمصلحة اللعبة ومن إعادة ابتعاث لجوهر اللعبة، إلا أنه لا يزال يساور بعضهم الشكوك وإهتزاز في الثقة، أو أن هذه الفرق وصلت إلى العقيْدات الأساسية للعبة.

ل.م.إ: كانت الكرة الإسبانية تعيش إزدواجية غريبة، المسابقات الأخيرة –اللاليغا- فاز بها برشلونة كرويف للمرة الرابعة على التوالي، وبأسلوب مميز. ريال مدريد مع كينتا ديل بويتري فاز أيضاً بعددٍ من البطولات، ومع ذلك فقد كان خافيير كيلمنتي على دفة قيادة المنتخب الإسباني.

كابّا: هناك أناسٌ يشعرون بالأمان حينما يركل المدافع الكرة بعيداً عن مرمى فريقه، وفي الهجوم هناك من سيبحث بالفعل عن الحياة في المستقبل. كليمنتي قَصَرَ تكتيكاته على الجانب الدفاعي، وكرته لم تفز بشيء على الإطلاق مع المنتخب الإسباني.

ل.م.إ: أنت وفالدانو هبطتما إلى مدريد وكنتما تواجهان مقاومة الإعلام، الهجمات لم تأتي من قسم رجال الكهف في الصحافة وحسب، ولكن أيضاً من أولئك الذين يمتدحون ويهللون لأسلوب المنتخب الإسباني اليوم.

كابّا: امتدحوه بفمٍ صغير، هللوا له عندما ارتسم لعباً، كنت أعلق على مباراة في كأس أمم أوربا لمحطة مكسيكية، حينئذٍ لم يكونوا قد صدقوا بأنه كان هنالك نقداً لأسلوب الفريق ومدربه. من المدهش أن أدنى نكسة قادرة على التشكيك بكرةٍ مثيرة للإعجاب في جميع أنحاء العالم.

ل.م.إ: قال مينوتي في الثمانينات أن الإسبان يجب أن يختاروا ما بين أن يكونوا كالثور أو كمحارب الثور.

كابّا: نعم، لأنهم كانوا يمتلكون لاعبين جيدين ولكنهم اختاروا أن يكونوا كالثور. مع كيلمنتي لعبوا بألكورتا ونادال كقلوب، قلبان جيدان، في حين بقي غوارديولا على الدكة.

ل.م.إ: لعلك تتهم إسبانيا بانعدام هوية محددة، إذ لطالما امتلكوا لاعبين جيدين، غير أنهم افتقدوا لتوجهٍ محددٍ يميزهم بأسلوب خاص. من ثم أسطورة الغضب La furia والمرسِّخة للقيم الوطنية الوهمية والعنصرية التي أسسها الدكتاتور فرانكو والتي كان لها ضرر جسيم.

كابّا: الغضب اختراعٌ فاشيّ، وعلاوة على ذلك، فالمرة الوحيدة التي فازت بها إسبانيا بشيء كانت في في أمم أوربا 64 بواسطة لويس سواريز وأمانسيو، ديل سول، لابيترا، تشوس بيريدا… لاعبون ليس لهم علاقة بالغضب، بل كانوا نذيري أسلوب إسبانيا الحالي. إن الغضب وكرة الـ”أعطني الكرة أعطنيها وسأسحقهم”[1] كانت مضرة جداً، إذ فرضت حاجزاً ضخماً على جيل استثنائي من اللاعبين ككينتا ديل بويتري.

ل.م.إ: دائماً ما كان هنالك تنوعاً في الأساليب في إسبانيا، ففي إشبيلية يهتف الجماهير “أوليه” مع كل إيماءة لغورديـّو، وفي سان ماميس يصفق الجماهير عند ركلة الزاوية تفائلاً برأسيةٍ تسكن الشباك. بيد أن الإحساس باللاعب الجيد كانت موجودة، كانت مألوفة في بيلباو أو إيليوبوليس على حدٍ سواء.

كابّا: ثمة حدّوثة جميلة عن بانيزو، يسارّي القدم، يلعب كـ10 في أثلتيك، وهو ماهرٌ جداً لدرجة التشكيك بأصله. قام سان لورينزو بجولة في إسبانيا عام 1947، كانوا فريقاً ذا جودة فنية عالية، وكانوا يلعبون كرة واضحة ولم يُرَ مثلها في إسبانيا. تركت تلك الجولة بصمتها، لدرجة أن جماهير السان ماميس قالوا بأن “الارجنتينيين كلهم يلعبون كبانيزو”. بانيزو نفسه صرح بأنه زار سان لورنزو بعدها بسنوات، لأنه ومنذ تلك اللحظة وقع بحبهم.

ل.م.إ: قام الإسبان بتغيير جوهري في الدورات الأخيرة لفريق لويس أراغونيس، ولاحقاً مع ديل بوسكي، وكانوا ثابتين وراسخين بقناعاتهم. ثقافة “هوس النجاح” exitismo ستلفت انتباهنا إلى أنه إن لم يفوزوا فسيحرقونهم في ساحةٍ عامة.

كابّا: طبعاً، لأن مجتمع اليوم لا يحترم إلا الفوز، لقد كانت الانتقادات عنيفة عندما خسرت إسبانيا أمام سويسرا في المباراة الأولى في كأس العالم 2010، النوع هذا من كرة القدم لا شرف له، صفر. يتعين عليه أن يفوز دوماً كي يُحترم، أراغونيس وديل بوسكي أبقيا أولئك اللاعبين وفازوا بكل شيء.

ل.م.إ: دُعاة هرمون التستوستيرون تقدموا وتعصرنوا، لم يعد حديثهم يقتصر على “الغضب” أو “الخصيتين”، ولكنهم بدأوا يعتمدوا أكثر على الدراسات العلمية المزعومة العصمة، كل شيء محسوب، كل شيء محدد الكم، كل شيء موزون … وكأن كرة القدم علم دقيق أو سباق طولي 100 متر، ولكن على رأي الأرجنتيني فيرناندو سينيوريني، المعد البدني الذي يمتلك حساً جامحاً بجوهر اللعبة، حيث يقول “جرامٌ واحدٌ من أنسجة المخ يزن أكثر من 80 كجم من العضلات في كرة القدم”.

لكن على رأي الأرجنتيني فيرناندو سينيوريني، المعد البدني الذي يمتلك حساً جامحاً بجوهر اللعبة، حيث يقول “جرامٌ واحد من أنسجة المخ يزن أكثر من 80 كجم من العضلات في كرة القدم”.

أنخيل كابـّا

إن فيرناندو مرجعٌ فريدٌ لطائفته التي تدرب بعقلانية، وكذلك بالأنسنة وجعل اللاعب يفكر. وهو واحد من الذين يؤمنون بأن كرة القدم لعبةٌ غامضة، ولسنين طوال كان مدرباً لأفضل نسخة لمارادونا، وللمنتخب الأرجنتيني ولفرق كثيرة أخرى. ولم يكن ملتفاً على نزعة التدريب حتى الإنهاك، بالسُتر المثقلة بالأوزان أو بالباراشوتات، ولم يكن يقيّم كل شيء بالمَعْلَمَات العلمية.

كابّا: نعم، لا زلت واثقاً بذلك كثيراً، سألت ذات مرةٍ كرويف لمَ الأسلوب/الكرة التي ندافع عنها لا تملك مؤيدين كُثر؟ أجابني: “لأنه ينبغي أن تعرف”. أن نعي أن كرة القدم كالمسرح الجيد أو السينما الجيدة، يجب أن تمتلك شيئين: معرفة وإحساس. أولئك الذين يقيسون ويزِنون كل شيء لا يمتلكون ذلك، فكيف ستحسب وقفة تشافي، أي نظرة وتمهل لجوردي ألبا قبل القيام بالبينية الرائعة في الهدف الثاني لنهائي أوربا؟ هذه أمورٌ لا تقاس، وهذا ما يثير انفعالك، وهو الذي سيدوم. كما قال ماتشادو: “أنا تذكر المشاعر فقط في الحدث، وأنسى كل شيء آخر.”

ل.م.إ: ينسى الكرةَ كثيرون، ينسون أن الأبطأ في كرة القدم هو الأكثر موهبة فنياً، أو الأكثر لمعاناً لحل معضلة ما في اللعبة. في كرة القدم تشافي أسرع من أوساين بولت …

كابّا: أمثال تشافي … أو غوارديولا أو لاودروب، هؤلاء الذي يخسرون أي سباق، يمتلكون رؤية ويحلون عقد اللعب بسرعة بفضل ذكائهم وفنيتهم. السرعة في كرة القدم أمرٌ آخر، والقوة كذلك. القوة هي الدهاء والمكر، ولو كانت على الصلابة لما لعب إينييستا كرة القدم. وعلى الرغم من ذلك فهو أفضل لاعب بالعالم لأنه ذكي، ماكر ويفهم كرة القدم.

ل.م.إ: دائماً ما تشدد على أن اللاعب الأكثر قيمة هو الذي يفهم اللعبة، غوارديولا عُلِّم على فك مغاليق اللعبة، لقد كان أكثر لاعب تحليلي شهدناه في العقود الأخيرة، وكل هذا صيّره وشكّله لاحقاً كمدرب بكيفية لا نظير لها، ويصعب تقليدها. مالذي يمثله عمل غوارديولا لكرة القدم؟

كابّا: ساهم العديد من المدربين بأمور ثمينة، ولكن بالنسبة لي هنالك مدربان هما الأفضل في تاريخ كرة القدم، الأول رينوس ميخيلز، إذ ضيق المساحات وصنع فرقاً متضامة ومتراصة. والآخر هو مينوتي، وهو الذي علِم كيف يشيد المفاهيم التي نراها ونطبقها في اللعبة، وكذلك على مستوى أشكال التمارين. إذ أننا نلعب ونتدرب وفقاً للمفاهيم، وليس عبر الجري وتسلق الجبال دون معرفة الأسباب. كرويف كذلك قام بمساهمة جوهرية لأسلوب التمرير (أي الأسلوب القائم على التمرير). بينما أضاف غوارديولا -لكل ما سلف- استعادة الكرة الفورية لحظة فقدها. هذه الأمور قامت بها هولندا في 74 ولكن برشلونة أتمموها وكملوها، كانوا يجعلون الخصم يلعب بتسرع، وعندما يخسرون الكرة في حالاتٍ أُخر، يستعيدونها فوراً. كان ذلك مدمراً، سترغب بالعودة للمنزل عندما يتراقصون حيث تبقى الكرة بحوزتك لثلاثة ثواني فقط. تلك الإسهامات كانت أساسية، يستطيع غوارديولا بلا شك أن يجلس على نفس الطاولة مع ميخلز ومينوتي وكرويف.

ل.م.إ: تحدثت لي مؤخراً عن تقهقر الكرة الأرجنتينية، وعن التطهير الثقافي، وعن نسيان مواردها. راهنت على التغيير، وعن الحاجة للعودة للجذور، غير أنك تحدثت عن الحلول بتفاؤل مختلق، لأنك تعرف أنه لن يكون هناك تغيير، بل وستبقى الأمور عالقة بالزوبعة التي ألحقت ضررا بالغاً بهياكل الكرة الأرجنتينية.

ما من بلد قادر على الصمود أمام هجرة مئتيْ لاعب في السنة، فالأرجنتين في هذه اللحظة معرضٌ لبيع اللاعبين ومسؤولي الإتحاد غير قادرين على فهم هذه الظاهرة.

أنخيل كابـّا

كابّا: فُقدت الهوية لعدة أسباب: أولاً، تفكيك العدة والعتاد، ما من بلد قادر على الصمود أمام هجرة مئتيْ لاعب في السنة، فالأرجنتين الآن معرضٌ لبيع اللاعبين ومسؤولي الإتحاد غير قادرين على فهم هذه الظاهرة. كلمة من رئيس الإتحاد ستشي بكل شيء: “في كرة القدم -بالنسبة لي- إذا فزت بـ1-0 قد اثقب الكرة”. زد على ذلك، البطولة القصيرة ستُحدث هستيريا وعجلة، تغييرٌ للمدرب كل خمسة مباريات، والمباراة كأنها صدمات الدوَار خالية من أي معايير. فقط قانون الجاذبية هو ما يجعل الكرة تهبط من وقت لآخر إلى المعشب الأرجنتيني.

ل.م.إ: ربما كان هوراكان آخر فريقٍ أرجنتيني تم تمييزه في التاريخ، إذ كان مجلبة للإشادة والتقدير لكرة القدم الأرجنتينية ولو لمرة. لقد كان خلاصة الفضائل واحترام اللعبة التي لطالما وُسمت بها كرتك. في 2008 حرمك التحكيم الرديء من معانقة اللقب في المباراة الحاسمة أمام فيليز سارسفيلد، تقريباً قصة كيخوتية حالمة وبنهاية مريرة، ولكنك أريت بفخرٍ كرتك التي افتقدها الملايين من المشجعين في بلدك ولفترة طويلة.

كابّا: إن أعظم ثناء للفريق أتى من روبرتو “لا أوفيخا” تيلتش، لاعب سان لورنزو في الستينات والسبعيات، قال تيلتش عن هوراكان: “إنهم يلعبون كما كنا نلعب.” كما أشار مشجع لسان لورنزو وهو الممثل فيغو مورتنسن معترفاً أن آخر فريقٍ أُغرم به كان هوراكان.

ل.م.إ: كرة القدم الأرجنتينية حالياً بلا ريكيملي تبدو وكأنها مظلمة، لقد كان الموهيكان الأخير، لقد تخلى عن اللعب لبوكا، فريقه الروحي لأنه لم يكن مؤمناً بما كانوا مجبراً على القيام به، لم يكن مؤمناً بكرة مصممة للركض والركل. لقد ضاق ذرعاً من مشاهدة الكرة محلّقة. قبل سنوات أحد الصحفيين أشار إلى أن فريقاً كبرشلونة سيعاني الويلات كي يفوز باللقب في الأرجنتين، ذلك لأن الفرق شرسة وحادة، عندما ذكروا ذلك لريكيلمي في أحد عروض التلفاز خر ضاحكاً: “برشلونة يلعبون هنا” يقول خوان رومان… “سيسحقون الجميع”.

كابّا: إنها أحد أعراض ريكيلمي، إذ تركته الكرة الأرجنتينية منذ وقت طويل. كان وحيداً يحارب الجميع ولم يستطع الإكمال، فقد مل وضجر، وتعب من محاربة البربرية التي أصبحت عليها بلاده.

ل.م.إ: كما قال مينوتي: ملائكة الإلهام أعدمت بالرصاص. عندما يتقدم ريكيلمي للعب ركلة زاوية أو كرة ثابتة كان يمسك الكرة ويقبلها، لأنه يحبها، لأنه يشعر بأن التعامل معها يزداد سوءاً، لم تكن طقساً بل كانت اعتذاراً.

كابّا: تماماً، كان يعتذر. سيقترح أحدهم –بهذا النسق التصاعدي- بعد بضع سنوات إلغاء الكرة في الكرة الأرجنتينية، بهذه الطريقة سيتصارعون بشكل أفضل ومن يصمد سيفوز.

ل.م.إ: كتبت قبل عدة أسابيع مقالاً عن إياب كأس السوبر الإسباني والتي انتهت بثلاثية للريال مقابل هدف للبارسا، عنونت المقال كالتالي: “يوماً ما لعب بشكل سيء…”.

كابّا: حتى ريال دي ستيفانو وبرازيل السبعينات قد يلعبون بسوءٍ لمرة، لا تستطيع أن تكون عظيماً دوماً. قام برشلونة بأسوء ذهاب منذ وقت طويل حسب ما أتذكر، وبعشرة لاعبين في الإياب استغلوا خوف الريال (الذي نقله مدربهم إليهم) والذي تنازل عن الكرة للخصم وانتهى به الأمر مأساوياً.

ل.م.إ: هل ستعود بنا الخصومة ما بين مورينيو وأسلوب برشلونة إلى خنادق التسعينات؟

كابّا: وُصف مورينيو بدقة بواسطة كرويف: عليك أن تطلب منه الفوز ولا شيء آخر، لأنه لا يمتلك أكثر من ذلك. كان يمتلك أفضل اللاعبين في العالم ولا زالوا يستقطبون له اللاعبين. زيمان كذلك وضح ذلك جيداً: “إذا أدارت عمتي ذلك الفريق، كشرٍ أقل -على الأكثر- سوف تبقى ثانياً دوماً.”. يلعب الريال كما يقرر اللاعبون الكبار في الملعب، ولكنهم لا يمتلكون مفاهيم تتوائم مع مواهبهم. هناك حقيقة جلية: لعب كل لاعبي الريال كأس أمم أوربا (مع بلدانهم) بشكل أفضل مما يفعلون في مدريد، فليستخلص الجميع استنتاجاتهم.

ل.م.إ: كرة القدم حالياً تنطوي على العجلة، على ثقافة الفورية، سواءً في مدريد أو ليما أو أي مكان. جنون يهدد طبيعة اللعبة، بل وضد أي ممارسة للأعمال أيضاً. الوقت يضمحل، وكل شيءٍ يبدو محاطاً بدرجة جنونية من التغطية الإعلامية…

كابّا: اختار الإعلام أن يبيع ولا غير منذ مدة مديدة. إذا قال كريستيانو بأنه حزين، سيقدم الإعلام عرضاً حامياً لهذه العبارة المؤسفة. في هذا العالم الذي يُهاجم العمال به باستمرار، وبه أناس لا يجدون الغذاء، إنه لمن المحرج بحال أن يقوم الإعلام بإعداد عرض يتساءلون فيه عمّا يحزن الأميرة الحزينة. إنهم يهتمون بالبيع وحسب، وهذا العرض الذي يقدمونه هو المثال الأفضل للغباء في أنقى صوره.

[1] “a mi el pelotón, que los arrollo” أسطورة الغضب الأحمر هي ناجمة عن مقولة خوسيه ماريّا بيلاوستي، حدث ذلك حينما صرخ لزميله: “أعطني الكرة، سابينو، وسأسحقهم” بأحد أهدافه في أولمبياد 1920 ببلجيكا فأصبحت أيقونة الكرة الإسبانية.

المصدر

التدريبات الشاملة

على الرغم من سطوتها على حقول المعارف المختلفة منذ القرن السابع عشر، تقع اليوم اختزالية ديكارت تحت طائلة الانتقاد. أمّا الاختزالية فهي تحليل موضوع أو ظاهرة معينة باختزالها وردّها إلى أجزائها؛ أي تفكيك وتحليل أجزاء هذه الظاهرة ودراسة كل جزء على حدة. بصورة أبسط؛ هي أن نفصل ونعزل كل عنصر من عناصر كرة القدم ونقوم بتدريبه بمعزل عن بقية العناصر، كأن نأخذ العنصر الفني/التكنيكي ونحاول تطويره لوحده دون سياق؛ أي دون أن يتفاعل اللاعب مع خصم وزميل وتوجيه معين (مرمى) لتطبيق ذلك التكنيك فيغيب عن البال سياق اللعب الذي قد يجر اللاعب لتغيير هذا التكنيك الذي لم يعد يجدي. أو أن نأخذ حالة تكتيكية وندربها دون خصم، وجود الخصم قد يجبرنا على تغيير بعض الديناميات، تلك حجة منتقدي ما يسمى بالتدريبات التحليلية، والتي –بالضرورة- تنتهج النهج الاختزالي. يعتقد المجتمع العلمي اليوم أن الاختزالية/التحليلية عاجزة عن تناول الظواهر المعقدة، ولذلك فهي تفكك تلك الظاهرة وتتناول كل جزءٍ منها على حدة، فهي لا تستطيع فهمهما ككل متماسك.

“هنالك طريقتان لكي أعلمك كيفية الذهاب من هنا -من منزلي- إلى وسط باسّانو، الأولى أن أقول لك توجّه نحو الدوار، أفسح الطريق، قف عند الوقوف، من ثم انعطف إلى الممر الثاني يساراً، ثم الممر الأول إلى اليمين. أما الطريقة الأخرى فهي أن أعلمك قراءة إشارات/علامات الطريق وأعطيك خريطةً للمدينة. في الطريقة الأولى علمتك نمطاً؛ وفي الثانية مجموعة من المبادئ”

ماوريتسيو فيشيدي
undefined
تباعد الفريق يبدو كشبكة مترابطة، تداخل الفريقين يضيف تعقيداًأكبر وأكبر.

يقابل الاختزالية المفهوم الأرسطي القائل بأن الكل أكبر من مجموع أجزائه والمعروف بالتآزر، هو لب وجوهر النظام المعقد complex system، أو حتى نظرية النظم الديناميكية. يعرّف النظام المعقد على أنه مجموعة من العناصر تتفاعل فيما بينها البين، تحمل النظم المعقدة خصائص محددة تنبثق وتنشأ من العلاقات بين تلك العناصر، مثل اللاخطية كتحولات اللعب هجوم-دفاع والعكس باستمرار، والانتظام الذاتي؛ كتمركز اللاعب وفقاً لزملائه والخصم دون موجه خارجي، يسمى كذلك التكيف المعقد –ما بين اللاعبين- والروابط، والتواصل، والتغذية الراجعة وإلى غير ذلك من الخصائص التي قد تتمايز بين ميدان وآخر. كرة القدم هي نظام معقد، وينبغي فهم العلاقات ما بين اللاعبين (العناصر) والتي بدورها تؤدي إلى السلوكيات الجماعية (ككل)، وعليه سندرب لاعبينا بالنهج الكلي holistic approach، أو الطريقة الشاملة Global method وتدريب الكرة ككلٌ متكامل بدلاً من اجتزاز حالات لا تبدو واقعية من وجهة نظر مطبقي الطرق الكلية/الشاملة، إذ لن تحمل التمارين التحليلية في طياتها تعقيد اللعبة، سرعة اللعب، تداخل العناصر، تبادل الأدوار الاضطراري…إلخ. إذ هي لن تقوم بلم شمل عناصر اللعبة عند التدرب دون خصم، ولن تقوم التدريبات التحليلية إلّا بتقييد اللاعب بنظام ضيق، وأنماط لعب محددة، قد يخبو وينحسر فيها المجال على الإبداع في حل المشاكل. ولذا فتوفر التمارين الشاملة البيئة المناسبة لتطوير اللاعبين من خلال حالات واقعية، ودوماً بمواجهة خصم، هذا الخصم سيُرغم حامل الكرة على بدائل لا توفرها الحالات أحادية القرار، ببدائلها القليلة، وأولئك الخصوم لن يمنحوك الوقت والمساحة لتطبيق ما تريد –لذات السبب- وهذا هو مأخذ مطبقي النظام الشامل.

نتيجة بحث الصور عن peter boszz

“من المهم صنع أتمتة… أو أنماطاً للعب إن شئت، إننا نتعامل مع العقلين الواعي واللاواعي في اللاعبين. فعندما نقوم بفيديو تحليلي بصحبتهم، فهم واعين لذلك، إذ يعون ما أتحدث عنه، يفكرون به ويتحدثون عنه. ولكننا نمتلك أيضاً تمارينَ حيث لا أريد منهم أن يفكروا أو يتحدثوا أو يعرفوا أي شيءِ حياله، أرغب فقط أن يقوموا بالتصرف من اللاوعي، أي عفوياً… وبذلك نصنع أنماطاً. ولذا فنحن نتمرن بأشكال عديدة من المباريات: 3ضد3 أو 4ضد4 أو 9ضد9 ولكن دائماً بثلاثة لاعبين أحرار بحيث نستطيع استخدامهم للقيام بلمسة واحدة ارتدادية، بالتالي ستتطور الأنماط من الناحيتين (للفريقين وللاعبين الأحرار) بإمكاني ملاحظتها في المباريات أيضاً.” -بيتر بوش

“لست مدرباً يضع أنماطاً واضحة، وإنما على اللاعبين اشتقاق الأنماط جراء التكرار المتواصل للتمارين، إن اللاعبين بحاجة لحرية اتخاذ القرار”

مايكل كولنر

ينطوي التعليم المباشر على منح الإجابة للاعبين، ففي التمارين التحليلية سنطلب من اللاعبين تحركات أو قرارات محددة، فيما يتمحور التعليم الضمني على التفاعل بين المدرب واللاعب، واللاعب هو مركز العملية التعليمية. ينبغي على اللاعب إيجاد الأجوبة، فيعرض المدرب المشكلة/الحالة ويبحث مع اللاعبين عن الحلول والسُبل، يطرح المدرب أسئلة ومن إجابات اللاعب قد يجد الحلول، قد يقوم المدرب بالتلميح والتقريب وقد تكون تلك الأسئلة عبارة عن تمرين لحالة معينة. يسعى أغلب المدربين إلى صنع أنماط لعب معينة أو سلوكيات محبذة على المستويين الفردي والجماعي، فمثلاً لا يؤمن الألمان والهولنديون بالأنماط الجامدة، بل يسعون إلى تخليق أنماط وألعاب عبر تمارين مقننة وليست تلقينية، قوانين هذا التمرين وقواعده بوسعها السيطرة على قرارات اللاعبين وبلا وعيٍ منهم، يمكنك فقط أن تطلب منهم فعلاً أو ردة فعل معينة –في حالة معينة- دون عزلها عن دينامية اللعب وانسيابيته، فتنشأ عن ذلك أنماط لعب وسلوكيات بشكل تلقائي.

إن حالات اللعب لا حصر لها، إذ تختلف الزاوية ووضعية اللاعب ووضعية الخصم ومكان الكرة وسرعة الكرة، فتوفر التمارين الشاملة هذه المزية، فلا يمكن أن نحلل كل وضعية ونتدرب عليها على حدة، فاللعبة بالنسبة لهم هي المعلم الأول، حيث يسعى مريدو التعليم المتنوع Differential learning إلى استجلاب الحالات والمشاكل المختلفة وحلها بطرق متنوعة عبر “اللعب”، وتعويد اللاعبين على التعامل مع ما يطرأ عليهم دون تلقين، فيسهل عليهم التعامل مع العديد من الحالات ولكنهم لا يسعون لتسهيل اللعبة عبر تفكيكها وتحليلها، بل يبقونها معقدة وعشوائية بهذه التمارين، أو قد يزيدونها تعقيداً فيتأقلم اللاعبون على ذلك. باكو سيرولّو وتوماس توخيل من مناصري هذه المنهجية ومؤسسها فولفغانغ شولهورن، وهي منهجية تستمد جذورها من التعليم الضمني والاستكشافي، فيحاول –توخيل- بواسطة قواعد/مساحة التمرين إلى تطويع اللاعبين للإبتعاد عن تصرفات معينة، فمثلاً يطلب من المدافعين حمل كرات تنس لئلا يشدوا قمصان المهاجمين، أو أن يقوم بتصميم مباراة مصغرة بملعب معيّن/ماسيّ الشكل لكيلا يسرف اللاعبون بلعب الكرات إلى أطراف الملعب، حيث يسعى بذلك إلى توجيه اللعب نحو العمق أكثر. تمارين كالروندو والمباريات المصغرة تمارن واقعية وتحاكي اللعبة، وباستخدام قيود وقوانين محددة بهذه التمارين ستحدّ وترغم اللاعبين على سلوكيات معينة، لمسة واحدة، أو عدد معين من اللمسات، شكل هندسي مثل تمرين توخيل، علاوة على تحفيزهم على التفكير وزيادة الأحمال الذهنية بفرض تعددية مهام كحمل كرات التنس عند توخيل وإلى غير ذلك كثير، لا يُحبذ في هذه المنهجية الضمنية –الأكثر تطرفاً- توضيح الأهداف، بل يُكتفى بالقيود، إن كثرة الاستيقافات والتكرار –لتمرين معين- والاسهاب في الشرح والتوجيه بل والتصحيح مرفوض تماماً. “إذا أخبرتهم بما لا أريد منهم أن يفعلوا سأكون ناقداً” يقول مدرب بي إس جي، “غير أن عملي هو تقديم الخدمة: أنا هنا لمساعدة ودعم اللاعب.”

الملعب ماسيّ الشكل والهدف منه إجبار اللاعبين عبر القيود ومساحة اللعب، والتشكل الجيومتري إلى التمرير للعمق زائداً الركض القطري للمهاجمين.
وكذلك تقسيم المناطق كما نرى فالجناحان لا يجب أن يدخلا الالثلث الأوسط سوياً.

“في التمارين، دائماً نستخدم الكرة، هناك تحركات ومباريات مصغرة” هازارد عن الفرق بين زيدان وكونتي وسارّي، “عندما تعمل مع مدربين إيطاليين كما حصل معي، فستكون أقل سعادة، إنهم صارمون وتكراريون، ستجد المتعة بالفوز. قضيت ثلاثة سنوات مع المدربين الإيطاليين، وإعادة اكتشاف المتعة مجدداً أمرٌ يسعدني.”

تتباين الآراء حول الطريقة الأفضل، كما تختلف إنطباعات اللاعبين وآرائهم حول المدربين ففي المقال السابق، اقتبسنا لكوليبالي مديحاً لسارّي. الأكيد أن صرامة سارّي كونتي وحتى غوارديولا لا تروق للجميع، تييري أونري سبق وأن اشتكى من صعوبة اللعب مع بيب ولكن بعد اعتزاله ربما غير رأيه، تبقى آراء اللاعبين عاطفية ومن منطلق ذاتي/شخصي وغير موضوعي، أيضاً تطبيق أحد المنهجيتين أيضاً خاضع لانتقائات حدسية ومعايير ذاتية بالنسبة للمدربين، ولم يقطع العلم بأفضلية أحدهما، إلا أن التلقين المباشر لطالما أبدى محدودية في تحفيز العقول على التفكير. ليس ثمة معادلة نهائية لتحقيق الغاية المنشودة في كرة القدم، غير أن كل الطرق تؤدي إلى روما، فكلٌ له طريقته وأسلوبه التعليمي. إن التلقين طريقٌ أسهل للمدرب ولكن هذا الطريق له عواقبه في إنتاج فريق قد يضمحل فيه إبداعه، أو قد يعتري أحدهم الخوف في القيام بابتكار ما، تلك الابتكارات والتجليات اللامتوقعة هي ما تجعل الفرق تتمايز وتقل أو ترتفع فيها فعاليتهم، نعم أنماط اللعب المضبوطة لها فعاليتها كذلك، لكن الأكثر نجاعة هو التعامل مع تبدل وتموج اللعب، فالغرض ليس تنشئة طريقة تفكير موحّدة في التمارين الشاملة بل اعتماد التفاعل والتناغم والتواصل التلقائي ما بين اللاعبين في الملعب، فاللاعبين يفكرون بطرق مختلفة بالطبع. العقل التحليلي ليس مثل العقل التركيبي، فالعقل التحليلي يريد تفكيك مفهوم معين لكي يتأتى عليه فهمه وفهم أجزاءه، فمن يحلل أمراً قد لا يستطيع إعادة تركيبه، وقد لا ينتج ويخلق أمراً جديداً وهو الأمر الذي يختص به العقل التركيبي، ومن ذلك فالتدريبات التحليلية لن تفي بالغرض “دائماً” في لعبة شواشية، لا خطية، متغيرة ومتقلبة، علينا أن نعي أنه حتى كلوب وتين هاغ قد يستخدمان تمارين تحليلية، بيد أنها ليست جوهرية بالنسبة لهم، أحياناً لتعويد اللاعبين على حركات بسيطة أساسية. كما يتعين علينا ألّا نُغفل الجانبين البدني والذهني إذا ما غالينا في زيادة الأحمال على اللاعبين، فالتمارين التركيبية والشاملة مرهقة، لذلك عندما نرى استهلال تمارين ناغلزمان أو مورينيو بتمارين استلام وتسليم فلا تعدو كونها إحماءاً، في الحقيقة هناك من يرفضها قطعاً. التمارين الشاملة حق شرعي للاعبي الفئات السنية، الصغار يحتاجون للعب، يحتاجون النمو ذاتياً، هم يريدون تسهيلا من المدرب أو المكون حسب هورست فاين، وهو القائل بأنك لا تحتاج مدرباً محترفاً للفئات السنية، نعم، إننا بحاجة لمدرب منفتح ويتقبل فكرة أن الموضوع لا يتعلق به وبمجده الشخصي، فالأولوية للمنهجية والمكون سيدير العجلة لا أكثر، فالأجدى هو التفكير والابتكار لا التلقين والتكرار.

التدريبات التحليلية

يقول كونستانتين برانكوشي أن البساطة تكمن في حل العقد، قد تكون تلك غاية المدربين الذي يعتمدون الأسلوب التدريبي/التعليمي الديداكتيكي، والذي يرتكز على التعليم الصريح وتقليص دور اللاعب في عملية التعليم، فيغلب على المدرب تصميم تدريبات منظمة وواضحة الأهداف وليس على اللاعب إلا التطبيق، وعلى الأكثر معرفة الأسباب، هذا النوع من التعليم/التدريب ينطوي على الإجابة. إذ يصبو المدرب هنا على توحيد السلوكيات واللغة المشتركة بين اللاعبين. يكون اللاعب واعياً هنا لما سيقوم به –كما ذكرنا في المقال السابق- إذ يسعى المدرب بهذه الطريقة أن يعوّد لاعبيه على قراءة لعب معينة لكل حالة، واضعاً نقاط مرجعية يرجع لها اللاعب في إتخاذ القرارات، مختصراً الوقت على اللاعب في المباريات أينما لا يكون هنالك متسع من الوقت للتفكير.

لطالما كانت طريقة تدريبي قائمة على أكبر قدر من النصائح، بحيث يكون اللاعبون على دراية بما سيقومون به في كل حالة.

أنتونيو كونتي

التدريبات التحليلية

التدريبات التحليلية هي اجتزاز حالة أو وضعية من سياق اللعب والتدرب عليها بشكل منفصل، من السهل للصعب ومن البسيط إلى المركب. يصعب أن يحيط المدرب بكل حالات اللعب في الخطة التدريبية وأن يصمم تمارين لكل حالة وموقف. ولذا من الحكمة اختيار الحالات الأهم، والحالات التي يمكن السيطرة عليها، وحالات مايكروية/جزئية في أسلوب اللعب إذا ما كان المدرب صاحب أسلوبٍ عميق، وذلك بغرض الاقتصاد في الوقت. يبدأ المدرب بالعمل على الحالة المنتقاة بالتدريج، من تمرين بسيط؛ أي بتمارين بلا خصم، أو بخصم غير فعال وساكن. لاحقاً وبعد اعتياد اللاعبين على التحركات المرغوب بها، سيضيف المدرب خصماً، ربما بمواقع معينة، وكذلك سيرفع النسق حينئذٍ يصبح التمرين مركباً. لاحقاً قد يضع المدافعين بمواجهة المهاجمين لو كانت الحالة المنتقاة هي بناء اللعب من الخلف مثلاً، وهذه قد لا تنتمي للتمارين التحليلية التقليدية لأن المستوى قد يوازي مستوى المباريات (تسمى أحياناً تمارين تركيبية)، غير أن الحالة ستكون محددة والتوقفات ستكثر للتصحيح والتعديل والشرح. يقوم المدرب أيضاً بالتشديد على العناصر أو الطريقة التي يريدها في تلك الحالة المنتقاة في التمارين التنافسية المشابهة للمباريات تعقيداً وشدة 5ضد5 أو 6ضد6… الخ، فالمدرب هنا قد يكتفي بالتصحيح والتوجيه، وهذا الأمر على أي حال سيقوم به في جميع المراحل من البسيط إلى المركب وصولاً للتنافسي، مع تكرار ممل واستيقافات للتصحيح والتوضيح خصوصاً في المرحلتين الأوليتين، ومع التكرار وتعليمهم وهم واعين تترسخ هذه التصرفات باللاوعي فيتذكر اللاعب –جراء المحفزات اللاشعورية- تلقائياً ما عليه فعله في أي وضعية.

سامبدوريا يعملون على خطة 4-3-1-2، تناقل الكرة بسرعة واختراق الخصم من العمق/حركة المهاجمين.
قبل ذلك عمل على الضغط العالي، نرى أن المهاجمين لا يقطعون الكرة بل فقط يكتفون بالضغط بالشكل المطلوب، مسار الركض والتمركز المبدأي.
من الدقيقة 8 يطبق الفريق عدة تحركات هجومية دون خصم/ضغط.
من أطروحة فارنتشسكو كالدزونا (مساعد سارّي)، نرى هنا ترجمة لوضعية معينة من التدريب إلى المباراة.
في المثال الأول أوردت تمريناً لتطبيق الحركة بلا خصم، ومن ثم سنرى ترجمة لها في المباراة.
لا تقع في وهم الباريدوليا، أياكس لا يقومون بالألعاب المسبقة الترتيب (في المقال القادم سنفصل إن شاء المولى)، هو تجلي فردي من فان دي بيك أكثر من أي شيءٍ آخر.

إن الدافع للمدربين الذين يطبقون أسلوباً تدريبياً ديداكتيكياً هو توحيد سلوك اللاعبين كما أسلفنا، قد يجد بعض اللاعبين أنفسهم بهذا الأسلوب، فالبعض قد لا يمتلك إمكانات ادراكية عالية، فالتفكير يأخذ وقتاً منهم مع سرعة اللعب والنسق، لذا فالأجوبة من المدرب ستكون شافية وافية له، ومع ذلك فحتى بييلسا الذي يطبق هذا الأسلوب التدريبي يعتقد بعقم السيناريوهات الماقبلية –إذا ما فُقدت- وإذا ما بالغ المدرب في ميكنة فريقه. عادة ما يثق مدربون ككونتي أو سارّي –من بين كثيرين- بما يحضرون وبالتدريب المكثف لصنع أسلوب بتحركات محددة لكل حالة، هجومياً ودفاعياً وفي الكرات الثابتة، فما تدربوا لن يغيروه بسهولة، فتبديلاتهم ستكون لاعب بلاعب، وأحياناً يضيفون لاعباً في الخط الأمامي في الدقائق الأخيرة عندما لا تكون النتيجة بصالحهم، إذ لديهم ثقة عمياء بأساليبهم، ولن يحتملوا تغير الدينامية والخطط والتحركات المسبقة عبر تغيير الخطة أو عبر تعديل مواقع اللاعبين، بيب غوارديولا أو بييلسا كذلك يثقان بما عملا في الأسبوع التدريبي بالخصوص وبالعمل الذي تم في الأشهر السابقة عموماً، رغم ذلك فلديهم شيء من المرونة في التعديل والتبديل، واثقين بقدرة اللاعبين على التكيف والتأقلم.

“يلعبون كرة قدم جذابة تمتع الجماهير، نفس الأمر الذي يقوم به أياكس ولكن بأقل عشوائية، السيتي أكثر انتظاماً.” فان خال عن سيتي غوارديولا، يكمل: “بيب رجل منظم وعلى اللاعبين اتباع ما يريد، بينما مع تين هاغ يستطيع اللاعبون القيام بأمور مختلفة عما يريد.”

“إنه عبقري حقاً، يرى أشياءاً لا يراها الآخرون. إنه يجعلك تفهم كرة القدم وكيف أنه يمكن التنبؤ بها، إنه عالم. يملك جواباً لكل سؤال يُطرح عليه، ودائماً ما يكون على صواب، هو يجعلك تفكر بجماعية وليس كفرد، باختصار كرة القدم معه رياضيات.”

كوليبالي عن سارّي

في مقابلة لإيلياكيم مانغالا مؤخراً سئل عن الفرق بين غوارديولا وسام ألاردايس، أجاب بأن  بيب يعالج كل وضعية وحالة، “من الأسهل كثيراً اللعب هكذا، لأن شيئاً ما لن يكون محض صدفة […] يعتقد الناس أن الموضوع مجرد تيكي تاكا! أتذكر أنه مرة قضى 10 دقائق في توضيح الكيفية الأفضل للدفاع ضد رمية التماس“، الغريب في الأمر أن مانغالا قال أن ألاردايس كان لا يحضر التمارين إلا قبل المباراة بيوم أحياناً كثيرة، ناهيك عن تطبيق أسلوب وتعليم! المدربون ليسوا سواسية، لن يكونوا كذلك لأنهم يحملون نفس الرخصة!

 بلا شك نطاق ما يسع المدرب التحكم به ليس كبيراً، لن يطلب غوارديولا من أجنحته كيفيةً معينة للفوز بحالة 1ضد1، هو فقط سيطلب منهم البقاء في الجهة المقابلة لحدوث هذه الحالات، هو فقط سيفتح عينيك لأمور قد تجهلها، لحالات حرجة واقتراح حل أفضل للاعب، فمن الأفضل أن تكون لمستك الأولى نحو مرمى الخصم إذا كان ذلك متاحاً، لكن الخيار متروك لك إذا تمت مضايقتك، في أن تقاوم الضغط وتحاول الدوران أو أن تعيد الكرة للخلف، فاللاعب بالمساحات الضيقة مضطر لاتخاذ قراره بسرعة فلا يتسنى له اختيار تكنيك معين أو وضعية معينة فلن يتيح له الخصم ذلك، وذلك لأن كرة القدم ظاهرة معقدة، فأحياناً ستجد مساندة وأحياناً لا، أحياناً ستكون مضغوطاً من أكثر من لاعب، ستكون محاصر على خط التماس وظهرك لمرمى الخصم وغير ذلك، فكيف للتكتيك المسبق في عالمٍ حركي متغير، ويحدث فيه اللامتوقع يبدو أمراً منطقياً؟ يتسائل مينوتي.

ما بين الضمني والمباشر

تنطوي مهمة المدرب على تقديم عصارة معرفته للاعبين، على شكل تمرين يحاكي واقع اللعبة، ويحاكي تعقيدها، ومساحاتها الضيقة وتداخل عناصرها. وكذلك على شكل تمرينٍ يستثير في اللاعب التفكير، وينمي سرعة قراءته للعب وقدرته على ربط الأمور ببعضها، وبلا شك بدرجة من التنظيم وتحديد الأدوار، لأن الفرد بالنهاية جزء من فريق ونموه ينبغي أن يكون ضمن السياق الجماعي، أما صولوهات العزف المنفرد فهو أمر يعود لقدراته طالما لم ينشز، وطالما بقي في إيقاع ونسق الفريق. على رأي مينوتي: “عندما يقوم اللاعب بمغامرة أو لعبة فردية، يجب أن يكون مستعدًا للعودة إلى إيقاع الفريق عندما تنتهي تلك المغامرة، سواءً انتهت بشكل جيد أو سيء، لا يهم.”

تتضمن عملية التدريب/التعليم قدراً من التوجيه المباشر وقدراً من التعليم الضمني، يتباين المدربون في تقديم الأولوية لأي من النوعين، فجميع المدربين يقومون بقدرٍ من التلقين والإملاء، لصالح الجماعية وتقليص اللايقينية/الإرتياب، بحيث يكون اللاعب واعياً عارفاً بمركزه ودوره في حالات اللعب الحية أو الميتة، وكذلك في النقاط المرجعية التي يرتكز عليها في قراراته أو في الإرشادات العامة، الأساسيات التكتيكية؛ الوضعية الجسدية والتمركز والتوقيت، أو حتى بتصرفات قد يتم التغاضي عنها كالبقاء على الخط الأخير للاعبي خط الدفاع أو ترك القائم والالتحاق مع الخط عندما تلعب الكرة قصيرة في ركلة الزاوية… الخ. وكذلك يجمعون على إطلاق العنان للاعب كقدرة إبداعية/نقدية، لمعالجة المشاكل بنفسه وذلك لطبيعة التعقيد في كرة القدم، كاتخاذ القرارات بسرعة في المساحات الضيقة أو ظهور طارئٍ ما؛ كتغطية زميل ترك مكانه لأي سبب أو أي تجلي مهاري فردي. أو ما بين بين، أي أن يطلب المدرب تصرف محدد لتنفيذ استراتيجية معينة، لحالة لعب معينة، دون الإيغال في تفاصيلها ولكنها تتكرر في سياق اللعب باستمرار كالإيماء الجسدي والهروب من الرقابة، أو كالضغط فور خسارة الكرة، فتطبق في أي مكان وفي أي حالة وتنغرس في اللاوعي مع استمرار تطبيقها.

إن عملية التعليم/التعلم تنقسم إلى قسمين: مباشر وضمني، أمّا مباشر (أو صريح) فحين يكون اللاعب واعياً عندما تتحدث إليه أو تعلمه ومن ثم عندما يقوم بالتمرين المراد، ومع التكرار يتمرس اللاعب فتترسب تلك المهارات في العقل اللاواعي/الباطن فتبدر منه السلوكيات بشكلٍ تلقائي، أي أن التعلم الواعي سيغرس فينا القدرة على القيام بالأمور من اللاوعي “الاعتياد”، فسنتعلم قيادة السيارة –مثلاً- بوعي، مع التمرس والتعوّد سنتمكن -فوق ذلك- من القيام بعدة مهام لدى قيادتنا السيارة، التعلم بالحضور الذهني الواعي لا يتطلب ضرورةً وجود موجه خارجي، كأن نتعلم عبر رؤية الآخرين وعبر تقليدهم، أو أن نتعلم لعب الكرة مع أقراننا. أمّا التعليم الضمني فتعني أن يقوم اللاعب بما يراد منه بلا وعي منه، أي أن تكون المعلومة أو المهارة مضمنة قد يكتشفها هو بنفسه، بالضبط كما تعلمنا اللغة ونحن صغار، فلا نتذكر جيداً متى بدأنا بالنطق، وكيف اكتسبنا اللغة فطرياً عبر تسمية الأشياء وتجميع الكلمات وتكوين الجمل وحتى ضبط القواعد، ثم أدركنا أننا نتكلم لاحقاً. فحتى الوعي -في الحقيقة- قد تَشكّل عبر اللاوعي! فالوعي واللاوعي ليسا منفصلين.

يتحكم العقل اللاواعي بـ 90% (و95% في دراسات أخرى) من تصرفاتنا، فهو المتحكم بالعمليات اللاإرادية والتلقائية كالمشاعر والإحساس، والعادات والإدمان، والإبداع والحدس والذاكرة طويلة الأمد. أما العقل الواعي فلا يتخطى 10% من تصرفاتنا، كالتفكير والتحليل والتخطيط.

لم يعد الوعي واللاوعي محط نقاش فلسفي وحسب، بل وتم اخضاعه تجريبياً عبر علماء الأعصاب والمخ، فلم يعد اللاوعي مخزناً للذكريات وللذاكرة الضمنية وحسب. إن العقل اللاواعي يستقبل بيانات ضخمة ويعالجها بسرعة تفوق العقل الواعي والتي بدورها تجعلنا نتخذ القرارات، إذ تبقى هذه البيانات مضمرة يستدعيها العقل وفق محفزات معينة، فبجزء من الثانية تستثير رائحة عطر -مثلاً- ذكرى معينة مرتبطة بتلك الرائحة، أو أن نقوم بردة فعل معينة لحالة معينة، هذا ما يسمى بالمحفزات اللاشعورية، إذ أننا لا نستطيع بواقع الأمر اختيار الوضعية الصحيحة في لحظة ما في المباراة، لأن سيرورة اللعبة سريعة التبدل إلا أن التلقائية الناتجة عن اللاوعي، التمرس وكثرة اللعب يجعل اللاعب يقوم بأمور معينة بشكل مثالي، -أو على اقل تقدير سيتخذ قراراً مثالياً- وبلا ترتيب مسبق، وبمجرد أن يفرغ مما قام به سيعي ما فعله. وهذه أعلى مراحل سلم التعلم الأربع (نموذج المراحل الأربعة للكفاءة Four stages of competence) إذ يقسم هذا النموذج عملية التعلم -وصولاً لمرحلة الكفاءة أو التمكن- إلى أربعة مراحل، الأولى هو الحدس الخاطئ؛ في أن يكون المرء جاهلاً بجهله، يسمونه العرب “جهلاً مركباً”، أما الثانية فسنكون واعين بجهلنا أو عدم مقدرتنا غير أننا قد نقوم بأمر ما عفوياً لكن دون القدرة على التحليل. أما المرحلة الثالثة فسنكون واعين بقدرتنا ومعرفتنا بحيث تكون لدينا قدرات استراتيجية وقدرة على التحليل، أما الأخيرة فهي المعرفة والقدرة اللاواعية، المرحلة الأعلى؛ الحدس الصحيح والقدرة التلقائية على القيام بالأمور والمهارات بلا كلف أو جهد، أو العبقري الذي قد لا يعي مدى عبقريته كميسي أو نيمار واللذان يتنبئان بالأمور ويتخذان تدابير وقرارات مذهلة بجزء من الثانية، أولئك الذين إذا سألتهم كيف تقومون بذلك قد لا يستطيعون شرحه.

أعتقد أنني ولدت بها” يقر لامبارد أنه عندما كان يقوم بتفحص محيطه لم يكن على وعيٍ بما يفعل، إذ عندما سئل عما يفعل لم يستطع الإجابة.
مؤكدٌ أنه الآن على وعي ٍ بها كمدب، لكن غالب النجوم السابقين غير قادرين على شرح وتعليم ما يستطيعون القيام به، لأنه حدسي ويقومون به بلا وعي منهم.

إن المرور بهذه المراحل لا يتطلب وجود موجّه بالضرورة، يندر أن تجد لاعباً يعي ما يفعل، فحضوره الواعي وتفكيره الواعي ربما يؤثر على أداءه ويؤثر على تلقائيته، أي أنها ليست بالضرورة إيجابية، لك أن تتصور نفسك تؤدي مهارةً بتلقائية، وتصور نفسك تؤدي نفس المهارة وأنت محط الأنظار أو تحت الضغط لأول مرة.

يقودنا ذلك إلى أن نستنتج أن التعليم المباشر والتلقيني مرهق للاعب وللمدرب، فلا يبدي بعض اللاعبين استجابة كبيرة للتدريبات التحليلية، أي اقتطاع حالة من حالات اللعب والتدرب عليها –بكثافة- بكيفية معينة كما يفعل سارّي أو كونتي. غوارديولا ليس ببعيدٍ عن ذلك، فالتدرب واللعب مع بيب أو سارّي ومن سلك مسلكهم ليس محض مرح كما يتصور البعض منا. كرتهم ممتعة، ربما، لكن نطاق الحرية أقل مما يبدو عليه، فاللاعب ملتزم ومقيد بأدوار وقرارات وقراءة لعب محددة، فالسيمفونية تم الإعداد لها مسبقاً ببروفات مملة، وعلى أي حال فمجال الإبداع فيها باقٍ عموماً. إنما فقط يبدو أمراً نفسياً عندما لا يجد اللاعب راحة بكثرة الأوامر، في البداية قد يعاني ومن ثم سيعتاد ويتأقلم، أو أن يرفضها قطعاً، متمرداً يصعب ترويضه وقد يكون ذلك إيجابياً من أوجهٍ عدة، عدا الفردية والأنانية فهي مضرة.

ختاماً مهما بلغت قدرة المدرب في لعبة متقلبة لا أمان لها، ولا في اللاعب ككائن يقوده اللاوعي والعاطفة، يصعب تنميط اللعب على طول الخط، كما لا يبدو منطقياً أن نترك اللاعب بلا توجيه ولا شرح ونرهقه ذهنياً يقول المدربون الذين يفضلون توجيها مباشراً وعملاً مأتمتاً، غير أنه من المثير للإعجاب أن ترى بعض الفرق مبرمجة وواضحة المعالم فتستطيع أن تعرف أن هذا الفريق يدربه مدرب متمكن، ولو كان اللاعب روبوتاً لفاز بييلسا بكل شيء على حد قوله، وهنا محط النزاع!

لا يزال مفهوم الوعي واللاوعي والإرادة الحرة محل شد وجذب بين التجريبيين وعلماء النفس والفلاسفة، أنظر: [1] [2] [3].

دور المدرب

مع حقيقة المدرب تطورت أساليب كرة القدم وتشعبت وتفرعت، يقول أنخيل كابّا أن مستقبل كرة القدم يقبع في ماضيها، فالعديد من الابتكارات لها بذور زُرعت في الماضي، سارّي من ساكي والأخير من ميخلز، ميخلز من رينولدز وهكذا دواليك، الكل ينتسخ ويقوم بإضافاته ولمساته، وبتطور الأفكار والأساليب يتطور المدربون وتزدهر المدارس. وبتطور الكرة ومع الحداثة، أصبحت الفرق متشابهة مع فارق الجودة، ولكن ببقاء خصائص ومزايا البلدان وثقافاتها، الحديث هنا عن الفرق عموماً، فإذا كان الفريق الذي يبني اللعب بدءاً من الحارس سابقاً يشار له استهجاناً أو استحساناً، أصبحنا نستغرب الفرق التي لا تبني من الخلف، وهذا أمر إيجابي بحد ذاته، بغض النظر عن الجودة والكيفية والسبل. يبقى السؤال هل دور المدرب يتمحور حول الأسلوب؟ لا شك أن ثمة هموم مشتركة تجمع ما بين المدربين، كصنع توليفة ملائمة، تقوية الفريق بدنياً، تصميم خطة تدريبية، وإرساء الهدوء وضبط غرفة الملابس، على الرغم من ذلك فيصعب أن نضع تعريفاً موحداً يصف دور المدرب بالإطلاق.

في مقابلة مع بليزارد سُئل خوانما لـيـّو عن ماهية دور المدرب، مالمدرب؟ هو السؤال الذي طرحناه في المقال السابق، ولكن حتى خوانما لـيـّو لن يعطي إجابة شافية لمن يبحث عنها، إلا أنه ومن حيث المبدأ ستختار من سيلعب على حد تعبيره:

نتيجة بحث الصور عن ‪juanma lillo‬‏

ولكن أبعد من ذلك لن أحاول إطلاق دور، عطفاً على محدودية أهميتنا. هذه لعبةٌ تلعب بواسطة اللاعبين، ويبدو أن أولئك [المدربين] الذين يعبرون عن أهيمتهم يريدون إدعاء دور البطولة أو المكانة عبر الآخرين. دورنا أقل مما يريد كثيرٌ من المدربين إدراكه أو تصديقه. غير أنه ضمن تلك الحدود تستطيع رسم خطوطٍ عريضة لبعض الأمور، أولاً ينبغي أن تتحدث عن الفرق بين الصعيدين المهني والتكويني. ينبغي أن تسأل مالمدرب؟ بعضهم ديداكتيكيين أكثر، بعضهم لديه رغبة بطولية، فبعضهم أرثوذكسيين (تقليديين)، وبعضهم ليس كذلك. […] جميع المدربين محشوّون (أي يتشاركون) ببعض الأمور، غير أني أعتبر نفسي ديداكتيكي، أريد تبسيط الأمور بحيث يصبح اللاعبون واعين، وليس فيما يتعلقق باللعبة فقط. […] يجب أن تجعل اللاعبين واعين للأمور التي لا يروْنها، ليس أقل لأن اللعب كفريق يصعب شيئاً فشيئ في يومنا هذا”.خوان مانويل ليـّو

فلسفياً، يمكن أن نصنف المدربين على نوعين: الأول البراغماتي، وهو ليس بالطوباوي ولا يبحث عن الأسلوب ولا عن الكرة الفاضلة، مرن ويستطيع التكيف مع قائمة اللاعبين لديه، واستراتيجياً يستطيع التكيف مع الخصم. والآخر هو الأيدولوجي، وهو مدرب يمتلك أيدولوجيا (مجموعة أفكار ومفاهيم، أو عقيدة فكرية) يقوم بتطبيقها في أي فريق، تتطلب خصائص محددة. وعلى ذكر الخصائص فقد اتخذت هي الأخرى مساراً خاطئاً، فأي لاعب قادر على اللعب مع أي مدرب، ربما لن تجد مكاناً مع كلوب إذا لم تعطي أقصى ما لديك، يشاركه العديد من المدربين بذلك ولكن بإمكاننا أن نرى هنا أو هناك لاعبين لا يقدمون الكثير في الحالة الدفاعية، هذه المشكلة تتعلق بالتضحية والعطاء وليست لسبب كروي/فني محض. غير أنه جوهرياً، يا ترى مالذي سيقوم به لاعبٌ ما مع غوارديولا لن يقوم به مع سيميوني؟ غوارديولا يرغب بلاعب كرة قدم، ببساطة، ربما لأن القدرات التكتيكية والفنية والذهنية لم تعد الأساس في معايير كرة القدم التجارية المختلة، فازداد الطلب على “المحاربين” والعدائين وكثيرٌ منهم يمتلك إمكانات إدراكية/فنية متواضعة، ويجدون صعوبة في اللعب بمساحات ضيقة، وغالبهم حتماً ضحايا الفئات السنية، ذلك ما خلق نوعاً من التشويش وازدادت الحاجة للمدربين المعلمين/الديداكتيكيين –وهو غالباً صاحب فكرة وأسلوب- وهم أولئك المدربون الذي يعلّمون لاعبيهم المحترفين أساسيات اللعبة تكتيكياً، التمركز، توجيه الجسد، التخلص من الرقابة، استلام الكرة، التوقيت، الحركة والتفاعل وظيفياً مع الزملاء؛ كتبادل الأدوار أو شغل المساحات مؤقتاً إلى غير ذلك، تعليم كرة القدم متعلق بالأمور المغفلة بدعوى أنها اساسيات، هي بالعودة إلى الأسس، هذا ما يقوم به غوارديولا، سارّي، كونتي، بييلسا وغيرهم، أو في السابق مثل كرويف وساكّي وفان خال وآخرين. ذلك لايعني أبداً عدم وجودها لدى اللاعبين، أو وجود أي ميزة تكتيكية معينة، فكم من لاعبٍ انفجر وتألق مع بيب أو سارّي أو كلوب؟ الموضوع لا يتعلق بخلق موهبة، بل بالإضافة للاعبين، أو بإيقاد شمعة مطفأة، أو ربما الاكتفاء بوضع اللاعب بالمكان المناسب، الأمر متعلق بتوعية اللاعب كما يشير لـيـّو، فقد تتحسن تصرفاته تبعاً لذلك، “لا تتخذ نفس الموقع الذي يتواجد فيه زميلك، اضغط فوراً عند كذا وكذا” والأمر بالنسبة للمدرب المعلم عملي بالدرجة الأولى. وليس على خطى دزينغا عندما رغب بتغيير النظام الدفاعي قائلاً لمساعده المخضرم جيجي كانييه: “اخبرتهم أن يفعلوا ذلك”، فرد عليه كانييه قائلاً: “هذه الأشياء لا تقال فقط، بل يتم العمل بها”.

إن غاية مدرب مثل غوارديولا هو حل عُقد كرة القدم المتأصلة فيها قدر الإمكان، وذلك عبر تحديد الأدوار، بناء العادات؛ كاللعب بالمساحات القصيرة، اللعب بأقل لمسات ممكنة، أو حتى الاحتفاظ بها لدواعي معينة، فتصحيح الوضعية الجسدية، ذلك ما يجعل كرة بيب انسيابية وسلسة. بيد أن ذلك هو المنتج النهائي، فخلف هذه “البساطة” وليس “السهولة” عمل كبير، وقبل ذلك نظر ودراسة مستفيضة للعبة. كرة القدم كقوانين سهلة، ولكن أحد أكثر منغصات المدرب هو كيفية تبسيطها، فطبيعة اللعبة معقدة (تفاعل عناصرها العديدة في ذات الأثناء)، وتبسيطها يتجلى في محاولة فتح بصائر اللاعبين وتقليص عشوائية خياراتهم وسلوكياتهم، والأهم محاولة حسر العادات السيئة لدى اللاعبين قدر المستطاع، ذلك لأن التعقيد يزداد لأسباب تكتيكية فردية، حركة، أو استلام ليس بالصورة الصحيحة، أو رؤية متواضعة تجعل اللاعب يقوم بتصرف خاطئ أو أن يختار خيار تمرير خاطئ أو أن يتوقع توقعاً خاطئ… إلخ. إنما البساطة هي أكثر الأمور تعقيداً يمكن تحقيقه في لاعب كرة القدم، يقول دانتي بانزيري وهذا هو ديدن المعلم لأن هنالك العديد من المواهب وحتى النجوم يمتلكون نقاط ضعف وعادات سلبية يصعب عليهم الانفكاك منها عندما يكبرون.

إن استخدام أسلوب مثري قد يُبرز كذلك من قدرات اللاعب –كسبب- وليس فقط عبر أسلوبٍ كامل متكامل، فالكرة الفاعلة والتي تجعل اللاعب عضواً فعالاً فاعلاً قادرة على استخراج ما لدى اللاعبين، فكيف سيبدع اللاعب ويظهر ما لديه وفريقه يلعب بسلبية، كأن يقوموا بإرسال الكرات الطويلة نحو المهاجم، متخطين خطوط الفريق بالكامل؟ كيف سيبرز قلب دفاع يجيد اللعب بالكرة وفريقه يقوم بهذا الأمر؟ أو كيف سيلمع محور يُراد منه فقط افتكاك الكرات وعدم الاحتفاظ بالكرة؟ ستكون الكرة السلبية جناية لا تغتفر عندما تطبق على الفئات السنية. يتساءل الكثير لماذا الكرة في إسبانيا أو هولندا أو ألمانيا أو حتى بلجيكا –من بين بلدان أو مؤسسات هنا أو هناك- تنتج دوماً مواهب غزيرة، في الفئات السنية بالتحديد، إنما أحد الأسباب هي البيئة التي تشجع على الإبداع واستظهار الإمكانات، التحفيز على المبادرة وامتلاك الكرة، في الفعل والاستباق، وللحديث في ذلك شجون.

كذلك ينقسم المعلمون إلى نوعان: مدرب ديداكتيكي ومدرب دياليكتيكي، أمّا الديداكتيكي –تعني فن التعليم أو التعليم التوجيهي- فيأخذ بذلك صبغة تلقينية، إذ تُقدم الأفكار والمعلومات بشكل مباشر ومحدد للاعب، والتفاعل بين المدرب واللاعب أقل مما سيجده اللاعب مع المدرب الديالكتيكي. المدرب الديالكتيكي يميل إلى التعليم الجدلي، وبالحوار، وفي فسح المجال للاعبين بالتفكير بأقل املاءات ممكنة.

فان خال يمتلك نظرة جيدة لكرة القدم، ولكنها ليست نظرتي. فهو يريد لفرقه أن تكون فائزة، كما أن لديه طريقة عسكرية في تعليم تكتيكاته، أمّا أنا فلا، إذ أريد من الأفراد أن يفكروا بأنفسهم.

يوهان كرويف

كرة الهولنديان العظيمان كرويف وفان خال متشابهة، جداً، ولكن الأسلوب التعليمي/التدريبي يختلف بشكل نوعي، لم يكن كرويف يحبذ أنماط اللعب وتكرار الحركات والتمارين عدداً وشكلاً كفان خال، إذ كان أمْيل لتعليم الأساسيات التي ذكرناها، وقليلٌ من الأنماط والألعاب المركبة، بل يعتمد أكثر على الأنماط الحركية، يسير رالف رانغنيك على درب كرويف، فيشير في إحدى مقالاته أن فرقه تملك فقط نمطين أساسيين في الحالة الهجومية، الأمر شائع عموماً في المدرسة الألمانية الحديثة متمثلة في كلوب وتوخيل وناغلزمان وبقية الألمان، الأمر مماثل لدى الهولنديين وهم الرواد، كبيتر بوش وتين هاغ كأمثلة، الشيء ذاته شائع في بلجيكا والبرتغال وبعض البلدان أو أفراداً آخرين. هؤلاء المدربين يعملون بالتدريب الضمني، يطورون السلوكيات المرغوبة بالمباريات المصغرة والروندو أكثر، فيستخدمون سبلاً معينة لاستحثاث سلوك معين، وليس تلقينه مباشرة، إذ لا يفضلون أتمتة اللعب، بل يعطون إرشادات عامة، مبادئ أساسية، فيعوّلون أكثر على ذكاء اللاعب واستيعاب المغزى والمقصد، وليس عبر التحفيظ والتكرار. في المقابل ينتمي أريغو ساكي وفان خال كما أسلفنا للمدرسة الديداكتيكية، أسلوب تدريبي/تعليمي موجه، حرص على الهيكل والبنيوية، أنماط لعب وألعاب مركبة. وحالياً مدربين كبييلسا أو كغوارديولا وسيتيين وكونتي وسارّي وجامباولو وغاسبيريني وغيرهم، وهي أكثر انتشاراً في إيطاليا عن غيرها، ربما لطبيعتهم الأوركسترالية –كناية على تحكمهم بكل صغيرة وكبيرة- وهي ملحوظة في إسبانيا كما يقول راول كانييدا “الكل يجب أن يعزف من نفس الورقة“، وهذا ما يجعل هذه الفرق مميزة –أي قد تستطيع تمييزها- من بين عديد الفرق. ولا شك أن هناك طرقاً أخرى في التدريب، فهناك من يكتفي بتدريب اللاعبين بسياق المباريات، أقل تعليمياً، وهناك من لا يعلم قط، هناك من يهتم للفوز، وقدرات لاعبيه تحدد أسلوبه، هناك من يغرس بعض الأفكار ويفسح المجال للاعبيه في الابتكار، أما المدرب المعلم فهو أحوج إلى الوقت من غيره. كما أن المدرب الغير عابئ بالأسلوب وبالتعليم يمكن أن نضعه ضمن مدربي المدى القصير، حتى لو بقيَ سنيناً طويلة في نادٍ معين، فتغيرهم وتجددهم بتغير مواردهم علاوةً على حرصهم على الانتصار يطيل فترة بقائهم، بصرف النظر عن الأسلوب وجوده وعدمه، يفضل بعض هؤلاء الطرق المختصرة، إذ يتسمون بالإدارة أكثر وبالفنية أقل، فيدافع أمام القوي ويهاجم أمام الأضعف، يبادر أحياناً ويخاطر أحايينا، وهذه يقيناً لا تجعل للفريق نكهة، وهذه غالبية فرق كرة القدم اليوم، وفي عالمٍ يُأثر إبراز المحاسن والمفاتن، فرُبّ لقطةٍ لمدة 30 ثانية يتناقل فيها فريق ما الكرة كفيلة بإقناع السذج بأن الفريق س يلعب طوال الدقائق المتبقية هكذا، أو معاناة فريق باختراق خصمه وتدويره للكرة لخمسين تمريرة ستجعل من الهدف ممتعاً “بالضرورة”. ختاماً، العالم يطغى عليه التقليدية والعجلة في القيام بأي أمر أو عمل، الأسلوب هو الإبداع والاختلاف، على الرغم من ذلك، وجود الأسلوب أو عدمه لا يقلل من أي مدرب، لن يقلل من مدرب كمورينيو بمعرفته وفطنته بل وبتفوقه منهجياً في التحقيب التكتيكي، فالإعداد البدني لمورينيو متطور وعصري ويستحق صبراً وتقديراً. على أي حال، يصعب أن نضع المدربين بذات السلة، كما أن التصنيف ليس أمراً هاماً، إلا أنه ينبغي أن ننصف المدرب المعلم، العملة النادرة، فليس كل مدرب معلم كما يقول كرويف. ليس هنالك تعريفاً يصف بدقة ماهية دور المدرب، إذ أن هنالك أموراً مشتركة محدودة جرى ذكرها، عدا ذلك فالاختلاف ثراءٌ بينهم، في التعامل مع اللاعبين وفي التغذية، وفي تصميم التدريبات وفي الأولويات، أماً تكتيكياً فالمدرب لا يستطيع إلا أن يسيطر على القدر الذي يستطيع السيطرة عليه، بل يتعين عليه القيام بذلك، أمّا قرارات اللاعبين، والتعامل مع شواشية اللعبة، يعود بالنهاية للاعب، مراعين التبدل والتغير المستمر في حالات ووضعيات اللعب وفقاً للخصم والزميل والكرة والمساحة والتوقيت، أما المدرب فهو الموجّه والمرشد.