الفيديو التحليلي

إن استخدام الجلسات التحليلية وبالرغم من أهميته هو أمرٌ حديث، يتحدث مدرب هوفنهايم ألفريد شرودر في مقابلة مع  vi.nl أنه لم يعرف الفيديو التحليلي إلا في آخر موسمٍ له كلاعب 2008/09، كان ذلك مع مدرب فيتيسّه ثيو بوس آنذاك. “لم نرَ فيديوهات (تحليلية) قبل ذلك، لا لفريقنا ولا للخصوم”، الإيطاليون كانوا سباقين في هذا الأمر، فيشير فيكتور سانتشيز أنه شهِد فيديو تحليلي لأول مرة بعهد فابيو كابيلو في ريال مدريد. “بسن الـ22 كان ذلك اكتشافاً بالنسبة لي” يكمل مدرب ديبورتيفو السابق: “قبل هذا الوقت لم نناقش لقطات فيديو للحالة الهجومية والدفاعية للخصم وكيفية مواجهتها.”

لم يكن “جميع” المدربين في السابق يحللون خصومهم، والقصد هنا قبل المباراة، ففي المباريات يتعرف الفريقان على بعضهما في الدقائق الأولى استراتيجياً. أما قبل المباراة فكان البعض يرسل جاسوساً، البعض يرسل كشافين لمشاهدة مباريات الخصم المقبل. ما بالك وإشراك اللاعبين في هذه العملية! أمّا اليوم فأضحت ذات أهمية كبيرة، وكل الفرق المحترفة وحتى بعض الفرق النصف محترفة تمتلك متخصصاً للتحليل، أو على الأقل تدرس خصومها.

لقد سهلت التكنولوجيا اليوم وذللت العديد من العقبات، حيث تعفينا اليوم -ولو جزئياً- من إرسال الكشافين/المحللين وتكبيدهم عناء السفر والترحال لمشاهدة الخصم القادم، إذ توفر عديدٌ من المنصات المباريات واللقطات وبصورة بانورامية شاملة للملعب من الدفاع إلى الهجوم، بل وبوسعنا انتقاء الحالات المرغوبة، فبضغطة زر نصل للحالة المرغوب بها، بل وبإمكاننا تصميم مصفوفة خاصة بنا للحالات والمواقف التي نرغبها. وبالرغم مما تخبئه الكرة من خبايا، ولاتنبؤيتها التي لا نستطيع بالطبع أن نتحاشاها، إن كان تكتيكياً أو انفعالياً/عاطفياً، عندئذٍ نطاق ما يسعنا تحليله نطاق جزئي ولكنه حاسم أحياناً، إذ نستطيع أن نتعرّف على سلوكيات وعادات الخصم جماعة وأفراداً، مبادئهم والكيفية التي ينتهجون بها المباريات ويبقى الجانب الغامض من اللعبة متروكاً للدعاء!

التحليل في كرة القدم هو عملية تجميع المعلومات والبيانات حول الخصم أو فريقنا، ومحاولة تمييز الخصائص ونقاط القوة والضعف والتي على ضوئها نتخذ التدابير المناسبة ونقوم بانتهاج استراتيجية مضادة لذلك الخصم أو على مستوى فريقنا في التحسين والتطوير. كلمة scouting وتعني الكشافة، هي تشير للمحلل وخصوصاً فيما يتعلق بالإحصائيات، في إيطاليا كان الطاقم الفني يضم عضواً يطلق عليه “التكتيكي”، هذا الدور لم يكن يضع باعتباره الجانب الإحصائي. اليوم هناك الـMatch analyst وهو المسؤول عن الدورين، وربما يكون هناك متخصص للتكتيك وآخر للإحصائيات.

“بإمكانك تحليل أمورٍ كثيرة، أما أنا فأميل للتكتيكات. أفكر كمدربٍ يريد استخدام فيديو لكتابة تقرير تكتيكي يعود للفريق بالنفع.”

كارليس بلانشارت محلل بيب غوارديولا.

يقسّم دانييلي دزوراتّو (مدرب إيطاليا U16) عملية التحليل في أطروحته التي خصها عن إعداد الفيديو التحليلي للخصم كالتالي: 1- مرحلة الرصد: أين نجمع معلومات مفصلة عن سلوكيات الخصم مجموعةً وأفرادا. 2- الإعداد: في هذه المرحلة نحاول معالجة المعلومات التي جُمعت. 3- التطبيق: أخيراً سنستخدم تلك المعلومات المُعالجة لإستراتيجيتنا في مواجهة الخصم.

لا شك تختلف النماذج وطرق العمل وبروتوكولاته من مدرب لآخر، ومن محلل لآخر. بعض المدربين يسند المهمة برمتها للمحلل بالتعاون مع المساعد، بعضهم يتولاها بنفسه مع الأخذ بمشورة المساعدين. لارس كورنيتكا مساعد ناغلزمان ومحلل سابق لدى رانغنيك وروجر شميدت وعمل كذلك مع غوارديولا، مثلاً، لا يمانع من استجلاب المعلومات ممن لعبوا مع الخصم السابق، أو حتى الاستفسار عن مدرب الخصم ممّن يعرف المدرب. حتى الشروحات وطريقة المونتاج تتمايز وتختلف، الفيديو كمادة مرئية تتحدث عن نفسها بنفسها، فلسنا بحاجة للإسهاب بالشرح، “أستخدم الفيديو لشرح أفكاري، وبدونها ستكون التدريبات متعبة” يؤكد غوارديولا. الأسهم والإشارات ذات أهمية أيضاً فيزعم دزوراتو أن الرسومات تساعد بعض اللاعبين الذين يمتلكون رؤية قاصرة لتطور اللعب أو عواقب التمركز الخاطئ. عدد المباريات يختلف كذلك، هناك من يحلل آخر 3 إلى 5 مباريات، فيما يتعلق بالكرات الثابتة تزيد عدد المباريات إلى 7 أو حتى 10 كما يعمل فيكتور مانياس محلل أوناي إيميري. تقديم وعرض الفيديو -لا على التعيين- عند دييغو بيريز محلل باكو خيميز السابق ومحلل نادي ليل الحالي يعرض فيديو للفريق بعد المباراة بيوم للوقوف على أداء الفريق، ومن ثم يقومون بعرض فيديو للخصم قبل المباريات بيومين، بعدئذٍ فيديو خاص بالكرات الثابتة للخصم قبل المباراة بيوم واحد.

“خلال المباريات نسجل بكاميراتنا الخاصة تحليلاً حياً، حيث نرسل اللقطات إلى الدكة، -تلك اللقطات- مقتطعة لمفاهيم معينة بحيث نعرضها بين الشوطين للاعبين. أو يطلب المدرب أحياناً حالة معينة نصورها ونصححها. تلك اللقطات مقتطعة لمفاهيم مثل، بناء اللعب، الضغط، الأخطاء الدفاعية، الكرات الثابتة، الخ، ونقوم بأخذها إلى غرفة الملابس… هذا ما نقوم به أسبوعياً فيما يتعلق بالتحليل، ربما أكثر أو أقل.” -دييغو بيريز

“نحن نستعمل العديد من الأدوات والمنصات التي يمكن من خلالها الوصول لمقاطع الفيديو والبيانات في غضون ثواني، لكل نادي، يحصل اللاعبون بعدئذٍ على هذه المعلومات عبر تطبيق على هواتفهم […] إننا نقوم بهذا الأمر ليس فقط كأداة مساعدة للتعلم للقيام بردة فعل أفضل في بعض الحالات، ولكن أيضاً من ناحية تحفيزية، ثم نقوم بقصقصة لقطات ملخص للاعب طمعاً في دعمهم.”

لارس كورنيتكا

تحليل المباراة يبدأ بجمع المعلومات العامة “المبادئ”: هجوم > تحول من الهجوم للدفاع – دفاع > تحول من الدفاع للهجوم – الكرات الثابتة. عادة نضع الأطر العامة للخصم في الحالة الهجومية؛ خطة الخصم في الحالة الهجومية (3-4-3 مثلاً)، بناء اللعب (مثلاً: منوع ما بين كرات قصيرة وطويلة)، مرحلة الخلق وتطوير الهجمة (تكثيف الأطراف)، مرحلة الإنهاء (عرضيات مبكرة، عرضيات عكسية cut-back). بعد ذلك سنتعمق في تحليل الخصوم؛ أيّ المبادئ الفرعية، ونعني بذلك جزء من أجزاء الفريق، أو سلوكيات الفريق في جزء من أجزاء الملعب؛ كيفية بناء اللعب من الخلف مثلاً عدداً وتموقعاً، تصرفات الظهيرين مثلاً ما إذا كانا يتقدمان سوياً، أو كظهيري غوارديولا الوهميين واللذان يدخلان للعمق. ماذا نقصد بتكثيف العمق؟ تقاطع الظهير مع الجناح والزيادة العددية من قِبل أحد لاعبي الوسط لخلق مثلث، سقوط المهاجم وسحبه للمدافعين فاسحاً المجال لأحد لاعبي الوسط التوغل نحو المنطقة. تقدم الظهير خلف دفاع الخصم في مرحلة الإنهاء لمهاجمة القائم الثاني… إلى غير ذلك.

مثال: خلق مثلثات وزيادة عددية على الأطراف. نرى القلب الأيسر يتصرف كظهير عادي في الحالة الهجومية لأتالانتا.
مثال: قطع بابو غوميز بالكرة للداخل هي بمثابة إشارة لتحركات اللاعبين من الجهة الأخرى: المهاجم يأخذ مراقبه فاسحاً المجال لكريستانتي الدخول للمنطقة.
مثال: متغير لقطع أو قص بابو هنا الظهير سبيناتزولا يتوغل في قناة بين القلب والظهير طالباً الكرة وجاذباً نحوه فاسحاً المجال لإيليتشيتش.

ثم في الحالة الدفاعية؛ بأي شكل يقف الخصم؟ (5-4-1)، ما هو النظام الدفاعي؟ (مراقبة رجل لرجل)، ما هي منطقة الضغط؟ (عالي؛ في ثلث الخصم الأول)، هل يمتلكون استمرارية في الضغط العالي؟ سنبحث عن الحلول لمواجهة هذا النوع من الدفاع، كيف نستطيع إخراج الكرة من الخلف، مثلاً: عبر سقوط أحد لاعبي الوسط على رأس منطقة الجزاء للزيادة، أو حتى لعب كرات طويلة موجهة إذا كان الخصم أقل على مستوى الهوائيات. في المراحل المتقدمة من الهجمة، مثلاً، سنطلب من المهاجمين القيام بحركة مضادة، أي التحرك لجهة ومن ثم يغير الإتجاه فيتحرر من الرقابة، أو تحرير الزملاء بواسطة السقوط المتكرر، أو حتى التوغل للاعبي الوسط للزيادة العددية.

الحركة المضادة سلاح فتاك إذا ضُبط أمام الفرق التي تدافع رجل لرجل بغية التحرر من الرقابة.
استراتيجية نابولي ضد لاتسيو الذي يطبق نظام رجل لرجل، نرى استغلال نابولي للقنوات الجانبية كثغرة يستهدفها لاعبي الوسط للتوغل،
مستفيدين من انجذاب القلب والظهير للمهاجم والجناح على التوالي.
مثلاً لو كان خصمنا يلعب بدفاع منطقة، بمثل خصائص نابولي “فريق ضيق” يمكننا نقل اللعب للجهة الأخرى قياساً على أنهم سيتبعون الكرة وسيضيقون المنطقة حول الكرة. هنا نرى تعامل السيتي بحيث يغيرون اللعب ويستغلون انبلاج ثغرة ما بين القلب والظهير. أحياناً على عمق الملعب يمكن أن نلعب إلى أحد الجتهين وبتسريع وتيرة اللعب تظهر الثغرات كهذه.
خط الدفاع العالي، يمكننا استغلال جمود خط الدفاع لدى فرق المنطقة خصوصاً.
يمكننا اصطياد الفرق جامدة أحياناً، ربما ضمن استراتيجية المدرب أو إبداع اللاعبين. غالباً ما استلم توتي الكرات وظهره لمرمى الخصم، بالتالي سيبقى الدفاع ثابتاً ولكنه سيفاجئهم بلعبة من لمسة واحدة خلف ظهورهم.

ثم التحولات، في التحول من الهجوم للدفاع؛ يبادر الخصم في أخذ خطوة للأمام عوضاً عن العودة، كل لاعب سيضيق على خصمه المباشر والقريبون من الكرة سيضغطون فوراً، ولكن ماذا عن هيكلهم قبل خسارة الكرة، قد يتقدم لاعبيْ الوسط باستمرار فنستطيع أن نركز على هذه البؤرة في تموقع المهاجمين استعداداً للارتداد. بعد ذلك في التحول من الدفاع للهجوم؛ في تعامل الخصم عند استعادتهم للكرة، الترتيب الماقبلي للمهاجمين عند الفوز بالكرة في منطقة متأخرة، أو ردة فعل ظهيري الجنب لحظة الفوز بالكرة. إلى حدٍ كبير التحولات مسألة سلوكية خصوصاً في الهجمات المرتدة.

ثواني فقط خسر شالكه الكرة واستعادها عبر الضغط المضاد الجزئي، تأهب لاعبو مونشنغلادباخ تلقائياً وغيروا موقفهم إلى الهجوم “انتشار”. شالكه يستعيد الكرة ويقوم بمرتدة.

أخيراً الكرات الثابتة؛ ركلات الزاوية، رميات التماس، الكرات الثابتة عموماً. سنحلل هنا الخصم في الكرات الثابتة هجومياً؛ كم عدد اللاعبين داخل المنطقة؟ يغلب على الفرق اللعب بخمسة ولكن في حالات معينة يزيدون أو يقلصون بناءً على النتيجة والوقت. هل يفضّلون التركيز على القائم الأول، هل يقومون بخدع وألاعيب؟ أو يقومون بعمل اعتراضات لتحرير زملائهم من مراقبيهم؟ كم عدد المنفذين؟ مالإشارات التي يستخدمونها، إيماء باليد، أو قفز اللاعب الثاني -أي المنفذ الثاني- فوق الكرة. هل تمركز اللاعبين خارج المنطقة ليس كما يجب؟ أي يمكننا مداهمتهم بالمرتدات؟ ومن ثم الخصم في الكرات الثابتة دفاعياً، مالنظام الذي يطبقونه؟ نظام هجين / جزء يراقب رجل لرجل وجزء آخر يقفون بمنطقة محددة سلفاً، هل نستطيع استغلالهم في القائم الأول، بالكرة الثانية إلى القائم الثاني، هل قوة الخصم في الهوائيات قد تجعلنا نفكر بالكرات القصيرة، الخ. في كتابه The Evolution يذكر مارتي بيرارناو أن مساعد غوارديولا دومينيك تورّنت والمحلل بلانشارت لاحظا نزعة سلبية لدى شتوتغارت في ركلات الزاوية، إذ يميلون للعب كرة قصيرة لإينسوا الذي سيرسل عرضيته نحو المرمى، ولكنهم للتغطية لا يوجد إلا المحور سيري دي والبقية “8” لاعبين داخل أو حوالي المنطقة، عند عرض الفيديو زعِم تورنت أنه إذا ما تمكن اللاعبون من افتكاك الكرة من إنسوا سيخلقون خطراً حقيقياً. ذلك ما تم ولكن عرضية إينسوا الضعيفة التقفها فيدال ليقود المرتدة، 6 لاعبين للبايرن أمام سيري دي، وهدف “درسناهم، ودرسنا كيفية القيام بذلك وذلك ما تم فعلاً” يقول بلانشارت.

استخدم سوسيداد مؤخراً هذا التنظيم لصد ركلات ميسي المباشرة.
screening أو الحجب أو الكشف في كرة السلة مشابهة لعملية اعتراض المراقب هنا، الفريق المدافع هنا يستخدم رجل لرجل.

علاوة على كل ذلك ينبغي أن نتعرف على سلوك الفريق من الناحية الاستراتيجية، هل يسلك الفريق وينتهج نفس النهج أمام أي خصم، هل يبادر الخصم على ملعبهم؟ هل يتحفظون خارج قواعدهم وما إلى ذلك. يضعها دزوراتو في الحسبان، فهو سيحلل الخصم عندما يحلون ضيوفاً في آخر مبارياتهم، “إذا لعبنا داخل أراضينا، فالفيديو الذي سنعده للخصم سيكون في آخر مباراتين له خارج ارضه، وآخر مباراة على أرضه”.

ثم على المستوى الفردي، التشكيلة الأساسية المحتملة، تحليل سلوكيات الأفراد، خصائصهم ومزاياهم ومثالبهم ونقاط ضعفهم، مثلاً كان كرويف يعتقد أن خوسيه غاراتي مهاجم أتليتكو في التسعينات والذي أذّى برشلونة كثيراً لا يكون فعالاً إلا عندما يُراقب، إذ يجني المساحة عبر سحبه للمدافع، “أتعلمون، لن نراقبه” يقول كرويف، وعليه فنقطته المرجعية فقدها وظل الطريق. ليس فقط على المستوى التكتيكي المحض، وإنما أيضاً على المستوى التكتيكي-الفني في اللمسة والقدرة على اللعب في المساحات الضيقة، قد يكون أحد لاعبي الخصم صاحب قدرات ضعيفة في السيطرة على الكرة وبالتالي سيكون أحد مثيرات الضغط لدينا، ففور استلامه للكرة سيكون إشارة للفريق أو اللاعب القريب في بدء الضغط. كذلك على مستوى الرؤية والإدراك، فاللاعب “س” لا يسترق النظرات خلفه فيكون محطة ضغط. حتى المستوى النفسي يمكن تحليله، في استفزاز لاعبٍ ما (لا أؤيد ذلك، لكن هناك من يقوم بذلك). لا يمكن إغفال الجانب البدني، فقد تؤثر على بعض المدربين قدرات الخصم البدنية على خياراته، سنستخدم قلب قوي بدنياً وفي الهواء أمام خصم قوي بهذا الجانب وهكذا. كما لا يجب أن ننسى الحراس أيضاً إذ يهتمون بمعرفة خصومهم، في الكرات الثابتة أو ركلات الجزاء، والعكس بالعكس فيدعم المحللون المهاجمين بتحليل حارس الخصم، والظهير والجناح المواجه له …الخ. وعلاوة على ما سلف سنحاول إلقاء الضوء على الحالة البدنية للاعبين، واحتمالية أن يكونوا مرهقين، أو استغلال قلة المجهود أو انخفاضه.

بلانشارت يعطي مثالاً للتحليل الفردي؛ إذ يبين تصرف جورجينيو في الحالة الدفاعية، حيث يذكر أنه جورجينيو يمتلك نزعة للقفز فوقاً، مخلفاً وراءه مساحة.
هذا العيب سيستغله الفريق بدءاً من ملعب التدريب، إذ سيحاكي أحد اللاعبين سلوك جورجينيو. نرى أن هذه النزعة تكررت فعلاً، ولم تكن محض حالة عشوائية.

“ارفد بيب غوارديولا عمله الميداني بمقطع فيديو لتمركز توتي المحتمل والذي أعدّه كارليس بلانشارت:

“أنظروا – توتي سيغطي تشابي ألونسو، ولكنه لن يتمكن من القيام بذلك لفترة طويلة، لذا يا تشابي لا تقلق في البداية، سيضغط توتي بقوة في العشر دقائق الأولى ولكني أضمن لك أنه سيقف وسيدعك حراً طليقاً. ولهذا السبب نستطيع اللعب بثلاثة في الخلف؛ بن عطية على اليمين، بواتينغ في المنتصف وألابا يساراً. ولكن دافيد، أريد فقط أن تكون مدافعاً عندما يهاجموننا، بهذه الحالة يجب أن تألف سرعة جيرفينيو، ولكن عدا ذلك أريدك لاعب وسطٍ إضافي […] أسمعوا جميعاً، هذا ما سيحدث، إنهم يعتقدن أنه بمقدور توتي أن يوقف تشابي ولكن بعد 10 دقائق سيستسلم، وسيتمكّن تشابي من إخراج الكرة بيسر. لام سيُترك تماماً، وألابا سيمنحنا تفوقاً عدديا على الطرف الأيسر، بالضبط في المكان الذي لم يضعوه بحسبانهم …”

بيب غوارديولا من كتاب بيرارناو السالف الذكر.

إن التحليل نوعان فما سبق يدعى التحليل النوعي، مدعوماً بلقطات وصور للحالات شريطة أن تكون متكررة، أمّا النوع الآخر فهو التحليل الكمي؛ وكما يشير الاسم فهو يتعلق بالاحصائيات والأرقام المجردة، عدد الأهداف المسجلة والمستقبلة، خلق الفرص، نسبة الاستحواذ، المنطقة الأكثر استهدافاً، وأيضاً على المستوى الفردي، البينيات والتمريرات الحاسمة، عدد مرات الاعتراض …الخ. التحليل والتفكير –النوعي خصوصاً- ينطلق من منظور ذاتي/شخصي فكلٌ يرى اللعبة من منظور خاص، لا يرى اثنان المباراة بذات الكيفية ماذا وإلا هناك مَن نقل مِن الآخر! يزعم دزوراتو مثلاً أنه ينبغي أن يرى المحلل اللعبة بذات الرؤية للمدرب، ويعني بذلك الحالات التي تشد المدرب أكثر، من الممكن أن يتناغم المدرب والمحلل ولكن أن يشاهدا المباراة بنفس الطريقة أمرٌ صعب. يرى أندريا مالديرا وهو المحلل السابق لميلان والذي يعمل حالياً لمنتخب أوكرانيا رفقة شيفتشينكو أن المحلل الجيد هو الذي يقدّر ويقيم أي حالة بأقصى موضوعية ممكنة، دون أن يضع نفسه مكان المدرب “هذا لا يعني أننا لن نقول برأينا ولكننا سندعم آرائنا بالأرقام والبيانات، وبالطبع بالفيديو مصداقاً لدورنا”.

رؤية المباراة هي رؤية ذاتية، فكرة القدم ليست علماً بالنهاية، لكن أي ادعاء ينبغي أن يُدعم بإثباتات، وبالتالي يصبح موضوعياً، وإلا سيكون الزعم هراءاً محضاً، وربما عاطفياً، أو أن تؤثر الأفكار المسبقة -نظراً لضيق رؤيتنا لكرة القدم- على تحليلاتنا فنعتمد على ما يريده المدرب عوضاً عما يحدث فعلاً. فعندما نحلل فريقاً ونزعم أن الفريق “ص” يركز في هجومه على عمق الملعب، يتعين علينا إثبات ذلك، تكرر تموقع عدد من اللاعبين في عمق الملعب، مدعوماً بمتوسط تمركزهم احصائياً، وصول الكرة إليهم وتطور هجماتهم من خلال العمق، أو حتى حال عجز الفريق تطبيق ذلك معللين ومبرهنين. فلا يكتفي المحلل بعرض المشكلة، كأن نقول الفريق “ع” يعاني دفاعياً في الكرات الثابتة، ولكن ينبغي أن يعلل ويذكر الأسباب، بل ويطرح حلولاً لاستغلال ذلك أو حتى معالجته إذا كانت المشكلة تخصّنا. كما يمكننا الاهتمام بالحالات العشوائية ولكنها تتكرر في أي مباراة كرة القدم وقد لا تنم عن أسلوب الخصم، قد تكون تجلياً فردياً، أو لعبة جماعية عرَضية.

أمّا الأرقام والإحصائيات ففائدتها ضئيلة، فيشير دزوراتو مقتبساً لفرانكو فيراري: “لا تكشف (الأرقام) عن أسباب حالة ما، أو نتيجة ما، كما لا تعبّر عن التفاصيل ولا عن العلل المحتملة، وهذه التحقيقات تمثل الركيزة الأساسية لعمل المدرب.” فيما يؤكد سيموني مونتانارو محلل فينتشينزو مونتيلا السابق وكارلو أنتشيلوتي مؤخراً في نابولي أن “(للحالة الدفاعية) أستعمل الطريقة القديمة: مشاهدة المباريات وتعريفٌ واضح للنظام الدفاعي المطلوب تحليله”. بينما يستخدم في الحالة الهجومية معلَمات منتقاة وذات فعالية فنياً وبدنياً “وهي الأمور التي تهمني أكثر بالمقارنة ببيانات الأهداف المتوقعة (xG) الجامدة.”  يصعب أن تستبدل العين المرتبطة بالدماغ البشري وبقدراته العالية على الرصد والاستنتاج في الأنظمة المعقدة، على الربط وعلى التعرف وتمييز الأنماط. تقوم خلايا الدماغ وعددها بالمليارات بتسجيل الأحداث والخبرات والمعلومات، فتخزن ويسترجعها الإنسان وقت الحاجة، هذه آلية عمل الذاكرة البشرية باختصار مخل. الممارسة كِمّاً ستنعكس على النوع مع مشاهدة المباريات، ولكن ذلك يتطلب نباهة أيضاً، فعندما نبدأ بمحاولة التحليل، ستكون رؤيتنا محدودة إلا أنها ستنمو مع مرور الوقت، ثم سنستطيع الربط بين الكرة وحاملها والخصم ولاعب بعيد والمساحة، ثم سنعبر لمرحلة أكبر وهي التنبؤ وهو ما ينبغي أن يقوم به المدرب خلال المباريات وعليه يعدل ويبدل. وعلى أي حال سيظل اعتمادنا على مزيج بين رأي العين والأرقام والبيانات -على الأقل حتى وقتنا الراهن- فالتقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي يقفز لخطوات مذهلة… غير أن الحس والذوق ليس له بديل.

قد يتخطى التحليل أسلوب لعب خصم أو نقاط قواهم وضعفهم، إلى تحليل الحكام، حتى بعض الحكام أنفسهم إذا أوكلت لهم مهمة قيادة المباراة يقومون بتحليل الفريقين، من نواحي تكتيكية كالاعتراض في الكرات الثابتة، وبلا شك من ناحية نفسية سلوكياً، إنفعالاتهم، تمثيلهم، وما إلى ذلك. قطعاً لن يؤدي التحليل الجيد للخصم إلى نتيجة جيدة دائماً، فكرة القدم لعبة بالغة التعقيد وفيها الكثير من المفاجآت. حتى جاسوس ريال مدريد والذي تجسس على تدريبات ميلان ساكّي لم يُفد فريقه، إذ انتهت تلك المباراة بخماسية مقابل لا شيء للميلان. فيمَ يعترف بييلسا أنه يرسل جواسيسه للتخلص من قلقه، يركز دييغو بيريز –في فترته مع خيميز- على فريقه هو أكثر من الخصم، الفيديو التحليلي هو تفادي المفاجآت قدر المستطاع.

الخطة… قالبٌ جامد

نستطيع أن نعرّف الخطة -يسميها البعض “الطريقة”- على أنها التوزيع المكاني للاعبين على الملعب، ببساطة. هي قالب جامد، غير أنها هي المنطلق لصناعة توليفتنا عبر توزيع ونشر اللاعبين وتقسيمهم على مناطق مختلفة على الميدان. وهي الثيمة الأساسية للفريق والتي من خلالها نصنع التحركات والسلوكيات والديناميّات، وأدوار اللاعبين.

ثمة خطط تتميز عن خططٍ أخرى، خصوصاً فيما يتعلق بالزوايا ووفرة المثلثات، كالمتاحة في 4-3-3 أو 3-3-1-3 مثلاً. خطط أخرى تتمتع بتوازع شامل وعلى مناطق مختلفة ومتفرقة كـ4-2-3-1. خطط بلاعب طرفي واحد كـ3-5-2، أو خططاً أخرى أقل توازناً وتتطلب تعويضاَ وتغطية مستمرة لمساحات خالية كـ4-3-1-2. هنالك عاملين أساسيين لانتقاء خطة، الأولى هي اللاعبين طبعاً، أمّا الثانية فهي أسلوب المدرب. أمّاً اللاعبون فخصائصهم هي المحدد، وخصوصاً لاعبي الوسط، نوعيتهم ومزاياهم، فعندما نمتلك بيرلو أو بوسكيتس، فالمستحسن وضعهم كصناع لعب أمام الدفاع، ذلك لأنهم ليسوا من النوع الذي يقطع المسافات ويدخل في صراعات إلا بنطاق ضيق، وفي وضع بيرلو أمام المدافعين يقل العبء عليه، وذلك بسبب المركز والموقع وليس بسبب تواجد لاعب آخر يغطيه، اللاعبون يغطون بعضهم البعض ضمن حالات تكتيكية معينة ولكن ليس ثمة حارسٍ خاص للاعبٍ معين في الملعب، ماذا وإلا فقدنا توازننا فكل لاعبٍ بحيزه مشغول. على أي حال فقد نضع لاعبي وسط ذوي قدرة على قطع المسافات بجانب بيرلو، كفيراتي مثلاً المميز أيضاً فنياً وتكتيكياً أو كفيدال فترة كونتي، وهذه ليست قاعدة فبرشلونة كان يلعب بتشافي وإينييستا بجانب بوسكيتس وبالرغم من ذلك فيصعب فك سطوتهم، فذكائهم وإدراكهم المكاني وقراءتهم المستمرة للعب تغطي ضعفهم البدني، وقبل ذلك هيمنة برشلونة بقيادتهم على الكرة لفترات طويلة. بناءً على هذا الافتراض (بيرلو) سنفضل اللعب بثلاثي وسط، وإذا افترضنا أن فريقنا لا يملك أجنحة من الطراز الرفيع، قد نستخدم ظهيرين، وثلاثة في خط الظهر ومهاجميْن 3-5-2.

على أي مدرب أن يكون خياطاً بارعاً وقادراً على أن يطوع أفكاره وفقاً للموارد البشرية لديه.

أنتونيو كونتي عن تصميم الخطة

هناك خلط بين الأسلوب والخطة، إذا سلّمنا بأن الخطة مجرد توزيع مكاني للاعبين فكيف لها أن تكون أسلوباً؟ ليست كل الفرق التي تطبق 4-3-3 تمتلك نفس الأسلوب، إذ أن تطبيق الخطة بذاتها يختلف من مدرب لآخر، من سارّي (فترة نابولي) والذي يستخدم أجنحة تميل للدخول والاقتراب ضمن الهيكل، في حين يفضّل غوارديولا أن يبقى الأجنحة على خط التماس. حتى أدوار الأظهرة تتباين من مدرب لآخر، فسارّي يحبذ أن يتقدم الظهير القريب من الكرة ويبقى الآخر قريباً من قلبي الدفاع، يفضل بيب أن يدخل الظهيران للعمق، يفضّل كلوب أن يكون الظهيران بعيدان وهكذا. إذاً فالأسلوب أكبر من الخطة، بل هي سلوكيات وتصرفات وأنماط وليس لكل خط وحسب بل وأحياناً لكل لاعب دور ومهام. والخطة لا تعدو كونها خياراً استراتيجياً ضمن الأسلوب، فلن ترى سارّي يلعب بثلاثي في الخط الخلفي، ذلك لأنه يطبق دفاع المنطقة والكرة هي الموجه الرئيسي لتحركات الفريق في الحالة الدفاعية. لن تشاهد فرق غاسبيريني برباعي في الخلف، لأسباب دفاعية، ففرقه تطبق دفاع الرجل لرجل علاوة على تفضيله أن يكون خط دفاعه متفوقٌ عددياً على مهاجمي الخصم. في حين لا يمانع بييلسا تطبيق خطط مختلفة وفقاً للخصم، فإذا كان خصمه يلعب بمهاجمين فسيلعب بثلاثي دفاعي، وليست العلة دفاعية فقط، وإنما هجومية إذ يصبو إلى خلق تفوق عددي أمام المهاجمين في بناء اللعب، بينما لا يغير مدرب آخر الخطة وإنما يغير دينامية معينة، كأن يسقط المحور بين القلبيْن فيكون التفوق العددي، بينما يرتاح مدربون آخرون باستخدام خطة واحدة كزيمان الذي يقول “لن أغير الخطة أبداً، ليس هناك خطة أفضل من 4-3-3 لتغطية الملعب”، تغيير الخطة من عدم تغييرها لن يجعل لها أهمية، فسارّي بالرغم من اعتماده على خطة معينة يصممها وفقاً لخصائص اللاعبين، إلا أنه لا يراها مفصلية كما يرى بأنه “يمتلك أفكاراً معينة لِلعب كرة القدم، تلك الأفكار ليس لها علاقة بالخطط”. أو كما يشير غوارديولا بأنها ليست إلا أعداداً، كرة القدم أكبر من هذه الأرقام المجردة.

الهيكل والإنتشار

صورة1: لا حلول للفريق للتقدم من خلال العمق، فلا وجود لأي لاعب دواخل خطوط الخصم. الفرق غالباً ستلجأ بعد ذلك إلى حلول كالعرضيات أو براعة الأفراد في 1ضد1.
*هذه مجرد أمثلة فلا وجود لفريق مثالي، بمقدورنا التقاط لقطات سلبية أو إيجابية لأي فريق، إنما الفريق المميز تكتيكياً هو الأقل أخطاءاً والذي يبقى مشيداً ومتناغماً لأطول فترة ممكنة.

مبدأ الانتشار ومفهوم الهيكل ينبغي أن ينالا الإعتبار عندما نحلل أو ندرب كرة القدم، أما مبدأ الانتشار والذي تطرقنا له فيما سبق أهم وبكثير من التوزيع المجرد للاعبين، فالانتشار والذي نقصد به تباعد اللاعبين عن بعضهم البعض وتباين ارتفاعاتهم، هو تسلل وتخلل اللاعبين ضمن شكل الخصم علاوة على تعديلهم لوضعية أجسادهم وفتح مسارات التمرير وليس فقط التخفي خلفهم كتصرفات فردية. إن غاية الانتشار هو خلق تفوق مركزي ما يتيح لنا تطوير هجماتنا، فعندما يقوم بوسكيتس بإيصال الكرة لإينييستا بين الخطوط، سيقوم الأخير باستلام موجه يقرّب الفريق كثيراً من المرحلة النهائية وقد يشكل خطراً حقيقياً على مرمى الخصم، هذا الأمر ليس متاحاً كما في الصورة 1.

*نقصد بالتفوق المركزي ((لاعب حر بمساحة خالية يمكّننا من التقدم بالهجمة))

أمّا الهيكل فهو ثمرة الانتشار الجيد، هي كتلة الفريق تتقدم سوياً وتتراجع سوياً. الهيكل يعدّ بمثابة الهيكل القاعدي للسيارة “شاسيه”، إذ يضمن للفريق متانة وقدرة على التعامل مع ارتداد الخصم حال فقدان الكرة. سيبقى الفريق كما هو بتوازع اللاعبين في المنطقة القريبة من الكرة خصوصاً، ووفقاً لمركز كل لاعب. كما لا يجب أن نتجاوز الحالة الدفاعية، فعندما لا نمتلك الكرة يتعين علينا أن نتخذ مواقع قطرية كي نغلق مسارات التمرير، وأن نقطع الزوايا، وأن يغطي كل لاعبٍ ظهره، وهو ما يسمى بالتدرج الدفاعي، فلا فائدة من أن يكون شكل الفريق جذاباً وخطوطه متناسقة، والكرة ستمر بين الخطوط بسهولة، فكرة القدم ليست سيمّترية كما يشير غاسبيريني.

تعقب اللاعبين المكاني: مراكز اللاعبين ليست ثابتة في كل دقيقة، وإنما هي بالأحرى تمثيل سلس لمتوسط تصرفات اللاعبين.
حجم كل نقطة dot تمثل اضطلاع كل لاعب في الهجمة في الوقت الموضح أعلاه.

ولطبيعة كرة القدم الفوضوية، وتقلباتها تكتيكياً واستراتيجياً يصعب أن نجردها ونختزلها إلى هذه الدرجة المخلة؛ أقصد إلى 4-4-2 و4-3-3 الخ، فشكل الفريق في بناء اللعب ليس مثل شكل الفريق في الثلث الأوسط ليس مثله والكرة على طرف الملعب، وليس كذلك في الثلث الأخير، ناهيك عن تبادل المراكز والمعاوضة في التغطية، لا عجب أن يكون التطور القادم في كرة القدم هي اللامركزية، حيث يتبادل اللاعبون المراكز ويغطون بعضهم بعضاً ويحتلون المساحات بالتناوب بل ويخرجون عن السياق. للخطة في وقتنا الراهن أهمية كما ذكرنا في وضع الإطار العام وكمنطلق لتأسيس الأدوار والسلوكيات والعادات وليس أكثر، فكرة القدم لعبة عالية الحركية.

أصل التيكي تاكا

أنخيل كابّـا مدرب أرجنتيني ساعد لويس سيزار مينوتي في بداية الثمانينات، ثم ساعد خورخي فالدانو في تينيريفي وريال مدريد. يمتلك حساً فلسفياً وهو أيضاً أكاديمي سابق يمتلك شهادة في الفلسفة، كان وراء هوراكان الممتع موسم 2008 وأطلق عديد المواهب أبرزهم خافيير باستوري وماتياس دي فيديريكو وماريو بولاتّي. لطالما طرق وطرح الأسئلة الوجودية والأخلاقية لكرة القدم، ولطالما كان مدافعاً عن الكرة الجميلة، تلك التي تحتفظ بجوهر اللعبة ولبها بعيداً عن الماديات وأمراضها.

نتيجة بحث الصور عن GUARDIOLA CAPPA

“إننا نواصل عمل كرويف، وخوانما ليـّو ، وبيديرنيرا، وبرازيل سبعينيات القرن الماضي، ومينوتي وكابـّا، وأياكس، والمجر الرائعون… نحن ورثتهم الطبيعيون وبالطبع سنخسر في بعض الأحيان. لكن ستظل الشمس تشرق في اليوم التالي وسنستمر بأحلامنا، وسنقوم بأمورنا. ففي كرة القدم، لا أحد يفوز طوال الوقت يا صديقي. لم يفز مارادونا في كل مباراة. ولا حتى بيليه.” -بيب غوارديولا

إليكم المقابلة:

في 1994 عنون أنخيل كابـّا مقالا في إل بايس بـ tiqui y el toque -تيكي إي إل توكّي، خافيير كيلمنتي سخر من العبارة بقوله “تيكي تاكا”. حاور الصحفي لويس ميغيل إينوخال المدرب الأرجنتيني حول هذا المقال وحول الإنطباع الذي تركه منذ ذلك الوقت.

إننا نعيش وسط ثقافة الفورية والنفعية، كل شيء يجب أن يكون آنياً وعملياً، كل شيءٍ يتخذ الطابع العابر للمنتجات الاستهلاكية. وبسبب فوز الفائز -وطالما بقي يفوز- سيقع البعض بشراك الحيرة ويظن أن كرة القدم جيومترية وخاضعة للإحصاء، والحساب والتنبؤ. ولذا نعتقد أن الطريق الأقصر هو الطريق المستقيم لهذا الملعب الطويل. قضت ما بعد الحداثة على حس التسلية على اعتبار أن التسلية عديمة الفائدة، ينبغي أن تنتهي الرحلة إلى الهدف بالطريقة الأكثر كفاءةً وأناقة، ليس ثمة وقت للخسارة (كضرورة) لاستيعاب اللعبة، النتيجة وحسب هي المسعى، ذلك ما تم عبر القضاء على الوسطية وقرون طويلة من الذوق الجيد والموهبة. إن القوة والسرعة هو الشعار الوحيد للغرض اليتيم، وكأنما نقول كش ملك عبر ركل الرقعة، وبالتالي نسرّع اللعب. يُنظر (إلى الذوق الجيد) كهراء من وجهة نظر الفاعلية، أو النظرةٌ الفظة التي ترى حيثما ترى. الجوهر الحقيقي لكرة القدم هي اللمسة/التمريرة، إذ تُلعب عبر التمرير، نتقدم للأمام بالتمرير ولمسها، تختمر الهجمة عبر التمرير، نصل إلى منطقة الجزاء عبر التمرير. التمريرة أو اللمسة ليست محض امتاع أو خياراً جمالياً.

ليست شعراً، ولهذا تعجب بورخيس عندما سُئل عن أسبابها؛ أي التمريرة … “هنالك أسئلة غريبة جداً”، يقول المعلم، “كما لو أني أسألك عن سبب طعم القهوة.” إذا لم يُتِه الفريق خصمه في البداية، سيعز عليهم أن يصنعوا هجمةَ هدف، وإذا لم يكن هناك صناعة هدف، سيصبح الأمر أكثر صعوبة لإيجاد حالة ملائمة لتسجيل هدف. توّه وتلاعب ومرر، بدينامية وإحساسٍ إذا ما أردت إيجاد مساحة وزميل، التمريرة ضرورة ملحة في اللعبة، وليست بأي شكل من الأشكال تفاخراً سخياً بسياق العرض وحسب.

إننا نمرر لكي نلعب بشكل جيد، نلعب بشكلٍ جيد لكي نفوز. والحق أن التمريرة قد تكون أحياناً شحيحة الفائدة، عرضية، وبلا ضابطٍ محدد، وعليه ستكون مملة وبلا فعالية، لأننا نسينا أن الغاية هي التسجيل. وبالرغم من ذلك فحتى هذه الوضعية متعبة للخصم إذ سيلهثون خلف الكرة، بما أنه (أي تناقل الكرة) سيكفل لنا إنهاك الخصم، وسيجعل المباراة أكثر إمتاعاً للفريق المهيمن. دائماً ما كان اللعبُ أفضل بمعية الكرة، أبداً ليس بملاحقتها بغية الحصول عليها. لطالما انعدمت ثقة الكرة البراغماتية والفورية بالتمرير، بل هي تزدريها وتكرهها، متهمة إياها بأنها متعجرفة وواهمة. إنها كالثعلب الذي يحتقر العنب لأنه لم يتمكن من إلتقاطه.

لويس ميغيل إينوخال: كتبتَ هذا المقال في ديسمبر 1994، بنظرة على المنعطف الذي مرت به الكرة الإسبانية في السنوات الأخيرة يبدو وكأنه خطاباً تنبؤياً. ولكنك تحدثت عن أسلوبٍ خالد وأبدي.

أنخيل كابّا: كل جزء من أجزاء الالتباس لا تزال مستقرة، كنا في ريال مدريد في الأشهر الأخيرة، والتيكي إي إل توكّي كانت اعتراضاً على الفريق في احتفاظه بالكرة بشكل مفرط. كان ذلك التباساً وخلطاً بين أن يلعب الفريق متنازلاً للجماهير، وبين أن يلعب غير عابئٍ بالنتيجة. والأمر معاكس تماماً: التمريرة هي جوهر اللعبة، ذلك لأنها لعبة جماعية. كان ذلك صادماً، فبالرغم من كل ما قام به برشلونة ومنتخب إسبانيا من انتصارات وممّا قاموا به لمصلحة اللعبة ومن إعادة ابتعاث لجوهر اللعبة، إلا أنه لا يزال يساور بعضهم الشكوك وإهتزاز في الثقة، أو أن هذه الفرق وصلت إلى العقيْدات الأساسية للعبة.

ل.م.إ: كانت الكرة الإسبانية تعيش إزدواجية غريبة، المسابقات الأخيرة –اللاليغا- فاز بها برشلونة كرويف للمرة الرابعة على التوالي، وبأسلوب مميز. ريال مدريد مع كينتا ديل بويتري فاز أيضاً بعددٍ من البطولات، ومع ذلك فقد كان خافيير كيلمنتي على دفة قيادة المنتخب الإسباني.

كابّا: هناك أناسٌ يشعرون بالأمان حينما يركل المدافع الكرة بعيداً عن مرمى فريقه، وفي الهجوم هناك من سيبحث بالفعل عن الحياة في المستقبل. كليمنتي قَصَرَ تكتيكاته على الجانب الدفاعي، وكرته لم تفز بشيء على الإطلاق مع المنتخب الإسباني.

ل.م.إ: أنت وفالدانو هبطتما إلى مدريد وكنتما تواجهان مقاومة الإعلام، الهجمات لم تأتي من قسم رجال الكهف في الصحافة وحسب، ولكن أيضاً من أولئك الذين يمتدحون ويهللون لأسلوب المنتخب الإسباني اليوم.

كابّا: امتدحوه بفمٍ صغير، هللوا له عندما ارتسم لعباً، كنت أعلق على مباراة في كأس أمم أوربا لمحطة مكسيكية، حينئذٍ لم يكونوا قد صدقوا بأنه كان هنالك نقداً لأسلوب الفريق ومدربه. من المدهش أن أدنى نكسة قادرة على التشكيك بكرةٍ مثيرة للإعجاب في جميع أنحاء العالم.

ل.م.إ: قال مينوتي في الثمانينات أن الإسبان يجب أن يختاروا ما بين أن يكونوا كالثور أو كمحارب الثور.

كابّا: نعم، لأنهم كانوا يمتلكون لاعبين جيدين ولكنهم اختاروا أن يكونوا كالثور. مع كيلمنتي لعبوا بألكورتا ونادال كقلوب، قلبان جيدان، في حين بقي غوارديولا على الدكة.

ل.م.إ: لعلك تتهم إسبانيا بانعدام هوية محددة، إذ لطالما امتلكوا لاعبين جيدين، غير أنهم افتقدوا لتوجهٍ محددٍ يميزهم بأسلوب خاص. من ثم أسطورة الغضب La furia والمرسِّخة للقيم الوطنية الوهمية والعنصرية التي أسسها الدكتاتور فرانكو والتي كان لها ضرر جسيم.

كابّا: الغضب اختراعٌ فاشيّ، وعلاوة على ذلك، فالمرة الوحيدة التي فازت بها إسبانيا بشيء كانت في في أمم أوربا 64 بواسطة لويس سواريز وأمانسيو، ديل سول، لابيترا، تشوس بيريدا… لاعبون ليس لهم علاقة بالغضب، بل كانوا نذيري أسلوب إسبانيا الحالي. إن الغضب وكرة الـ”أعطني الكرة أعطنيها وسأسحقهم”[1] كانت مضرة جداً، إذ فرضت حاجزاً ضخماً على جيل استثنائي من اللاعبين ككينتا ديل بويتري.

ل.م.إ: دائماً ما كان هنالك تنوعاً في الأساليب في إسبانيا، ففي إشبيلية يهتف الجماهير “أوليه” مع كل إيماءة لغورديـّو، وفي سان ماميس يصفق الجماهير عند ركلة الزاوية تفائلاً برأسيةٍ تسكن الشباك. بيد أن الإحساس باللاعب الجيد كانت موجودة، كانت مألوفة في بيلباو أو إيليوبوليس على حدٍ سواء.

كابّا: ثمة حدّوثة جميلة عن بانيزو، يسارّي القدم، يلعب كـ10 في أثلتيك، وهو ماهرٌ جداً لدرجة التشكيك بأصله. قام سان لورينزو بجولة في إسبانيا عام 1947، كانوا فريقاً ذا جودة فنية عالية، وكانوا يلعبون كرة واضحة ولم يُرَ مثلها في إسبانيا. تركت تلك الجولة بصمتها، لدرجة أن جماهير السان ماميس قالوا بأن “الارجنتينيين كلهم يلعبون كبانيزو”. بانيزو نفسه صرح بأنه زار سان لورنزو بعدها بسنوات، لأنه ومنذ تلك اللحظة وقع بحبهم.

ل.م.إ: قام الإسبان بتغيير جوهري في الدورات الأخيرة لفريق لويس أراغونيس، ولاحقاً مع ديل بوسكي، وكانوا ثابتين وراسخين بقناعاتهم. ثقافة “هوس النجاح” exitismo ستلفت انتباهنا إلى أنه إن لم يفوزوا فسيحرقونهم في ساحةٍ عامة.

كابّا: طبعاً، لأن مجتمع اليوم لا يحترم إلا الفوز، لقد كانت الانتقادات عنيفة عندما خسرت إسبانيا أمام سويسرا في المباراة الأولى في كأس العالم 2010، النوع هذا من كرة القدم لا شرف له، صفر. يتعين عليه أن يفوز دوماً كي يُحترم، أراغونيس وديل بوسكي أبقيا أولئك اللاعبين وفازوا بكل شيء.

ل.م.إ: دُعاة هرمون التستوستيرون تقدموا وتعصرنوا، لم يعد حديثهم يقتصر على “الغضب” أو “الخصيتين”، ولكنهم بدأوا يعتمدوا أكثر على الدراسات العلمية المزعومة العصمة، كل شيء محسوب، كل شيء محدد الكم، كل شيء موزون … وكأن كرة القدم علم دقيق أو سباق طولي 100 متر، ولكن على رأي الأرجنتيني فيرناندو سينيوريني، المعد البدني الذي يمتلك حساً جامحاً بجوهر اللعبة، حيث يقول “جرامٌ واحدٌ من أنسجة المخ يزن أكثر من 80 كجم من العضلات في كرة القدم”.

لكن على رأي الأرجنتيني فيرناندو سينيوريني، المعد البدني الذي يمتلك حساً جامحاً بجوهر اللعبة، حيث يقول “جرامٌ واحد من أنسجة المخ يزن أكثر من 80 كجم من العضلات في كرة القدم”.

أنخيل كابـّا

إن فيرناندو مرجعٌ فريدٌ لطائفته التي تدرب بعقلانية، وكذلك بالأنسنة وجعل اللاعب يفكر. وهو واحد من الذين يؤمنون بأن كرة القدم لعبةٌ غامضة، ولسنين طوال كان مدرباً لأفضل نسخة لمارادونا، وللمنتخب الأرجنتيني ولفرق كثيرة أخرى. ولم يكن ملتفاً على نزعة التدريب حتى الإنهاك، بالسُتر المثقلة بالأوزان أو بالباراشوتات، ولم يكن يقيّم كل شيء بالمَعْلَمَات العلمية.

كابّا: نعم، لا زلت واثقاً بذلك كثيراً، سألت ذات مرةٍ كرويف لمَ الأسلوب/الكرة التي ندافع عنها لا تملك مؤيدين كُثر؟ أجابني: “لأنه ينبغي أن تعرف”. أن نعي أن كرة القدم كالمسرح الجيد أو السينما الجيدة، يجب أن تمتلك شيئين: معرفة وإحساس. أولئك الذين يقيسون ويزِنون كل شيء لا يمتلكون ذلك، فكيف ستحسب وقفة تشافي، أي نظرة وتمهل لجوردي ألبا قبل القيام بالبينية الرائعة في الهدف الثاني لنهائي أوربا؟ هذه أمورٌ لا تقاس، وهذا ما يثير انفعالك، وهو الذي سيدوم. كما قال ماتشادو: “أنا تذكر المشاعر فقط في الحدث، وأنسى كل شيء آخر.”

ل.م.إ: ينسى الكرةَ كثيرون، ينسون أن الأبطأ في كرة القدم هو الأكثر موهبة فنياً، أو الأكثر لمعاناً لحل معضلة ما في اللعبة. في كرة القدم تشافي أسرع من أوساين بولت …

كابّا: أمثال تشافي … أو غوارديولا أو لاودروب، هؤلاء الذي يخسرون أي سباق، يمتلكون رؤية ويحلون عقد اللعب بسرعة بفضل ذكائهم وفنيتهم. السرعة في كرة القدم أمرٌ آخر، والقوة كذلك. القوة هي الدهاء والمكر، ولو كانت على الصلابة لما لعب إينييستا كرة القدم. وعلى الرغم من ذلك فهو أفضل لاعب بالعالم لأنه ذكي، ماكر ويفهم كرة القدم.

ل.م.إ: دائماً ما تشدد على أن اللاعب الأكثر قيمة هو الذي يفهم اللعبة، غوارديولا عُلِّم على فك مغاليق اللعبة، لقد كان أكثر لاعب تحليلي شهدناه في العقود الأخيرة، وكل هذا صيّره وشكّله لاحقاً كمدرب بكيفية لا نظير لها، ويصعب تقليدها. مالذي يمثله عمل غوارديولا لكرة القدم؟

كابّا: ساهم العديد من المدربين بأمور ثمينة، ولكن بالنسبة لي هنالك مدربان هما الأفضل في تاريخ كرة القدم، الأول رينوس ميخيلز، إذ ضيق المساحات وصنع فرقاً متضامة ومتراصة. والآخر هو مينوتي، وهو الذي علِم كيف يشيد المفاهيم التي نراها ونطبقها في اللعبة، وكذلك على مستوى أشكال التمارين. إذ أننا نلعب ونتدرب وفقاً للمفاهيم، وليس عبر الجري وتسلق الجبال دون معرفة الأسباب. كرويف كذلك قام بمساهمة جوهرية لأسلوب التمرير (أي الأسلوب القائم على التمرير). بينما أضاف غوارديولا -لكل ما سلف- استعادة الكرة الفورية لحظة فقدها. هذه الأمور قامت بها هولندا في 74 ولكن برشلونة أتمموها وكملوها، كانوا يجعلون الخصم يلعب بتسرع، وعندما يخسرون الكرة في حالاتٍ أُخر، يستعيدونها فوراً. كان ذلك مدمراً، سترغب بالعودة للمنزل عندما يتراقصون حيث تبقى الكرة بحوزتك لثلاثة ثواني فقط. تلك الإسهامات كانت أساسية، يستطيع غوارديولا بلا شك أن يجلس على نفس الطاولة مع ميخلز ومينوتي وكرويف.

ل.م.إ: تحدثت لي مؤخراً عن تقهقر الكرة الأرجنتينية، وعن التطهير الثقافي، وعن نسيان مواردها. راهنت على التغيير، وعن الحاجة للعودة للجذور، غير أنك تحدثت عن الحلول بتفاؤل مختلق، لأنك تعرف أنه لن يكون هناك تغيير، بل وستبقى الأمور عالقة بالزوبعة التي ألحقت ضررا بالغاً بهياكل الكرة الأرجنتينية.

ما من بلد قادر على الصمود أمام هجرة مئتيْ لاعب في السنة، فالأرجنتين في هذه اللحظة معرضٌ لبيع اللاعبين ومسؤولي الإتحاد غير قادرين على فهم هذه الظاهرة.

أنخيل كابـّا

كابّا: فُقدت الهوية لعدة أسباب: أولاً، تفكيك العدة والعتاد، ما من بلد قادر على الصمود أمام هجرة مئتيْ لاعب في السنة، فالأرجنتين الآن معرضٌ لبيع اللاعبين ومسؤولي الإتحاد غير قادرين على فهم هذه الظاهرة. كلمة من رئيس الإتحاد ستشي بكل شيء: “في كرة القدم -بالنسبة لي- إذا فزت بـ1-0 قد اثقب الكرة”. زد على ذلك، البطولة القصيرة ستُحدث هستيريا وعجلة، تغييرٌ للمدرب كل خمسة مباريات، والمباراة كأنها صدمات الدوَار خالية من أي معايير. فقط قانون الجاذبية هو ما يجعل الكرة تهبط من وقت لآخر إلى المعشب الأرجنتيني.

ل.م.إ: ربما كان هوراكان آخر فريقٍ أرجنتيني تم تمييزه في التاريخ، إذ كان مجلبة للإشادة والتقدير لكرة القدم الأرجنتينية ولو لمرة. لقد كان خلاصة الفضائل واحترام اللعبة التي لطالما وُسمت بها كرتك. في 2008 حرمك التحكيم الرديء من معانقة اللقب في المباراة الحاسمة أمام فيليز سارسفيلد، تقريباً قصة كيخوتية حالمة وبنهاية مريرة، ولكنك أريت بفخرٍ كرتك التي افتقدها الملايين من المشجعين في بلدك ولفترة طويلة.

كابّا: إن أعظم ثناء للفريق أتى من روبرتو “لا أوفيخا” تيلتش، لاعب سان لورنزو في الستينات والسبعيات، قال تيلتش عن هوراكان: “إنهم يلعبون كما كنا نلعب.” كما أشار مشجع لسان لورنزو وهو الممثل فيغو مورتنسن معترفاً أن آخر فريقٍ أُغرم به كان هوراكان.

ل.م.إ: كرة القدم الأرجنتينية حالياً بلا ريكيملي تبدو وكأنها مظلمة، لقد كان الموهيكان الأخير، لقد تخلى عن اللعب لبوكا، فريقه الروحي لأنه لم يكن مؤمناً بما كانوا مجبراً على القيام به، لم يكن مؤمناً بكرة مصممة للركض والركل. لقد ضاق ذرعاً من مشاهدة الكرة محلّقة. قبل سنوات أحد الصحفيين أشار إلى أن فريقاً كبرشلونة سيعاني الويلات كي يفوز باللقب في الأرجنتين، ذلك لأن الفرق شرسة وحادة، عندما ذكروا ذلك لريكيلمي في أحد عروض التلفاز خر ضاحكاً: “برشلونة يلعبون هنا” يقول خوان رومان… “سيسحقون الجميع”.

كابّا: إنها أحد أعراض ريكيلمي، إذ تركته الكرة الأرجنتينية منذ وقت طويل. كان وحيداً يحارب الجميع ولم يستطع الإكمال، فقد مل وضجر، وتعب من محاربة البربرية التي أصبحت عليها بلاده.

ل.م.إ: كما قال مينوتي: ملائكة الإلهام أعدمت بالرصاص. عندما يتقدم ريكيلمي للعب ركلة زاوية أو كرة ثابتة كان يمسك الكرة ويقبلها، لأنه يحبها، لأنه يشعر بأن التعامل معها يزداد سوءاً، لم تكن طقساً بل كانت اعتذاراً.

كابّا: تماماً، كان يعتذر. سيقترح أحدهم –بهذا النسق التصاعدي- بعد بضع سنوات إلغاء الكرة في الكرة الأرجنتينية، بهذه الطريقة سيتصارعون بشكل أفضل ومن يصمد سيفوز.

ل.م.إ: كتبت قبل عدة أسابيع مقالاً عن إياب كأس السوبر الإسباني والتي انتهت بثلاثية للريال مقابل هدف للبارسا، عنونت المقال كالتالي: “يوماً ما لعب بشكل سيء…”.

كابّا: حتى ريال دي ستيفانو وبرازيل السبعينات قد يلعبون بسوءٍ لمرة، لا تستطيع أن تكون عظيماً دوماً. قام برشلونة بأسوء ذهاب منذ وقت طويل حسب ما أتذكر، وبعشرة لاعبين في الإياب استغلوا خوف الريال (الذي نقله مدربهم إليهم) والذي تنازل عن الكرة للخصم وانتهى به الأمر مأساوياً.

ل.م.إ: هل ستعود بنا الخصومة ما بين مورينيو وأسلوب برشلونة إلى خنادق التسعينات؟

كابّا: وُصف مورينيو بدقة بواسطة كرويف: عليك أن تطلب منه الفوز ولا شيء آخر، لأنه لا يمتلك أكثر من ذلك. كان يمتلك أفضل اللاعبين في العالم ولا زالوا يستقطبون له اللاعبين. زيمان كذلك وضح ذلك جيداً: “إذا أدارت عمتي ذلك الفريق، كشرٍ أقل -على الأكثر- سوف تبقى ثانياً دوماً.”. يلعب الريال كما يقرر اللاعبون الكبار في الملعب، ولكنهم لا يمتلكون مفاهيم تتوائم مع مواهبهم. هناك حقيقة جلية: لعب كل لاعبي الريال كأس أمم أوربا (مع بلدانهم) بشكل أفضل مما يفعلون في مدريد، فليستخلص الجميع استنتاجاتهم.

ل.م.إ: كرة القدم حالياً تنطوي على العجلة، على ثقافة الفورية، سواءً في مدريد أو ليما أو أي مكان. جنون يهدد طبيعة اللعبة، بل وضد أي ممارسة للأعمال أيضاً. الوقت يضمحل، وكل شيءٍ يبدو محاطاً بدرجة جنونية من التغطية الإعلامية…

كابّا: اختار الإعلام أن يبيع ولا غير منذ مدة مديدة. إذا قال كريستيانو بأنه حزين، سيقدم الإعلام عرضاً حامياً لهذه العبارة المؤسفة. في هذا العالم الذي يُهاجم العمال به باستمرار، وبه أناس لا يجدون الغذاء، إنه لمن المحرج بحال أن يقوم الإعلام بإعداد عرض يتساءلون فيه عمّا يحزن الأميرة الحزينة. إنهم يهتمون بالبيع وحسب، وهذا العرض الذي يقدمونه هو المثال الأفضل للغباء في أنقى صوره.

[1] “a mi el pelotón, que los arrollo” أسطورة الغضب الأحمر هي ناجمة عن مقولة خوسيه ماريّا بيلاوستي، حدث ذلك حينما صرخ لزميله: “أعطني الكرة، سابينو، وسأسحقهم” بأحد أهدافه في أولمبياد 1920 ببلجيكا فأصبحت أيقونة الكرة الإسبانية.

المصدر

التدريبات الشاملة

على الرغم من سطوتها على حقول المعارف المختلفة منذ القرن السابع عشر، تقع اليوم اختزالية ديكارت تحت طائلة الانتقاد. أمّا الاختزالية فهي تحليل موضوع أو ظاهرة معينة باختزالها وردّها إلى أجزائها؛ أي تفكيك وتحليل أجزاء هذه الظاهرة ودراسة كل جزء على حدة. بصورة أبسط؛ هي أن نفصل ونعزل كل عنصر من عناصر كرة القدم ونقوم بتدريبه بمعزل عن بقية العناصر، كأن نأخذ العنصر الفني/التكنيكي ونحاول تطويره لوحده دون سياق؛ أي دون أن يتفاعل اللاعب مع خصم وزميل وتوجيه معين (مرمى) لتطبيق ذلك التكنيك فيغيب عن البال سياق اللعب الذي قد يجر اللاعب لتغيير هذا التكنيك الذي لم يعد يجدي. أو أن نأخذ حالة تكتيكية وندربها دون خصم، وجود الخصم قد يجبرنا على تغيير بعض الديناميات، تلك حجة منتقدي ما يسمى بالتدريبات التحليلية، والتي –بالضرورة- تنتهج النهج الاختزالي. يعتقد المجتمع العلمي اليوم أن الاختزالية/التحليلية عاجزة عن تناول الظواهر المعقدة، ولذلك فهي تفكك تلك الظاهرة وتتناول كل جزءٍ منها على حدة، فهي لا تستطيع فهمهما ككل متماسك.

“هنالك طريقتان لكي أعلمك كيفية الذهاب من هنا -من منزلي- إلى وسط باسّانو، الأولى أن أقول لك توجّه نحو الدوار، أفسح الطريق، قف عند الوقوف، من ثم انعطف إلى الممر الثاني يساراً، ثم الممر الأول إلى اليمين. أما الطريقة الأخرى فهي أن أعلمك قراءة إشارات/علامات الطريق وأعطيك خريطةً للمدينة. في الطريقة الأولى علمتك نمطاً؛ وفي الثانية مجموعة من المبادئ”

ماوريتسيو فيشيدي
undefined
تباعد الفريق يبدو كشبكة مترابطة، تداخل الفريقين يضيف تعقيداًأكبر وأكبر.

يقابل الاختزالية المفهوم الأرسطي القائل بأن الكل أكبر من مجموع أجزائه والمعروف بالتآزر، هو لب وجوهر النظام المعقد complex system، أو حتى نظرية النظم الديناميكية. يعرّف النظام المعقد على أنه مجموعة من العناصر تتفاعل فيما بينها البين، تحمل النظم المعقدة خصائص محددة تنبثق وتنشأ من العلاقات بين تلك العناصر، مثل اللاخطية كتحولات اللعب هجوم-دفاع والعكس باستمرار، والانتظام الذاتي؛ كتمركز اللاعب وفقاً لزملائه والخصم دون موجه خارجي، يسمى كذلك التكيف المعقد –ما بين اللاعبين- والروابط، والتواصل، والتغذية الراجعة وإلى غير ذلك من الخصائص التي قد تتمايز بين ميدان وآخر. كرة القدم هي نظام معقد، وينبغي فهم العلاقات ما بين اللاعبين (العناصر) والتي بدورها تؤدي إلى السلوكيات الجماعية (ككل)، وعليه سندرب لاعبينا بالنهج الكلي holistic approach، أو الطريقة الشاملة Global method وتدريب الكرة ككلٌ متكامل بدلاً من اجتزاز حالات لا تبدو واقعية من وجهة نظر مطبقي الطرق الكلية/الشاملة، إذ لن تحمل التمارين التحليلية في طياتها تعقيد اللعبة، سرعة اللعب، تداخل العناصر، تبادل الأدوار الاضطراري…إلخ. إذ هي لن تقوم بلم شمل عناصر اللعبة عند التدرب دون خصم، ولن تقوم التدريبات التحليلية إلّا بتقييد اللاعب بنظام ضيق، وأنماط لعب محددة، قد يخبو وينحسر فيها المجال على الإبداع في حل المشاكل. ولذا فتوفر التمارين الشاملة البيئة المناسبة لتطوير اللاعبين من خلال حالات واقعية، ودوماً بمواجهة خصم، هذا الخصم سيُرغم حامل الكرة على بدائل لا توفرها الحالات أحادية القرار، ببدائلها القليلة، وأولئك الخصوم لن يمنحوك الوقت والمساحة لتطبيق ما تريد –لذات السبب- وهذا هو مأخذ مطبقي النظام الشامل.

نتيجة بحث الصور عن peter boszz

“من المهم صنع أتمتة… أو أنماطاً للعب إن شئت، إننا نتعامل مع العقلين الواعي واللاواعي في اللاعبين. فعندما نقوم بفيديو تحليلي بصحبتهم، فهم واعين لذلك، إذ يعون ما أتحدث عنه، يفكرون به ويتحدثون عنه. ولكننا نمتلك أيضاً تمارينَ حيث لا أريد منهم أن يفكروا أو يتحدثوا أو يعرفوا أي شيءِ حياله، أرغب فقط أن يقوموا بالتصرف من اللاوعي، أي عفوياً… وبذلك نصنع أنماطاً. ولذا فنحن نتمرن بأشكال عديدة من المباريات: 3ضد3 أو 4ضد4 أو 9ضد9 ولكن دائماً بثلاثة لاعبين أحرار بحيث نستطيع استخدامهم للقيام بلمسة واحدة ارتدادية، بالتالي ستتطور الأنماط من الناحيتين (للفريقين وللاعبين الأحرار) بإمكاني ملاحظتها في المباريات أيضاً.” -بيتر بوش

“لست مدرباً يضع أنماطاً واضحة، وإنما على اللاعبين اشتقاق الأنماط جراء التكرار المتواصل للتمارين، إن اللاعبين بحاجة لحرية اتخاذ القرار”

مايكل كولنر

ينطوي التعليم المباشر على منح الإجابة للاعبين، ففي التمارين التحليلية سنطلب من اللاعبين تحركات أو قرارات محددة، فيما يتمحور التعليم الضمني على التفاعل بين المدرب واللاعب، واللاعب هو مركز العملية التعليمية. ينبغي على اللاعب إيجاد الأجوبة، فيعرض المدرب المشكلة/الحالة ويبحث مع اللاعبين عن الحلول والسُبل، يطرح المدرب أسئلة ومن إجابات اللاعب قد يجد الحلول، قد يقوم المدرب بالتلميح والتقريب وقد تكون تلك الأسئلة عبارة عن تمرين لحالة معينة. يسعى أغلب المدربين إلى صنع أنماط لعب معينة أو سلوكيات محبذة على المستويين الفردي والجماعي، فمثلاً لا يؤمن الألمان والهولنديون بالأنماط الجامدة، بل يسعون إلى تخليق أنماط وألعاب عبر تمارين مقننة وليست تلقينية، قوانين هذا التمرين وقواعده بوسعها السيطرة على قرارات اللاعبين وبلا وعيٍ منهم، يمكنك فقط أن تطلب منهم فعلاً أو ردة فعل معينة –في حالة معينة- دون عزلها عن دينامية اللعب وانسيابيته، فتنشأ عن ذلك أنماط لعب وسلوكيات بشكل تلقائي.

إن حالات اللعب لا حصر لها، إذ تختلف الزاوية ووضعية اللاعب ووضعية الخصم ومكان الكرة وسرعة الكرة، فتوفر التمارين الشاملة هذه المزية، فلا يمكن أن نحلل كل وضعية ونتدرب عليها على حدة، فاللعبة بالنسبة لهم هي المعلم الأول، حيث يسعى مريدو التعليم المتنوع Differential learning إلى استجلاب الحالات والمشاكل المختلفة وحلها بطرق متنوعة عبر “اللعب”، وتعويد اللاعبين على التعامل مع ما يطرأ عليهم دون تلقين، فيسهل عليهم التعامل مع العديد من الحالات ولكنهم لا يسعون لتسهيل اللعبة عبر تفكيكها وتحليلها، بل يبقونها معقدة وعشوائية بهذه التمارين، أو قد يزيدونها تعقيداً فيتأقلم اللاعبون على ذلك. باكو سيرولّو وتوماس توخيل من مناصري هذه المنهجية ومؤسسها فولفغانغ شولهورن، وهي منهجية تستمد جذورها من التعليم الضمني والاستكشافي، فيحاول –توخيل- بواسطة قواعد/مساحة التمرين إلى تطويع اللاعبين للإبتعاد عن تصرفات معينة، فمثلاً يطلب من المدافعين حمل كرات تنس لئلا يشدوا قمصان المهاجمين، أو أن يقوم بتصميم مباراة مصغرة بملعب معيّن/ماسيّ الشكل لكيلا يسرف اللاعبون بلعب الكرات إلى أطراف الملعب، حيث يسعى بذلك إلى توجيه اللعب نحو العمق أكثر. تمارين كالروندو والمباريات المصغرة تمارن واقعية وتحاكي اللعبة، وباستخدام قيود وقوانين محددة بهذه التمارين ستحدّ وترغم اللاعبين على سلوكيات معينة، لمسة واحدة، أو عدد معين من اللمسات، شكل هندسي مثل تمرين توخيل، علاوة على تحفيزهم على التفكير وزيادة الأحمال الذهنية بفرض تعددية مهام كحمل كرات التنس عند توخيل وإلى غير ذلك كثير، لا يُحبذ في هذه المنهجية الضمنية –الأكثر تطرفاً- توضيح الأهداف، بل يُكتفى بالقيود، إن كثرة الاستيقافات والتكرار –لتمرين معين- والاسهاب في الشرح والتوجيه بل والتصحيح مرفوض تماماً. “إذا أخبرتهم بما لا أريد منهم أن يفعلوا سأكون ناقداً” يقول مدرب بي إس جي، “غير أن عملي هو تقديم الخدمة: أنا هنا لمساعدة ودعم اللاعب.”

الملعب ماسيّ الشكل والهدف منه إجبار اللاعبين عبر القيود ومساحة اللعب، والتشكل الجيومتري إلى التمرير للعمق زائداً الركض القطري للمهاجمين.
وكذلك تقسيم المناطق كما نرى فالجناحان لا يجب أن يدخلا الالثلث الأوسط سوياً.

“في التمارين، دائماً نستخدم الكرة، هناك تحركات ومباريات مصغرة” هازارد عن الفرق بين زيدان وكونتي وسارّي، “عندما تعمل مع مدربين إيطاليين كما حصل معي، فستكون أقل سعادة، إنهم صارمون وتكراريون، ستجد المتعة بالفوز. قضيت ثلاثة سنوات مع المدربين الإيطاليين، وإعادة اكتشاف المتعة مجدداً أمرٌ يسعدني.”

تتباين الآراء حول الطريقة الأفضل، كما تختلف إنطباعات اللاعبين وآرائهم حول المدربين ففي المقال السابق، اقتبسنا لكوليبالي مديحاً لسارّي. الأكيد أن صرامة سارّي كونتي وحتى غوارديولا لا تروق للجميع، تييري أونري سبق وأن اشتكى من صعوبة اللعب مع بيب ولكن بعد اعتزاله ربما غير رأيه، تبقى آراء اللاعبين عاطفية ومن منطلق ذاتي/شخصي وغير موضوعي، أيضاً تطبيق أحد المنهجيتين أيضاً خاضع لانتقائات حدسية ومعايير ذاتية بالنسبة للمدربين، ولم يقطع العلم بأفضلية أحدهما، إلا أن التلقين المباشر لطالما أبدى محدودية في تحفيز العقول على التفكير. ليس ثمة معادلة نهائية لتحقيق الغاية المنشودة في كرة القدم، غير أن كل الطرق تؤدي إلى روما، فكلٌ له طريقته وأسلوبه التعليمي. إن التلقين طريقٌ أسهل للمدرب ولكن هذا الطريق له عواقبه في إنتاج فريق قد يضمحل فيه إبداعه، أو قد يعتري أحدهم الخوف في القيام بابتكار ما، تلك الابتكارات والتجليات اللامتوقعة هي ما تجعل الفرق تتمايز وتقل أو ترتفع فيها فعاليتهم، نعم أنماط اللعب المضبوطة لها فعاليتها كذلك، لكن الأكثر نجاعة هو التعامل مع تبدل وتموج اللعب، فالغرض ليس تنشئة طريقة تفكير موحّدة في التمارين الشاملة بل اعتماد التفاعل والتناغم والتواصل التلقائي ما بين اللاعبين في الملعب، فاللاعبين يفكرون بطرق مختلفة بالطبع. العقل التحليلي ليس مثل العقل التركيبي، فالعقل التحليلي يريد تفكيك مفهوم معين لكي يتأتى عليه فهمه وفهم أجزاءه، فمن يحلل أمراً قد لا يستطيع إعادة تركيبه، وقد لا ينتج ويخلق أمراً جديداً وهو الأمر الذي يختص به العقل التركيبي، ومن ذلك فالتدريبات التحليلية لن تفي بالغرض “دائماً” في لعبة شواشية، لا خطية، متغيرة ومتقلبة، علينا أن نعي أنه حتى كلوب وتين هاغ قد يستخدمان تمارين تحليلية، بيد أنها ليست جوهرية بالنسبة لهم، أحياناً لتعويد اللاعبين على حركات بسيطة أساسية. كما يتعين علينا ألّا نُغفل الجانبين البدني والذهني إذا ما غالينا في زيادة الأحمال على اللاعبين، فالتمارين التركيبية والشاملة مرهقة، لذلك عندما نرى استهلال تمارين ناغلزمان أو مورينيو بتمارين استلام وتسليم فلا تعدو كونها إحماءاً، في الحقيقة هناك من يرفضها قطعاً. التمارين الشاملة حق شرعي للاعبي الفئات السنية، الصغار يحتاجون للعب، يحتاجون النمو ذاتياً، هم يريدون تسهيلا من المدرب أو المكون حسب هورست فاين، وهو القائل بأنك لا تحتاج مدرباً محترفاً للفئات السنية، نعم، إننا بحاجة لمدرب منفتح ويتقبل فكرة أن الموضوع لا يتعلق به وبمجده الشخصي، فالأولوية للمنهجية والمكون سيدير العجلة لا أكثر، فالأجدى هو التفكير والابتكار لا التلقين والتكرار.

التدريبات التحليلية

يقول كونستانتين برانكوشي أن البساطة تكمن في حل العقد، قد تكون تلك غاية المدربين الذي يعتمدون الأسلوب التدريبي/التعليمي الديداكتيكي، والذي يرتكز على التعليم الصريح وتقليص دور اللاعب في عملية التعليم، فيغلب على المدرب تصميم تدريبات منظمة وواضحة الأهداف وليس على اللاعب إلا التطبيق، وعلى الأكثر معرفة الأسباب، هذا النوع من التعليم/التدريب ينطوي على الإجابة. إذ يصبو المدرب هنا على توحيد السلوكيات واللغة المشتركة بين اللاعبين. يكون اللاعب واعياً هنا لما سيقوم به –كما ذكرنا في المقال السابق- إذ يسعى المدرب بهذه الطريقة أن يعوّد لاعبيه على قراءة لعب معينة لكل حالة، واضعاً نقاط مرجعية يرجع لها اللاعب في إتخاذ القرارات، مختصراً الوقت على اللاعب في المباريات أينما لا يكون هنالك متسع من الوقت للتفكير.

لطالما كانت طريقة تدريبي قائمة على أكبر قدر من النصائح، بحيث يكون اللاعبون على دراية بما سيقومون به في كل حالة.

أنتونيو كونتي

التدريبات التحليلية

التدريبات التحليلية هي اجتزاز حالة أو وضعية من سياق اللعب والتدرب عليها بشكل منفصل، من السهل للصعب ومن البسيط إلى المركب. يصعب أن يحيط المدرب بكل حالات اللعب في الخطة التدريبية وأن يصمم تمارين لكل حالة وموقف. ولذا من الحكمة اختيار الحالات الأهم، والحالات التي يمكن السيطرة عليها، وحالات مايكروية/جزئية في أسلوب اللعب إذا ما كان المدرب صاحب أسلوبٍ عميق، وذلك بغرض الاقتصاد في الوقت. يبدأ المدرب بالعمل على الحالة المنتقاة بالتدريج، من تمرين بسيط؛ أي بتمارين بلا خصم، أو بخصم غير فعال وساكن. لاحقاً وبعد اعتياد اللاعبين على التحركات المرغوب بها، سيضيف المدرب خصماً، ربما بمواقع معينة، وكذلك سيرفع النسق حينئذٍ يصبح التمرين مركباً. لاحقاً قد يضع المدافعين بمواجهة المهاجمين لو كانت الحالة المنتقاة هي بناء اللعب من الخلف مثلاً، وهذه قد لا تنتمي للتمارين التحليلية التقليدية لأن المستوى قد يوازي مستوى المباريات (تسمى أحياناً تمارين تركيبية)، غير أن الحالة ستكون محددة والتوقفات ستكثر للتصحيح والتعديل والشرح. يقوم المدرب أيضاً بالتشديد على العناصر أو الطريقة التي يريدها في تلك الحالة المنتقاة في التمارين التنافسية المشابهة للمباريات تعقيداً وشدة 5ضد5 أو 6ضد6… الخ، فالمدرب هنا قد يكتفي بالتصحيح والتوجيه، وهذا الأمر على أي حال سيقوم به في جميع المراحل من البسيط إلى المركب وصولاً للتنافسي، مع تكرار ممل واستيقافات للتصحيح والتوضيح خصوصاً في المرحلتين الأوليتين، ومع التكرار وتعليمهم وهم واعين تترسخ هذه التصرفات باللاوعي فيتذكر اللاعب –جراء المحفزات اللاشعورية- تلقائياً ما عليه فعله في أي وضعية.

سامبدوريا يعملون على خطة 4-3-1-2، تناقل الكرة بسرعة واختراق الخصم من العمق/حركة المهاجمين.
قبل ذلك عمل على الضغط العالي، نرى أن المهاجمين لا يقطعون الكرة بل فقط يكتفون بالضغط بالشكل المطلوب، مسار الركض والتمركز المبدأي.
من الدقيقة 8 يطبق الفريق عدة تحركات هجومية دون خصم/ضغط.
من أطروحة فارنتشسكو كالدزونا (مساعد سارّي)، نرى هنا ترجمة لوضعية معينة من التدريب إلى المباراة.
في المثال الأول أوردت تمريناً لتطبيق الحركة بلا خصم، ومن ثم سنرى ترجمة لها في المباراة.
لا تقع في وهم الباريدوليا، أياكس لا يقومون بالألعاب المسبقة الترتيب (في المقال القادم سنفصل إن شاء المولى)، هو تجلي فردي من فان دي بيك أكثر من أي شيءٍ آخر.

إن الدافع للمدربين الذين يطبقون أسلوباً تدريبياً ديداكتيكياً هو توحيد سلوك اللاعبين كما أسلفنا، قد يجد بعض اللاعبين أنفسهم بهذا الأسلوب، فالبعض قد لا يمتلك إمكانات ادراكية عالية، فالتفكير يأخذ وقتاً منهم مع سرعة اللعب والنسق، لذا فالأجوبة من المدرب ستكون شافية وافية له، ومع ذلك فحتى بييلسا الذي يطبق هذا الأسلوب التدريبي يعتقد بعقم السيناريوهات الماقبلية –إذا ما فُقدت- وإذا ما بالغ المدرب في ميكنة فريقه. عادة ما يثق مدربون ككونتي أو سارّي –من بين كثيرين- بما يحضرون وبالتدريب المكثف لصنع أسلوب بتحركات محددة لكل حالة، هجومياً ودفاعياً وفي الكرات الثابتة، فما تدربوا لن يغيروه بسهولة، فتبديلاتهم ستكون لاعب بلاعب، وأحياناً يضيفون لاعباً في الخط الأمامي في الدقائق الأخيرة عندما لا تكون النتيجة بصالحهم، إذ لديهم ثقة عمياء بأساليبهم، ولن يحتملوا تغير الدينامية والخطط والتحركات المسبقة عبر تغيير الخطة أو عبر تعديل مواقع اللاعبين، بيب غوارديولا أو بييلسا كذلك يثقان بما عملا في الأسبوع التدريبي بالخصوص وبالعمل الذي تم في الأشهر السابقة عموماً، رغم ذلك فلديهم شيء من المرونة في التعديل والتبديل، واثقين بقدرة اللاعبين على التكيف والتأقلم.

“يلعبون كرة قدم جذابة تمتع الجماهير، نفس الأمر الذي يقوم به أياكس ولكن بأقل عشوائية، السيتي أكثر انتظاماً.” فان خال عن سيتي غوارديولا، يكمل: “بيب رجل منظم وعلى اللاعبين اتباع ما يريد، بينما مع تين هاغ يستطيع اللاعبون القيام بأمور مختلفة عما يريد.”

“إنه عبقري حقاً، يرى أشياءاً لا يراها الآخرون. إنه يجعلك تفهم كرة القدم وكيف أنه يمكن التنبؤ بها، إنه عالم. يملك جواباً لكل سؤال يُطرح عليه، ودائماً ما يكون على صواب، هو يجعلك تفكر بجماعية وليس كفرد، باختصار كرة القدم معه رياضيات.”

كوليبالي عن سارّي

في مقابلة لإيلياكيم مانغالا مؤخراً سئل عن الفرق بين غوارديولا وسام ألاردايس، أجاب بأن  بيب يعالج كل وضعية وحالة، “من الأسهل كثيراً اللعب هكذا، لأن شيئاً ما لن يكون محض صدفة […] يعتقد الناس أن الموضوع مجرد تيكي تاكا! أتذكر أنه مرة قضى 10 دقائق في توضيح الكيفية الأفضل للدفاع ضد رمية التماس“، الغريب في الأمر أن مانغالا قال أن ألاردايس كان لا يحضر التمارين إلا قبل المباراة بيوم أحياناً كثيرة، ناهيك عن تطبيق أسلوب وتعليم! المدربون ليسوا سواسية، لن يكونوا كذلك لأنهم يحملون نفس الرخصة!

 بلا شك نطاق ما يسع المدرب التحكم به ليس كبيراً، لن يطلب غوارديولا من أجنحته كيفيةً معينة للفوز بحالة 1ضد1، هو فقط سيطلب منهم البقاء في الجهة المقابلة لحدوث هذه الحالات، هو فقط سيفتح عينيك لأمور قد تجهلها، لحالات حرجة واقتراح حل أفضل للاعب، فمن الأفضل أن تكون لمستك الأولى نحو مرمى الخصم إذا كان ذلك متاحاً، لكن الخيار متروك لك إذا تمت مضايقتك، في أن تقاوم الضغط وتحاول الدوران أو أن تعيد الكرة للخلف، فاللاعب بالمساحات الضيقة مضطر لاتخاذ قراره بسرعة فلا يتسنى له اختيار تكنيك معين أو وضعية معينة فلن يتيح له الخصم ذلك، وذلك لأن كرة القدم ظاهرة معقدة، فأحياناً ستجد مساندة وأحياناً لا، أحياناً ستكون مضغوطاً من أكثر من لاعب، ستكون محاصر على خط التماس وظهرك لمرمى الخصم وغير ذلك، فكيف للتكتيك المسبق في عالمٍ حركي متغير، ويحدث فيه اللامتوقع يبدو أمراً منطقياً؟ يتسائل مينوتي.

ما بين الضمني والمباشر

تنطوي مهمة المدرب على تقديم عصارة معرفته للاعبين، على شكل تمرين يحاكي واقع اللعبة، ويحاكي تعقيدها، ومساحاتها الضيقة وتداخل عناصرها. وكذلك على شكل تمرينٍ يستثير في اللاعب التفكير، وينمي سرعة قراءته للعب وقدرته على ربط الأمور ببعضها، وبلا شك بدرجة من التنظيم وتحديد الأدوار، لأن الفرد بالنهاية جزء من فريق ونموه ينبغي أن يكون ضمن السياق الجماعي، أما صولوهات العزف المنفرد فهو أمر يعود لقدراته طالما لم ينشز، وطالما بقي في إيقاع ونسق الفريق. على رأي مينوتي: “عندما يقوم اللاعب بمغامرة أو لعبة فردية، يجب أن يكون مستعدًا للعودة إلى إيقاع الفريق عندما تنتهي تلك المغامرة، سواءً انتهت بشكل جيد أو سيء، لا يهم.”

تتضمن عملية التدريب/التعليم قدراً من التوجيه المباشر وقدراً من التعليم الضمني، يتباين المدربون في تقديم الأولوية لأي من النوعين، فجميع المدربين يقومون بقدرٍ من التلقين والإملاء، لصالح الجماعية وتقليص اللايقينية/الإرتياب، بحيث يكون اللاعب واعياً عارفاً بمركزه ودوره في حالات اللعب الحية أو الميتة، وكذلك في النقاط المرجعية التي يرتكز عليها في قراراته أو في الإرشادات العامة، الأساسيات التكتيكية؛ الوضعية الجسدية والتمركز والتوقيت، أو حتى بتصرفات قد يتم التغاضي عنها كالبقاء على الخط الأخير للاعبي خط الدفاع أو ترك القائم والالتحاق مع الخط عندما تلعب الكرة قصيرة في ركلة الزاوية… الخ. وكذلك يجمعون على إطلاق العنان للاعب كقدرة إبداعية/نقدية، لمعالجة المشاكل بنفسه وذلك لطبيعة التعقيد في كرة القدم، كاتخاذ القرارات بسرعة في المساحات الضيقة أو ظهور طارئٍ ما؛ كتغطية زميل ترك مكانه لأي سبب أو أي تجلي مهاري فردي. أو ما بين بين، أي أن يطلب المدرب تصرف محدد لتنفيذ استراتيجية معينة، لحالة لعب معينة، دون الإيغال في تفاصيلها ولكنها تتكرر في سياق اللعب باستمرار كالإيماء الجسدي والهروب من الرقابة، أو كالضغط فور خسارة الكرة، فتطبق في أي مكان وفي أي حالة وتنغرس في اللاوعي مع استمرار تطبيقها.

إن عملية التعليم/التعلم تنقسم إلى قسمين: مباشر وضمني، أمّا مباشر (أو صريح) فحين يكون اللاعب واعياً عندما تتحدث إليه أو تعلمه ومن ثم عندما يقوم بالتمرين المراد، ومع التكرار يتمرس اللاعب فتترسب تلك المهارات في العقل اللاواعي/الباطن فتبدر منه السلوكيات بشكلٍ تلقائي، أي أن التعلم الواعي سيغرس فينا القدرة على القيام بالأمور من اللاوعي “الاعتياد”، فسنتعلم قيادة السيارة –مثلاً- بوعي، مع التمرس والتعوّد سنتمكن -فوق ذلك- من القيام بعدة مهام لدى قيادتنا السيارة، التعلم بالحضور الذهني الواعي لا يتطلب ضرورةً وجود موجه خارجي، كأن نتعلم عبر رؤية الآخرين وعبر تقليدهم، أو أن نتعلم لعب الكرة مع أقراننا. أمّا التعليم الضمني فتعني أن يقوم اللاعب بما يراد منه بلا وعي منه، أي أن تكون المعلومة أو المهارة مضمنة قد يكتشفها هو بنفسه، بالضبط كما تعلمنا اللغة ونحن صغار، فلا نتذكر جيداً متى بدأنا بالنطق، وكيف اكتسبنا اللغة فطرياً عبر تسمية الأشياء وتجميع الكلمات وتكوين الجمل وحتى ضبط القواعد، ثم أدركنا أننا نتكلم لاحقاً. فحتى الوعي -في الحقيقة- قد تَشكّل عبر اللاوعي! فالوعي واللاوعي ليسا منفصلين.

يتحكم العقل اللاواعي بـ 90% (و95% في دراسات أخرى) من تصرفاتنا، فهو المتحكم بالعمليات اللاإرادية والتلقائية كالمشاعر والإحساس، والعادات والإدمان، والإبداع والحدس والذاكرة طويلة الأمد. أما العقل الواعي فلا يتخطى 10% من تصرفاتنا، كالتفكير والتحليل والتخطيط.

لم يعد الوعي واللاوعي محط نقاش فلسفي وحسب، بل وتم اخضاعه تجريبياً عبر علماء الأعصاب والمخ، فلم يعد اللاوعي مخزناً للذكريات وللذاكرة الضمنية وحسب. إن العقل اللاواعي يستقبل بيانات ضخمة ويعالجها بسرعة تفوق العقل الواعي والتي بدورها تجعلنا نتخذ القرارات، إذ تبقى هذه البيانات مضمرة يستدعيها العقل وفق محفزات معينة، فبجزء من الثانية تستثير رائحة عطر -مثلاً- ذكرى معينة مرتبطة بتلك الرائحة، أو أن نقوم بردة فعل معينة لحالة معينة، هذا ما يسمى بالمحفزات اللاشعورية، إذ أننا لا نستطيع بواقع الأمر اختيار الوضعية الصحيحة في لحظة ما في المباراة، لأن سيرورة اللعبة سريعة التبدل إلا أن التلقائية الناتجة عن اللاوعي، التمرس وكثرة اللعب يجعل اللاعب يقوم بأمور معينة بشكل مثالي، -أو على اقل تقدير سيتخذ قراراً مثالياً- وبلا ترتيب مسبق، وبمجرد أن يفرغ مما قام به سيعي ما فعله. وهذه أعلى مراحل سلم التعلم الأربع (نموذج المراحل الأربعة للكفاءة Four stages of competence) إذ يقسم هذا النموذج عملية التعلم -وصولاً لمرحلة الكفاءة أو التمكن- إلى أربعة مراحل، الأولى هو الحدس الخاطئ؛ في أن يكون المرء جاهلاً بجهله، يسمونه العرب “جهلاً مركباً”، أما الثانية فسنكون واعين بجهلنا أو عدم مقدرتنا غير أننا قد نقوم بأمر ما عفوياً لكن دون القدرة على التحليل. أما المرحلة الثالثة فسنكون واعين بقدرتنا ومعرفتنا بحيث تكون لدينا قدرات استراتيجية وقدرة على التحليل، أما الأخيرة فهي المعرفة والقدرة اللاواعية، المرحلة الأعلى؛ الحدس الصحيح والقدرة التلقائية على القيام بالأمور والمهارات بلا كلف أو جهد، أو العبقري الذي قد لا يعي مدى عبقريته كميسي أو نيمار واللذان يتنبئان بالأمور ويتخذان تدابير وقرارات مذهلة بجزء من الثانية، أولئك الذين إذا سألتهم كيف تقومون بذلك قد لا يستطيعون شرحه.

أعتقد أنني ولدت بها” يقر لامبارد أنه عندما كان يقوم بتفحص محيطه لم يكن على وعيٍ بما يفعل، إذ عندما سئل عما يفعل لم يستطع الإجابة.
مؤكدٌ أنه الآن على وعي ٍ بها كمدب، لكن غالب النجوم السابقين غير قادرين على شرح وتعليم ما يستطيعون القيام به، لأنه حدسي ويقومون به بلا وعي منهم.

إن المرور بهذه المراحل لا يتطلب وجود موجّه بالضرورة، يندر أن تجد لاعباً يعي ما يفعل، فحضوره الواعي وتفكيره الواعي ربما يؤثر على أداءه ويؤثر على تلقائيته، أي أنها ليست بالضرورة إيجابية، لك أن تتصور نفسك تؤدي مهارةً بتلقائية، وتصور نفسك تؤدي نفس المهارة وأنت محط الأنظار أو تحت الضغط لأول مرة.

يقودنا ذلك إلى أن نستنتج أن التعليم المباشر والتلقيني مرهق للاعب وللمدرب، فلا يبدي بعض اللاعبين استجابة كبيرة للتدريبات التحليلية، أي اقتطاع حالة من حالات اللعب والتدرب عليها –بكثافة- بكيفية معينة كما يفعل سارّي أو كونتي. غوارديولا ليس ببعيدٍ عن ذلك، فالتدرب واللعب مع بيب أو سارّي ومن سلك مسلكهم ليس محض مرح كما يتصور البعض منا. كرتهم ممتعة، ربما، لكن نطاق الحرية أقل مما يبدو عليه، فاللاعب ملتزم ومقيد بأدوار وقرارات وقراءة لعب محددة، فالسيمفونية تم الإعداد لها مسبقاً ببروفات مملة، وعلى أي حال فمجال الإبداع فيها باقٍ عموماً. إنما فقط يبدو أمراً نفسياً عندما لا يجد اللاعب راحة بكثرة الأوامر، في البداية قد يعاني ومن ثم سيعتاد ويتأقلم، أو أن يرفضها قطعاً، متمرداً يصعب ترويضه وقد يكون ذلك إيجابياً من أوجهٍ عدة، عدا الفردية والأنانية فهي مضرة.

ختاماً مهما بلغت قدرة المدرب في لعبة متقلبة لا أمان لها، ولا في اللاعب ككائن يقوده اللاوعي والعاطفة، يصعب تنميط اللعب على طول الخط، كما لا يبدو منطقياً أن نترك اللاعب بلا توجيه ولا شرح ونرهقه ذهنياً يقول المدربون الذين يفضلون توجيها مباشراً وعملاً مأتمتاً، غير أنه من المثير للإعجاب أن ترى بعض الفرق مبرمجة وواضحة المعالم فتستطيع أن تعرف أن هذا الفريق يدربه مدرب متمكن، ولو كان اللاعب روبوتاً لفاز بييلسا بكل شيء على حد قوله، وهنا محط النزاع!

لا يزال مفهوم الوعي واللاوعي والإرادة الحرة محل شد وجذب بين التجريبيين وعلماء النفس والفلاسفة، أنظر: [1] [2] [3].

دور المدرب

مع حقيقة المدرب تطورت أساليب كرة القدم وتشعبت وتفرعت، يقول أنخيل كابّا أن مستقبل كرة القدم يقبع في ماضيها، فالعديد من الابتكارات لها بذور زُرعت في الماضي، سارّي من ساكي والأخير من ميخلز، ميخلز من رينولدز وهكذا دواليك، الكل ينتسخ ويقوم بإضافاته ولمساته، وبتطور الأفكار والأساليب يتطور المدربون وتزدهر المدارس. وبتطور الكرة ومع الحداثة، أصبحت الفرق متشابهة مع فارق الجودة، ولكن ببقاء خصائص ومزايا البلدان وثقافاتها، الحديث هنا عن الفرق عموماً، فإذا كان الفريق الذي يبني اللعب بدءاً من الحارس سابقاً يشار له استهجاناً أو استحساناً، أصبحنا نستغرب الفرق التي لا تبني من الخلف، وهذا أمر إيجابي بحد ذاته، بغض النظر عن الجودة والكيفية والسبل. يبقى السؤال هل دور المدرب يتمحور حول الأسلوب؟ لا شك أن ثمة هموم مشتركة تجمع ما بين المدربين، كصنع توليفة ملائمة، تقوية الفريق بدنياً، تصميم خطة تدريبية، وإرساء الهدوء وضبط غرفة الملابس، على الرغم من ذلك فيصعب أن نضع تعريفاً موحداً يصف دور المدرب بالإطلاق.

في مقابلة مع بليزارد سُئل خوانما لـيـّو عن ماهية دور المدرب، مالمدرب؟ هو السؤال الذي طرحناه في المقال السابق، ولكن حتى خوانما لـيـّو لن يعطي إجابة شافية لمن يبحث عنها، إلا أنه ومن حيث المبدأ ستختار من سيلعب على حد تعبيره:

نتيجة بحث الصور عن ‪juanma lillo‬‏

ولكن أبعد من ذلك لن أحاول إطلاق دور، عطفاً على محدودية أهميتنا. هذه لعبةٌ تلعب بواسطة اللاعبين، ويبدو أن أولئك [المدربين] الذين يعبرون عن أهيمتهم يريدون إدعاء دور البطولة أو المكانة عبر الآخرين. دورنا أقل مما يريد كثيرٌ من المدربين إدراكه أو تصديقه. غير أنه ضمن تلك الحدود تستطيع رسم خطوطٍ عريضة لبعض الأمور، أولاً ينبغي أن تتحدث عن الفرق بين الصعيدين المهني والتكويني. ينبغي أن تسأل مالمدرب؟ بعضهم ديداكتيكيين أكثر، بعضهم لديه رغبة بطولية، فبعضهم أرثوذكسيين (تقليديين)، وبعضهم ليس كذلك. […] جميع المدربين محشوّون (أي يتشاركون) ببعض الأمور، غير أني أعتبر نفسي ديداكتيكي، أريد تبسيط الأمور بحيث يصبح اللاعبون واعين، وليس فيما يتعلقق باللعبة فقط. […] يجب أن تجعل اللاعبين واعين للأمور التي لا يروْنها، ليس أقل لأن اللعب كفريق يصعب شيئاً فشيئ في يومنا هذا”.خوان مانويل ليـّو

فلسفياً، يمكن أن نصنف المدربين على نوعين: الأول البراغماتي، وهو ليس بالطوباوي ولا يبحث عن الأسلوب ولا عن الكرة الفاضلة، مرن ويستطيع التكيف مع قائمة اللاعبين لديه، واستراتيجياً يستطيع التكيف مع الخصم. والآخر هو الأيدولوجي، وهو مدرب يمتلك أيدولوجيا (مجموعة أفكار ومفاهيم، أو عقيدة فكرية) يقوم بتطبيقها في أي فريق، تتطلب خصائص محددة. وعلى ذكر الخصائص فقد اتخذت هي الأخرى مساراً خاطئاً، فأي لاعب قادر على اللعب مع أي مدرب، ربما لن تجد مكاناً مع كلوب إذا لم تعطي أقصى ما لديك، يشاركه العديد من المدربين بذلك ولكن بإمكاننا أن نرى هنا أو هناك لاعبين لا يقدمون الكثير في الحالة الدفاعية، هذه المشكلة تتعلق بالتضحية والعطاء وليست لسبب كروي/فني محض. غير أنه جوهرياً، يا ترى مالذي سيقوم به لاعبٌ ما مع غوارديولا لن يقوم به مع سيميوني؟ غوارديولا يرغب بلاعب كرة قدم، ببساطة، ربما لأن القدرات التكتيكية والفنية والذهنية لم تعد الأساس في معايير كرة القدم التجارية المختلة، فازداد الطلب على “المحاربين” والعدائين وكثيرٌ منهم يمتلك إمكانات إدراكية/فنية متواضعة، ويجدون صعوبة في اللعب بمساحات ضيقة، وغالبهم حتماً ضحايا الفئات السنية، ذلك ما خلق نوعاً من التشويش وازدادت الحاجة للمدربين المعلمين/الديداكتيكيين –وهو غالباً صاحب فكرة وأسلوب- وهم أولئك المدربون الذي يعلّمون لاعبيهم المحترفين أساسيات اللعبة تكتيكياً، التمركز، توجيه الجسد، التخلص من الرقابة، استلام الكرة، التوقيت، الحركة والتفاعل وظيفياً مع الزملاء؛ كتبادل الأدوار أو شغل المساحات مؤقتاً إلى غير ذلك، تعليم كرة القدم متعلق بالأمور المغفلة بدعوى أنها اساسيات، هي بالعودة إلى الأسس، هذا ما يقوم به غوارديولا، سارّي، كونتي، بييلسا وغيرهم، أو في السابق مثل كرويف وساكّي وفان خال وآخرين. ذلك لايعني أبداً عدم وجودها لدى اللاعبين، أو وجود أي ميزة تكتيكية معينة، فكم من لاعبٍ انفجر وتألق مع بيب أو سارّي أو كلوب؟ الموضوع لا يتعلق بخلق موهبة، بل بالإضافة للاعبين، أو بإيقاد شمعة مطفأة، أو ربما الاكتفاء بوضع اللاعب بالمكان المناسب، الأمر متعلق بتوعية اللاعب كما يشير لـيـّو، فقد تتحسن تصرفاته تبعاً لذلك، “لا تتخذ نفس الموقع الذي يتواجد فيه زميلك، اضغط فوراً عند كذا وكذا” والأمر بالنسبة للمدرب المعلم عملي بالدرجة الأولى. وليس على خطى دزينغا عندما رغب بتغيير النظام الدفاعي قائلاً لمساعده المخضرم جيجي كانييه: “اخبرتهم أن يفعلوا ذلك”، فرد عليه كانييه قائلاً: “هذه الأشياء لا تقال فقط، بل يتم العمل بها”.

إن غاية مدرب مثل غوارديولا هو حل عُقد كرة القدم المتأصلة فيها قدر الإمكان، وذلك عبر تحديد الأدوار، بناء العادات؛ كاللعب بالمساحات القصيرة، اللعب بأقل لمسات ممكنة، أو حتى الاحتفاظ بها لدواعي معينة، فتصحيح الوضعية الجسدية، ذلك ما يجعل كرة بيب انسيابية وسلسة. بيد أن ذلك هو المنتج النهائي، فخلف هذه “البساطة” وليس “السهولة” عمل كبير، وقبل ذلك نظر ودراسة مستفيضة للعبة. كرة القدم كقوانين سهلة، ولكن أحد أكثر منغصات المدرب هو كيفية تبسيطها، فطبيعة اللعبة معقدة (تفاعل عناصرها العديدة في ذات الأثناء)، وتبسيطها يتجلى في محاولة فتح بصائر اللاعبين وتقليص عشوائية خياراتهم وسلوكياتهم، والأهم محاولة حسر العادات السيئة لدى اللاعبين قدر المستطاع، ذلك لأن التعقيد يزداد لأسباب تكتيكية فردية، حركة، أو استلام ليس بالصورة الصحيحة، أو رؤية متواضعة تجعل اللاعب يقوم بتصرف خاطئ أو أن يختار خيار تمرير خاطئ أو أن يتوقع توقعاً خاطئ… إلخ. إنما البساطة هي أكثر الأمور تعقيداً يمكن تحقيقه في لاعب كرة القدم، يقول دانتي بانزيري وهذا هو ديدن المعلم لأن هنالك العديد من المواهب وحتى النجوم يمتلكون نقاط ضعف وعادات سلبية يصعب عليهم الانفكاك منها عندما يكبرون.

إن استخدام أسلوب مثري قد يُبرز كذلك من قدرات اللاعب –كسبب- وليس فقط عبر أسلوبٍ كامل متكامل، فالكرة الفاعلة والتي تجعل اللاعب عضواً فعالاً فاعلاً قادرة على استخراج ما لدى اللاعبين، فكيف سيبدع اللاعب ويظهر ما لديه وفريقه يلعب بسلبية، كأن يقوموا بإرسال الكرات الطويلة نحو المهاجم، متخطين خطوط الفريق بالكامل؟ كيف سيبرز قلب دفاع يجيد اللعب بالكرة وفريقه يقوم بهذا الأمر؟ أو كيف سيلمع محور يُراد منه فقط افتكاك الكرات وعدم الاحتفاظ بالكرة؟ ستكون الكرة السلبية جناية لا تغتفر عندما تطبق على الفئات السنية. يتساءل الكثير لماذا الكرة في إسبانيا أو هولندا أو ألمانيا أو حتى بلجيكا –من بين بلدان أو مؤسسات هنا أو هناك- تنتج دوماً مواهب غزيرة، في الفئات السنية بالتحديد، إنما أحد الأسباب هي البيئة التي تشجع على الإبداع واستظهار الإمكانات، التحفيز على المبادرة وامتلاك الكرة، في الفعل والاستباق، وللحديث في ذلك شجون.

كذلك ينقسم المعلمون إلى نوعان: مدرب ديداكتيكي ومدرب دياليكتيكي، أمّا الديداكتيكي –تعني فن التعليم أو التعليم التوجيهي- فيأخذ بذلك صبغة تلقينية، إذ تُقدم الأفكار والمعلومات بشكل مباشر ومحدد للاعب، والتفاعل بين المدرب واللاعب أقل مما سيجده اللاعب مع المدرب الديالكتيكي. المدرب الديالكتيكي يميل إلى التعليم الجدلي، وبالحوار، وفي فسح المجال للاعبين بالتفكير بأقل املاءات ممكنة.

فان خال يمتلك نظرة جيدة لكرة القدم، ولكنها ليست نظرتي. فهو يريد لفرقه أن تكون فائزة، كما أن لديه طريقة عسكرية في تعليم تكتيكاته، أمّا أنا فلا، إذ أريد من الأفراد أن يفكروا بأنفسهم.

يوهان كرويف

كرة الهولنديان العظيمان كرويف وفان خال متشابهة، جداً، ولكن الأسلوب التعليمي/التدريبي يختلف بشكل نوعي، لم يكن كرويف يحبذ أنماط اللعب وتكرار الحركات والتمارين عدداً وشكلاً كفان خال، إذ كان أمْيل لتعليم الأساسيات التي ذكرناها، وقليلٌ من الأنماط والألعاب المركبة، بل يعتمد أكثر على الأنماط الحركية، يسير رالف رانغنيك على درب كرويف، فيشير في إحدى مقالاته أن فرقه تملك فقط نمطين أساسيين في الحالة الهجومية، الأمر شائع عموماً في المدرسة الألمانية الحديثة متمثلة في كلوب وتوخيل وناغلزمان وبقية الألمان، الأمر مماثل لدى الهولنديين وهم الرواد، كبيتر بوش وتين هاغ كأمثلة، الشيء ذاته شائع في بلجيكا والبرتغال وبعض البلدان أو أفراداً آخرين. هؤلاء المدربين يعملون بالتدريب الضمني، يطورون السلوكيات المرغوبة بالمباريات المصغرة والروندو أكثر، فيستخدمون سبلاً معينة لاستحثاث سلوك معين، وليس تلقينه مباشرة، إذ لا يفضلون أتمتة اللعب، بل يعطون إرشادات عامة، مبادئ أساسية، فيعوّلون أكثر على ذكاء اللاعب واستيعاب المغزى والمقصد، وليس عبر التحفيظ والتكرار. في المقابل ينتمي أريغو ساكي وفان خال كما أسلفنا للمدرسة الديداكتيكية، أسلوب تدريبي/تعليمي موجه، حرص على الهيكل والبنيوية، أنماط لعب وألعاب مركبة. وحالياً مدربين كبييلسا أو كغوارديولا وسيتيين وكونتي وسارّي وجامباولو وغاسبيريني وغيرهم، وهي أكثر انتشاراً في إيطاليا عن غيرها، ربما لطبيعتهم الأوركسترالية –كناية على تحكمهم بكل صغيرة وكبيرة- وهي ملحوظة في إسبانيا كما يقول راول كانييدا “الكل يجب أن يعزف من نفس الورقة“، وهذا ما يجعل هذه الفرق مميزة –أي قد تستطيع تمييزها- من بين عديد الفرق. ولا شك أن هناك طرقاً أخرى في التدريب، فهناك من يكتفي بتدريب اللاعبين بسياق المباريات، أقل تعليمياً، وهناك من لا يعلم قط، هناك من يهتم للفوز، وقدرات لاعبيه تحدد أسلوبه، هناك من يغرس بعض الأفكار ويفسح المجال للاعبيه في الابتكار، أما المدرب المعلم فهو أحوج إلى الوقت من غيره. كما أن المدرب الغير عابئ بالأسلوب وبالتعليم يمكن أن نضعه ضمن مدربي المدى القصير، حتى لو بقيَ سنيناً طويلة في نادٍ معين، فتغيرهم وتجددهم بتغير مواردهم علاوةً على حرصهم على الانتصار يطيل فترة بقائهم، بصرف النظر عن الأسلوب وجوده وعدمه، يفضل بعض هؤلاء الطرق المختصرة، إذ يتسمون بالإدارة أكثر وبالفنية أقل، فيدافع أمام القوي ويهاجم أمام الأضعف، يبادر أحياناً ويخاطر أحايينا، وهذه يقيناً لا تجعل للفريق نكهة، وهذه غالبية فرق كرة القدم اليوم، وفي عالمٍ يُأثر إبراز المحاسن والمفاتن، فرُبّ لقطةٍ لمدة 30 ثانية يتناقل فيها فريق ما الكرة كفيلة بإقناع السذج بأن الفريق س يلعب طوال الدقائق المتبقية هكذا، أو معاناة فريق باختراق خصمه وتدويره للكرة لخمسين تمريرة ستجعل من الهدف ممتعاً “بالضرورة”. ختاماً، العالم يطغى عليه التقليدية والعجلة في القيام بأي أمر أو عمل، الأسلوب هو الإبداع والاختلاف، على الرغم من ذلك، وجود الأسلوب أو عدمه لا يقلل من أي مدرب، لن يقلل من مدرب كمورينيو بمعرفته وفطنته بل وبتفوقه منهجياً في التحقيب التكتيكي، فالإعداد البدني لمورينيو متطور وعصري ويستحق صبراً وتقديراً. على أي حال، يصعب أن نضع المدربين بذات السلة، كما أن التصنيف ليس أمراً هاماً، إلا أنه ينبغي أن ننصف المدرب المعلم، العملة النادرة، فليس كل مدرب معلم كما يقول كرويف. ليس هنالك تعريفاً يصف بدقة ماهية دور المدرب، إذ أن هنالك أموراً مشتركة محدودة جرى ذكرها، عدا ذلك فالاختلاف ثراءٌ بينهم، في التعامل مع اللاعبين وفي التغذية، وفي تصميم التدريبات وفي الأولويات، أماً تكتيكياً فالمدرب لا يستطيع إلا أن يسيطر على القدر الذي يستطيع السيطرة عليه، بل يتعين عليه القيام بذلك، أمّا قرارات اللاعبين، والتعامل مع شواشية اللعبة، يعود بالنهاية للاعب، مراعين التبدل والتغير المستمر في حالات ووضعيات اللعب وفقاً للخصم والزميل والكرة والمساحة والتوقيت، أما المدرب فهو الموجّه والمرشد.

النظرية وجذور المدرب

تتمثل أهمية النظرية -والتي عرّفناها بأنها مجموعة المبادئ والمفاهيم للعبة- في تأطير عمل المدرب، وهي بمثابة أساسٍ صلب لبناء مشروعه ومنهجيته، إن عمل المدرب عملي/تطبيقي بمرتكز نظري، فلا عمل بلا مبادئ مشتركة محددة، ولا بأفكار ومفاهيم معينة قد تختلف من مدرب لآخر. لقد بحثنا في المقال السابق عن ماهية النظرية وكيف أنها صيغت منطلقين من اللاعب واللعبة، فنحن لا نكتب اللغة ثم نتحدث بها، بل نتحدث ثم نسن ونفتعل القواعد والنحو والصرف، فتتراكم مع مرور الوقت ويزيد هذا ويضيف ذاك، يتبحر أحدهم ويشرح غيره وهلم جراً، فيصبح لزاماً علينا أن ننهل ممن سبقونا، ويحق لنا أن ننتقد أو نعدل ونبدل دون جمود بحجة الأسبقية والأقدمية. لقد أخذ نمو وازدهار المصطلحات -والتي تستخدم في النظرية- في كرة القدم متزامناً مع انتشار اللعبة ورواجها، ولا يمكننا أن ننكر دور الصحافة في إطلاق المصطلحات والمسميات؛ ولعل أبرز الصحفيين جانّي بريرا، أو أيفان شارب الذي أطلق مصطلح المركزية positional play منذ ما يقارب السبعين عاماً، هذا المصطلح انتشر لدينا فقط عندما بزغ نجم بيب غوارديولا، ثم أصبحت تتناقله الألسن بتفسيرات مختلفة ومتنوعة، وسطحية غالباً. يمكن اعتبار المصطلحات على أنها استعارات حاجتنا لها تنطوي على توفير الوقت، فبدلاً من أن نسهب سنقتضب، خذ مثلاً: الفريق س يدافع بدفاع المنطقة، هذا المصطلح “دفاع المنطقة” ينطوي على تعريف ومبادئ وأسس وتفاصيل، ينبغي شرحها بإطناب بيْد أننا سنستخدم مصطلح؛ والمصطلح يُقصد به رمزاً لغوياً –تم الاتفاق عليه- للدلالة على مفهوم أو فكرة معينة. فعندما نقول بأن فريق س يدافع بدفاع المنطقة فستعرف فوراً أنه ذلك النظام بمبادئه وأسسه وتفاصيله، وقد يختلف التأويل من ثقافة إلى أخرى ولكنه سيحظى بنفس المبادئ الأساسية. تحظى الصحافة بقوة تشكيل الرأي العام أو تشكيل وعي الجماهير، ولكن للأسف، في الوقت الراهن انحدرت مهنة الصحافة أكثر فأكثر وهي أساساً سلاح بحدين، فتشكيل الرأي العام له وقعه إذا لم يتحلى الصحفي أو الكاتب أو المعلق أو حتى ما يُسموْن بالمؤثرين في وسائل التواصل بمعرفة وحِدّة رأي، ذلك لأنهم سيرسخون للصور المسبقة ويرسخون لمصطلحات مبتذلة هلامية ومطاطية، ولكن طالما أن هناك مشترين فلن يكف باعة الهواء عن تجارتهم طالما وصلوا لسمعة حققوها عبر تماهيهم مع الجماهير، لا لحدة آرائهم ولا لحكمةٍ فيهم.

عودٌ على بدء، إن النظرية ذات أهمية بالنسبة المدرب، اللاعب لا شأن له بذلك، إذ كلُ له دور، ربما نستمع كثيراً لبعض اللاعبين ينتقدون أفكار المدربين أو طرقهم ومنهجياتهم التدريبية، واللاعب له حق النقد لا خلاف، لكن أخذ ذلك على محمل الجد ليس صواباً. ذلك لأن معظم اللاعبين غير واعين ولا مطلعين ولم يصلوا لما وصل إليه كثير من المدربين معرفياً، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه قد لا يكتنف نقدهم شيئاً من الصواب. مثلاً، في الفئات السنية يُعرض اللاعبين عن الحضور للتمارين بسبب رتابة الحصص، تمرين استلام وتسليم بلا خصم، أو جري بلا كرة وإلى غير ذلك أو ربما يتركون النادي بسبب الإفراط في النظام ومعاملتهم كمحترفين. المفارقة أن بعض الأطفال الذين يشتكون من ذلك سيقومون بذات الأمر عندما يكبروا ظناً منهم أن هذا هو الصواب وتلك كانت مصلحتهم، فهذا ما وجدوا عليه مدربيهم. فالعقل يحتله الأسبق إليه كما يقول إبراهيم البليهي، إذ سيعمل كما تعلم، ولن يبدع ويبتكر ويخرج عن النسق، ببساطة لأنه لا أحد يفتقد لما يجهل، فعندما لا تتجشم عناء البحث لن تجد، وعندها ستكرر ما تعلمت وسنظل في حلقة مفرغة.

بدأت كرة القدم (النظامية) بفريقين كل فريق يحتوي على 11 لاعباً أو هذا ما استقرت عليه، اللاعبون هم من أسسوا الفرق، فلا مدرب ولا رئيس ولا مدير ولا معدين بدنيين ولا مدلكين ولا أي شيء من هذا القبيل. كان الفريق يقاد ببساطة عبر اللاعب الأكبر سناً، أو أكثرهم كاريزما حتى بدأت الإرهاصات الأولى للمدرب قبل نحو 100 عام وقد سبق ذلك لجنة فنية تنتخب اللاعبين في لتمثيل البلاد؛ إيطاليا على سبيل المثال. كان المدرب مديراً أكثر من كونه فنياً، يختار اللاعبين، يوجه توجيهات شفهية ربما أكثر أو أقل. مع دخول اللعبة عالم الإحتراف وبتزايد المتابعين والجماهير والمراهنات، أضحت اللعبة استثماراً فتنافس الفرق لجذب المتابعين عن طريق استقطاب اللاعبين المميزين لنيل الألقاب مع انفصال كرة القدم كمهنة بحد ذاتها، تبلجت أدوار ومهن أبرزها بعد اللاعبين دور المدرب. تطور دور المدرب التطور الذي نراه اليوم، بالرغم من أن وجوده يعد نوعاً من أنواع الترف، خاصةً إذا علمنا أن أي لعبة تنطوي على تنافس بين فريقين تتطلب تكتيكات واستراتيجيات، وهي التصرفات التي يقوم بها اللاعب عكس تصرف خصمه، أو أن يستغل هفواته، فوجود المدرب من عدمه لن يغير من هذا الشيء، فالمدرب لا يُوجد ولا يخلق التكتيكات. يمكن أن نضع متخصصين بدنيين للتقوية ولتطوير اللاعبين بدنياً، يمكن أن نضع لاعباً سابقاً بمهارات إدارية لإدارة الفريق، كشافين يجوبون الشوارع والأندية الصغيرة لاستقطاب المواهب، فجميعنا يقدّر جودة ميسي، ولسنا بحاجة إلى نظرة ثاقبة لتمييز موهبة، بل تكمن الصعوبة في التنبؤ بموهبة أحدهم، أو تمييز القدرات الذهنية/الإدراكية للاعب كبوسكيتس والذي لا يقدره إلا الخاصة.

نعم بإمكان كرة القدم أن تعيش بلا مدرب. وما المدرب؟ هل وأن عملية التدريب تتطلب موجه خارجي؟ أم يمكن أن تكون عملية ذاتية؟ بالضبط مثل عملية التعلم، والحق أن العديد من عباقرة التاريخ في مختلف المجالات كانوا متعلمين ذاتياً، فلا معلمين ولا مدرسة كان لهم يد في منجزاتهم، وهنا تكمن المشكلة أقصد في توهم دور البطولة عند كثير من المدربين، إذ ينسبون الفضل لأنفسهم في نمو أي لاعب، حتى لو كان نمواً طبيعياً، ودور البطولة الموهوم هو المعوق الرئيس لنمو اللاعبين الصغار على وجه الخصوص، فالبعض يريد تطبيق أساليب وخطط واستراتيجيات يكبح فيها انسيابية اللعب وعفوية اللاعب، الضرر سيكون أشد وطأة إذا كان المدرب مهووساً بالفوز، الهوس بالفوز هو ضار أيضاً لفرق الكبار، أعتقد أن المدرب الذي لا يرغب إلا بالفوز لن يقدم شيئاً للاعبيه، ربما هو من يريد أن تتمحور حوله الأمور، يريد أن يجعل اللاعبين أدوات لإشباع نرجسيته، بالرغم من أنه لن يرمي حتى رمية تماس في المباراة! إذاً لماذا كل هذا؟ أليس وجود المدرب للمساعدة ولمد يد العون للاعبين كأفراد أولاً وكمجموعة ثانياً؟

في الحقيقة ليس كل اللاعبين بحاجة إلى ذلك، توماس توخيل أشار ذات مرة إلى أنه قد سمع أحد مسؤولي الفئات السنية في برشلونة يقول عندما انضم إينييستا للأكاديمية: لا تحاولوا تطويره، فقط اعتنوا به. خوانما لـيـّو يعتقد أن دوره يتمثل في توعية اللاعبين وفتح أعينهم ليروا ما لا يرون. بييلسا، من جهته يؤمن أنه موجود لأن هنالك لاعبين يحتاجون للمساعدة وليس الجميع، هناك لم يظهر مكامن القوة فيه، هناك من لم يصل لذروة مستواه، البقية يمكن أن تكون مشكلتهم فقط وظيفية؛ أي في خدمة الفريق. لا شك دور المدرب هام هذا اليوم -وسنتحدث عن ذلك لاحقاً- ولكن ينبغي تخفيف الهالة المقدسة نتيجة التصورات الضبابية حول طبيعة عملهم، الطامة الكبرى عندما نقوم باستنتاج مبني على قياس استقرائي، وهو استقراء يتم فيه تعميم الحكم بناءً على ما يقوم به البعض، كأن نقول أن أسلوب المدرب فلان يختلف عن أسلوب غوارديولا، ولكن هل بالضرورة أن المدرب فلان يمتلك أسلوباً؟ وقس على ذلك في بقية الأمور فليس كل مدرب يمتلك منهجية أو يستند على نظرية أو خلفية معرفية، حتى لو فازوا بجميع بطولات الدنيا.

النظرية في كرة القدم

لا نستطيع حقيقةً سن تعريف جامع مانع للنظرية، ففي كل حقل ومجال تختلف درجة أهميتها، فالنظرية العلمية –على سبيل المثال- ليست عبارة عن وجهة نظر كما يسود، وإنما تبنى النظريات بخطوات تبدأ بمسلمات أو تسمى “بالفرضيات” علمياً وتستخدم كمقدمات صحيحة، تؤدي تلك الفرضيات إلى استخلاص تنبؤات يتم إخضاعها للملاحظة وللتجارب، وأخيراً يضع الباحث استنتاجاته، وعلى ضوء ذلك قد تبقى فرضية في حال لم تتم برهنتها أو تُعتمد كنظرية فعلاً إذا لبت الشروط. تسمى تلك الخطوات بالمنهج العلمي/التجريبي، أين تُختبر وتُجرب الفرضية مراراً للوصول “للتفسير الأفضل” لشرح ظاهرة معينة، كنظرية نيوتن في الجاذبية والتي تفسر ظاهرة سقوط الأجسام، شريطة أن تكون مؤيدة بمجموعة من الأدلة، علاوةً على الاعتراف بعدم دقتها إذا أثبتت التجارب عكس ذلك دون خجلٍ أو مواربة، كالنظرية النسبية لأينشتاين التي قوّمت نظرية نيوتن، فلم تعد الجاذبية قوة بل هي منحنى في الزمكان. إن النظرية العلمية المتماسكة لا مجال لتفنيدها أو الطعن بها أو تعديلها إلا عبر أدواتٍ مماثلة، أي ببراهين تجريبية ومعادلات وحسابات. إن النظريات العلمية أو الفلسفية -وهي السباقة لذلك- تبدأ بتساؤلٍ وفضول؛ لماذا هذا؟

لا، كرة القدم ليست كذلك، فالنظريات في كرة القدم –إن صح لنا قول نظريات- هي بدرجة أدنى بكثير من النظريات العلمية الغير خاضعة للحدس والرأي والتفضيل والذوق، أو أي خلفيات مسبقة. فالنظرية العلمية ينبغي أن تكون بمنتهى الموضوعية، وكرة القدم من حيث هي لعبة -في تحليلها وتدريبها- فيها مكان للذاتية، أي في الرأي والتفضيل والتأويل، وهي التي بدورها تشكل الأساليب، وذلك ما يجعلنا نعي أن كرة القدم ليست علماً أبداً.

ولدت التكتيكات من المشاكل التي أظهرتها اللعبة من جهة، ومن الحلول التي يوجدها اللاعب لتلك المشاكل من جهة أخرى، وكل ذلك انتقل إلى المجتمع. فالأصل هو اللعبة واللاعب.

خوانما لـيّـو

إن الكثير من الحلول والابتكارات والتصرفات تنبُع من اللاعبين أنفسهم، أي أنها كامنة فيهم والنظريات لا توجد شيئاً من العدم، بل هي تحليل لتلك الحلول، وتفسيرات مختلفة لحالات مختلفة، باحثين عن أسبابها ونتائجها، ومن ثم سنستخلص الأفضل، وبناءً على ذلك تبنى النظريات. أؤكد لك قد ترى بعض السلوكيات الفردية والألعاب الجماعية في مباراةٍ ما قبل 50 عاماً. إذاً، فالعملية تبدو هكذا: رصد ومشاهدة مشكلة/سلوك معين، تكرر لهذه المشكلة/السلوك، ومن ثمَّ نضع حلولاً لها أو نعتمد ذلك السلوك الجيد، كلٌ حسب رؤيته، بمعنى أننا نستنبط تصرفات معينة لدى لاعبين معينين (الأفضل بلا شك) أو أنماطاً جماعية تتكرر في فرق معينة، مقصودة كانت أو غير مقصودة نحللها ونستوعبها ونقارن بين سلوك وآخر، وحركة وأخرى. فنيوتن لم يخترع الجاذبية، بل حاول تفسير سقوط الأجسام بعد التأمل وتسجيل الملاحظات والقيام بالحسابات، ولا شك أن هناك من سبقه بطَرَق هذه الظاهرة، لأن المعرفة تراكمية ولا أحد يخترع شيئاً من العدم على غرار أرخميدس “وجدتها!” وكذا في كرة القدم، فالنظريات صيغت بناءً على الملاحظة والمشاهدة أي مثلاً عندما يضغط الظهير على جناح الخصم فنجده تلقائياً يضع ظهره للمرمى، وهذا هو السلوك الطبيعي، ومن يشذ عن ذلك ينبغي تقويمه، غير أن ذلك لا يجعلها بديهية، بل يدرسها اللبيب، ويرى الأصوب فيحللها المحلل ويعلمها المدرب للاعبيه، هذا لأن الشغل الشاغل للمدرب المعلم هو التصويب في الوضعيات الجسدية وفي التمركز السليم، في التخلص من الرقابة وفي التوقيت كمثيرات الضغط، وكانكشاف الكرة لطالب الكرة وغير ذلك. ومن رؤية المدرب وتفسيراته سنجد تفضيلات، وبالتالي سنجد -كما أسلفنا- أنظمة وأساليب مختلفة، توزيع لاعبين مختلف على أرض الملعب، نوعية لاعبين مرغوبة لدى كل مدرب. وهذا ما يجعل كرة القدم بلا حقيقة نهائية، وليس ثمة أسلوب صحيح، بل هي لعبة واللعبة -أيّأ كانت اللعبة- لا صواب فيها إلا للقوانين وقليلٌ جداً من المبادئ الأساسية، وبعض المبادئ تحكمها القوانين، أما الأساليب والأفكار والأنظمة الدفاعية والخطط فنسبية وتحتمل تعددية الصواب، وليست محتكرة لأحد. إن الخطط (4-4-2، 3-4-3 …الخ) واستخدام لاعب بدورين لكل مرحلة وبعض وأنماط اللعب، والأنظمة الدفاعية وسكيمات وألاعيب الكرات الثابتة هي حيزٌ ضيقٌ في أن تُبنى النظرية قبل التطبيق، وتلك النظريات ستبقى رهن التجربة والاختبار في التدريبات حتماً وقد تُصمَم أحياناً وفقاً لثغرات أو عادات سيئة لدى الخصم.

تجربة بدون نظرية عمى، ونظريةٌ بلا تجربة مجرد لهو فكري

إيمانويل كانْت

كروياً، لا يمكن أن نطلق وصف نظرية على لعبة مركبة (لعبة تتألف من عدة لاعبين)، نعم هنالك جانب نظري لشرح الفكرة للاعبين، شفهياً، أو بالسبورة أو أي لوح أو حتى باستخدام أي تقنية، ذلك لأن النظرية لها معنى أشمل فهي مجموعة من الأفكار و المبادئ والمفاهيم المترابطة، والتي بدورها تشكل أسلوب أو نظام دفاعي، أو حتى منهجية تدريبية تعليمية أو بدنية. يتلخص عمل المدرب تكتيكياً وفنياً بالنظريات التي سيختبرها على أرض ملعب التدريب، فبلا نظرية مالذي سيطبقه المدرب؟ العفوية والغريزية أمر جيد لكنها ليست للمدرب، ولذلك نجد كثيراً من المدربين لا يستطيعون تقديم شيء للاعبيهم سوي الجري والأقماع المتناثرة هنا وهناك وآخر ما يقومون به هو أن يلعبوا بالكرة أو أن يقتصوا حالة من سياق اللعبة ويتدربوا عليها. قد تكون العفوية نتيجة التمرس النظري عبر القراءة والمشاهدة والتحليل المكثف للعبة ثم التمرس العملي عبر اللعب وليس بالضرورة كمحترف، وليس بالضرورة أن تكون جيداً، فساكّي لم يكن جيداً للعب في فريقه الهاوي، ولعل خوانما لـيـّو بحكمته سيفسر الأمر: قدمي وعقلي لا يتّفقان! ولكن أن تضع نفسك مكان اللاعب وتتفاعل مع اللاعبين وتنبعث مشاكل تتطلب حلولاً قد يُنشئ حساً وذكاءًا تكتيكياً، وذلك ليس بالهين، بل تتطلب تفكيراً نقدياً وعقلاً مولعاً فضولياً باحثاً ومحاكماً ومسائلاً. وبعدئذٍ في التمرس بالتدريب، ذلك لأن العلم في الراس وليس بالقرطاس، النظريات الكروية -في معرض حديثنا أو المماثلة لهذا الحقل- تصاغ من العقل عبر الملاحظة والنظرة الثاقبة ووضع احتمالات وأخيراً في الرأي، إن استخدام الكتابة -في أي مجال- لهي وسيلة لغاية ترتيب الأفكار وتنسيقها بوضوح واقتضاب، من الأولويات إلى الثانويات، من الكبائر إلى الصغائر دون استطراد ونزوح عن الموضوع المراد. ولا مبالغة إن قلت أن أفضل المدربين سيكتب لك أسلوبه بعدة ورقات، إذ يستند على مبادئ محددة وفرعيات محددة وطرق تعامل لكل حالة ومرحلة لعب، فيذهب لتدريباته بوريقة تذكيرية، وحرص على الإطار والأحمال البدنية مقداراً وشدة، دون نسيان المساعدين الميدانيين فكلٌ له مهمة، المساعد والمعد البدني والمحلل التكتيكي ومدرب الحراس. وذلك عائدٌ إلى أن الغالب في كرة القدم هما الجانبين المرئي والعملي؛ أما المرئي فهو في الشرح بالفيديو، تحليل الفريق، الخصم، الأفراد …الخ، طبعاً مع اتخاذ أقصى الاحتياطات وتمرير بعض الأوراق أو اللقطات للاعبين. ومن ثم هنالك الجانب العملي، كأن يقوم المدرب بشرح التصرف المرغوب به بنفسه، تصميم التدريبات بعناية وجودة، التغذية الراجعة من المدرب في التدريبات، فكرة القدم معقدة عملياً، وللمرة الألف فيها الكثير من اللاتنبؤية والحالات التي تقف أمامها حائراً كقص روبن للعمق دون القدرة على إيقافه، إن كرة القدم ليست معقدة نظرياً والكثير من النظريات المزيفة والتحاليل المفرطة لن يجعلها كذلك. المدرب المميز ليس جيداً لأنه يكتب أو يقدم عروضاً تقديمية ومحاضرات، بل لأنه يعمل ميدانياً بشكلٍ جيد ومشهودٌ له من الخبراء والعارفين، ومن ثمَّ سيلقى طلباً لشرح ومشاركة أفكاره مع الطامحين لهكذا مهنة، تتفق مع أسلوبه أو لا هذا أمرٌ آخر. وإذا قيل “فلان” مدرب نظري بينما عديد المتابعين والمدربين يحللون فرقه، وعديد المدربين والمتدربين يصطفون لمتابعة تمارينه ((تطبيق)) منطلقين من جودة لعِب فرقه ((في المباريات)) فذلك يؤكد لي أن مقالة ذلك تعني عدم استيعابٍ للنظرية ولا للتطبيق ولا لكرة القدم، ولا لوجود طريقة استدلال وتفكير سليمة.

مارتن أØدِغارد

تستطيع أن ترى أنه يمتلك لمسة أولى جيدة، رؤية جيدة كذلك، لذا فلن يقع في فخ سرعة اللعب، وهذا هو الجيد فيه، إذ تستطيع أن تضعه في أي مستوى وسيتكيف […] ليس بالقوي –جسدياً- كفاية لكنه يستطيع مدارات ذلك، لأنه يصعب قبضه، إنه يمتلك هذه الرؤية.لقد كانت لدي خطة لتدريبه منذ أن كان في الخامسة من عمره، فدربته على الرؤية والتكنيك دائماً بالكرة. أن ترى شيء ولكن أن تفهم وتقوم بردة فعل شيء آخر.

اللاعب السابق والمدرب هانز إيريك والد مارتن.

كان أساسياً في فريقه سترومسغوديست، بل وتم اصطفاءه للمنتخب الأول فقط بسن الخمسة عشر عاماً، مارتين أوديغارد كما عنونت josimar.no هو حصيلة تراكمية، وساعات وساعات من التدريب، ففور خروجه من المدرسة يهرع لركل الكرة، وحيداً إن اضطر إلى ذلك. رأى والد مارتن أن ابنه يمتلك حساً ولمسة ولكنه يزعم أنه لو لا التدريب والممارسة لما كان على حاله اليوم، امتلك مارتن لحسن حظه والداً يعي ويدرك كيف يقضي ابنه تلك الساعات، فليست القضية فقط بالكم وإنما بالجودة. والكم لا شك أمر مهم للصغار إذ يرى هانز إيريك أن الموهبة ليست كل شيء (أو بالأحرى هناك من يرى أن لا موهبة بل هنالك قابليات تتشكل وراثياً وبيئياً؛ وهذا مبحث فلسفي معقد: الطبع والتطبع). يرى كذلك أنه استطاع تعليم ابنه مهارات إدراكية مغفلة كفحص ورصد المحيط عند اللعب، في أن يلقي نظرات خاطفة لما يحتجب عنه بغية الاحتفاظ بالنسق أو رفعه، إذ يقرأ مارتن اللعب بسرعة وهو الأمر الذي أهّله لأن يتفوق على أقرانه بسن مبكرة. ناهيك بالطبع عن أن والد مارتن حرص على أن تحتوي كل تمارين الصغار –وابنه في معرض حديثنا- على الكرة، من الإحماء حتى آخر رمق، وذلك طمعاً في أن يلمس الأطفال الكرة بشكل كثيف فتعدو جزءاً من أجسادهم.

امتلك الصبي المولود في درامن ولحسن حظه أبوان سعيا وساهما في اقتطاع قطاع لناديهم المحلي للعبة كرة القدم وقاموا مع بقية أهل المدينة في بناء مرفق وملعب ذو عشب اصطناعي ليمارس طفلهم وأطفال البقية ممن يقطنون المدينة لعبتهم المفضلة، بل ودرب هانز إيريك أوديغارد هذا النادي. كان مارتن يفوق بقية الصبية وهذا ما كان ملحوظاً منذ وقتٍ مبكر، ففي سن الـ12 كان بالفعل ينافس صبية الفئة ما دون الـ16، “يتعامل مع الأمور ببراعة، قرارات جيدة، لمسة جيدة، ذكي في التمركز” أحد مدربيه في الفئات السنية. ذاع صيت مارتن وبدأت الأندية ترسل كشافيها، تطور الأمر وصار يتدرب مع أندية كمانشستر يونايتد والسيتي وبايرن ميونخ، ولكن بعد تنافس فاز ريال مدريد بتوقيع النرويجي الأشقر بداية عام 2015. أعير صاحب الـ21 عاماً عدة إعارات بعد تمثيله الملكي الثاني ‘B’ حيث ساهمت أندية هيرينفن وفيتيسه بنمو اللاعب وحصوله على دقائق لعب يستحقها، أما الآن فنجمه يسطع في اللاليغا بأزياء النادي الباسكي ريال سوسيداد.

لعب صاحب القدم اليسرى في بداية مسيرته القصيرة كجناح أيمن حيث يبرع في القص عرضياً وركن كراته أو مفاجئة خصومه بالبينيات. لاعب مثل مارتن، بجودته التي تمكنه من اللعب في أي مركز في الخطوط الأمامية عدا رأس الحربة -التقليدي إن شئت- من المكسب حقيقةً وضعه في عمق الملعب سواءً كصناع ألعاب أو لاعب وسط داخلي (مركز 8#) يسقط باستمرار للمساعدة في إخراج الكرات من الخلف، يتغلغل بين خطوط الخصم ويرفع النسق من الأسفل إلى الأعلى بإدراكه وتمييزه للمساحة والتوقيت.

بارع فنياً، يمتلك تحكماً مميزاً بالكرة، كما يمتلك لمسةً جذابة علاوةً على الغاية والمقصد من التكنيك. متمكن في المساحات الضيقة إذ تتوافر لديه الشروط الفنية الآنفة الذكر، جودة اللمسة، وتكتيكياً في حماية الكرة غالباً بلا صراع بدني مستخدماً إيماءات جسدية للتخلص من خصومه. يرى دائماً للأمام ويبحث عن التمريرة الكاسرة الخارقة للخطوط أو الحاسمة، يرفع النسق بمجرد استلامه للكرة فيما بين الخطوط، أو يهبط النسق وفقاً لحالات أخرى. هذه الخصائص تمكنه من اللعب في أي فريق وأي أسلوب، استحواذياً طامعاً للهيمنة والتحكم في الرتم، أو فريقاً يتوق لتخطي الخصوم فورياً وعمودياً، أو حتى فرقاً مباشرة تتّكل على التحولات إذ أن احساسه العالي بالمساحة وقدرته على طوي المسافات فور استلامه للكرة سلاح فتاك في الهجمات المرتدة، وهذه إحدى مسوغات إيمانول ألغواثيل لوضعه خلف خط وسط الخصم عندما يدافع ريال سوسيداد كما سنرى. يضع حالياً ألغواثيل الموهبة النرويجية في الجانب الأيمن من ثلاثي الوسط 8#، مع دخول بين الفينة والأخرى لعمق الملعب خلف المهاجم (مركز 10#) خصوصاً في الحالة الدفاعية عند الضغط عالياً.

لمسته الأولى خداعة مع اقتراب الخصم، يستخدم جسده جيداً لإتاهة خصمه. مسار دحرجته للكرة محسوب بدقة عند الدوران تحسباً لمن خلفه.
علاوة على قدرته على اللعب بالمساحات الضيقة، فالقص للداخل ولعب البينيات سمة أصيلة فيه.
خذ وهات، 1-2، give & go مرر وانطلق، اسموها ما شئتم، بوضوح هو متخصص بهذه الحركة. هي حركة يصعب الدفاع ضدها، ببساطة يمكنك مراقبة سلوك المدافع/المدافعين القريبين من الكرة، ففور أن يقوم اللاعب بإطلاق التمريرة الأولى، نرى أن أعين المدافعين تذهب إلى حيث تكون الكرة، فيقدون الرؤية للاعب المنطلق لجانبهم المحجوب.
استلام موجه control orientado ( بالإضافة للخذ وهات يمكنكم ملاحظة هذه التصرفات في اللا ليغا بكثرة -ثقافة تُزرع منذ الصغر- هذا ما يجعل اللعب دائماً سلس ومنساب)، ذلك مرتبط برؤيته وتمركزه وتوجيهه لجسده قبلما تصله الكرة.

عند مراحل بناء اللعب الأولى، وعندما تكون الكرة لدى الظهير يميل أودغارد للتحرك نحو خط التماس وأمام الظهير وخلف اللاعب الضاغط على الظهير، فاتحاً مخرجاً ومسار تمرير ومحرراً نفسه من اللاعب الملازم له. ذلك أيضاً قد يفتح مساحة ومسار تمرير نحو المهاجم.

مارتن لا يختبئ وحسب في ظل لاعبي وسط الخصم -كناية على أنه يتمركز بين الخطوط- وإنما سيبحث عن التحرر وعن فتح مسار وزاوية التمرير لنفسه مستغلاً انعدام الرؤية للاعبي وسط الخصوم.
مع اكتظاظ المساحة عند تقدم مرحلة بناء اللعب، سواءً بلاعبي الخصم، أو حتى لعدم التداخل مع الزملاء، يتأرجح مارتن للخلف طمعاً في التحرر، يمكننا ملاحظة هذا السلوك في مختلف مراحل اللعب عندما تكون الكرة على طرف الملعب محافظاً على تشكل المثلث في الطرف مع الجناح والظهير، ومن ثم عبر مراوغته من الخلف أو حتى للقيام ببينية أو ثنائية خذ وهات.

اللاتنبؤية إحدى أهم سمات مارتن، إن أفضل الفرق هي التي تملك لاعباً أو لاعبين يضفون عنصر المفاجأة للعب فرقهم. نلاحظ بجلاء التمريرة المموهة/disguised pass في اللقطات الأولى أين يكون توجيهه الجسدي وعيناه نحو لاعب فيمررها للاعب آخر كان قد تحرر بسبب حركة أو وضعية حامل الكرة. وعلاوة على ذلك فقراراته المسبقة -مع احتفاظه بمراقبة تطور اللعب- قوية، إذ نلاحظ قدرته على اللعب بلمسة إن تطلب الأمر.

في الثلث الأخير يستغل أودغارد دخول وانجذاب مدافعي الخصم مع المهاجم والجناح لمهاجمة المرمى عبر طلبه للكرة على مشارف منطقة الجزاء، باحثاً عن عرضية مبكرة -كما في الهدف ضد أتليتكو- أو عبر عكسية/cut back.

ليس بقاطع الكرات العظيم ولا يدخل بمنازلات واحتكاكات بدنية ولكنه يتميز بقطع مسارات التمرير، عقف وتقويس حركته عند الضغط، بالتالي يستطيع التعامل مع لاعبان في ذات الأثناء.
أمام برشلونة كان أكثر حرصاً على منع بوسكيتس من الكرة.
نلاحظ دفاعياً أنه يشكل الخط الأول للضغط بالقرب من المهاجم، نجده ملازماً لمحور الخصم ويضغط على قلب الدفاع عندما يأمن ظهره بسد مسار التمرير نحو المحور.

من خلال تمركز أودغارد -تحديداً- بعمق الملعب وخلف خط وسط الخصم يتمتع سوسيداد بارتداد سريع عبر تسارع مارتن وتغييره للرتم. بإمكانك أن ترى في اللقطة الأولى أين كان يلتفت/يتفحص، إذ يبدو متيقناً من المساحة أمامه ولكن المشكلة فيما يجري خلفه. كما يمكن أن نرى في الثانية 32 أن الحاجة أم الاختراع، مارتن دار مستخدماً كعب قدمه يبدو وكأنه تكنيك جمالي إلا أن وضعيته الجسدية لم تكن بالشكل الأمثل، ذلك ما جعله يضرب عصفورين بحجر، فلا داعي لأخذ الكرة خطوة للأمام (نحو مرمى فريقه) ذلك لأنه سيخسر وقتاً وربما مساحة.

قبل الختام، لا يوكل ألغواثيل مهام جوهرية لجوهرته السكندنافية على مستوى الكرات الثابتة دفاعياً، إذ نجده بعيداً عن مناطق الخطر، حيث ينحصر دوره في ركلات الزاوية على تبوء المنطقة التي قد يستهدفها الخصم للعب عرضية أرضية، أمام القائم الأول على آخر أمتار منطقة الجزاء، وكذلك سيزيد عددياً عند لعب الخصم تمريرة قصيرة (2 ضد 2)، في حين يقف في الكرلات الثابتة الجانبية كلاعب أول في الخط الأول، ومسانداً كذلك حال لعب الخصم كرة قصيرة. أما هجومياً فهو المنفذ الرئيسي للركلات الثابتة غالباً وللركلات الزاوية في الجهة اليمنى خصوصاً.

أمّا مواطن التحسن فقليلة؛ الكمال لله، لو رمنا تحسّن مارتن في النقاط التي لا يجيدها كالاحتكاك البدني، أو الكرات الهوائية التي لا يشارك بها لربما أصبح ملاكاً لا يخطئ، ولا يجب أن يكلف أو يطالب اللاعب إلا ما يسعه تقديمه، غير أن محاولة الكمال فضيلة بحد ذاتها، فنجد مارتن في الثلث الأخير متعجل أحياناً، يسدد برعونة، حتى بينياته عندما يقترب من المنطقة مسرعاً ليست بتلك الدقة، ثم مشكلة التمركز -الملازمة لريال مدريد- ولو أنه لا يكررها كثيراً كنزوله عند قلوب الدفاع.

2,7 مراوغة ناجحة في المباراة الواحدة، 84,7% معدل التمريرات الصحيحة للمباراة الواحدة، 2,8 تمريرة حاسمة/key pass، تمريرات بينية بمعدل 0,3 في المباراة الواحدة. في الحقيقة لا تشي هذه النوعية من الإحصائيات بشيء، فحتى التمريرات البينية لها شروط وفقاً لـ whoscored (يستقي البيانات من opta) إذ يجب أن تمر التمريرة بين مدافعين من خط الظهر، في حين تُغفل بقية التمريرات البينية والكاسرة للخطوط والتي تعطي الفريق تفوقاً وتقدماً نوعياً في الهجمة، تغيير النسق بعد الاستلام فيما بين الخطوط، الاستلام الموجه، توفره كخيار أفضل للتمرير للأسف ليس لها مكان في هكذا إحصائيات.