ما بين الضمني والمباشر

تنطوي مهمة المدرب على تقديم عصارة معرفته للاعبين، على شكل تمرين يحاكي واقع اللعبة، ويحاكي تعقيدها، ومساحاتها الضيقة وتداخل عناصرها. وكذلك على شكل تمرينٍ يستثير في اللاعب التفكير، وينمي سرعة قراءته للعب وقدرته على ربط الأمور ببعضها، وبلا شك بدرجة من التنظيم وتحديد الأدوار، لأن الفرد بالنهاية جزء من فريق ونموه ينبغي أن يكون ضمن السياق الجماعي، أما صولوهات العزف المنفرد فهو أمر يعود لقدراته طالما لم ينشز، وطالما بقي في إيقاع ونسق الفريق. على رأي مينوتي: “عندما يقوم اللاعب بمغامرة أو لعبة فردية، يجب أن يكون مستعدًا للعودة إلى إيقاع الفريق عندما تنتهي تلك المغامرة، سواءً انتهت بشكل جيد أو سيء، لا يهم.”

تتضمن عملية التدريب/التعليم قدراً من التوجيه المباشر وقدراً من التعليم الضمني، يتباين المدربون في تقديم الأولوية لأي من النوعين، فجميع المدربين يقومون بقدرٍ من التلقين والإملاء، لصالح الجماعية وتقليص اللايقينية/الإرتياب، بحيث يكون اللاعب واعياً عارفاً بمركزه ودوره في حالات اللعب الحية أو الميتة، وكذلك في النقاط المرجعية التي يرتكز عليها في قراراته أو في الإرشادات العامة، الأساسيات التكتيكية؛ الوضعية الجسدية والتمركز والتوقيت، أو حتى بتصرفات قد يتم التغاضي عنها كالبقاء على الخط الأخير للاعبي خط الدفاع أو ترك القائم والالتحاق مع الخط عندما تلعب الكرة قصيرة في ركلة الزاوية… الخ. وكذلك يجمعون على إطلاق العنان للاعب كقدرة إبداعية/نقدية، لمعالجة المشاكل بنفسه وذلك لطبيعة التعقيد في كرة القدم، كاتخاذ القرارات بسرعة في المساحات الضيقة أو ظهور طارئٍ ما؛ كتغطية زميل ترك مكانه لأي سبب أو أي تجلي مهاري فردي. أو ما بين بين، أي أن يطلب المدرب تصرف محدد لتنفيذ استراتيجية معينة، لحالة لعب معينة، دون الإيغال في تفاصيلها ولكنها تتكرر في سياق اللعب باستمرار كالإيماء الجسدي والهروب من الرقابة، أو كالضغط فور خسارة الكرة، فتطبق في أي مكان وفي أي حالة وتنغرس في اللاوعي مع استمرار تطبيقها.

إن عملية التعليم/التعلم تنقسم إلى قسمين: مباشر وضمني، أمّا مباشر (أو صريح) فحين يكون اللاعب واعياً عندما تتحدث إليه أو تعلمه ومن ثم عندما يقوم بالتمرين المراد، ومع التكرار يتمرس اللاعب فتترسب تلك المهارات في العقل اللاواعي/الباطن فتبدر منه السلوكيات بشكلٍ تلقائي، أي أن التعلم الواعي سيغرس فينا القدرة على القيام بالأمور من اللاوعي “الاعتياد”، فسنتعلم قيادة السيارة –مثلاً- بوعي، مع التمرس والتعوّد سنتمكن -فوق ذلك- من القيام بعدة مهام لدى قيادتنا السيارة، التعلم بالحضور الذهني الواعي لا يتطلب ضرورةً وجود موجه خارجي، كأن نتعلم عبر رؤية الآخرين وعبر تقليدهم، أو أن نتعلم لعب الكرة مع أقراننا. أمّا التعليم الضمني فتعني أن يقوم اللاعب بما يراد منه بلا وعي منه، أي أن تكون المعلومة أو المهارة مضمنة قد يكتشفها هو بنفسه، بالضبط كما تعلمنا اللغة ونحن صغار، فلا نتذكر جيداً متى بدأنا بالنطق، وكيف اكتسبنا اللغة فطرياً عبر تسمية الأشياء وتجميع الكلمات وتكوين الجمل وحتى ضبط القواعد، ثم أدركنا أننا نتكلم لاحقاً. فحتى الوعي -في الحقيقة- قد تَشكّل عبر اللاوعي! فالوعي واللاوعي ليسا منفصلين.

يتحكم العقل اللاواعي بـ 90% (و95% في دراسات أخرى) من تصرفاتنا، فهو المتحكم بالعمليات اللاإرادية والتلقائية كالمشاعر والإحساس، والعادات والإدمان، والإبداع والحدس والذاكرة طويلة الأمد. أما العقل الواعي فلا يتخطى 10% من تصرفاتنا، كالتفكير والتحليل والتخطيط.

لم يعد الوعي واللاوعي محط نقاش فلسفي وحسب، بل وتم اخضاعه تجريبياً عبر علماء الأعصاب والمخ، فلم يعد اللاوعي مخزناً للذكريات وللذاكرة الضمنية وحسب. إن العقل اللاواعي يستقبل بيانات ضخمة ويعالجها بسرعة تفوق العقل الواعي والتي بدورها تجعلنا نتخذ القرارات، إذ تبقى هذه البيانات مضمرة يستدعيها العقل وفق محفزات معينة، فبجزء من الثانية تستثير رائحة عطر -مثلاً- ذكرى معينة مرتبطة بتلك الرائحة، أو أن نقوم بردة فعل معينة لحالة معينة، هذا ما يسمى بالمحفزات اللاشعورية، إذ أننا لا نستطيع بواقع الأمر اختيار الوضعية الصحيحة في لحظة ما في المباراة، لأن سيرورة اللعبة سريعة التبدل إلا أن التلقائية الناتجة عن اللاوعي، التمرس وكثرة اللعب يجعل اللاعب يقوم بأمور معينة بشكل مثالي، -أو على اقل تقدير سيتخذ قراراً مثالياً- وبلا ترتيب مسبق، وبمجرد أن يفرغ مما قام به سيعي ما فعله. وهذه أعلى مراحل سلم التعلم الأربع (نموذج المراحل الأربعة للكفاءة Four stages of competence) إذ يقسم هذا النموذج عملية التعلم -وصولاً لمرحلة الكفاءة أو التمكن- إلى أربعة مراحل، الأولى هو الحدس الخاطئ؛ في أن يكون المرء جاهلاً بجهله، يسمونه العرب “جهلاً مركباً”، أما الثانية فسنكون واعين بجهلنا أو عدم مقدرتنا غير أننا قد نقوم بأمر ما عفوياً لكن دون القدرة على التحليل. أما المرحلة الثالثة فسنكون واعين بقدرتنا ومعرفتنا بحيث تكون لدينا قدرات استراتيجية وقدرة على التحليل، أما الأخيرة فهي المعرفة والقدرة اللاواعية، المرحلة الأعلى؛ الحدس الصحيح والقدرة التلقائية على القيام بالأمور والمهارات بلا كلف أو جهد، أو العبقري الذي قد لا يعي مدى عبقريته كميسي أو نيمار واللذان يتنبئان بالأمور ويتخذان تدابير وقرارات مذهلة بجزء من الثانية، أولئك الذين إذا سألتهم كيف تقومون بذلك قد لا يستطيعون شرحه.

أعتقد أنني ولدت بها” يقر لامبارد أنه عندما كان يقوم بتفحص محيطه لم يكن على وعيٍ بما يفعل، إذ عندما سئل عما يفعل لم يستطع الإجابة.
مؤكدٌ أنه الآن على وعي ٍ بها كمدب، لكن غالب النجوم السابقين غير قادرين على شرح وتعليم ما يستطيعون القيام به، لأنه حدسي ويقومون به بلا وعي منهم.

إن المرور بهذه المراحل لا يتطلب وجود موجّه بالضرورة، يندر أن تجد لاعباً يعي ما يفعل، فحضوره الواعي وتفكيره الواعي ربما يؤثر على أداءه ويؤثر على تلقائيته، أي أنها ليست بالضرورة إيجابية، لك أن تتصور نفسك تؤدي مهارةً بتلقائية، وتصور نفسك تؤدي نفس المهارة وأنت محط الأنظار أو تحت الضغط لأول مرة.

يقودنا ذلك إلى أن نستنتج أن التعليم المباشر والتلقيني مرهق للاعب وللمدرب، فلا يبدي بعض اللاعبين استجابة كبيرة للتدريبات التحليلية، أي اقتطاع حالة من حالات اللعب والتدرب عليها –بكثافة- بكيفية معينة كما يفعل سارّي أو كونتي. غوارديولا ليس ببعيدٍ عن ذلك، فالتدرب واللعب مع بيب أو سارّي ومن سلك مسلكهم ليس محض مرح كما يتصور البعض منا. كرتهم ممتعة، ربما، لكن نطاق الحرية أقل مما يبدو عليه، فاللاعب ملتزم ومقيد بأدوار وقرارات وقراءة لعب محددة، فالسيمفونية تم الإعداد لها مسبقاً ببروفات مملة، وعلى أي حال فمجال الإبداع فيها باقٍ عموماً. إنما فقط يبدو أمراً نفسياً عندما لا يجد اللاعب راحة بكثرة الأوامر، في البداية قد يعاني ومن ثم سيعتاد ويتأقلم، أو أن يرفضها قطعاً، متمرداً يصعب ترويضه وقد يكون ذلك إيجابياً من أوجهٍ عدة، عدا الفردية والأنانية فهي مضرة.

ختاماً مهما بلغت قدرة المدرب في لعبة متقلبة لا أمان لها، ولا في اللاعب ككائن يقوده اللاوعي والعاطفة، يصعب تنميط اللعب على طول الخط، كما لا يبدو منطقياً أن نترك اللاعب بلا توجيه ولا شرح ونرهقه ذهنياً يقول المدربون الذين يفضلون توجيها مباشراً وعملاً مأتمتاً، غير أنه من المثير للإعجاب أن ترى بعض الفرق مبرمجة وواضحة المعالم فتستطيع أن تعرف أن هذا الفريق يدربه مدرب متمكن، ولو كان اللاعب روبوتاً لفاز بييلسا بكل شيء على حد قوله، وهنا محط النزاع!

لا يزال مفهوم الوعي واللاوعي والإرادة الحرة محل شد وجذب بين التجريبيين وعلماء النفس والفلاسفة، أنظر: [1] [2] [3].

دور المدرب

مع حقيقة المدرب تطورت أساليب كرة القدم وتشعبت وتفرعت، يقول أنخيل كابّا أن مستقبل كرة القدم يقبع في ماضيها، فالعديد من الابتكارات لها بذور زُرعت في الماضي، سارّي من ساكي والأخير من ميخلز، ميخلز من رينولدز وهكذا دواليك، الكل ينتسخ ويقوم بإضافاته ولمساته، وبتطور الأفكار والأساليب يتطور المدربون وتزدهر المدارس. وبتطور الكرة ومع الحداثة، أصبحت الفرق متشابهة مع فارق الجودة، ولكن ببقاء خصائص ومزايا البلدان وثقافاتها، الحديث هنا عن الفرق عموماً، فإذا كان الفريق الذي يبني اللعب بدءاً من الحارس سابقاً يشار له استهجاناً أو استحساناً، أصبحنا نستغرب الفرق التي لا تبني من الخلف، وهذا أمر إيجابي بحد ذاته، بغض النظر عن الجودة والكيفية والسبل. يبقى السؤال هل دور المدرب يتمحور حول الأسلوب؟ لا شك أن ثمة هموم مشتركة تجمع ما بين المدربين، كصنع توليفة ملائمة، تقوية الفريق بدنياً، تصميم خطة تدريبية، وإرساء الهدوء وضبط غرفة الملابس، على الرغم من ذلك فيصعب أن نضع تعريفاً موحداً يصف دور المدرب بالإطلاق.

في مقابلة مع بليزارد سُئل خوانما لـيـّو عن ماهية دور المدرب، مالمدرب؟ هو السؤال الذي طرحناه في المقال السابق، ولكن حتى خوانما لـيـّو لن يعطي إجابة شافية لمن يبحث عنها، إلا أنه ومن حيث المبدأ ستختار من سيلعب على حد تعبيره:

نتيجة بحث الصور عن ‪juanma lillo‬‏

ولكن أبعد من ذلك لن أحاول إطلاق دور، عطفاً على محدودية أهميتنا. هذه لعبةٌ تلعب بواسطة اللاعبين، ويبدو أن أولئك [المدربين] الذين يعبرون عن أهيمتهم يريدون إدعاء دور البطولة أو المكانة عبر الآخرين. دورنا أقل مما يريد كثيرٌ من المدربين إدراكه أو تصديقه. غير أنه ضمن تلك الحدود تستطيع رسم خطوطٍ عريضة لبعض الأمور، أولاً ينبغي أن تتحدث عن الفرق بين الصعيدين المهني والتكويني. ينبغي أن تسأل مالمدرب؟ بعضهم ديداكتيكيين أكثر، بعضهم لديه رغبة بطولية، فبعضهم أرثوذكسيين (تقليديين)، وبعضهم ليس كذلك. […] جميع المدربين محشوّون (أي يتشاركون) ببعض الأمور، غير أني أعتبر نفسي ديداكتيكي، أريد تبسيط الأمور بحيث يصبح اللاعبون واعين، وليس فيما يتعلقق باللعبة فقط. […] يجب أن تجعل اللاعبين واعين للأمور التي لا يروْنها، ليس أقل لأن اللعب كفريق يصعب شيئاً فشيئ في يومنا هذا”.خوان مانويل ليـّو

فلسفياً، يمكن أن نصنف المدربين على نوعين: الأول البراغماتي، وهو ليس بالطوباوي ولا يبحث عن الأسلوب ولا عن الكرة الفاضلة، مرن ويستطيع التكيف مع قائمة اللاعبين لديه، واستراتيجياً يستطيع التكيف مع الخصم. والآخر هو الأيدولوجي، وهو مدرب يمتلك أيدولوجيا (مجموعة أفكار ومفاهيم، أو عقيدة فكرية) يقوم بتطبيقها في أي فريق، تتطلب خصائص محددة. وعلى ذكر الخصائص فقد اتخذت هي الأخرى مساراً خاطئاً، فأي لاعب قادر على اللعب مع أي مدرب، ربما لن تجد مكاناً مع كلوب إذا لم تعطي أقصى ما لديك، يشاركه العديد من المدربين بذلك ولكن بإمكاننا أن نرى هنا أو هناك لاعبين لا يقدمون الكثير في الحالة الدفاعية، هذه المشكلة تتعلق بالتضحية والعطاء وليست لسبب كروي/فني محض. غير أنه جوهرياً، يا ترى مالذي سيقوم به لاعبٌ ما مع غوارديولا لن يقوم به مع سيميوني؟ غوارديولا يرغب بلاعب كرة قدم، ببساطة، ربما لأن القدرات التكتيكية والفنية والذهنية لم تعد الأساس في معايير كرة القدم التجارية المختلة، فازداد الطلب على “المحاربين” والعدائين وكثيرٌ منهم يمتلك إمكانات إدراكية/فنية متواضعة، ويجدون صعوبة في اللعب بمساحات ضيقة، وغالبهم حتماً ضحايا الفئات السنية، ذلك ما خلق نوعاً من التشويش وازدادت الحاجة للمدربين المعلمين/الديداكتيكيين –وهو غالباً صاحب فكرة وأسلوب- وهم أولئك المدربون الذي يعلّمون لاعبيهم المحترفين أساسيات اللعبة تكتيكياً، التمركز، توجيه الجسد، التخلص من الرقابة، استلام الكرة، التوقيت، الحركة والتفاعل وظيفياً مع الزملاء؛ كتبادل الأدوار أو شغل المساحات مؤقتاً إلى غير ذلك، تعليم كرة القدم متعلق بالأمور المغفلة بدعوى أنها اساسيات، هي بالعودة إلى الأسس، هذا ما يقوم به غوارديولا، سارّي، كونتي، بييلسا وغيرهم، أو في السابق مثل كرويف وساكّي وفان خال وآخرين. ذلك لايعني أبداً عدم وجودها لدى اللاعبين، أو وجود أي ميزة تكتيكية معينة، فكم من لاعبٍ انفجر وتألق مع بيب أو سارّي أو كلوب؟ الموضوع لا يتعلق بخلق موهبة، بل بالإضافة للاعبين، أو بإيقاد شمعة مطفأة، أو ربما الاكتفاء بوضع اللاعب بالمكان المناسب، الأمر متعلق بتوعية اللاعب كما يشير لـيـّو، فقد تتحسن تصرفاته تبعاً لذلك، “لا تتخذ نفس الموقع الذي يتواجد فيه زميلك، اضغط فوراً عند كذا وكذا” والأمر بالنسبة للمدرب المعلم عملي بالدرجة الأولى. وليس على خطى دزينغا عندما رغب بتغيير النظام الدفاعي قائلاً لمساعده المخضرم جيجي كانييه: “اخبرتهم أن يفعلوا ذلك”، فرد عليه كانييه قائلاً: “هذه الأشياء لا تقال فقط، بل يتم العمل بها”.

إن غاية مدرب مثل غوارديولا هو حل عُقد كرة القدم المتأصلة فيها قدر الإمكان، وذلك عبر تحديد الأدوار، بناء العادات؛ كاللعب بالمساحات القصيرة، اللعب بأقل لمسات ممكنة، أو حتى الاحتفاظ بها لدواعي معينة، فتصحيح الوضعية الجسدية، ذلك ما يجعل كرة بيب انسيابية وسلسة. بيد أن ذلك هو المنتج النهائي، فخلف هذه “البساطة” وليس “السهولة” عمل كبير، وقبل ذلك نظر ودراسة مستفيضة للعبة. كرة القدم كقوانين سهلة، ولكن أحد أكثر منغصات المدرب هو كيفية تبسيطها، فطبيعة اللعبة معقدة (تفاعل عناصرها العديدة في ذات الأثناء)، وتبسيطها يتجلى في محاولة فتح بصائر اللاعبين وتقليص عشوائية خياراتهم وسلوكياتهم، والأهم محاولة حسر العادات السيئة لدى اللاعبين قدر المستطاع، ذلك لأن التعقيد يزداد لأسباب تكتيكية فردية، حركة، أو استلام ليس بالصورة الصحيحة، أو رؤية متواضعة تجعل اللاعب يقوم بتصرف خاطئ أو أن يختار خيار تمرير خاطئ أو أن يتوقع توقعاً خاطئ… إلخ. إنما البساطة هي أكثر الأمور تعقيداً يمكن تحقيقه في لاعب كرة القدم، يقول دانتي بانزيري وهذا هو ديدن المعلم لأن هنالك العديد من المواهب وحتى النجوم يمتلكون نقاط ضعف وعادات سلبية يصعب عليهم الانفكاك منها عندما يكبرون.

إن استخدام أسلوب مثري قد يُبرز كذلك من قدرات اللاعب –كسبب- وليس فقط عبر أسلوبٍ كامل متكامل، فالكرة الفاعلة والتي تجعل اللاعب عضواً فعالاً فاعلاً قادرة على استخراج ما لدى اللاعبين، فكيف سيبدع اللاعب ويظهر ما لديه وفريقه يلعب بسلبية، كأن يقوموا بإرسال الكرات الطويلة نحو المهاجم، متخطين خطوط الفريق بالكامل؟ كيف سيبرز قلب دفاع يجيد اللعب بالكرة وفريقه يقوم بهذا الأمر؟ أو كيف سيلمع محور يُراد منه فقط افتكاك الكرات وعدم الاحتفاظ بالكرة؟ ستكون الكرة السلبية جناية لا تغتفر عندما تطبق على الفئات السنية. يتساءل الكثير لماذا الكرة في إسبانيا أو هولندا أو ألمانيا أو حتى بلجيكا –من بين بلدان أو مؤسسات هنا أو هناك- تنتج دوماً مواهب غزيرة، في الفئات السنية بالتحديد، إنما أحد الأسباب هي البيئة التي تشجع على الإبداع واستظهار الإمكانات، التحفيز على المبادرة وامتلاك الكرة، في الفعل والاستباق، وللحديث في ذلك شجون.

كذلك ينقسم المعلمون إلى نوعان: مدرب ديداكتيكي ومدرب دياليكتيكي، أمّا الديداكتيكي –تعني فن التعليم أو التعليم التوجيهي- فيأخذ بذلك صبغة تلقينية، إذ تُقدم الأفكار والمعلومات بشكل مباشر ومحدد للاعب، والتفاعل بين المدرب واللاعب أقل مما سيجده اللاعب مع المدرب الديالكتيكي. المدرب الديالكتيكي يميل إلى التعليم الجدلي، وبالحوار، وفي فسح المجال للاعبين بالتفكير بأقل املاءات ممكنة.

فان خال يمتلك نظرة جيدة لكرة القدم، ولكنها ليست نظرتي. فهو يريد لفرقه أن تكون فائزة، كما أن لديه طريقة عسكرية في تعليم تكتيكاته، أمّا أنا فلا، إذ أريد من الأفراد أن يفكروا بأنفسهم.

يوهان كرويف

كرة الهولنديان العظيمان كرويف وفان خال متشابهة، جداً، ولكن الأسلوب التعليمي/التدريبي يختلف بشكل نوعي، لم يكن كرويف يحبذ أنماط اللعب وتكرار الحركات والتمارين عدداً وشكلاً كفان خال، إذ كان أمْيل لتعليم الأساسيات التي ذكرناها، وقليلٌ من الأنماط والألعاب المركبة، بل يعتمد أكثر على الأنماط الحركية، يسير رالف رانغنيك على درب كرويف، فيشير في إحدى مقالاته أن فرقه تملك فقط نمطين أساسيين في الحالة الهجومية، الأمر شائع عموماً في المدرسة الألمانية الحديثة متمثلة في كلوب وتوخيل وناغلزمان وبقية الألمان، الأمر مماثل لدى الهولنديين وهم الرواد، كبيتر بوش وتين هاغ كأمثلة، الشيء ذاته شائع في بلجيكا والبرتغال وبعض البلدان أو أفراداً آخرين. هؤلاء المدربين يعملون بالتدريب الضمني، يطورون السلوكيات المرغوبة بالمباريات المصغرة والروندو أكثر، فيستخدمون سبلاً معينة لاستحثاث سلوك معين، وليس تلقينه مباشرة، إذ لا يفضلون أتمتة اللعب، بل يعطون إرشادات عامة، مبادئ أساسية، فيعوّلون أكثر على ذكاء اللاعب واستيعاب المغزى والمقصد، وليس عبر التحفيظ والتكرار. في المقابل ينتمي أريغو ساكي وفان خال كما أسلفنا للمدرسة الديداكتيكية، أسلوب تدريبي/تعليمي موجه، حرص على الهيكل والبنيوية، أنماط لعب وألعاب مركبة. وحالياً مدربين كبييلسا أو كغوارديولا وسيتيين وكونتي وسارّي وجامباولو وغاسبيريني وغيرهم، وهي أكثر انتشاراً في إيطاليا عن غيرها، ربما لطبيعتهم الأوركسترالية –كناية على تحكمهم بكل صغيرة وكبيرة- وهي ملحوظة في إسبانيا كما يقول راول كانييدا “الكل يجب أن يعزف من نفس الورقة“، وهذا ما يجعل هذه الفرق مميزة –أي قد تستطيع تمييزها- من بين عديد الفرق. ولا شك أن هناك طرقاً أخرى في التدريب، فهناك من يكتفي بتدريب اللاعبين بسياق المباريات، أقل تعليمياً، وهناك من لا يعلم قط، هناك من يهتم للفوز، وقدرات لاعبيه تحدد أسلوبه، هناك من يغرس بعض الأفكار ويفسح المجال للاعبيه في الابتكار، أما المدرب المعلم فهو أحوج إلى الوقت من غيره. كما أن المدرب الغير عابئ بالأسلوب وبالتعليم يمكن أن نضعه ضمن مدربي المدى القصير، حتى لو بقيَ سنيناً طويلة في نادٍ معين، فتغيرهم وتجددهم بتغير مواردهم علاوةً على حرصهم على الانتصار يطيل فترة بقائهم، بصرف النظر عن الأسلوب وجوده وعدمه، يفضل بعض هؤلاء الطرق المختصرة، إذ يتسمون بالإدارة أكثر وبالفنية أقل، فيدافع أمام القوي ويهاجم أمام الأضعف، يبادر أحياناً ويخاطر أحايينا، وهذه يقيناً لا تجعل للفريق نكهة، وهذه غالبية فرق كرة القدم اليوم، وفي عالمٍ يُأثر إبراز المحاسن والمفاتن، فرُبّ لقطةٍ لمدة 30 ثانية يتناقل فيها فريق ما الكرة كفيلة بإقناع السذج بأن الفريق س يلعب طوال الدقائق المتبقية هكذا، أو معاناة فريق باختراق خصمه وتدويره للكرة لخمسين تمريرة ستجعل من الهدف ممتعاً “بالضرورة”. ختاماً، العالم يطغى عليه التقليدية والعجلة في القيام بأي أمر أو عمل، الأسلوب هو الإبداع والاختلاف، على الرغم من ذلك، وجود الأسلوب أو عدمه لا يقلل من أي مدرب، لن يقلل من مدرب كمورينيو بمعرفته وفطنته بل وبتفوقه منهجياً في التحقيب التكتيكي، فالإعداد البدني لمورينيو متطور وعصري ويستحق صبراً وتقديراً. على أي حال، يصعب أن نضع المدربين بذات السلة، كما أن التصنيف ليس أمراً هاماً، إلا أنه ينبغي أن ننصف المدرب المعلم، العملة النادرة، فليس كل مدرب معلم كما يقول كرويف. ليس هنالك تعريفاً يصف بدقة ماهية دور المدرب، إذ أن هنالك أموراً مشتركة محدودة جرى ذكرها، عدا ذلك فالاختلاف ثراءٌ بينهم، في التعامل مع اللاعبين وفي التغذية، وفي تصميم التدريبات وفي الأولويات، أماً تكتيكياً فالمدرب لا يستطيع إلا أن يسيطر على القدر الذي يستطيع السيطرة عليه، بل يتعين عليه القيام بذلك، أمّا قرارات اللاعبين، والتعامل مع شواشية اللعبة، يعود بالنهاية للاعب، مراعين التبدل والتغير المستمر في حالات ووضعيات اللعب وفقاً للخصم والزميل والكرة والمساحة والتوقيت، أما المدرب فهو الموجّه والمرشد.

النظرية وجذور المدرب

تتمثل أهمية النظرية -والتي عرّفناها بأنها مجموعة المبادئ والمفاهيم للعبة- في تأطير عمل المدرب، وهي بمثابة أساسٍ صلب لبناء مشروعه ومنهجيته، إن عمل المدرب عملي/تطبيقي بمرتكز نظري، فلا عمل بلا مبادئ مشتركة محددة، ولا بأفكار ومفاهيم معينة قد تختلف من مدرب لآخر. لقد بحثنا في المقال السابق عن ماهية النظرية وكيف أنها صيغت منطلقين من اللاعب واللعبة، فنحن لا نكتب اللغة ثم نتحدث بها، بل نتحدث ثم نسن ونفتعل القواعد والنحو والصرف، فتتراكم مع مرور الوقت ويزيد هذا ويضيف ذاك، يتبحر أحدهم ويشرح غيره وهلم جراً، فيصبح لزاماً علينا أن ننهل ممن سبقونا، ويحق لنا أن ننتقد أو نعدل ونبدل دون جمود بحجة الأسبقية والأقدمية. لقد أخذ نمو وازدهار المصطلحات -والتي تستخدم في النظرية- في كرة القدم متزامناً مع انتشار اللعبة ورواجها، ولا يمكننا أن ننكر دور الصحافة في إطلاق المصطلحات والمسميات؛ ولعل أبرز الصحفيين جانّي بريرا، أو أيفان شارب الذي أطلق مصطلح المركزية positional play منذ ما يقارب السبعين عاماً، هذا المصطلح انتشر لدينا فقط عندما بزغ نجم بيب غوارديولا، ثم أصبحت تتناقله الألسن بتفسيرات مختلفة ومتنوعة، وسطحية غالباً. يمكن اعتبار المصطلحات على أنها استعارات حاجتنا لها تنطوي على توفير الوقت، فبدلاً من أن نسهب سنقتضب، خذ مثلاً: الفريق س يدافع بدفاع المنطقة، هذا المصطلح “دفاع المنطقة” ينطوي على تعريف ومبادئ وأسس وتفاصيل، ينبغي شرحها بإطناب بيْد أننا سنستخدم مصطلح؛ والمصطلح يُقصد به رمزاً لغوياً –تم الاتفاق عليه- للدلالة على مفهوم أو فكرة معينة. فعندما نقول بأن فريق س يدافع بدفاع المنطقة فستعرف فوراً أنه ذلك النظام بمبادئه وأسسه وتفاصيله، وقد يختلف التأويل من ثقافة إلى أخرى ولكنه سيحظى بنفس المبادئ الأساسية. تحظى الصحافة بقوة تشكيل الرأي العام أو تشكيل وعي الجماهير، ولكن للأسف، في الوقت الراهن انحدرت مهنة الصحافة أكثر فأكثر وهي أساساً سلاح بحدين، فتشكيل الرأي العام له وقعه إذا لم يتحلى الصحفي أو الكاتب أو المعلق أو حتى ما يُسموْن بالمؤثرين في وسائل التواصل بمعرفة وحِدّة رأي، ذلك لأنهم سيرسخون للصور المسبقة ويرسخون لمصطلحات مبتذلة هلامية ومطاطية، ولكن طالما أن هناك مشترين فلن يكف باعة الهواء عن تجارتهم طالما وصلوا لسمعة حققوها عبر تماهيهم مع الجماهير، لا لحدة آرائهم ولا لحكمةٍ فيهم.

عودٌ على بدء، إن النظرية ذات أهمية بالنسبة المدرب، اللاعب لا شأن له بذلك، إذ كلُ له دور، ربما نستمع كثيراً لبعض اللاعبين ينتقدون أفكار المدربين أو طرقهم ومنهجياتهم التدريبية، واللاعب له حق النقد لا خلاف، لكن أخذ ذلك على محمل الجد ليس صواباً. ذلك لأن معظم اللاعبين غير واعين ولا مطلعين ولم يصلوا لما وصل إليه كثير من المدربين معرفياً، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه قد لا يكتنف نقدهم شيئاً من الصواب. مثلاً، في الفئات السنية يُعرض اللاعبين عن الحضور للتمارين بسبب رتابة الحصص، تمرين استلام وتسليم بلا خصم، أو جري بلا كرة وإلى غير ذلك أو ربما يتركون النادي بسبب الإفراط في النظام ومعاملتهم كمحترفين. المفارقة أن بعض الأطفال الذين يشتكون من ذلك سيقومون بذات الأمر عندما يكبروا ظناً منهم أن هذا هو الصواب وتلك كانت مصلحتهم، فهذا ما وجدوا عليه مدربيهم. فالعقل يحتله الأسبق إليه كما يقول إبراهيم البليهي، إذ سيعمل كما تعلم، ولن يبدع ويبتكر ويخرج عن النسق، ببساطة لأنه لا أحد يفتقد لما يجهل، فعندما لا تتجشم عناء البحث لن تجد، وعندها ستكرر ما تعلمت وسنظل في حلقة مفرغة.

بدأت كرة القدم (النظامية) بفريقين كل فريق يحتوي على 11 لاعباً أو هذا ما استقرت عليه، اللاعبون هم من أسسوا الفرق، فلا مدرب ولا رئيس ولا مدير ولا معدين بدنيين ولا مدلكين ولا أي شيء من هذا القبيل. كان الفريق يقاد ببساطة عبر اللاعب الأكبر سناً، أو أكثرهم كاريزما حتى بدأت الإرهاصات الأولى للمدرب قبل نحو 100 عام وقد سبق ذلك لجنة فنية تنتخب اللاعبين في لتمثيل البلاد؛ إيطاليا على سبيل المثال. كان المدرب مديراً أكثر من كونه فنياً، يختار اللاعبين، يوجه توجيهات شفهية ربما أكثر أو أقل. مع دخول اللعبة عالم الإحتراف وبتزايد المتابعين والجماهير والمراهنات، أضحت اللعبة استثماراً فتنافس الفرق لجذب المتابعين عن طريق استقطاب اللاعبين المميزين لنيل الألقاب مع انفصال كرة القدم كمهنة بحد ذاتها، تبلجت أدوار ومهن أبرزها بعد اللاعبين دور المدرب. تطور دور المدرب التطور الذي نراه اليوم، بالرغم من أن وجوده يعد نوعاً من أنواع الترف، خاصةً إذا علمنا أن أي لعبة تنطوي على تنافس بين فريقين تتطلب تكتيكات واستراتيجيات، وهي التصرفات التي يقوم بها اللاعب عكس تصرف خصمه، أو أن يستغل هفواته، فوجود المدرب من عدمه لن يغير من هذا الشيء، فالمدرب لا يُوجد ولا يخلق التكتيكات. يمكن أن نضع متخصصين بدنيين للتقوية ولتطوير اللاعبين بدنياً، يمكن أن نضع لاعباً سابقاً بمهارات إدارية لإدارة الفريق، كشافين يجوبون الشوارع والأندية الصغيرة لاستقطاب المواهب، فجميعنا يقدّر جودة ميسي، ولسنا بحاجة إلى نظرة ثاقبة لتمييز موهبة، بل تكمن الصعوبة في التنبؤ بموهبة أحدهم، أو تمييز القدرات الذهنية/الإدراكية للاعب كبوسكيتس والذي لا يقدره إلا الخاصة.

نعم بإمكان كرة القدم أن تعيش بلا مدرب. وما المدرب؟ هل وأن عملية التدريب تتطلب موجه خارجي؟ أم يمكن أن تكون عملية ذاتية؟ بالضبط مثل عملية التعلم، والحق أن العديد من عباقرة التاريخ في مختلف المجالات كانوا متعلمين ذاتياً، فلا معلمين ولا مدرسة كان لهم يد في منجزاتهم، وهنا تكمن المشكلة أقصد في توهم دور البطولة عند كثير من المدربين، إذ ينسبون الفضل لأنفسهم في نمو أي لاعب، حتى لو كان نمواً طبيعياً، ودور البطولة الموهوم هو المعوق الرئيس لنمو اللاعبين الصغار على وجه الخصوص، فالبعض يريد تطبيق أساليب وخطط واستراتيجيات يكبح فيها انسيابية اللعب وعفوية اللاعب، الضرر سيكون أشد وطأة إذا كان المدرب مهووساً بالفوز، الهوس بالفوز هو ضار أيضاً لفرق الكبار، أعتقد أن المدرب الذي لا يرغب إلا بالفوز لن يقدم شيئاً للاعبيه، ربما هو من يريد أن تتمحور حوله الأمور، يريد أن يجعل اللاعبين أدوات لإشباع نرجسيته، بالرغم من أنه لن يرمي حتى رمية تماس في المباراة! إذاً لماذا كل هذا؟ أليس وجود المدرب للمساعدة ولمد يد العون للاعبين كأفراد أولاً وكمجموعة ثانياً؟

في الحقيقة ليس كل اللاعبين بحاجة إلى ذلك، توماس توخيل أشار ذات مرة إلى أنه قد سمع أحد مسؤولي الفئات السنية في برشلونة يقول عندما انضم إينييستا للأكاديمية: لا تحاولوا تطويره، فقط اعتنوا به. خوانما لـيـّو يعتقد أن دوره يتمثل في توعية اللاعبين وفتح أعينهم ليروا ما لا يرون. بييلسا، من جهته يؤمن أنه موجود لأن هنالك لاعبين يحتاجون للمساعدة وليس الجميع، هناك لم يظهر مكامن القوة فيه، هناك من لم يصل لذروة مستواه، البقية يمكن أن تكون مشكلتهم فقط وظيفية؛ أي في خدمة الفريق. لا شك دور المدرب هام هذا اليوم -وسنتحدث عن ذلك لاحقاً- ولكن ينبغي تخفيف الهالة المقدسة نتيجة التصورات الضبابية حول طبيعة عملهم، الطامة الكبرى عندما نقوم باستنتاج مبني على قياس استقرائي، وهو استقراء يتم فيه تعميم الحكم بناءً على ما يقوم به البعض، كأن نقول أن أسلوب المدرب فلان يختلف عن أسلوب غوارديولا، ولكن هل بالضرورة أن المدرب فلان يمتلك أسلوباً؟ وقس على ذلك في بقية الأمور فليس كل مدرب يمتلك منهجية أو يستند على نظرية أو خلفية معرفية، حتى لو فازوا بجميع بطولات الدنيا.

النظرية في كرة القدم

لا نستطيع حقيقةً سن تعريف جامع مانع للنظرية، ففي كل حقل ومجال تختلف درجة أهميتها، فالنظرية العلمية –على سبيل المثال- ليست عبارة عن وجهة نظر كما يسود، وإنما تبنى النظريات بخطوات تبدأ بمسلمات أو تسمى “بالفرضيات” علمياً وتستخدم كمقدمات صحيحة، تؤدي تلك الفرضيات إلى استخلاص تنبؤات يتم إخضاعها للملاحظة وللتجارب، وأخيراً يضع الباحث استنتاجاته، وعلى ضوء ذلك قد تبقى فرضية في حال لم تتم برهنتها أو تُعتمد كنظرية فعلاً إذا لبت الشروط. تسمى تلك الخطوات بالمنهج العلمي/التجريبي، أين تُختبر وتُجرب الفرضية مراراً للوصول “للتفسير الأفضل” لشرح ظاهرة معينة، كنظرية نيوتن في الجاذبية والتي تفسر ظاهرة سقوط الأجسام، شريطة أن تكون مؤيدة بمجموعة من الأدلة، علاوةً على الاعتراف بعدم دقتها إذا أثبتت التجارب عكس ذلك دون خجلٍ أو مواربة، كالنظرية النسبية لأينشتاين التي قوّمت نظرية نيوتن، فلم تعد الجاذبية قوة بل هي منحنى في الزمكان. إن النظرية العلمية المتماسكة لا مجال لتفنيدها أو الطعن بها أو تعديلها إلا عبر أدواتٍ مماثلة، أي ببراهين تجريبية ومعادلات وحسابات. إن النظريات العلمية أو الفلسفية -وهي السباقة لذلك- تبدأ بتساؤلٍ وفضول؛ لماذا هذا؟

لا، كرة القدم ليست كذلك، فالنظريات في كرة القدم –إن صح لنا قول نظريات- هي بدرجة أدنى بكثير من النظريات العلمية الغير خاضعة للحدس والرأي والتفضيل والذوق، أو أي خلفيات مسبقة. فالنظرية العلمية ينبغي أن تكون بمنتهى الموضوعية، وكرة القدم من حيث هي لعبة -في تحليلها وتدريبها- فيها مكان للذاتية، أي في الرأي والتفضيل والتأويل، وهي التي بدورها تشكل الأساليب، وذلك ما يجعلنا نعي أن كرة القدم ليست علماً أبداً.

ولدت التكتيكات من المشاكل التي أظهرتها اللعبة من جهة، ومن الحلول التي يوجدها اللاعب لتلك المشاكل من جهة أخرى، وكل ذلك انتقل إلى المجتمع. فالأصل هو اللعبة واللاعب.

خوانما لـيّـو

إن الكثير من الحلول والابتكارات والتصرفات تنبُع من اللاعبين أنفسهم، أي أنها كامنة فيهم والنظريات لا توجد شيئاً من العدم، بل هي تحليل لتلك الحلول، وتفسيرات مختلفة لحالات مختلفة، باحثين عن أسبابها ونتائجها، ومن ثم سنستخلص الأفضل، وبناءً على ذلك تبنى النظريات. أؤكد لك قد ترى بعض السلوكيات الفردية والألعاب الجماعية في مباراةٍ ما قبل 50 عاماً. إذاً، فالعملية تبدو هكذا: رصد ومشاهدة مشكلة/سلوك معين، تكرر لهذه المشكلة/السلوك، ومن ثمَّ نضع حلولاً لها أو نعتمد ذلك السلوك الجيد، كلٌ حسب رؤيته، بمعنى أننا نستنبط تصرفات معينة لدى لاعبين معينين (الأفضل بلا شك) أو أنماطاً جماعية تتكرر في فرق معينة، مقصودة كانت أو غير مقصودة نحللها ونستوعبها ونقارن بين سلوك وآخر، وحركة وأخرى. فنيوتن لم يخترع الجاذبية، بل حاول تفسير سقوط الأجسام بعد التأمل وتسجيل الملاحظات والقيام بالحسابات، ولا شك أن هناك من سبقه بطَرَق هذه الظاهرة، لأن المعرفة تراكمية ولا أحد يخترع شيئاً من العدم على غرار أرخميدس “وجدتها!” وكذا في كرة القدم، فالنظريات صيغت بناءً على الملاحظة والمشاهدة أي مثلاً عندما يضغط الظهير على جناح الخصم فنجده تلقائياً يضع ظهره للمرمى، وهذا هو السلوك الطبيعي، ومن يشذ عن ذلك ينبغي تقويمه، غير أن ذلك لا يجعلها بديهية، بل يدرسها اللبيب، ويرى الأصوب فيحللها المحلل ويعلمها المدرب للاعبيه، هذا لأن الشغل الشاغل للمدرب المعلم هو التصويب في الوضعيات الجسدية وفي التمركز السليم، في التخلص من الرقابة وفي التوقيت كمثيرات الضغط، وكانكشاف الكرة لطالب الكرة وغير ذلك. ومن رؤية المدرب وتفسيراته سنجد تفضيلات، وبالتالي سنجد -كما أسلفنا- أنظمة وأساليب مختلفة، توزيع لاعبين مختلف على أرض الملعب، نوعية لاعبين مرغوبة لدى كل مدرب. وهذا ما يجعل كرة القدم بلا حقيقة نهائية، وليس ثمة أسلوب صحيح، بل هي لعبة واللعبة -أيّأ كانت اللعبة- لا صواب فيها إلا للقوانين وقليلٌ جداً من المبادئ الأساسية، وبعض المبادئ تحكمها القوانين، أما الأساليب والأفكار والأنظمة الدفاعية والخطط فنسبية وتحتمل تعددية الصواب، وليست محتكرة لأحد. إن الخطط (4-4-2، 3-4-3 …الخ) واستخدام لاعب بدورين لكل مرحلة وبعض وأنماط اللعب، والأنظمة الدفاعية وسكيمات وألاعيب الكرات الثابتة هي حيزٌ ضيقٌ في أن تُبنى النظرية قبل التطبيق، وتلك النظريات ستبقى رهن التجربة والاختبار في التدريبات حتماً وقد تُصمَم أحياناً وفقاً لثغرات أو عادات سيئة لدى الخصم.

تجربة بدون نظرية عمى، ونظريةٌ بلا تجربة مجرد لهو فكري

إيمانويل كانْت

كروياً، لا يمكن أن نطلق وصف نظرية على لعبة مركبة (لعبة تتألف من عدة لاعبين)، نعم هنالك جانب نظري لشرح الفكرة للاعبين، شفهياً، أو بالسبورة أو أي لوح أو حتى باستخدام أي تقنية، ذلك لأن النظرية لها معنى أشمل فهي مجموعة من الأفكار و المبادئ والمفاهيم المترابطة، والتي بدورها تشكل أسلوب أو نظام دفاعي، أو حتى منهجية تدريبية تعليمية أو بدنية. يتلخص عمل المدرب تكتيكياً وفنياً بالنظريات التي سيختبرها على أرض ملعب التدريب، فبلا نظرية مالذي سيطبقه المدرب؟ العفوية والغريزية أمر جيد لكنها ليست للمدرب، ولذلك نجد كثيراً من المدربين لا يستطيعون تقديم شيء للاعبيهم سوي الجري والأقماع المتناثرة هنا وهناك وآخر ما يقومون به هو أن يلعبوا بالكرة أو أن يقتصوا حالة من سياق اللعبة ويتدربوا عليها. قد تكون العفوية نتيجة التمرس النظري عبر القراءة والمشاهدة والتحليل المكثف للعبة ثم التمرس العملي عبر اللعب وليس بالضرورة كمحترف، وليس بالضرورة أن تكون جيداً، فساكّي لم يكن جيداً للعب في فريقه الهاوي، ولعل خوانما لـيـّو بحكمته سيفسر الأمر: قدمي وعقلي لا يتّفقان! ولكن أن تضع نفسك مكان اللاعب وتتفاعل مع اللاعبين وتنبعث مشاكل تتطلب حلولاً قد يُنشئ حساً وذكاءًا تكتيكياً، وذلك ليس بالهين، بل تتطلب تفكيراً نقدياً وعقلاً مولعاً فضولياً باحثاً ومحاكماً ومسائلاً. وبعدئذٍ في التمرس بالتدريب، ذلك لأن العلم في الراس وليس بالقرطاس، النظريات الكروية -في معرض حديثنا أو المماثلة لهذا الحقل- تصاغ من العقل عبر الملاحظة والنظرة الثاقبة ووضع احتمالات وأخيراً في الرأي، إن استخدام الكتابة -في أي مجال- لهي وسيلة لغاية ترتيب الأفكار وتنسيقها بوضوح واقتضاب، من الأولويات إلى الثانويات، من الكبائر إلى الصغائر دون استطراد ونزوح عن الموضوع المراد. ولا مبالغة إن قلت أن أفضل المدربين سيكتب لك أسلوبه بعدة ورقات، إذ يستند على مبادئ محددة وفرعيات محددة وطرق تعامل لكل حالة ومرحلة لعب، فيذهب لتدريباته بوريقة تذكيرية، وحرص على الإطار والأحمال البدنية مقداراً وشدة، دون نسيان المساعدين الميدانيين فكلٌ له مهمة، المساعد والمعد البدني والمحلل التكتيكي ومدرب الحراس. وذلك عائدٌ إلى أن الغالب في كرة القدم هما الجانبين المرئي والعملي؛ أما المرئي فهو في الشرح بالفيديو، تحليل الفريق، الخصم، الأفراد …الخ، طبعاً مع اتخاذ أقصى الاحتياطات وتمرير بعض الأوراق أو اللقطات للاعبين. ومن ثم هنالك الجانب العملي، كأن يقوم المدرب بشرح التصرف المرغوب به بنفسه، تصميم التدريبات بعناية وجودة، التغذية الراجعة من المدرب في التدريبات، فكرة القدم معقدة عملياً، وللمرة الألف فيها الكثير من اللاتنبؤية والحالات التي تقف أمامها حائراً كقص روبن للعمق دون القدرة على إيقافه، إن كرة القدم ليست معقدة نظرياً والكثير من النظريات المزيفة والتحاليل المفرطة لن يجعلها كذلك. المدرب المميز ليس جيداً لأنه يكتب أو يقدم عروضاً تقديمية ومحاضرات، بل لأنه يعمل ميدانياً بشكلٍ جيد ومشهودٌ له من الخبراء والعارفين، ومن ثمَّ سيلقى طلباً لشرح ومشاركة أفكاره مع الطامحين لهكذا مهنة، تتفق مع أسلوبه أو لا هذا أمرٌ آخر. وإذا قيل “فلان” مدرب نظري بينما عديد المتابعين والمدربين يحللون فرقه، وعديد المدربين والمتدربين يصطفون لمتابعة تمارينه ((تطبيق)) منطلقين من جودة لعِب فرقه ((في المباريات)) فذلك يؤكد لي أن مقالة ذلك تعني عدم استيعابٍ للنظرية ولا للتطبيق ولا لكرة القدم، ولا لوجود طريقة استدلال وتفكير سليمة.

مارتن أØدِغارد

تستطيع أن ترى أنه يمتلك لمسة أولى جيدة، رؤية جيدة كذلك، لذا فلن يقع في فخ سرعة اللعب، وهذا هو الجيد فيه، إذ تستطيع أن تضعه في أي مستوى وسيتكيف […] ليس بالقوي –جسدياً- كفاية لكنه يستطيع مدارات ذلك، لأنه يصعب قبضه، إنه يمتلك هذه الرؤية.لقد كانت لدي خطة لتدريبه منذ أن كان في الخامسة من عمره، فدربته على الرؤية والتكنيك دائماً بالكرة. أن ترى شيء ولكن أن تفهم وتقوم بردة فعل شيء آخر.

اللاعب السابق والمدرب هانز إيريك والد مارتن.

كان أساسياً في فريقه سترومسغوديست، بل وتم اصطفاءه للمنتخب الأول فقط بسن الخمسة عشر عاماً، مارتين أوديغارد كما عنونت josimar.no هو حصيلة تراكمية، وساعات وساعات من التدريب، ففور خروجه من المدرسة يهرع لركل الكرة، وحيداً إن اضطر إلى ذلك. رأى والد مارتن أن ابنه يمتلك حساً ولمسة ولكنه يزعم أنه لو لا التدريب والممارسة لما كان على حاله اليوم، امتلك مارتن لحسن حظه والداً يعي ويدرك كيف يقضي ابنه تلك الساعات، فليست القضية فقط بالكم وإنما بالجودة. والكم لا شك أمر مهم للصغار إذ يرى هانز إيريك أن الموهبة ليست كل شيء (أو بالأحرى هناك من يرى أن لا موهبة بل هنالك قابليات تتشكل وراثياً وبيئياً؛ وهذا مبحث فلسفي معقد: الطبع والتطبع). يرى كذلك أنه استطاع تعليم ابنه مهارات إدراكية مغفلة كفحص ورصد المحيط عند اللعب، في أن يلقي نظرات خاطفة لما يحتجب عنه بغية الاحتفاظ بالنسق أو رفعه، إذ يقرأ مارتن اللعب بسرعة وهو الأمر الذي أهّله لأن يتفوق على أقرانه بسن مبكرة. ناهيك بالطبع عن أن والد مارتن حرص على أن تحتوي كل تمارين الصغار –وابنه في معرض حديثنا- على الكرة، من الإحماء حتى آخر رمق، وذلك طمعاً في أن يلمس الأطفال الكرة بشكل كثيف فتعدو جزءاً من أجسادهم.

امتلك الصبي المولود في درامن ولحسن حظه أبوان سعيا وساهما في اقتطاع قطاع لناديهم المحلي للعبة كرة القدم وقاموا مع بقية أهل المدينة في بناء مرفق وملعب ذو عشب اصطناعي ليمارس طفلهم وأطفال البقية ممن يقطنون المدينة لعبتهم المفضلة، بل ودرب هانز إيريك أوديغارد هذا النادي. كان مارتن يفوق بقية الصبية وهذا ما كان ملحوظاً منذ وقتٍ مبكر، ففي سن الـ12 كان بالفعل ينافس صبية الفئة ما دون الـ16، “يتعامل مع الأمور ببراعة، قرارات جيدة، لمسة جيدة، ذكي في التمركز” أحد مدربيه في الفئات السنية. ذاع صيت مارتن وبدأت الأندية ترسل كشافيها، تطور الأمر وصار يتدرب مع أندية كمانشستر يونايتد والسيتي وبايرن ميونخ، ولكن بعد تنافس فاز ريال مدريد بتوقيع النرويجي الأشقر بداية عام 2015. أعير صاحب الـ21 عاماً عدة إعارات بعد تمثيله الملكي الثاني ‘B’ حيث ساهمت أندية هيرينفن وفيتيسه بنمو اللاعب وحصوله على دقائق لعب يستحقها، أما الآن فنجمه يسطع في اللاليغا بأزياء النادي الباسكي ريال سوسيداد.

لعب صاحب القدم اليسرى في بداية مسيرته القصيرة كجناح أيمن حيث يبرع في القص عرضياً وركن كراته أو مفاجئة خصومه بالبينيات. لاعب مثل مارتن، بجودته التي تمكنه من اللعب في أي مركز في الخطوط الأمامية عدا رأس الحربة -التقليدي إن شئت- من المكسب حقيقةً وضعه في عمق الملعب سواءً كصناع ألعاب أو لاعب وسط داخلي (مركز 8#) يسقط باستمرار للمساعدة في إخراج الكرات من الخلف، يتغلغل بين خطوط الخصم ويرفع النسق من الأسفل إلى الأعلى بإدراكه وتمييزه للمساحة والتوقيت.

بارع فنياً، يمتلك تحكماً مميزاً بالكرة، كما يمتلك لمسةً جذابة علاوةً على الغاية والمقصد من التكنيك. متمكن في المساحات الضيقة إذ تتوافر لديه الشروط الفنية الآنفة الذكر، جودة اللمسة، وتكتيكياً في حماية الكرة غالباً بلا صراع بدني مستخدماً إيماءات جسدية للتخلص من خصومه. يرى دائماً للأمام ويبحث عن التمريرة الكاسرة الخارقة للخطوط أو الحاسمة، يرفع النسق بمجرد استلامه للكرة فيما بين الخطوط، أو يهبط النسق وفقاً لحالات أخرى. هذه الخصائص تمكنه من اللعب في أي فريق وأي أسلوب، استحواذياً طامعاً للهيمنة والتحكم في الرتم، أو فريقاً يتوق لتخطي الخصوم فورياً وعمودياً، أو حتى فرقاً مباشرة تتّكل على التحولات إذ أن احساسه العالي بالمساحة وقدرته على طوي المسافات فور استلامه للكرة سلاح فتاك في الهجمات المرتدة، وهذه إحدى مسوغات إيمانول ألغواثيل لوضعه خلف خط وسط الخصم عندما يدافع ريال سوسيداد كما سنرى. يضع حالياً ألغواثيل الموهبة النرويجية في الجانب الأيمن من ثلاثي الوسط 8#، مع دخول بين الفينة والأخرى لعمق الملعب خلف المهاجم (مركز 10#) خصوصاً في الحالة الدفاعية عند الضغط عالياً.

لمسته الأولى خداعة مع اقتراب الخصم، يستخدم جسده جيداً لإتاهة خصمه. مسار دحرجته للكرة محسوب بدقة عند الدوران تحسباً لمن خلفه.
علاوة على قدرته على اللعب بالمساحات الضيقة، فالقص للداخل ولعب البينيات سمة أصيلة فيه.
خذ وهات، 1-2، give & go مرر وانطلق، اسموها ما شئتم، بوضوح هو متخصص بهذه الحركة. هي حركة يصعب الدفاع ضدها، ببساطة يمكنك مراقبة سلوك المدافع/المدافعين القريبين من الكرة، ففور أن يقوم اللاعب بإطلاق التمريرة الأولى، نرى أن أعين المدافعين تذهب إلى حيث تكون الكرة، فيقدون الرؤية للاعب المنطلق لجانبهم المحجوب.
استلام موجه control orientado ( بالإضافة للخذ وهات يمكنكم ملاحظة هذه التصرفات في اللا ليغا بكثرة -ثقافة تُزرع منذ الصغر- هذا ما يجعل اللعب دائماً سلس ومنساب)، ذلك مرتبط برؤيته وتمركزه وتوجيهه لجسده قبلما تصله الكرة.

عند مراحل بناء اللعب الأولى، وعندما تكون الكرة لدى الظهير يميل أودغارد للتحرك نحو خط التماس وأمام الظهير وخلف اللاعب الضاغط على الظهير، فاتحاً مخرجاً ومسار تمرير ومحرراً نفسه من اللاعب الملازم له. ذلك أيضاً قد يفتح مساحة ومسار تمرير نحو المهاجم.

مارتن لا يختبئ وحسب في ظل لاعبي وسط الخصم -كناية على أنه يتمركز بين الخطوط- وإنما سيبحث عن التحرر وعن فتح مسار وزاوية التمرير لنفسه مستغلاً انعدام الرؤية للاعبي وسط الخصوم.
مع اكتظاظ المساحة عند تقدم مرحلة بناء اللعب، سواءً بلاعبي الخصم، أو حتى لعدم التداخل مع الزملاء، يتأرجح مارتن للخلف طمعاً في التحرر، يمكننا ملاحظة هذا السلوك في مختلف مراحل اللعب عندما تكون الكرة على طرف الملعب محافظاً على تشكل المثلث في الطرف مع الجناح والظهير، ومن ثم عبر مراوغته من الخلف أو حتى للقيام ببينية أو ثنائية خذ وهات.

اللاتنبؤية إحدى أهم سمات مارتن، إن أفضل الفرق هي التي تملك لاعباً أو لاعبين يضفون عنصر المفاجأة للعب فرقهم. نلاحظ بجلاء التمريرة المموهة/disguised pass في اللقطات الأولى أين يكون توجيهه الجسدي وعيناه نحو لاعب فيمررها للاعب آخر كان قد تحرر بسبب حركة أو وضعية حامل الكرة. وعلاوة على ذلك فقراراته المسبقة -مع احتفاظه بمراقبة تطور اللعب- قوية، إذ نلاحظ قدرته على اللعب بلمسة إن تطلب الأمر.

في الثلث الأخير يستغل أودغارد دخول وانجذاب مدافعي الخصم مع المهاجم والجناح لمهاجمة المرمى عبر طلبه للكرة على مشارف منطقة الجزاء، باحثاً عن عرضية مبكرة -كما في الهدف ضد أتليتكو- أو عبر عكسية/cut back.

ليس بقاطع الكرات العظيم ولا يدخل بمنازلات واحتكاكات بدنية ولكنه يتميز بقطع مسارات التمرير، عقف وتقويس حركته عند الضغط، بالتالي يستطيع التعامل مع لاعبان في ذات الأثناء.
أمام برشلونة كان أكثر حرصاً على منع بوسكيتس من الكرة.
نلاحظ دفاعياً أنه يشكل الخط الأول للضغط بالقرب من المهاجم، نجده ملازماً لمحور الخصم ويضغط على قلب الدفاع عندما يأمن ظهره بسد مسار التمرير نحو المحور.

من خلال تمركز أودغارد -تحديداً- بعمق الملعب وخلف خط وسط الخصم يتمتع سوسيداد بارتداد سريع عبر تسارع مارتن وتغييره للرتم. بإمكانك أن ترى في اللقطة الأولى أين كان يلتفت/يتفحص، إذ يبدو متيقناً من المساحة أمامه ولكن المشكلة فيما يجري خلفه. كما يمكن أن نرى في الثانية 32 أن الحاجة أم الاختراع، مارتن دار مستخدماً كعب قدمه يبدو وكأنه تكنيك جمالي إلا أن وضعيته الجسدية لم تكن بالشكل الأمثل، ذلك ما جعله يضرب عصفورين بحجر، فلا داعي لأخذ الكرة خطوة للأمام (نحو مرمى فريقه) ذلك لأنه سيخسر وقتاً وربما مساحة.

قبل الختام، لا يوكل ألغواثيل مهام جوهرية لجوهرته السكندنافية على مستوى الكرات الثابتة دفاعياً، إذ نجده بعيداً عن مناطق الخطر، حيث ينحصر دوره في ركلات الزاوية على تبوء المنطقة التي قد يستهدفها الخصم للعب عرضية أرضية، أمام القائم الأول على آخر أمتار منطقة الجزاء، وكذلك سيزيد عددياً عند لعب الخصم تمريرة قصيرة (2 ضد 2)، في حين يقف في الكرلات الثابتة الجانبية كلاعب أول في الخط الأول، ومسانداً كذلك حال لعب الخصم كرة قصيرة. أما هجومياً فهو المنفذ الرئيسي للركلات الثابتة غالباً وللركلات الزاوية في الجهة اليمنى خصوصاً.

أمّا مواطن التحسن فقليلة؛ الكمال لله، لو رمنا تحسّن مارتن في النقاط التي لا يجيدها كالاحتكاك البدني، أو الكرات الهوائية التي لا يشارك بها لربما أصبح ملاكاً لا يخطئ، ولا يجب أن يكلف أو يطالب اللاعب إلا ما يسعه تقديمه، غير أن محاولة الكمال فضيلة بحد ذاتها، فنجد مارتن في الثلث الأخير متعجل أحياناً، يسدد برعونة، حتى بينياته عندما يقترب من المنطقة مسرعاً ليست بتلك الدقة، ثم مشكلة التمركز -الملازمة لريال مدريد- ولو أنه لا يكررها كثيراً كنزوله عند قلوب الدفاع.

2,7 مراوغة ناجحة في المباراة الواحدة، 84,7% معدل التمريرات الصحيحة للمباراة الواحدة، 2,8 تمريرة حاسمة/key pass، تمريرات بينية بمعدل 0,3 في المباراة الواحدة. في الحقيقة لا تشي هذه النوعية من الإحصائيات بشيء، فحتى التمريرات البينية لها شروط وفقاً لـ whoscored (يستقي البيانات من opta) إذ يجب أن تمر التمريرة بين مدافعين من خط الظهر، في حين تُغفل بقية التمريرات البينية والكاسرة للخطوط والتي تعطي الفريق تفوقاً وتقدماً نوعياً في الهجمة، تغيير النسق بعد الاستلام فيما بين الخطوط، الاستلام الموجه، توفره كخيار أفضل للتمرير للأسف ليس لها مكان في هكذا إحصائيات.

قلوب الدفاع

لقد تصدينا في المقالات السابقة لعددٍ من المبادئ والمفاهيم التكتيكية الفردية العامة؛ أي لكل فرد بصرف النظر عن المركز والموقع أو الدور. في هذا المقال سنخصص الحديث عن مركز قلب الدفاع وما يترتب على هذا المركز من وظائف وأدوار وفقاً لخصائص وإمكانات اللاعب. لقد تطرقنا فيما سبق لبعضٍ من المهارات الخاصة بالمدافعين، مثل المراقبة والاستباق، وكما ذكرت بعض المبادئ العامة لأي لاعبٍ على الرقعة الخضراء.

في البدء سنتحدث عن قلب الدفاع في الحالة الهجومية، ‘يصعب’ في الحقيقة تطويع قلب الدفاع ليتخذ أدوار متعددة، وإنما قد تقتصر المهام الموكلة إليه ضمن نطاق محدود، ذلك لأن القلوب هم الستار والغطاء لطبقات الفريق وخطوطه. ولا شك أن لكل قاعدة شواذ، يتبادر إلى ذهننا إنطلاقات بيكينباور وقد تكون بالنهاية قرارات عرَضية وقليلة الحدوث، أو أن يلعب لاعبٌ ما بمركزين لكل حالة، ففي الحالة الهجومية يكون محوراً وفي الحالة الدفاعية يكون قلباً (فيرناندينيو مع بيب ضد أرسنال فبراير الماضي) أو العكس (إيمري تشان مع أليغري ضد أتليتكو)، أو أن يكون ظهيراً عند الدفاع وقلباً حالة الهجوم (كبارزاليه مع أليغري)، وإلى غير ذلك مما سنحاول التعرض إليه.

التمركز والتباعد والتوجيه الجسدي

قد تتمركز بمكانٍ صحيح ولكن بوضعية جسدية سيئة، أو قد تتخذ وضعية جسدية صحيحة غير أن مكانك خاطئ، هذا اعتراض خوانما لييّو على تسمية أسلوبه –وهو أسلوب بيب، وكرويف من قلبهما- باللعب المركزي/التمركزي juego de posicion، إنها أزمة مصطلح. مهما يكن من أمر فانسيابية اللعب ستتكسر طالما أن هذه التفاصيل مهملة، ولعمري إن لم تكن هذه هي التكتيكات فما هي إذاً؟ القوالب الجامدة 4-3-3 أو 3-5-2؟ … والمقام هنا على الفرق التي تفضّل تدرج اللعب وتعتمد على قلوب الدفاع كبُناة لَعِب.

من حيث التمركز فالقلب سيغوص في العمق أكثر مع اقتراب خط الضغط الأول للخصم؛ أي المهاجمين. ومن ناحية الهيئة الجسدية فسيكون جسمه للأمام (نحو مرمى الخصم) مع ميلٍ نحو حامل الكرة مفسحاً المجال لنفسه الاستلام بوضعية مريحة (أنظر أبيدال في اللقطة الأخيرة).

موقف سلبي عبر قلبي الدفاع، إذ لم ينقسما أو يفتح أحدهما أو كلاهما خيار تمرير للحارس. هذا سلوك طبيعي لدى الفرق التي لا تبادر ولاتفضّل بناء اللعب من الخلف.
أو ربما الفرق الغير مدربة بشكل جيد، أو لأي أسباب أخرى، كسبب استراتيجي حفاظاً على نتيجة مرغوبة وما إلى ذلك.
في ثلاثي الدفاع، غالباً ما يتخذ القشاش/الليبرو أو متوسط الدفاع تموقعاً أعمق، ذلك لفتح زاوية تمرير لحامل الكرة أين يكون مجرى الكرة آمناً.
فيما ينزل القلبين الآخرين عند عودة الكرة للحارس، أو أحياناُ لفتح مسار تمرير للقشاش تبعاً لتواجد الخصم.

حامل الكرة على عمق الملعب هو المتسيد لتلك اللحظة طالما أتقن توجيهه الجسدي وامتلك قدراً من الإحساس بالكرة، فالرأس مرفوع برؤية بانورامية شاملة للملعب، هنا بإمكان المدافع التلاعب بخصمه الضاغط، إذ قد يقرر تمرير الكرة إلى لاعب معين بوضعية أفضل لتقدم الكرة “خيار أمامي”، إلا أنه بحاجة لتحريك ذلك الخصم لينبثق له مسار تمرير، ولن يتم ذلك إلا عبر استخدام جسده؛ أي عبر الميل إلى جهة المحور وكأنه سيمرر له ولكنه سيمررها للداخل كما في اللقطة التالية د19:25. أو حتى باستخدام عينيه لاستدراج الخصم كما يشير بيكيه: “حين استلم الكرة، أحاول استدراج الخصم لتقديم تمريرة مفيدة، أبحث عن 2 ضد 1، مثلاً، عندما أرى تشافي مراقباً، أحدق في اللاعب الذي يراقبه وبهذا سيحاول الخصم إما القدوم نحوي أو البقاء مع تشافي. وعادةً ما يتقدم نحوي فأمررها إلى تشافي، عندها يستطيع تشافي الدوران والتقدم للخط التالي.”

ستحيلنا هذه اللقطة إلى مفهوم آخر مهم ألا وهو المدافع المراوغ dribbling CB، بالطبع هو هنا لا يراوغ بالمواجهة وإنما بتخطي المهاجم (والخط الأول للضغط) والتقدم بالكرة عبر القنوات. وعبر التوغل بالكرة في المساحة يتسنى للمدافع استدراج أحد لاعبي وسط الخصم للضغط من منطقة عميقة، إذ سيكون بذلك متأخراً ما سيتيح للقلب استهداف أحد اللاعبين فيما بين الخطوط، سواءً عبر تمريرةٍ مباشرةٍ منه أو عبر الرجل الثاني فيكون اللاعب فيما بين الخطوط لاعباً ثالثاً. أما إذا لم يعارض القلب المتقدم بالكرة خصماً فيستطيع المدافع تحريك خصمه وإيجاد أحد زملائه خلفه ونقل الهجمة لمرحلة متقدمة.

من بين آخرين، أمور يقوم بها بونوتشي..!
لاعبي الوسط الداخليين (كانتي وباركلي) يقفان حجر عثرة أمام قلبي السيتي استراتيجية مضادة لهذا المفهوم.
بالطبع يسبق ذلك سدهم لخطوط التمرير خلفهم عبر تغطيتهم لظهورهم، ومن ثمَّ توقيت الضغط.

في اللقطة الأخيرة نرى كذلك سلوك أوتاميندي في الدخول وتبوء موقع في العمق مع تقدم ستونز بالكرة، وهذه أيضاً ستحيلنا إلى نقطة مهمة تكتيكياً، فهو بذلك يتخذ موقعاً يضفي توازناً حال فقدان فريقه للكرة، إذ أن كل سلوك هجومي يتضمن سلوكاً دفاعياً بالنسبة للمدافع.

في الكرات العالية -المقصود بها نقل اللعب لمنتصف الملعب- يطويويغلق القلبان خط الدفاع. كون الكرة في الهواء تعتبر بين بين فلا هي حالة هجومية ولا دفاعية.
نرى القلبيْن هنا ينقسمان على كل جانب، ومن ثم بعد الكرة العالية يضمان ويطويان للداخل، مجدداً للتغطية كون الكرة بين بين.

قال لي كرويف ذات مرة: أولُ ما تقوم به إذا امتلكت الكرة هو أن تنظر لأبعد/أعمق نقطة ممكنة، مرّر نحو روماريو، أو لاودروب، نحو العمق، وإن لم تكُن هنالك مساحة فمرّر هنا -بالقرب منك- ولكن إذا كان بمقدورك أن تلعب للعمق فأفعل.

بيب غوارديولا
يجب أن تمتلك رؤية للقيام بذلك زائداً تواصل مع المهاجم، فضلاً عن دقة وسرعة التمريرة. أنظر لأبعد نقطة لكن شريطة أن ترى القريبين كذلك.
أنظر للصورة كاملة بتفاصيلها، فتمريرة قريبة أبلغ من تمريرة بعيدة قد لا تفيد كالكرات الطويلة التي قد يخسرها الفريق أحياناً،
أو أن تكون ظروف المستلم ليست مواتية: تحرر، نقص عددي، تمركز..الخ.
على مستوى التمركز؛ نرى في هذه اللقطة تصرفاً خارج الصنودق من قلب الدفاع لفتح مسار تمرير للحارس مستغلاً إنعدام رؤية المهاجم وركضته المستقيمة دون إدراك لما خلفه، ناهيك عن صحة قرار الضغط اصلاً.

ذكرنا عدة أمثلة للاعبين امتلكوا أدواراً مزدوجة كبارزالييه وبعض الحالات الطارئة كفيرناندينيو وتشان. هنا نرى قلب دفاع شتوتغارت #4 مارك أولي ڤ ر كيمف، يمتلك حرية التنقل بين خط الظهر وخط الوسط وحتى في التوغل عبر الأطراف وخلف دفاعات الخصم. أي توظيف هكذا ينطوي عليه تحركات تعويضية/تبادلية لشغل وتبوء مساحة ما، وبالطبع فنرى الأظهرة تدخل لتعويض خروج إذ يلعب الفريق للحظة بقلبين ثم بثلاثة، لا مركزية في أبهى صورها لمدرب لو على شأنه قد تكون ثورة اللامركزية الحقيقية على يده: تيم ڤالتر.

قلب الدفاع دفاعياً

في كرة القدم هناك نظامان رئيسيان تتفرع منه وتتشعب أنظمة أخرى، وهما: دفاع المنطقة والمراقبة رجل لرجل. أما الفرق بينهما –أي النظامين- فيتجلى في النقاط المرجعية، ففي نظام الرجل لرجل هناك أولوية لمراقبة الرجل المقابل، ومن ثم مكان المرمى والكرة وأخيراً مكان الزميل. أما في المنطقة فمكان الكرة أولاً ومن ثم المرمى فالزميل وأخيراً الخصم/الرجل. هذه النقاط -لكل نظام على حدة- هي من ستحدد تمركز قلب الدفاع. وعلى العموم فهنالك مبادئ مشتركة للتمركز الصحيح في جميع الأنظمة، مع وضع خصوصية كل نظام بالاعتبار. دون ذكر كيفية تأويل هذه الأنظمة لكل مدرب وبلد وثقافة، فدفاع المنطقة له عدة أشكال، وكذلك دفاع الرجل لرجل، دون نسيان النظام الهجين؛ أين تمتزج مبادئ دفاع المنطقة مع دفاع الرجل لرجل وتتبدل النقاط المرجية حيث: مكان الخصم والكرة لهما ذات الأهمية.

سنحاول في هذا المقال أن نتحدث عن قلب الدفاع الشامل؛ أي من يتخذ قرارات من عند نفسه بصرف النظر عن النظام فمهما بلغ الفريق من تنظيم فهنالك طوارئ ومشاكل تتطلب مبادراتٍ ذاتية/شخصية، وبالطبع سنتحدث عن المبادئ العامة التي يتّبعها “كل” فريق كرة قدم. والمدافع الشامل كذلك هو غير المقيد بنظام (رجل لرجل أو دفاع منطقة)، إذ أن هنالك الكثير من الفرق اليوم تفضل أنظمة متوازنة في الضغط والدفاع، والنظام الهجين أحد أشكالها، وهناك من يفضل نظاماً شاملاً؛ أين يُعتمد فيه على غريزة المدافع وقراءته للعب لاتخاذ اللازم من القرارات، فهو سيقدّر ما إذا كان عليه ملاحقة المهاجم أو المبادرة لاستخلاص الكرة استباقياً أو عبر الافتكاك بالمواجهة أو الإنزلاق، أو تمركزه داخل منطقة الجزاء، أو التراجع والتقدم وفقاً لمكان الكرة، ناهيك عن الحالات الطارئة والحرجة 1 ضد 1 أو ضد 2.

مهما كان النظام المتبّع في الفريق، ثمة مبادئ ينبغي اتباعها لقلب الدفاع:

  1. ضع المرمى دائماً كنقطة مرجعية أساسية؛ واجه خصمك أو لاحقه، أو غطِّ زميلك ولكن وجّه جسدك وفقاً لمكان المرمى.
  2. راقب اللاعب أو غطِّ مساحةً/لاعباً ما دون التداخل مع الزملاء؛ تدرج دفاعي وتعاون.
  3. في التفوق العددي بادر وافتكّ الكرة أو ضيق على الخصم، في النقص أو التكافؤ العددي تراجع أو ضيق وفقاً لوضعية حامل الكرة وقربه من المرمى.
  4. تقدم مع عودة الكرة للخلف –أي نحو مرمى الخصم- وضيق بمعية الزملاء مساحة اللعب واترك المهاجم متسللاً، ابقَ دائماً ملتزماً بالخط الأخير.
  5. أبقِ عينيك على المهاجم علاوة على الكرة، استرق النظرات خلفك داخل المنطقة بغض النظر عن توجيهك الجسدي. ضع باعتبارك زاوية الحارس إذ من الأجدى تركها للحارس وتغطية أي عرضية متأخرة محتملة.
افتكاك عبر الاستباق

بمجرد ما إن انكشفت الكرة استبق المدافع المهاجم للكرة، التصق به أولاً (مكان المرمى) ثم افتك الكرة لدى قرائته للعب. يُذكر أن سامبدوريا كان يطبق دفاع المنطقة مع ديل نيري، أي أن المهاجم لا يراقب المدافع إلا إذا كان خياراً حقيقياً للتمرير، كما يتعين على المدافع ضبط التوقيت لئلا يفقد الكرة والمهاجم سوياً.
*كرة مكشوفة أي يمكن لعبها للأمام.

إن المبادرة وافتكاك الكرة عبر الإستباق تصرف محبذ في نظام رجل لرجل، وهي خاصية يتميز بها مدافع عن آخر (أنظر كاناڤارو مثلاً) أو إذا ما أراد مدرب ما تطبيق هذا النوع من الرقابة. يجب أن توضع هذه الخصلة بعين الاعتبار لدى الكشافين.

استباق هنا كذلك، بنظام رقابة لصيقة.
اعتراض ومواجهة 1 ضد 1، أولاً نرى تمركز هوملز وأخذه خطوات للوراء، ثانياً وضعية جسده الجانبية؛ فبذلك سيبقي نفسه باللعبة في حال تخطاه المهاجم، إذ بإمكانه استعادة الكرة عبر الإنزلاق الجانبي أو الخلفي إذا قدِم من خلفه. أما قرار التدخل وتوقيته فقد تم عبر مستثيرة واضحة: عدم سيطرة المهاجم على كرته، خصوصاً لمسته الأخيرة الفضفاضة.

في الحالة 1 ضد 1 –بالنسبة لقلب الدفاع- سيختلف التصرف وفقاً للمعطيات التالية: مكان الكرة؛ مكان حامل الكرة أو النقطة المحتملة لوصول الكرة (ثنائية صِرفة هوائية كانت أو أرضية). مدى أريحية حامل الكرة، ومن هو حاملها، وما إذا كان القلب المعني مغطىً أم لا.

الأفضل عندما تكون الكرة بعيدة عن المرمى، والمهاجم له مطلق السيطرة على الكرة هو الانسحاب للخلف، ذلك يبدو تصرفاً حكيماً عندما يكون المدافع غير مغطى، وقطعاً مع إبقاء البصر على الكرة. وكلما اقتربت الكرة للمرمى كلما ازدادت الحاجة للتدخل والمبادرة ودوماً بوضعية جسدية مرنة تتيح للمدافع الدوران والبقاء في اللعبة.

خيمينيز وتصرف مثالي في 1ضد1 أمام نيمار، تعديل تموقع ثم الاقتراب نحو نيمار منتظراً تراجع زملائه، راقبوا وضعية جسده ومرونتها.

حالة 1 ضد 1 مختلفة (صراع ثنائي)، قراءة ممتازة من المدافع، فَفور انكشاف الكرة قرر المدافع العودة ومحاولة التغطية لئلاّ تمر الكرة خلفه نحو ستيرلينغ، ومهما كان خصمك سريعاً فتوقيت انطلاقتك وتوجيهك الجسدي أهم من السرعة، إذ استطاع المدافع انقاذ الموقف بعد التقاطه للكرة قبل ستيرلينغ، فقدها فوراً ولكنه ضيق وحاول منعه من الدوران، وما إن التف فقد الكرة. هنالك العديد من الحالات التي تستدعي الدراسة إلا أنه يصعب حصرها، والأهم هو بقاء النقاط المرجيعة التي ستحدد قرار المدافع لكل حالة.

حالة 1ضد2، فمكان المرمى أولاً، دائماً حاول حماية المرمى، ثم الاقتراب إلى حامل الكرة وليس إلى اللاعب الثاني عندما تكون الكرة بعمق الملعب أما إذا كان حامل الكرة على الطرف فحماية المرمى أولى وبالتالي الاقتراب من اللاعب الثاني.

حالة 2ضد3 تليها 1ضد2، ما يهمنا الحالة الأولى وهي التي أدت للنقص العددي وعزل المدافع الأخير أمام المهاجميْن. بالطبع الأمر ليس بالبساطة التي نتصورها فالوضع داخل الملعب مختلف لعدة أسباب، غير أن الخطأ خطأ ومن هنا يبدأ التصحيح وتقليل اقتراف الأخطاء التي يمكن تلافيها. هنا حاول بروما مجابهة حامل الكرة على الدائرة، بدلاً من الانسحاب للخلف وربما مواجهة فيرنر.

حالات مختلفة

ذكرنا مبدأ الكرة المكشوفة فيما سبق، نرى بوضوح تصرف القلبين لدى انكشاف الكرة إذ قاما بالركض للخلف، لإغلاق وانتزاع العمق. دائماً لا تفقد الرؤية للكرة.
ربما لست بحاجة لمعرفة من خلفك ولكن الأكيد أن انكشاف الكرة مع دوران باجّو يعني التراجع بسرعة،فالدفاع العالي الساكن ذنبٌ لا يغتفر.
قلب الدفاع زاغو قد أخذ خطوة للأمام بدلاً من الخلف.
راقبوا تصرف بيكيه، فمع تراجع حامل الكرة للخلف يتقدم للأمام، مضيقاً مساحة اللعب. يتبعه بويول ومن ثم ألڤيس.
في المقال السابق “دفاع المنطقة” تطرقنا للدفاع ضد الكرات العالية، حيث ينزلق الثلاثي بعد خروج القلب مثلاً مشكلين خط تغطية. هذا ليس الحال بالنسبة لكثير من الفرق، إذ نرى هنا أنه تصرف فردي من قلب الدفاع. ذلك ببساطة لأنها لا تطبق نفس النظام فلكل مدرب فكرته وليس لأحدٍ أفضلية على آخر.

يختلف تعامل قلب الدفاع بالقرب من المرمى وعند العرضيات المتأخرة أو المبكرة، فكما أسلفنا ينبغي وضع الحارس وزاويته بالحسبان وذلك مقترن بمكان المهاجمين داخل المنطقة بمعية حامل الكرة، نشاهد في اللقطة الأخيرة سويونجو بوضعية جانبية نصفه إلى المرمى ونصفه إلى المهاجم (كذلك القلب الآخر والظهير)، يختلف التصرف أحياناً فنجد أن بعض المدافعين يميلون بأجسادهم نحو المهاجم، اختلاف تأويل وتقدير، وأحياناً وفقاً للمدرب.

الدفاع ضد العرضيات المبكرة، سلوك كييليني وبونوتشي هنا: تحسس للمهاجم أمامهم وبوضعية جسدية أميل للمهاجم، لكن مع عدم إغفال النظر للكرة، إذ يجب توقع مكان وصول العرضية وحركة المهاجم كذلك وأخذ خطوة للخلف، والحارس هنا له أهمية أيضاً في التواصل. على المستوى الجماعي، نلحظ وبمجرد عودة الكرة للخلف يخرج المدافعون خارج منطقة الجزاء، أولاً للتضييق وثانياً درءاً للاحتكاك داخل المنطقة لأي سببٍ كان.
في هذه الحالة أخطأ ڤوغت التقدير إذ انجذب للمهاجم بالرغم من تغطية زميله خلفه، فالمستحسن تدخل ڤوغت بمجرد دخول حامل الكرة للمنطقة.
ربما تكون مشكلة تواصل، فلا يمكن للمدافع فتح جهة المرمى بهذا المكان، وبتواجد زملاء يغطونه.

دفاع المنطقة: النظام الخالص

الأنظمة الدفاعية الأساسية في كرة القدم ثلاثة: رجل لرجل والرقابة اللصيقة بشكلها القديم والتي لم تعد تستخدم في وقتنا الحاضر، ثم هناك دفاع المنطقة أينما يبقى كل مدافع في منطقة معينة وفقاً للكرة، أما النظام الثالث فيمكن تسميته بالرجل لرجل الحديث حيث يتّسم نوعاً ما بالتنظيم، في النظام الأخير يراقب المدافع (جميع اللاعبين في الحالة الدفاعية) اللاعب الذي يدخل منطقته ويكون لاعب الخصم المقابل له هو النقطة المرجعية الأولى، يستخدم هذا النظام مدربين مثل بييلسا وفان خال وغاسبيريني وغيرهم. أمّا دفاع المنطقة فكل لاعب مسؤول عن منطقته، الكرة ومكان تواجدها هي النقطة المرجعية الأولى للفريق وللاعبين، ثم المسافة إلى المرمى، بعد ذلك يجب أن يراعي اللاعب مكان زميله لتوفير التغطية ولا يستحسن أن يقفز اللاعب خارج منطقته المحددة كما يحدث في دفاع الرجل لرجل، أو أن يبقى ملاصقاً لخصمه كما في نظام الرجل لرجل الحديث، وأخيراً مكان تواجد الخصم. إذاً النقاط المرجعية تسلسلياً: الكرة، المرمى، الزميل وأخيراً الخصم.

إن المبدأ الأساسي لدفاع المنطقة هو الدفاع في منطقة الكرة (الصورة السابقة)، وليس الدفاع في منطقة منخفضة كما تسود الفكرة. في هذا النظام يعمد الفريق على تضييق وتقليص مساحة اللعب على الخصم وبالتالي قد يُجبر الخصم على اتخاذ قرارات سريعة حيث يتمكن الفريق من استعادة الكرة أو على الأقل منع دخول الكرة لمناطق خطرة ومتقدمة. خطوط الفريق عرضياً وطولياً متقاربة ويتحرك الفريق ككتلة للأمام وللخلف ومن جهة لجهة وفقاً لمكان تواجد الكرة.

النقطة المرجعية الأولى لنا في الحقيقة هي الكرة، والحال ليس كذلك بالنسبة للآخرين، ثم منطقياً هناك خصم أيضاً ولكننا نتحرك ونتصرف وفقاً لمكان الكرة.

جوفانّي مارتوشييلّو، مساعد سارّي

 “تواجهنا كثيراً في دوري الهواة، كانت موجهات متوازنة وكنا مصممين على دفاع المنطقة ولم نك نوسع الملعب لأن الدفاع كان الأهم بالنسبة إلينا كلانا، كثيرٌ من تلك المباريات تنتهي بالتعادل لأن فرقنا كانت مغلقة جداً”

لوريس بيوني صديق سارّي ومدربه السابق في دوري الهواة ومساعده في يوفينتوس حالياً.

 المدرب يعمل كثيراً على الدفاع، وهو أحد أسباب انضمامي لسامبدوريا، باستطاعته تعزيز ورفع مخزوني التكتيكي

جيان ماركو فيرّاري عن جامباولو

مزايا دفاع المنطقة:

  • فريق ضيق ومترابط
  • لاعبين أكثر بالقرب من الكرة
  • قابلية التكيف ضد أي خصم
  • التعاون “كفريق” في الضغط

التكتيكات الدفاعية بشكل عام:

أ) تدرج: يجب أن يكون الخط الواحد -خط الظهر مثلاً- متماثلاً وليس على خط مستقيم، يجب أن يغطي المدافع منطقته ويغطي المنطقة خلف زميله المواجه للكرة، بالإضافة لمراقبة الخصم، التدرج الصحيح يتيح للفريق تغطية متبادلة لبقاء الفريق مترابط وغير مهلهل ومفكك.

ب) التأخير: تقليل الوقت وامتصاص المساحة من الخصم ويطبق على شكلين: 1-المماطلة: ابطاء هجوم الخصم عبر ترك منطقة الكرة –للاعبين البعيدين عن الكرة- والانسحاب باتجاه المرمى واستعادة الشكل الدفاعي .2- الاندفاع تجاه الكرة وتطبيق مصيدة التسلل وعملية الضغط.

جـ) التكثيف: أن يكون جميع أو أكبر عددٍ ممكن من اللاعبين خلف الكرة، أي تكثيف المنطقة حول الكرة. وكلما اقتربت الكرة أكثر إلى المرمى كلما اضيقّ الفريق بتقلص المسافة بين اللاعبين وتسمى هذا الفكرة بالتقمّع الدفاعي imbuto difensivo من الإيطالية.

د) التوازن: وهي ابقاء تغطية متبادلة في جميع الظروف -اللاعب الثالث المغطي للاعب الثاني- وعدم التأثر والانجذاب للاعبي الخصم، لأن الأهم هو تغطية المساحة ومن ثم الزميل وأخيراً لاعب الخصم.

هـ) السيطرة والحذر: معرفة الحالات التي تستدعي التعديل/الإصلاح ووضع النقاط المرجعية الأخرى بالاعتبار بجانب الكرة وهي الزميل، المرمى، الخصم والمساحة.

التوجيه والوضعية الجسدية

عندما لا تكون الكرة بحوزتنا، أ بقِ بصرك باتجاه الكرة أولاً ومن ثمّ التوجيه؛ أي الموقع ما بين الكرة والمرمى، وثم الزميل، يجب إبقاء مسافة مناسبة دائماً.

ماركو جامباولو
مجدداً تعتمد وضعية المدافع الجسدية على مكان الكرة، الكرة هنا في عمق الملعب: قلبا الدفاع متباينا التمركز والظهيريْن كذلك، وذلك بالطبع لزاوية رؤية كل لاعب على اعتبار مكان الكرة.
مع نقل الكرة للطرف، أي طرف، يغير المدافعون وضعية أجسادهم نحو الكرة، وضعية جانبية لا تميل نحو المهاجم بل نحو المرمى بعد الكرة.
الوضعية الجسدية ستمكّن المدافع دوماً من تغطية المساحة إذا ما لُعبت الكرة خلفه، نرى حتى التقدم والتراجع له خصوصية،
إذ أن الوضعية الجانبية “على الطرف” تضفي مرونة للحركة ما سيجعلك تنطلق قبل المهاجم عند قراءة اللعب من هذا المنطلق.

المفاهيم الأساسية: القطر الدفاعي والهرم الدفاعي

قطر دفاعي في وسط (عمق) الملعب، وكما يتضح لنا خط قطري افتراضي بين القلب والظهير.

قطر دفاعي على طرف الملعب فكما ذكرنا في “التدرج” لا يجب أن يكون خط الظهر على خط مستقيم ومنبسط في حالة الضغط أو عند الارتقاء للكرات الطويلة. ولتغطية المساحة، هذه المصطلحات تعتبر من أهم مفاهيم دفاع المنطقة وتعني التناوب في عملية الضغط بين اللاعبين. فعندما يضغط الظهير على حامل الكرة ينخفض أو ينزلق الثلاثة البقية مشكلين خط يسمى “خط التغطية” وهذا ما يعنى به “القطر الدفاعي”.

إذا كانت الكرة في عمق الملعب وقام قلب الدفاع بالضغط، يقوم البقية بتشكيل خط تغطية وهذا ما يطلق عليه “الهرم الدفاعي”، بالإضافة إلى ذلك، يجب على الثلاثي التقارب فيما بينهم لتقليص المساحة الخاوية التي تركها القلب لكي لا تستغل.

في هذه اللقطة يطبق نابولي الهرم الدفاعي 1-3، أي يخرج قلب الدفاع ويضيق الثلاثة البقية للعمق د10:15.
بعد تخطي كوليبالي يخرج القلب الآخر “ألبيول” ويطبق الهرم 1-2، أي يخرج أحد الثلاثة “القلب” ويقوم الظهيران بالتضييق د10:17.
خط التغطية في الكرات العالية
“دفاع بلا خط تغطية” فكما نرى خروج لاعبين اثنين للكرة العالية والظهير الايمن ليس على نفس الخط.

الامتطاط الدفاعي

“السكون موت الدفاع، ولهذا السبب يجب ألاّ يبقى خط الدفاع في موضع ثباتٍ وجمود، بل أن يكون خط الدفاع دائماً متموج ودائم الحركة، وأن لا يتوقف عن تطبيق الامتطاط الدفاعي.”

فرانتشيسكو كونتي مساعد جامباولو والمساعد السابق لجيجي ديل نيري.

الامتطاط الدفاعي -إن صحت لنا ترجمته هكذا- هو تقدم الدفاع للأمام وتراجعه للخلف باستمرار وفقاً لمكان وحركة الكرة، وبلا شك يجب أن يتحرك الدفاع باستمرار وأن لا يكون ساكناً ثابتاً بغية الاحتفاظ بمسافة مناسبة تجاه الكرة والاحتفاظ بترابط الخطوط، بالإضافة لزيادة الكثافة حول منطقة اللعب. والأهم هو انتزاع العمق من الخصم وألّا يتم اختراق الدفاع عبره سواءً بكرات طويلة أو قصيرة.

يحدد الامتطاط الدفاعي آليتان، الأولى “كرة محجوبة” والأخرى هي “كرة مكشوفة“، الكرة المحجوبة هي الكرة التي لا يمكن أن تلعب للأمام، كأن يكون حامل الكرة مواجهاً لمرمى فريقه أو أن يكون مضغوطاً ويصعب عليه لعب كرة للأمام. والعكس صحيح بالنسبة للكرة المكشوفة حيث يستطيع حامل الكرة لعب كرة للأمام أو التقدم بالهجمة أو أن يكون متحرراً من أي ضغط بشكل عام. عندما تعود الكرة أدراجها لمرمى الخصم يتقدم خط الدفاع، بينما يتراجع عندما يتقدم حامل الكرة للأمام. من المهم أن يكون الدفاع مستعداً ويقظاً لأي طارئ، ذلك لأن الكرة وبشكل مفاجئ قد تكون مكشوفة، تعود للخلف أو تتقدم للأمام ولذلك يجب أن يُبقي المدافعين أعينهم على الكرة دوماً وبوضعية جسدية متهيأة لأي حالة حيث يسهل قراءة اللعب والتغلب على أي خطر محتمل.

يمكن للدفاع أن يكون مستقراً عندما تبعد الكرة مسافة كافية والتراجع فوراً حال تقدم الكرة للأمام أو إنكشافها، تجدر الإشارة إلى أن الامتطاط الدفاعي ينتهي تطبيقه على مشارف منطقة الجزاء (آخر 25 متر) حيث يستطيع الحارس التعامل مع بعض الكرات بالإضافة لتطبيق مصيدة التسلل.

مصيدة التسلل

تستخدم مصيدة التسلل لتخريب وإفساد هجمات الخصم، منطقياً يمكن أن يؤدي الامتطاط الدفاعي تلقائياً إلى حالة تسلل، مصيدة التسلل استراتيجية لا تخلو من المخاطرة وتتطلب توقيت بالغ الدقة دوناً عن ذكر أخطاء التحكيم. ثمة ‘مثيرات’ تستخدم لتطبيق مصيدة التسلل مثل تمريرة خلفية من المهاجم (آخر لاعب) أو عندما يتردد حامل الكرة خلال توغل زميله المهاجم بين المدافعين، أو حتى عندما تكون الكرة باتجاه اللاعب المستقبل “طرف ثاني” خلال توغل المهاجم “طرف ثالث” فيتقدم الدفاع للأمام تاركين المهاجم متسللاً كما في اللقطة التالية.

حالات أخرى شائعة تستخدم لضبط مصيدة التسلل: عندما يقص “بلفظة عامية” حامل الكرة للداخل (دخول من الطرف للعمق بشكل عرضي كما في اللقطة الأخيرة) عندما يتم تشتيت الكرة سواءً في اللعب الحي أو في الكرات الثابتة، إذ أن انقضاض المدافعين باتجاه الكرة قد يؤدي إلى حالة تسلل خصوصاً بالقرب من منطقة الجزاء وأخيراً في حالة النقص العددي “في منطقة متأخرة غالباً.

الترابط

هو تقارب خطوط الفريق عرضياً وطولياً والمسافة بذا تكون قصيرة من أقصى الفريق للأسفل ومن طرفٍ لآخر ويصبح الفريق بذلك “مترابطاً”، ذلك سيأمن تغطيةً مثالية وكثافة حول منطقة الكرة علاوة على التغطية المتبادلة بين اللاعبين بحيث يسهل تساند وتعاون الزملاء في عملية الضغط، كما يصعب على الخصم اختراق عمق الملعب في حين ان الأطراف مفتوحة وهذا لأن الأطراف اقل خطراً. الكتلة تضيق كلما تراجعت للخلف وكلما تقلصت المسافة بين الكرة والمرمى وهذه الفكرة كما ذكرنا تسمى “تقمع دفاعي”.

الضغط

“امتلاكك لدفاعٍ حيّ وفعال سيعني أنك أنت من تتسيّد المباراة، حتى وإن امتلك الخصم الكرة. فالضغط الخانق سلاح إضافي ولكنه يتطلب فريقاً منظماً وطاقة معتبرة

أريغو ساكّي

في اللغة الكروية الإيطالية “pressing” تشير إلى الضغط الجماعي وليس ضغط اللاعب كفرد والذي يهدف لتقليل الوقت والمساحة على لاعب الخصم، الضغط الفردي يطبق بشراسة وبوقت مثالي في حال تفوق الفريق عددياً. ينبغي أن يُطبق الضغط باستمرار طالما أن الفريق يمتلك خط دفاعٍ عالي. بلا شك الهدف من الضغط بشكل جماعي هو استعادة الكرة وإجبار الخصم على ارتكاب الأخطاء، بما أن الخصم محاصر ومجبر على اتخاذ قرارات بسرعة مما قد يسفر عن فقدان الكرة، بالبداية يجب أن يتوسط الفريق ككلّ مكان الكرة وأن يكون مترابطاً، كما يتحتم على الفريق غلق وسط الملعب وتوجيه اللعب للأطراف أين لا يملك حامل الكرة إلاّ زاوية 180 درجة لعب، وبكل شراسة وعبر رفع النسق يستطيع الفريق استغلالها كمنطقة افتكاك وتعتبر هذه أشهر مصيدة أو كمين للضغط. كما ان هناك ايضاً عدة مصايد ومثيرات ضغط في كرة القدم يمكن استغلالها واستخدامها مما يزيد فرضية استعادة الكرة، سبق الحديث عنها في مقالٍ سابق.

ضغط سامبدوريا العالي ضد يوفينتوس: نصب كتلة في عمق الملعب ثم الانتقال مع الكرة إلى حيث تكون.

الضغط العالي هو بطبيعة الأمر ضغط مكاني ولا يُقصد به شدة وشراسة الضغط كما هو شائع، الضغط العالي يعنى به ضغط الخصم في ثلث الخصم الدفاعي (الثلث الأخير للفريق الضاغط) ومحاولة افساد عملية بناء الخصم، وبالطبع ستكون المسافة قصيرة تجاه مرمى الخصم واحتمالية التسجيل تكون أكبر حال استعادة الكرة. الضغط عالياً يستلزم تحضيراً وتمركز جيدين من قبل الفريق ومن قبل خط الضغط الأول “المهاجمين”، المهاجمين يمتلكون إشارة بدء الضغط، وبلا مهاجمين لا ضغط عالي. عندما يحاول الخصم بناء هجمته من خلال ركلة مرمى يتيح الفريق الضاغط للخصم تمريرة أولى كنوع من الطعم، أما في اللعب الحي فيتعين على المهاجمين أن يكونوا واعين لحركتهم عندما يقومون بالضغط على الحارس وذلك عبر تقويس حركتهم بحيث يستطيع المهاجم غلق زاوية التمرير تجاه قلبي الدفاع، نفس الحركة تستخدم أيضاً في حالات أخرى كأن يمتلك قلوب الدفاع الكرة، في منطقة متقدمة غالباً.

جوانب أخرى

خط الوسط: التدرج (القطريات والهرميات) تطبق أيضاً في خط الوسط ولكن ليس بالضرورة على خط واحد مثل خط الدفاع، التعاون بين خطي الوسط والدفاع سيفيد الفريق حتماً في حالات معينة مثل تغطية الظهر، هذه الفكرة تتطلب تمركز جيد وتحقق مستمر ما إذا تواجد لاعب للخصم بين خط الوسط والدفاع ومحاولة قطع سبل وصول الكرة إليه. بتطبيق هذه الفكرة لا يمكن اختراق خط الوسط وبالتالي لا يمكن للدفاع أن يكون مكشوفاً ولا يمكن سحب وإخراج المدافعين من مراكزهم.

من الضروري على لاعبي الوسط تطبيق ضغط مثالي ومستمر بحيث يتسنى للمدافعين تطبيق الامتطاط الدفاعي وضبط مصيدة التسلل، بالإضافة إلى ذلك فإن لاعبي الوسط كذلك ملتزمين بالتغطية المتبادلة في حالات معينة مثل تغطية المساحة التي تظهر بين قلب الدفاع والظهير عندما يقوم الأخير بالخروج لمواجهة حامل الكرة في طرف الملعب. كما أن بمقدور لاعبي الوسط الطرفيين سواءً الأجنحة أو لاعبي الوسط 8# (اللاعبين الداخليين في ثلاثي الوسط) بمقدورهم مضاعفة الضغط “تدبيل” وعمل زيادة عددية للظهير بحيث لا يكون الظهير معزولاً ويتم التفوق عليه نوعياً أو حتى لا يتم التفوق عليه عددياً.

الثلث الدفاعي

تبقى الكرة هي النقطة المرجعية الأولى للمدافعين حتى في آخر 25 متراً، يجب أن يبقى المدافعون في المقام الأول متيقظين للمناطق الخطرة دوناً عن ملاحقة مهاجمي الخصم. في العرضيات المبكرة ينخفض خط التغطية (خط تغطية مكسور) باتجاه المرمى عندما يقوم الظهير بالضغط كما في اللقطة الأولى. وكما يظهر في اللقطة الثانية يشكل الدفاع “خط قطري عكسي” في العرضيات المتأخرة محاولين إلغاء المساحة أمام المرمى، وفي هذه الحالة يجب على المدافعين أن يحتاطوا من المهاجمين ولكن يجب ألاّ يتأثروا بتواجدهم وتحركهم والتركيز أكثر على المنطقة الخطرة وعدم فقد “الرؤية” للكرة.

حالات خاصة

وبما أنه لا شيء متروك للصدف والتقدير -قدر المستطاع- يحاول الدفاع إبقاء الشكل/التغطية لأقصى قدر ممكن، وإبقاء تغطية ملائمة قدر المستطاع لتجنب الفوضوية، وبناءً على ذلك يجب على المدافعين إيجاد حلول سريعة وتغطية بعضهم البعض في أي حالة قد تطرأ من أجل بقاء الفريق ثابتاً ومستقراً. النقطة المرجعية للاعب هي الزميل، ففي حالة قام الزميل بترك مركزه للضغط أو إذا تخطته الكرة، أو حتى إذا تمت مراوغته وهزمه فيقوم أقرب زملائه للكرة بالقفز لمركزه الخالي للتغطية والضغط، أما اللاعب المتخطى فيقوم بدوره بتغطية مركز زميله فالعملية هنا تبادلية، وعلاوة على ذلك فلاعبي الوسط لهم دور في التغطية أحياناً كما في اللقطة التالية.

هنا بعض الأمثلة لبعض الحالات التي قد تطرأ خلال المباريات:

لو طلب المدافعون وضع الخصم بالاعتبار فقد يفقدون الرؤية للكرة” … “المدافعون معتادون على إبقاء أنظارهم على الكرة وعلى الخصم فالبعض قادر والبعض الآخر غير قادر على ذلك. هي عملية طويلة الأجل ويجب أن تكون منظمة، نحن بحاجة هنا  للاعبين معتادين أكثر على تغطية المساحة وبشكل أقل على الإحساس بجسد اللاعب الخصم

ماركو جامباولو

إنها الكرة التي تحدد تحركات خط دفاعنا، المدافعون مترابطين ويهدفون لتغطية المساحات بالاستناد إلى مكان الكرة، المبدأ الأساسي بالنسبة لنا هو تغطية العمق واستعادة الشكل الدفاعي والضغط المستمر بحيث تبقى الكرة مغطاة ويتسنى لخط الدفاع تطبيق الامتطاط الدفاعي للأمام.

فابيو ميكاريلّي مساعد جامباولو الموثوق

أُفضّل أربعة في الخلف لأنها تمكنك من تغطية العمق بشكل أفضل.

ماركو جامباولو

أربعة لاعبين في خط الظهر أمر جوهري في الحقيقة عندما نريد استخدام دفاع المنطقة الخالص، فهي تعطي توزيع مثالي على عرض الملعب وتغطية لائقة لعمق الملعب، من المهم أيضاً التأهب والاستعداد للتحول للدفاع في الحالة الهجومية لذا لن تجد في فرق سارّي مثلاً أن الظهيرين يشاركان سوياً في مناطق متقدمة عند الهجوم، لن تجد أظهرة جامباولو بعيدان على الخط في مرحلة بناء اللعب، وهذا الامر عائد بالطبع لإبقاء الخط جاهزاً للانتظام من جديد في حال فقد الفريق الكرة. يتضح جلياً أن دفاع المنطقة نظام أكثر تعقيداً من المراقبة الفردية أو الرجل لرجل، حيث لا يُعتمد على الفرد وحده في دفاع المنطقة بل تتطلب تنظيم وأكثر تناسق وارتباط بين أعضاء الفريق الواحد. وعلى أي حال فإن خصائص اللاعبين أمر مفصلي لتطوير هذا الأسلوب من الدفاع مثل التمركز والمراقبة والتوقع والاعتراض، وأيضاً المواجهة أو إيقاف الخصم.

“من يطبق دفاع الرجل لرجل فهو يظهر قلقاً وضعف، ومن يطبق دفاع المنطقة فهو واثق من خططه وقادر على فرضها وتطبيقها.

جوليانو سونتزونيه “معلم جامباولو”

“عندما نتحدث عن الحالة الدفاعية لا يجب أن نتحدث عن المدافعين وحدهم، أعتقد أن الفريق القادر على تطبيق حالة دفاعية منظمة يملك قيمة مضافة، لأنه بالنسبة لي هي نتيجة عمل الفريق وليست اعتماداً على جودة الافراد مثل الـ1 ضد 1”

ماركو جامباولو

هنالك عدة أشكال وعدة توجهات وتآويل لدفاع المنطقة وهذا يعتمد على تفضيل المدرب وثقافة البلد من الناحية الكروية، بعض الفرق تضع بالاعتبار الرجل بالإضافة للكرة كأن يعدّل اللاعب تمركزه وفقاً للاعب الخصم المقابل، فبعض الفرق الألمانية على سبيل المثال لا الحصر تستخدم نفس النظام المذكور “موجه للكرة” ولكن يعدل خط الدفاع تحركاته بعض الشيء وفقاً للمهاجمين. وأيضاً في إسبانيا مثل أوناي إيميري أو مارسيلينو أو أتليتكو دييغو سيميوني تعدل فرقهم -بما أنها متشابه إلى حد التماثل- تحركاتها الدفاعية من التوجه للكرة إلى توجّه طفيف للمراقبة الفردية في مناطق متأخرة وقريبة من المرمى. وفي المناطق المتوسطة عادة يبقى الفريق مستقراً ومترابطاً بما أنها المنطقة التي يرتفع بها شدة ضغط الفريق على طرفي الملعب. وربما يصنف أسلوب هذه الفرق على أنه “موجه للمركز” حيث يكثر الضغط العرضي “بين مراكز اللاعبين” وهو ليس إلى تفريع بسيط من دفاع المنطقة الخاص بساكي وبنفس أسس تبادل الضغط، اللهم أن هذه الفرق تضغط غالباً في مناطق متأخرة وبشكل ضيق. هنالك أيضاً المدرب السويسري لوسيين فافر مدرب دورتمُند الحالي وهو يستخدم نمط مشابه للنظام السابق ذكره ولكن بتوجه أكثر نحو الأفراد.

“هو نوع من الدفاع –برأيي- لا يطبق بشكله الأمثل في يومنا هذا وهو مبني على مبدأ التوجه للكرة” فرانتشيسكو كالدزونا مساعد سارّي الأزلي. عبر رينوس ميخيلز وتعاليم أريغو ساكّي تطور دفاع المنطقة عبر الزمن واتخذت اليوم أشكالاً وألواناً داخل وخارج إيطاليا، دفاع المنطقة “الخالص” نوع دفاعي فريد وهو بالطبع ليس مجرد كثافة عددية أو شراسة بدنية. يطبق هذا النظام فرق قليلة جداً في إيطاليا ولا أثر له خارجها، ليس لأنه الأفضل ولكن لأنه أكثر أنظمة المنطقة نقاوة فالفرق المطبقة لهذا النظام، فرق سارّي، جامباولو وديل نيري من قبلهم موغلون بتفاصيل هذا النظام فلا انجذاب لمهاجم الخصم إلا عندما تدخل الكرة منطقة المدافع فيقوم بواجبه، عدا ذلك فالكرة هي لب وجوهر اللعبة وعليها تتبلور قراراتهم. إن المبادئ الأساسية لدفاع المنطقة تطبق كما هي لدى جميع الفرق، القطريات والهرميات، الامتطاط، إغلاق العمق، غير أن الشيطان يكمن في التفاصيل وهذا ما يجعل نظام سارّي وجامباولو -زعماً- أنه نظام المنطقة الخالص، فحتى داخل منطقة الجزاء لا يُسمح للمدافع بمراقبة المهاجم بل بتغطية المساحة، دوناً عن ذكر المسافات بين المدافعين والفريق ككل، وربما تكمن هنا إحدى سلبياته.

3 فما فوق، والتفوق العددي

هناك قاعدة واضحة على المستوى الجماعي تكتيكياً، إذ كلما ازداد عدد اللاعبين زاد التعقيد، وذلك لأن النقاط المرجعية تكثر. فباضطلاع لاعبان مثلاً –كما ذكرنا في المقال السابق- تزداد خيارات حامل الكرة فإمّا التمرير وإمّا المراوغة، وكما يتساند المهاجمان يتساند المدافعان كذلك، فأحدهما يضغط والآخر يغطي وهكذا. ويكمن التعقيد عند ارتفاع عدد اللاعبين لحاجة اللاعب ربط عدة عناصر في ذات الأثناء، كموقع وحركة زميله/زملائه، والأهم في التكهن بحركة هذا الزميل، وفي المقابل عليه أيضاً ربط موقع وحركة خصمه/خصومه، ومجدداً في التنبؤ والتكهن بحركته، دون إغفال ضبطه هو نفسه لهيئته الجسدية ودقة تنفيذه للقرار، وطبعاً المرمى أولاً وأخيراً كمبتغى وغاية.

من باستطاعته اللعب في 3 ضد 3 بنجاح قادر على لعب كرة القدم.

لويس سيزار مينوتي

تمرين متكامل جداً، وذلك لأنه بـ 3 ضد 3 سنتمكن من تغطية الكثير مما يتعلق بأسلوب لعبِنا، سواءً دفاعياً أو هجومياً”

كارلوس كارفالهال عن تمرين 3 ضد 3

تعتبر المباريات المصغرة 3 ضد 3 (أو ضد 2 أو 1 أو 4) ذات فعالية كبيرة في تدريب كرة القدم على المستوى الجماعي (أو حتى كمباريات رسمية لما دون الـ 10 سنوات؛ فونينيو)، فبعدد ثلاثة لاعبين نستوفي شروط اللعب الجماعي، في المساندة والتغطية والتفاعل وقراءة اللعب بنقاط مرجعية أكثر. وهي إضافةً إلى ذلك ستضمن عدد لمسات أكثر، وبالخصوص للأطفال والنشّأ تعد ناجعة وملائمة. في الحالة الدفاعية، سيغطي اللاعب الثالث اللاعب الثاني والذي قام بتغطية الأول (اللاعب الضاغط)، هذا في دفاع المنطقة حيث يستحسن إضفاء توازن عبر لاعبٍ ثالث، فإذا تم تخطي اللاعب الأول يضغط الثاني فيغطيه الثالث، وانضمام اللاعب الثالث يسمى في المعاجم الكروية الإيطالية والبرتغالية والإسبانية بالتوازن equilibrio (مع اختلاف النطق) وكذلك بالإنجليزية balance. الأمر مختلف في دفاع الرجل لرجل ذلك لأن كل لاعب يراقب خصمه، ولكن في حالة التفوق العددي أو على مستوى خط الظهر يقوم المدافعون بالتغطية فيما بينهم البين.

مضاعفة وتدبيل أمام ميسي، المحور “3” مغطياً العمق، “2” يعود للتغطية. اللاعب “عند الحكم” سيدخل كلاعب ثالثاً وسيوفر توازناً وتغطية.

في الحالات التي تتضمن 3 لاعبين “زملاء” هجومياً هنالك مزية تحقيق قدرٍ أكبر من الزوايا بشرط ضبط التمركز لكل لاعب، وفي التباعد والانتشار (تكوين مثلث الزوايا) وهنا تبدأ هذه المفاهيم في البروز بتضمّن عدد 3 لاعبين فما فوق، إحدى المفاهيم خصصنا له مقالاً فيما سبق ألا وهو مفهوم الرجل الثالث، إن كثيراً من حالات/لحظات اللعب تتضمن 3 لاعبين، بل ومن الأهمية بمكان أن نحاول ضمان ذلك، إذ سيكون منتوج ذلك مثلثات وخيارات تمرير أكثر كما تقدم ذكره، ذلك سيسعف الفريق إحداث وتأليف ألعاب مركبة.

إذا انضم لاعبٌ آخر ستتشكل لنا ماسة (معين/شكل رباعي الأضلاع)، ودائماً بشرط التباعد الأنسب. يستخدم عديد من الفرق في إيطاليا أو ألمانيا خط وسط ماسيّ الشكل في 4-4-2 أو بشكل أدق 4-3-1-2، طمعاً في خلق زوايا أكثر وتقارب فيما بين رباعي الوسط وهذا ما لا يتوفر بشكل تلقائي وشبه ثابت في 4-4-2 ذات خط الوسط المنبسط؛ أي وفقاً لمراكز ومواقع اللاعبين مع أن الكرة الحديثة لم تعد سجينة الخطط وحسب، بل يمكن تحقيق الزوايا بالحركة. على كل حال تعتبر خطة الماسة هي الأكثر استخداماً في كرة القدم للصالات وشكل من أشكال المباريات للفئات العمرية (زائداً 6 ضد 6 و7 ضد 7) إذ ستضمن الماسة انتشاراً وتوزيعاً يحقق لنا جيومترية محبذة بالزوايا والمسارات المطلوبة للتمرير، وتخليق الألعاب المركبة.

سلسلة من الرومبوهات والماسات ما بين رباعي الوسط وقلبي الدفاع والظهير الأيسر.

أضف لاعباً وسيتوسط الماسة محور أو وسيتشكل لنا خماسي أضلاع “مخمس”، ولاعبٌ آخر فيتوسط المخمس محور أو يتبلور لدينا سداسي الأضلاع، وهكذا دواليك حتى نصل لـ 11 ضد 11 إذ يزداد التعقيد ذهنياً بازدياد عدد اللاعبين المشمولين، ويتضاءل إسهام كل لاعب مع اتساع الملعب وارتفاع عدد اللاعبين وفقاً لمركز اللاعب، حيث تقل لمساته أو مواجهاته الدفاعية فيكتفي بالركض ما سيؤخر عطفاً على ذلك تطوره ونموه خصوصاً لدى الفئات السنية. ولذلك يفضِّل المدربون التدرب على المباريات المصغرة سواءً لجزء أو خط من خطوط الفريق، أو لحالة معينة، أو لغرس المبادئ أو المفاهيم أو حتى للتكييف البدني، فبتباين مساحات التمرين وعدد اللاعبين واللمسات يتباين المجهود ويتغير الانقباض العضلي المستهدف.

التفوق العددي واضطلاع اللاعبين

3 + الجناح الأيسر لاعبين كخيارات مباشرة، اللاعب البعيد “12” خيار لتغيير اللعب، بدخول الكرة للعمق سيحظى الفريق بموقف 5 ضد 4، الجهة اليسرى تحديداً 3 ضد 2.

مكان الكرة وحاملها “وتوجيهه الجسدي” واحتمالية وصول الكرة إلى المهاجم، أو تدخل المدافع أو قطعه مسار الكرة مثلاً دفاعياً هو ما يحدد اضطلاع اللاعب في اللعبة والهجمة، وذلك ما يحدد –بالتالي- ما إذا كان محتسباً في اللعبة عند التحليل، لا يجب أن نغفل إنسيابية اللعبة إذ بتغيير توجيه حامل الكرة والتفاته لجهة أخرى تتغير الوضعية واللاعبين المضطلعين. أولى حالات التفوق العددي هي 2 ضد 1 والتي مررنا بها في مقال المساندة والمضاعفة، وهكذا إلى بقية الحالات. خلق تفوق عددي إحدى ركائز الكرة المركزية، إذ تأتي بالمرتبة الثانية بعد مبدأ الإنتشار، وعلى كلٍ فهي ليست المحدد لفعالية الهجمة بالضرورة، فكم من مهاجم تغلب على لاعبيْن أو ثلاثة في ذات الأثناء، وبالرغم من ذلك فعند بناء الهجمات من الخلف يسعى أي فريق خلق زيادة عددية سعياً للحظيِّ بخيارات تمرير أكثر. ولكن في الثلث الأخير يصعب أو يكاد يندر خلق تفوق عددي أمام الفريق المدافع ماذا وإلا هناك خللاً هيكلياً (اللقطة الأخيرة)، والحديث هنا عن الهجوم المنظم وليس عن الهجمات المرتدة، أينما يخسر الفريق المهاجم الكرة ولاعبيه بمواقع متقدمة، وإذا آمنّا أنه بإمكان مهاجمٍ بارع تخطي عدة لاعبين، فالمدافع كذلك قد يتمكّن من احتواء مهاجميْنِ مثلاً، وأن يتمكن مدافعان من إنقاذ موقف 2 ضد 3 أو 4.. إلخ. فبذلك ليس التفوق العددي بأهم من التفوق المركزي أو التفوق النوعي كما نرى في اللقطة التالية لميسي.

بداية اللقطة بحالة 3 ضد 3، ومن ثم ميسي ضد 2، ثم ميسي وألفيس ضد 2 و 3 ثم ضد خط دفاع كامل.
لاحظو بتبادل المراكز بقي التباعد مثالياً، ألفيس يبقي شكلاً مثلثاً ويبتعد عن موقعه الذي أخذه ميسي، تشافي يبقى كخيار تمرير خلفي.

1 ضد 2 و2 ضد 2.. المساندة والمضاعفة

في المقالين السابقين تطرقنا لحالة –أو بعضاً من حالات- 1 ضد 1 وأي وضعية جسدية أنسب وأين هو التموقع الملائم فيما يخص المدافع وفقاً لمكان الكرة طعماً في استخلاص الكرة أو على أقل تقدير إبعاد المهاجم ونفيه لمناطق أقل خطراً أو إضعاف وضعيته. فيما يتعلق بالمهاجم تحدثنا بنوعٍ من التحليل عن الكيفية التي يقصي بها المهاجم خصمه بشروط معينة كالقدرات أولاً، ووضعية الجسد المثلى في أي حالة، فالتمويه والخداع. ما سنتطرق له اليوم هي حالة 2 ضد 1 هجومياً ودفاعياً، وكذلك 2 ضد 2.

هات وخذ بين تشافي وإينييستا في غلبة عددية مؤقتة، 2 ضد 1
محور إسبانيول قد يستطيع قطع خط التمرير نحو تشافي إن توقع مسار حركته، لكن مع احتجاب الرؤية وسوء التقدير مرت الكرة.

إن لكل حالة مقتضياتها، فالزيادة العددية تستلزم قراءة معينة، مع وضع اعتبارٍ لظرفي المكان والزمان، ووضع سيناريوهات مختلفة في الحسبان فبهذا نستطيع أن نفهم ونستوعب اللعبة بالتدريج عبر التحليل وطرح أفضل السبل والحلول لكل إشكالية ومعضلة. لقد ذكرنا في مقالنا السابق أن الحالة 1 ضد 1 موقف مستحب لدى الفريق المُهاجم، وليس العكس صحيحاً، إذ هي ليست بالمحببة لدى الفريق المدافع خصوصاً في مناطق متأخرة. أمّا حالة 2 ضد 1 للفريق المهاجم فهي مطمعٌ ومنية، هب مثلاً أن الجناح بمواجهة ظهير الخصم 1 أمام 1، فيقوم الظهير بمساندة الجناح بالركض خلفه على الخط، أي بعمل تقاطع أو تداخل overlap، في هذه الحالة التي يتفوق بها الفريق المهاجم عددياً سيتأزم أمر ظهير الخصم وسيحتار في قراره، فإن قرر مداهمة الجناح سيتيح للظهير المهاجم مساحة أوسع وتوغلاً مباشراً نحو المرمى لو تمكن الجناح من تمرير الكرة إليه، ولكن ماذا لو قرر الظهير المدافع الوقوف بزاوية فاصلة بينه وبين الجناح والظهير والمرمى؟ هذا يبدو الخيار الأفضل، ذلك لأنه سيأخر حامل الكرة ما قد يسمح لزملائه العودة ويتساوى أو حتى يتفوق الفريق المدافع عددياً. وحتماً مع بقاء خطر أن يهجم الجناح على الظهير المدافع طامعاً تخطيه، وهذا قرار أفضل للجناح المهاجم بحيث لا يعطي المدافع وقتاً في التفكير أو وقتاً لعودة زملائه، بغض النظر عن قرار الجناح سواءً بالمراوغة أو بتمرير الكرة لزميله الظهير بالضبط عندما يكون على الخط مع ظهير الخصم وهنا سيسابق المدافع الزمن قبل أن يطلق الظهير المهاجم عرضيته. هذه الحالة مألوفةٌ ودائمة الحدوث، بيد أنه يمكننا بناء سيناريوهات مماثلة للمثال المطروح في أي مكان وبقعة واضعين بالاعتبار مكان الكرة وحاملها والمرمى واللاعب المساند الزائد.

فيما يبدو وأنه مرور الكرام للظهير في الصورة على اليمين .. في الصورة على اليسار يتخذ الظهير زاوية أفضل ووضعية جسدية مرنة،
مضافاً إليهما مسار جري ملتوي يمكنه من مواجهة الظهير المهاجم لا التسابق معه! شكل1

تتعقد المسألة بازدياد عدد اللاعبين إذ تزداد النقاط المرجعية طردياً تبعاً لذلك -الكرة والمرمى فالزميل ثم الخصم- كما تتعدد حلول حامل الكرة بدعم أحد زملائه إمّا باستخدام الزميل كطعم للتلاعب بالمدافع المغلوب على أمره، أو هات وخذ خلف هذا الخصم، أو ببساطة تمرير كرة كاسرة تعبر الخصم وتقصيه كما في “شكل1″…الخ. وكما قد تنشأ حالة من الربكة على المدافعيْن في 1 ضد 2 فالمهاجمان أيضاً قد لا يستغلا تفوقهما العددي لأسباب مركزية كأن يقفا/يجريا على نفس الخط العرضي دون تهديد لهذا المدافع، أو أن يتباطئ حامل الكرة عوضاً عن مهاجمة المساحة أو مباغتة المدافع مجبراً إياه اتخاذ قرارٍ بتعجل، إذ أن الوقت من مصلحة المدافع، فبذلك قد يعود زملائه دوناً عن ذكر القرارات الغير مجدية أو أي طوارئ أخرى.

يختلف قرار المدافع باختلاف موقع الكرة، في هذه الحالة الحرجة اختلف تقدير فان دايك عن تياغو سيلفا، إذ مال الهولندي أكثر نحو اللاعب الثاني، ربما لو اختار سيسوكو مهاجمة المرمى لتأزم وضع فان دايك، أميل أكثر إلى أن سيسوكو ضيع هدفاً محققاً أكثر من كون فيرجيل أنقذ الموقف، الفضل الأكبر سيُعزى للهولندي لو أن سيسوكو فعلاً كان يريد التمرير والتخلص من الكرة أو كما أشار صاحب الفيديو “أن فان دايك قرأ سيسوكو ورغبته في تمرير الكرة”. في حين قد يكون تصرف سيلفا أكثر جودة، فهو أقرب لحامل الكرة، رغم زعم صاحب التحليل الأخير أن الحالتين مختلفتين كون كريستيانو جاء متأخراً فبذلك يعلل اتخاذ سيلفا زاوية أقرب لبن زيما، أزعم أن السلوك في كلتا الحالتين ينبغي أن يكون بنفس الكيفية، فماذا لو قرر سيسوكو التوجه بسرعة نحو المرمى؟

راقبوا سلوك اللاعب رقم 22 أمام قلب وظهير ديربي كاونتي، حيث اتخذ موقعاً بينهما وبوضعية تهيأه للضغط عليهما بمجرد حصول أحدهما على الكرة.
كما أخّر بسلوكه الجسدي النشط اليقظ قرار الحارس ما سمح لزميله المهاجم العودة وتضييق المساحة بين الحارس والقلب.

علِمنا في الحالة المفترضة “شكل1” أنه ينبغي على المدافع المعزول والمغلوب عددياً أن يتأنى في قراره وأن يتنازل عن محاولة افتكاك الكرة من الجناح -طالما كان الجناح مأمِّناً على كرته- راغباً البقاء في اللعبة قدر المستطاع ووضع الظهير المتقدم في الحسبان. الأمر سيان في الحالة الأخيرة، تريث واقتراب نحو المرمى فتربص بقرار حامل الكرة ومن ثم اتخاذ اللازم، ذلك عند النقص العددي، أما في الرخاء فيرغب أي مدرب الحصول على تفوق عددي أمام المهاجم 1 ضد 2، عبر المضاعفة doubling أو double teaming، هذه الحالة مربكة إلى حدٍ ما، خصوصاً عندما يتواكل المدافعان، أو عندما يكون تموقعهما عن بعضهما ليس بالشكل السليم (التدرج الدفاعي) إذ ينبغي أن يغطي أحدهما الآخر -إن أمكن- أي أن يقف أحدهما خلف زميله بمسافة بحيث يتعامل مع المهاجم في حال تم تخطي زميله، فلا يجب أن يتداخلا ويضغطا سوياً أو أن يقفا على خطٍ واحد. ربما يستغل المهاجم أحد هاذين المثلبين ما يمكنه في حالة تخطيهما من إقصاء لاعبيْن في آن دوناً عن ذكر براعة المهاجم في تخطيهما وربما تخطي أكثر من هذا العدد حتى مع امتثال المدافعين تكتيكياً.

سلسلة مراوغات من دانييل دي ريدر، تكرر حالة 1 ضد 2 بل وضد 3 على رأس المنطقة. ما يهمنا هو تخلصه من لاعبيْن قرب خط التماس مستغلاً إنعدام التناغم بين المدافعيْن وخصوصاً اللاعب القريب -الذي كان يلاحقه في البداية- والذي أهمل وضعيته الجسمانية وكان رتيباً ضغطه.

حالة 2 ضد 2 لا تخرج عن المبادئ المذكورة، مساندة ومضاعفة كما شرحنا في أي ثنائية. في هذه الحالة المتكافئة عددياً دينامية مختلفة اختلافاً كبيراً، دفاعياً بالتحديد، إذ تكون التغطية واتخاذ مراكز متباينة ضرورة ملحة (كل لاعب أمام لاعب)، فلا يصح أن يضغطا سوياً على لاعب واحد ويتركا الآخر، فلو افترضنا في المثال الأول -في بداية المقال- أن أحد زملاء الظهير المدافع تمكّن من مساندة زميله وقام بتغطيته أمام الجناح بالتزامن مع تقاطع الظهير المهاجم خلف زميله، يقوم الظهير أثناء ذلك بترك الجناح ومراقبة الظهير المهاجم القادم كما في المثال التالي. وعلى كل حال فالحالات عديدة فمثلاً في عمق الملعب لو قام لاعبان من الخصم بتبادل الكرة عرضياً يخرج اللاعب “أ” للضغط فيما يبقى اللاعب “ب” في الخلف قليلاً للتغطية وهكذا. وختاماً تبدأ ديناميات أخرى باختلاف عدد اللاعبين المضطلعين وتبدأ بلا ريب مبادئ اللعبة جماعياً (كالتغطية وفتح مسارات التمرير وهي مرتبطة بمقالنا هذا) دون إهمال التعاون والتواصل لإضفاء أقصى تناغم وتوازن جماعياً.

نرى تصرف الظهير أمام الجناح في 1 ضد 1 وقيامه بالضغط فوراً وردم الفجوة بينه وبين الجناح، بينما لو توقف في مكانه لربما نال الجناح منه. فيما نرى أنه ولاعب الوسط تبادلا الضغط بتناغم وتفاهم فيترك الظهير خصمه الجناح ويتولى الظهير المساند، في حين يضغط لاعب الوسط على الجناح.

1 ضد 1 هجومياً: المراوغات

إن المواد الخام في المراوغة هي التمويه، الإنطلاقة، والوقفة، ومن ثَمَّ الغريزة والشجاعة هنّ الفيصل في المحاولة. والهدف من ذلك -أي المراوغة- هو إقصاء خصم: إذا نجح فآفاق من المساحات ستنفتح، وإذا أُسقط فسيتسبب بمخالفة، أو ببطاقة أو جزائية. أمّا إذا فقد الكرة فسيتلقى الشتائم والإهانات من الجماهير.

خورخي فالدانو

بيّنت دراسة رولاند لوي في كأس العالم 90 أن الفريق الذي يفوز أكثر في الثنائيات تصل نسبة فوزه في المباراة إلى 75%، ومع تطور اللعبة في وقتنا الحاضر تقلصت المساحات وبدأت الفرق تميل إلى اللعب الجماعي أكثر وإلى التعاون والتنظيم دفاعياً، فأغلب الفرق اليوم لا ترى في دفاع الرجل لرجل علاجاً خصوصاً وأنه سلاحٌ ذو حدين، ذلك ما أجبر الفرق المُهاجمة على اللعب بأقل لمساتٍ ممكنة، إلى الإحساس المكاني، إلى خلق زوايا التمرير وكسر خطوط الخصوم والتقدم بالهجمات عبر التمرير بشكل أكبر. ومع ذلك فأهمية الثنائيات لا زالت محدداً مفصلياً لحسم المباريات، إذ لا يزال بييلسا يؤمن بأن كرة القدم مسألة ثنائيات، فيمَ يرى ساكّي عكس ذلك في الهجوم أو في الدفاع وهذا جمال كرة القدم فلا ثوابت ولا حقيقة مطلقة فيها والكل محق طالما أجاد، غير أن كرة القدم شواشية وغير متنبئٍ بها وهي بذلك خليط من الحالات والوضعيات التي تتطلب حلولاً وقراءة لعب فردية وتعاون وانسجام جماعي آناءاً أخرْ.

حديثنا اليوم هو استكمالٌ للمقال السابق ولكن هذه المرة سنتحدث عن الـ 1 ضد 1 هجومياً والمراوغات فرعياً، يمكن أن نعرّف المراوغة في كرة القدم على أنها القدرة على إقصاء وتخطي مدافعٍ أو أكثر، والمراوغات في كرة القدم ولا شك حل تكتيكي ناجع ونافع إذا ما تمكن المهاجم من تخطي خصمه إذ سينفتح الملعب مشرعاً في حالات عديدة، ناهيك عن التفوق العددي المحتمل. تحاول فرق كثيرة خلق وضعيات 1 ضد 1 وخصوصاً تلك التي تتملّك اختصاصيين لهكذا حالة، إذ يشدد غوارديولا ويؤكد على لاعبيه الطرفيين على العزم في خوض هذا النزال “حتى لو لم يتمكن من النجاح” أمَـا وإن نجح فسنجني ثمار ذلك، إمّا في عرضية حاسمة أو بينية أو حتى هات وخذ وتوغل نحو المرمى. إذ يؤكد كينغسلي كومان أن بيب كان يسعى عبر تطريفه للأجنحة خلق ظروف مواتية لحالات 1 أمام 1، “هو مدربٌ لن يغضب منك إذا فقدت الكرة بعد موقف 1 ضد 1” يُكمل كومان “يشجعك بيب دائماً في تكرار المحاولة فيقول ’إذا لم تنجح لمرة أو اثنتان أو ثلاث، فستمر في الرابعة‘.”

وعلى المستوى التكتيكي ينبغي فقط على اللاعب أن ينتقي اللحظة الأنسب فيما يتعلق بالحال التي عليها فريقه، فلا يبدو ملائما أن يحاول اللاعب المراوغة وفريقه غير متحصن ولا يملك عدداً في الخلف، أو في محاولة المراوغة في مناطق منخفضة، أو أمام عدد من اللاعبين، عدا أنه أحياناً يضطر اللاعب محاولة تخطي خصمه في منطقة ضيقة وذلك لأنه لا يملك حلاً في هذه اللحظة إلا أن يراوغ ويعبر، كأن يستلم الكرة وهو مضغوط وبلا مسارات أو خيارات تمرير.

إن الحركة بالنسبة لحامل الكرة أكثر تعقيداً وبكثير من المدافع المنافس، فالمهاجم يحاول التحكم بحركته وحركة جسمٍ خارج عنه “الكرة” إذ بامتلاكه الكرة هو يبحث عن توافقية –أي توافق عصبي عضلي- في حركته واقتناص اللحظة المناسبة للتغلب على المدافع عبر توقعه للِحظة محاولة المدافع استخلاص الكرة، أو إلى أي جهةٍ سيذهب، أو التلاعب بخصمه بحيث يقرر المدافع بتسرع وعجلة. وعلى الرغم من ذلك يتحتم على المهاجم أن يحاول بتوجيهه الجسدي السليم أن يتسيّد الموقف مجبراً المدافع توخي الصبر عند المواجهة، فالمستحسن أن يفرد المهاجم صدره نحو المدافع لا الميل إلى جهة، هذا في حال وصول الكرة للمهاجم في التو وتضييق المدافع عليه. أمّا إذا كان هنالك متسعٌ من الوقت للمهاجم فالأفضل هو الانطلاق الفوري نحو المدافع وبالذات في المساحات الواسعة. ولا يمكن على العموم أن نختار الوضعية التي نريد دوماً وذلك لضيق المساحات والوقت، ذلك ما يقودنا إلى أنواع مختلفة من الحركات والخدع كدوران كرويف والذي يجد فيه المهاجم نفسه بصدر المدافع، فيُفترض أن يبعد المهاجم الكرة عن المدافع، فإن كان المدافع علي يميني فالأفضل أن أجعل الكرة على قدمي اليسرى وأقوم بحمايتها بقدمي اليمنى.

نتيجة بحث الصور عن ‪messi‬‏

تختلف أنواع المراوغات، أو بصورةٍ أدق يختلف “أنواع المراوغين” فمنهم من يبقي الكرة ملاصقة لقدميه كميسي وهازارد أو في السابق مارادونا ورونالدو ورونالدينيو وغيرهم وبقدرات رياضية وحركية وحركة قدمين footwork عظيمة. يتميز من ذُكر –كأمثلة لا للتعيين- بانخفاض ما يسمى في الميكانيكا الحيوية بمركز الجاذبية أو مركز الثقل center of gravity، وإذا كان مركز الجاذبية منخفضاً سيحظى الجسم بثباتٍ ورشاقة وقدرة على توفيق حركتين في آن وعند تغيير الوضعية الجسدية في نطاق ضيق والتلوي كالثعبان بين الدفاعات علاوة على تغيير السرعات. وعلى كلٍ فالانحناء وثني الركبتين قد يحسّن من توازن من لا يمتلك مركز ثقل منخفض.

وهناك نوعٌ آخر ألا وهي الأجنحة العصرية كآريين روبن من يتميز بسرعة وبقدرات فنية وحركية جيدة وكذلك في استخدام أجسادهم لتخطي المدافعين، وهناك نوعٌ مقارب لذلك كبـيـل وستيرلينغ أو صلاح، وهؤلاء يتميزون باللعب بالمساحات المفتوحة وتخطي المدافعين بالسرعة غالباً، فقدراتهم ليست كمن سبق ذكرهم إذ يميليون “أكثر” إلى إبعاد الكرة عن أقدامهم ومطاردتها؛ أي توسيع خطواتهم فيما يتعلق بخصائص الخطو stride characteristics. وبالطبع هذا الأمر نسبي فقد يفتتحون المساحات بنطاق ضيق ولكنها ليست وضعاً مريحاً لهم.

إن المراوغين المميزين الذين يسكرون الجماهير بمهاراتهم يحبطون مدربيهم بعدم انضباطهم التكتيكي، إنهم متفردون واستعراضيون نوعاً ما، ولهذا هم يفضّلون اللعب على الأطراف ليبتعدوا عن الفريق ويقتربوا من الجماهير.

خورخي فالدانو

لديك ثانية ونادراً أكثر بقليل فقط كي تقرر ما إذا كنت تريد المراوغة أو التسديد أو التمرير يميناً أو يساراً، والغريزة والموهبة هي التي تعطي الأوامر.

رونالدينيو

وهناك من يستخدم خدع وحركات بهلوانية، وهم –بالضرورة- من جنس النوع الأول ومنهم رونالدينيو ونيمار وغيرهم. فمن مراوح روبينيو scissor أو pedalada بالبرتغالية، أو رفرفة ريفيلينو flip flap أو لدى البرازيليين elástico، أو hocus pocus تادّي والتي أسماها الأخير أوريليو تيمناً بأوريليو أندريادزولي لحثه الجناح البرازيلي القيام بها (اللقطة الأخيرة)، إضافةً إلى ذلك “الكبري” أو روليت زيدان وإلى غير ذلك. وكل ما سبق يأتي نتيجةً لسوء التوقيت من المدافع لدى محاولته مد قدمه واستخلاص الكرة، أين يضاعف المراوغ لمساته فإذ به يستثير المدافع للقيام بتصرف، وكل ذلك مقرون بحسن تنبؤ المهاجم لحركة خصمه ومسار كرته الذي يصبو إليه وبالطبع قدرته في التحكم بالكرة.

كروكيتا لاودروب

النوع الأخير هم الأقل قدرات فيما يتعلق بالسرعة، كإينييستا وريكيملي أو لاودروب فيما سبق وهم لاعبون ذوي قدرة مبهرة في المراوغة في المساحة الضيقة وفي نطاق ضيق اعتماداً على براعتهم في التحكم بالكرة، وفي الوقوف والمماطلة واستدراج خصومهم وذلك لإقصائهم فوراً دون الدخول في سباقات وصراعات بدنية –قدر المستطاع- وذلك عائدٌ كما ذكرنا لسرعتهم، والأمر نسبي –من ناحية السرعة- إذ يتميزون بتخطي خصومهم استغلالاً لجمودهم، فمهما كنت سريعاً فمحددات عدة ستقصيك من اللعب -كمدافع- كوضعية الجسد أو سوء التقدير والتوقيت إذ تحتاج وقتاً لتدراك الموقف. إن هذا النوع من اللاعبين مشابه للنوع الأول في الخصائص الحركية؛ التوافقية وملازمة الكرة أقدامهم.

إن خصائص وقدرات وأساليب اللعب لدى اللاعبين تتباين والأمثلة الموردة كانت على سبيل التوضيح والتشبيه بشكل عام. وهذه المهارة يصعب تطويرها بشكل موجه من بين جميع المهارات الأخرى وخصوصاً النوع الذي يتحلى بالقدرات الفنية والتوافقية العالية وخصائصهم الجسدية المذكورة، بيد أن التعليم الضمني والزج باللاعبين الصغار في اللعب بمساحات ضيقة قد يطور ذلك نسبياً وخصوصاً أن الأطفال من 7 إلى 12 يتشكلون حركياً ويزدهر نموهم على الصعيد الحركي motor ability. وأخيراً إن هذا الفعل والتصرف ذو شدة عالية ومكلفٌ بدنياً، فكما يعرف فيزيولوجياً فهذه التصرفات تعتبر تصرفات/حركات انفجارية تستهلك طاقة فتؤدي بالتالي إلى ارتفاع مستوى حمض اللاكتيك في الدم كما يشير رايلي وبول [1].

لا يمكن بصراحة أن تعلم أحداً المراوغة، التوقيت شرط ومطلب لتخطي أحدهم، في تلك اللحظة التي تنال من خصمك، وعندما تتغلب عليه سينفتح سيناريو جديد أمامك… والمراوغة في جوهرها مكر وخدعة. فهي ليست بالسرعة ولا بالقوة، بل هي فن، والقدرة على المرواغة هي كل شيء في يومنا هذا. ولقد فتح أندريس (إينييستا) عيناي فيما يتعلق بأهمية قدرة المهاجم أو لاعب الوسط على المراوغة كذلك، فإذا راوغ وحمل الكرة نحو خصومه فكل شيء بعدئذٍ سيفيض ويتدفق، شهدت ذلك مع الوقت.

بيب غوارديولا

[1] https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/02701367.1984.10609363#.VO2toPmsUk1