مارتن أØدِغارد

تستطيع أن ترى أنه يمتلك لمسة أولى جيدة، رؤية جيدة كذلك، لذا فلن يقع في فخ سرعة اللعب، وهذا هو الجيد فيه، إذ تستطيع أن تضعه في أي مستوى وسيتكيف […] ليس بالقوي –جسدياً- كفاية لكنه يستطيع مدارات ذلك، لأنه يصعب قبضه، إنه يمتلك هذه الرؤية.لقد كانت لدي خطة لتدريبه منذ أن كان في الخامسة من عمره، فدربته على الرؤية والتكنيك دائماً بالكرة. أن ترى شيء ولكن أن تفهم وتقوم بردة فعل شيء آخر.

اللاعب السابق والمدرب هانز إيريك والد مارتن.

كان أساسياً في فريقه سترومسغوديست، بل وتم اصطفاءه للمنتخب الأول فقط بسن الخمسة عشر عاماً، مارتين أوديغارد كما عنونت josimar.no هو حصيلة تراكمية، وساعات وساعات من التدريب، ففور خروجه من المدرسة يهرع لركل الكرة، وحيداً إن اضطر إلى ذلك. رأى والد مارتن أن ابنه يمتلك حساً ولمسة ولكنه يزعم أنه لو لا التدريب والممارسة لما كان على حاله اليوم، امتلك مارتن لحسن حظه والداً يعي ويدرك كيف يقضي ابنه تلك الساعات، فليست القضية فقط بالكم وإنما بالجودة. والكم لا شك أمر مهم للصغار إذ يرى هانز إيريك أن الموهبة ليست كل شيء (أو بالأحرى هناك من يرى أن لا موهبة بل هنالك قابليات تتشكل وراثياً وبيئياً؛ وهذا مبحث فلسفي معقد: الطبع والتطبع). يرى كذلك أنه استطاع تعليم ابنه مهارات إدراكية مغفلة كفحص ورصد المحيط عند اللعب، في أن يلقي نظرات خاطفة لما يحتجب عنه بغية الاحتفاظ بالنسق أو رفعه، إذ يقرأ مارتن اللعب بسرعة وهو الأمر الذي أهّله لأن يتفوق على أقرانه بسن مبكرة. ناهيك بالطبع عن أن والد مارتن حرص على أن تحتوي كل تمارين الصغار –وابنه في معرض حديثنا- على الكرة، من الإحماء حتى آخر رمق، وذلك طمعاً في أن يلمس الأطفال الكرة بشكل كثيف فتعدو جزءاً من أجسادهم.

امتلك الصبي المولود في درامن ولحسن حظه أبوان سعيا وساهما في اقتطاع قطاع لناديهم المحلي للعبة كرة القدم وقاموا مع بقية أهل المدينة في بناء مرفق وملعب ذو عشب اصطناعي ليمارس طفلهم وأطفال البقية ممن يقطنون المدينة لعبتهم المفضلة، بل ودرب هانز إيريك أوديغارد هذا النادي. كان مارتن يفوق بقية الصبية وهذا ما كان ملحوظاً منذ وقتٍ مبكر، ففي سن الـ12 كان بالفعل ينافس صبية الفئة ما دون الـ16، “يتعامل مع الأمور ببراعة، قرارات جيدة، لمسة جيدة، ذكي في التمركز” أحد مدربيه في الفئات السنية. ذاع صيت مارتن وبدأت الأندية ترسل كشافيها، تطور الأمر وصار يتدرب مع أندية كمانشستر يونايتد والسيتي وبايرن ميونخ، ولكن بعد تنافس فاز ريال مدريد بتوقيع النرويجي الأشقر بداية عام 2015. أعير صاحب الـ21 عاماً عدة إعارات بعد تمثيله الملكي الثاني ‘B’ حيث ساهمت أندية هيرينفن وفيتيسه بنمو اللاعب وحصوله على دقائق لعب يستحقها، أما الآن فنجمه يسطع في اللاليغا بأزياء النادي الباسكي ريال سوسيداد.

لعب صاحب القدم اليسرى في بداية مسيرته القصيرة كجناح أيمن حيث يبرع في القص عرضياً وركن كراته أو مفاجئة خصومه بالبينيات. لاعب مثل مارتن، بجودته التي تمكنه من اللعب في أي مركز في الخطوط الأمامية عدا رأس الحربة -التقليدي إن شئت- من المكسب حقيقةً وضعه في عمق الملعب سواءً كصناع ألعاب أو لاعب وسط داخلي (مركز 8#) يسقط باستمرار للمساعدة في إخراج الكرات من الخلف، يتغلغل بين خطوط الخصم ويرفع النسق من الأسفل إلى الأعلى بإدراكه وتمييزه للمساحة والتوقيت.

بارع فنياً، يمتلك تحكماً مميزاً بالكرة، كما يمتلك لمسةً جذابة علاوةً على الغاية والمقصد من التكنيك. متمكن في المساحات الضيقة إذ تتوافر لديه الشروط الفنية الآنفة الذكر، جودة اللمسة، وتكتيكياً في حماية الكرة غالباً بلا صراع بدني مستخدماً إيماءات جسدية للتخلص من خصومه. يرى دائماً للأمام ويبحث عن التمريرة الكاسرة الخارقة للخطوط أو الحاسمة، يرفع النسق بمجرد استلامه للكرة فيما بين الخطوط، أو يهبط النسق وفقاً لحالات أخرى. هذه الخصائص تمكنه من اللعب في أي فريق وأي أسلوب، استحواذياً طامعاً للهيمنة والتحكم في الرتم، أو فريقاً يتوق لتخطي الخصوم فورياً وعمودياً، أو حتى فرقاً مباشرة تتّكل على التحولات إذ أن احساسه العالي بالمساحة وقدرته على طوي المسافات فور استلامه للكرة سلاح فتاك في الهجمات المرتدة، وهذه إحدى مسوغات إيمانول ألغواثيل لوضعه خلف خط وسط الخصم عندما يدافع ريال سوسيداد كما سنرى. يضع حالياً ألغواثيل الموهبة النرويجية في الجانب الأيمن من ثلاثي الوسط 8#، مع دخول بين الفينة والأخرى لعمق الملعب خلف المهاجم (مركز 10#) خصوصاً في الحالة الدفاعية عند الضغط عالياً.

لمسته الأولى خداعة مع اقتراب الخصم، يستخدم جسده جيداً لإتاهة خصمه. مسار دحرجته للكرة محسوب بدقة عند الدوران تحسباً لمن خلفه.
علاوة على قدرته على اللعب بالمساحات الضيقة، فالقص للداخل ولعب البينيات سمة أصيلة فيه.
خذ وهات، 1-2، give & go مرر وانطلق، اسموها ما شئتم، بوضوح هو متخصص بهذه الحركة. هي حركة يصعب الدفاع ضدها، ببساطة يمكنك مراقبة سلوك المدافع/المدافعين القريبين من الكرة، ففور أن يقوم اللاعب بإطلاق التمريرة الأولى، نرى أن أعين المدافعين تذهب إلى حيث تكون الكرة، فيقدون الرؤية للاعب المنطلق لجانبهم المحجوب.
استلام موجه control orientado ( بالإضافة للخذ وهات يمكنكم ملاحظة هذه التصرفات في اللا ليغا بكثرة -ثقافة تُزرع منذ الصغر- هذا ما يجعل اللعب دائماً سلس ومنساب)، ذلك مرتبط برؤيته وتمركزه وتوجيهه لجسده قبلما تصله الكرة.

عند مراحل بناء اللعب الأولى، وعندما تكون الكرة لدى الظهير يميل أودغارد للتحرك نحو خط التماس وأمام الظهير وخلف اللاعب الضاغط على الظهير، فاتحاً مخرجاً ومسار تمرير ومحرراً نفسه من اللاعب الملازم له. ذلك أيضاً قد يفتح مساحة ومسار تمرير نحو المهاجم.

مارتن لا يختبئ وحسب في ظل لاعبي وسط الخصم -كناية على أنه يتمركز بين الخطوط- وإنما سيبحث عن التحرر وعن فتح مسار وزاوية التمرير لنفسه مستغلاً انعدام الرؤية للاعبي وسط الخصوم.
مع اكتظاظ المساحة عند تقدم مرحلة بناء اللعب، سواءً بلاعبي الخصم، أو حتى لعدم التداخل مع الزملاء، يتأرجح مارتن للخلف طمعاً في التحرر، يمكننا ملاحظة هذا السلوك في مختلف مراحل اللعب عندما تكون الكرة على طرف الملعب محافظاً على تشكل المثلث في الطرف مع الجناح والظهير، ومن ثم عبر مراوغته من الخلف أو حتى للقيام ببينية أو ثنائية خذ وهات.

اللاتنبؤية إحدى أهم سمات مارتن، إن أفضل الفرق هي التي تملك لاعباً أو لاعبين يضفون عنصر المفاجأة للعب فرقهم. نلاحظ بجلاء التمريرة المموهة/disguised pass في اللقطات الأولى أين يكون توجيهه الجسدي وعيناه نحو لاعب فيمررها للاعب آخر كان قد تحرر بسبب حركة أو وضعية حامل الكرة. وعلاوة على ذلك فقراراته المسبقة -مع احتفاظه بمراقبة تطور اللعب- قوية، إذ نلاحظ قدرته على اللعب بلمسة إن تطلب الأمر.

في الثلث الأخير يستغل أودغارد دخول وانجذاب مدافعي الخصم مع المهاجم والجناح لمهاجمة المرمى عبر طلبه للكرة على مشارف منطقة الجزاء، باحثاً عن عرضية مبكرة -كما في الهدف ضد أتليتكو- أو عبر عكسية/cut back.

ليس بقاطع الكرات العظيم ولا يدخل بمنازلات واحتكاكات بدنية ولكنه يتميز بقطع مسارات التمرير، عقف وتقويس حركته عند الضغط، بالتالي يستطيع التعامل مع لاعبان في ذات الأثناء.
أمام برشلونة كان أكثر حرصاً على منع بوسكيتس من الكرة.
نلاحظ دفاعياً أنه يشكل الخط الأول للضغط بالقرب من المهاجم، نجده ملازماً لمحور الخصم ويضغط على قلب الدفاع عندما يأمن ظهره بسد مسار التمرير نحو المحور.

من خلال تمركز أودغارد -تحديداً- بعمق الملعب وخلف خط وسط الخصم يتمتع سوسيداد بارتداد سريع عبر تسارع مارتن وتغييره للرتم. بإمكانك أن ترى في اللقطة الأولى أين كان يلتفت/يتفحص، إذ يبدو متيقناً من المساحة أمامه ولكن المشكلة فيما يجري خلفه. كما يمكن أن نرى في الثانية 32 أن الحاجة أم الاختراع، مارتن دار مستخدماً كعب قدمه يبدو وكأنه تكنيك جمالي إلا أن وضعيته الجسدية لم تكن بالشكل الأمثل، ذلك ما جعله يضرب عصفورين بحجر، فلا داعي لأخذ الكرة خطوة للأمام (نحو مرمى فريقه) ذلك لأنه سيخسر وقتاً وربما مساحة.

قبل الختام، لا يوكل ألغواثيل مهام جوهرية لجوهرته السكندنافية على مستوى الكرات الثابتة دفاعياً، إذ نجده بعيداً عن مناطق الخطر، حيث ينحصر دوره في ركلات الزاوية على تبوء المنطقة التي قد يستهدفها الخصم للعب عرضية أرضية، أمام القائم الأول على آخر أمتار منطقة الجزاء، وكذلك سيزيد عددياً عند لعب الخصم تمريرة قصيرة (2 ضد 2)، في حين يقف في الكرلات الثابتة الجانبية كلاعب أول في الخط الأول، ومسانداً كذلك حال لعب الخصم كرة قصيرة. أما هجومياً فهو المنفذ الرئيسي للركلات الثابتة غالباً وللركلات الزاوية في الجهة اليمنى خصوصاً.

أمّا مواطن التحسن فقليلة؛ الكمال لله، لو رمنا تحسّن مارتن في النقاط التي لا يجيدها كالاحتكاك البدني، أو الكرات الهوائية التي لا يشارك بها لربما أصبح ملاكاً لا يخطئ، ولا يجب أن يكلف أو يطالب اللاعب إلا ما يسعه تقديمه، غير أن محاولة الكمال فضيلة بحد ذاتها، فنجد مارتن في الثلث الأخير متعجل أحياناً، يسدد برعونة، حتى بينياته عندما يقترب من المنطقة مسرعاً ليست بتلك الدقة، ثم مشكلة التمركز -الملازمة لريال مدريد- ولو أنه لا يكررها كثيراً كنزوله عند قلوب الدفاع.

2,7 مراوغة ناجحة في المباراة الواحدة، 84,7% معدل التمريرات الصحيحة للمباراة الواحدة، 2,8 تمريرة حاسمة/key pass، تمريرات بينية بمعدل 0,3 في المباراة الواحدة. في الحقيقة لا تشي هذه النوعية من الإحصائيات بشيء، فحتى التمريرات البينية لها شروط وفقاً لـ whoscored (يستقي البيانات من opta) إذ يجب أن تمر التمريرة بين مدافعين من خط الظهر، في حين تُغفل بقية التمريرات البينية والكاسرة للخطوط والتي تعطي الفريق تفوقاً وتقدماً نوعياً في الهجمة، تغيير النسق بعد الاستلام فيما بين الخطوط، الاستلام الموجه، توفره كخيار أفضل للتمرير للأسف ليس لها مكان في هكذا إحصائيات.

قلوب الدفاع

لقد تصدينا في المقالات السابقة لعددٍ من المبادئ والمفاهيم التكتيكية الفردية العامة؛ أي لكل فرد بصرف النظر عن المركز والموقع أو الدور. في هذا المقال سنخصص الحديث عن مركز قلب الدفاع وما يترتب على هذا المركز من وظائف وأدوار وفقاً لخصائص وإمكانات اللاعب. لقد تطرقنا فيما سبق لبعضٍ من المهارات الخاصة بالمدافعين، مثل المراقبة والاستباق، وكما ذكرت بعض المبادئ العامة لأي لاعبٍ على الرقعة الخضراء.

في البدء سنتحدث عن قلب الدفاع في الحالة الهجومية، ‘يصعب’ في الحقيقة تطويع قلب الدفاع ليتخذ أدوار متعددة، وإنما قد تقتصر المهام الموكلة إليه ضمن نطاق محدود، ذلك لأن القلوب هم الستار والغطاء لطبقات الفريق وخطوطه. ولا شك أن لكل قاعدة شواذ، يتبادر إلى ذهننا إنطلاقات بيكينباور وقد تكون بالنهاية قرارات عرَضية وقليلة الحدوث، أو أن يلعب لاعبٌ ما بمركزين لكل حالة، ففي الحالة الهجومية يكون محوراً وفي الحالة الدفاعية يكون قلباً (فيرناندينيو مع بيب ضد أرسنال فبراير الماضي) أو العكس (إيمري تشان مع أليغري ضد أتليتكو)، أو أن يكون ظهيراً عند الدفاع وقلباً حالة الهجوم (كبارزاليه مع أليغري)، وإلى غير ذلك مما سنحاول التعرض إليه.

التمركز والتباعد والتوجيه الجسدي

قد تتمركز بمكانٍ صحيح ولكن بوضعية جسدية سيئة، أو قد تتخذ وضعية جسدية صحيحة غير أن مكانك خاطئ، هذا اعتراض خوانما لييّو على تسمية أسلوبه –وهو أسلوب بيب، وكرويف من قلبهما- باللعب المركزي/التمركزي juego de posicion، إنها أزمة مصطلح. مهما يكن من أمر فانسيابية اللعب ستتكسر طالما أن هذه التفاصيل مهملة، ولعمري إن لم تكن هذه هي التكتيكات فما هي إذاً؟ القوالب الجامدة 4-3-3 أو 3-5-2؟ … والمقام هنا على الفرق التي تفضّل تدرج اللعب وتعتمد على قلوب الدفاع كبُناة لَعِب.

من حيث التمركز فالقلب سيغوص في العمق أكثر مع اقتراب خط الضغط الأول للخصم؛ أي المهاجمين. ومن ناحية الهيئة الجسدية فسيكون جسمه للأمام (نحو مرمى الخصم) مع ميلٍ نحو حامل الكرة مفسحاً المجال لنفسه الاستلام بوضعية مريحة (أنظر أبيدال في اللقطة الأخيرة).

موقف سلبي عبر قلبي الدفاع، إذ لم ينقسما أو يفتح أحدهما أو كلاهما خيار تمرير للحارس. هذا سلوك طبيعي لدى الفرق التي لا تبادر ولاتفضّل بناء اللعب من الخلف.
أو ربما الفرق الغير مدربة بشكل جيد، أو لأي أسباب أخرى، كسبب استراتيجي حفاظاً على نتيجة مرغوبة وما إلى ذلك.
في ثلاثي الدفاع، غالباً ما يتخذ القشاش/الليبرو أو متوسط الدفاع تموقعاً أعمق، ذلك لفتح زاوية تمرير لحامل الكرة أين يكون مجرى الكرة آمناً.
فيما ينزل القلبين الآخرين عند عودة الكرة للحارس، أو أحياناُ لفتح مسار تمرير للقشاش تبعاً لتواجد الخصم.

حامل الكرة على عمق الملعب هو المتسيد لتلك اللحظة طالما أتقن توجيهه الجسدي وامتلك قدراً من الإحساس بالكرة، فالرأس مرفوع برؤية بانورامية شاملة للملعب، هنا بإمكان المدافع التلاعب بخصمه الضاغط، إذ قد يقرر تمرير الكرة إلى لاعب معين بوضعية أفضل لتقدم الكرة “خيار أمامي”، إلا أنه بحاجة لتحريك ذلك الخصم لينبثق له مسار تمرير، ولن يتم ذلك إلا عبر استخدام جسده؛ أي عبر الميل إلى جهة المحور وكأنه سيمرر له ولكنه سيمررها للداخل كما في اللقطة التالية د19:25. أو حتى باستخدام عينيه لاستدراج الخصم كما يشير بيكيه: “حين استلم الكرة، أحاول استدراج الخصم لتقديم تمريرة مفيدة، أبحث عن 2 ضد 1، مثلاً، عندما أرى تشافي مراقباً، أحدق في اللاعب الذي يراقبه وبهذا سيحاول الخصم إما القدوم نحوي أو البقاء مع تشافي. وعادةً ما يتقدم نحوي فأمررها إلى تشافي، عندها يستطيع تشافي الدوران والتقدم للخط التالي.”

ستحيلنا هذه اللقطة إلى مفهوم آخر مهم ألا وهو المدافع المراوغ dribbling CB، بالطبع هو هنا لا يراوغ بالمواجهة وإنما بتخطي المهاجم (والخط الأول للضغط) والتقدم بالكرة عبر القنوات. وعبر التوغل بالكرة في المساحة يتسنى للمدافع استدراج أحد لاعبي وسط الخصم للضغط من منطقة عميقة، إذ سيكون بذلك متأخراً ما سيتيح للقلب استهداف أحد اللاعبين فيما بين الخطوط، سواءً عبر تمريرةٍ مباشرةٍ منه أو عبر الرجل الثاني فيكون اللاعب فيما بين الخطوط لاعباً ثالثاً. أما إذا لم يعارض القلب المتقدم بالكرة خصماً فيستطيع المدافع تحريك خصمه وإيجاد أحد زملائه خلفه ونقل الهجمة لمرحلة متقدمة.

من بين آخرين، أمور يقوم بها بونوتشي..!
لاعبي الوسط الداخليين (كانتي وباركلي) يقفان حجر عثرة أمام قلبي السيتي استراتيجية مضادة لهذا المفهوم.
بالطبع يسبق ذلك سدهم لخطوط التمرير خلفهم عبر تغطيتهم لظهورهم، ومن ثمَّ توقيت الضغط.

في اللقطة الأخيرة نرى كذلك سلوك أوتاميندي في الدخول وتبوء موقع في العمق مع تقدم ستونز بالكرة، وهذه أيضاً ستحيلنا إلى نقطة مهمة تكتيكياً، فهو بذلك يتخذ موقعاً يضفي توازناً حال فقدان فريقه للكرة، إذ أن كل سلوك هجومي يتضمن سلوكاً دفاعياً بالنسبة للمدافع.

في الكرات العالية -المقصود بها نقل اللعب لمنتصف الملعب- يطويويغلق القلبان خط الدفاع. كون الكرة في الهواء تعتبر بين بين فلا هي حالة هجومية ولا دفاعية.
نرى القلبيْن هنا ينقسمان على كل جانب، ومن ثم بعد الكرة العالية يضمان ويطويان للداخل، مجدداً للتغطية كون الكرة بين بين.

قال لي كرويف ذات مرة: أولُ ما تقوم به إذا امتلكت الكرة هو أن تنظر لأبعد/أعمق نقطة ممكنة، مرّر نحو روماريو، أو لاودروب، نحو العمق، وإن لم تكُن هنالك مساحة فمرّر هنا -بالقرب منك- ولكن إذا كان بمقدورك أن تلعب للعمق فأفعل.

بيب غوارديولا
يجب أن تمتلك رؤية للقيام بذلك زائداً تواصل مع المهاجم، فضلاً عن دقة وسرعة التمريرة. أنظر لأبعد نقطة لكن شريطة أن ترى القريبين كذلك.
أنظر للصورة كاملة بتفاصيلها، فتمريرة قريبة أبلغ من تمريرة بعيدة قد لا تفيد كالكرات الطويلة التي قد يخسرها الفريق أحياناً،
أو أن تكون ظروف المستلم ليست مواتية: تحرر، نقص عددي، تمركز..الخ.
على مستوى التمركز؛ نرى في هذه اللقطة تصرفاً خارج الصنودق من قلب الدفاع لفتح مسار تمرير للحارس مستغلاً إنعدام رؤية المهاجم وركضته المستقيمة دون إدراك لما خلفه، ناهيك عن صحة قرار الضغط اصلاً.

ذكرنا عدة أمثلة للاعبين امتلكوا أدواراً مزدوجة كبارزالييه وبعض الحالات الطارئة كفيرناندينيو وتشان. هنا نرى قلب دفاع شتوتغارت #4 مارك أولي ڤ ر كيمف، يمتلك حرية التنقل بين خط الظهر وخط الوسط وحتى في التوغل عبر الأطراف وخلف دفاعات الخصم. أي توظيف هكذا ينطوي عليه تحركات تعويضية/تبادلية لشغل وتبوء مساحة ما، وبالطبع فنرى الأظهرة تدخل لتعويض خروج إذ يلعب الفريق للحظة بقلبين ثم بثلاثة، لا مركزية في أبهى صورها لمدرب لو على شأنه قد تكون ثورة اللامركزية الحقيقية على يده: تيم ڤالتر.

قلب الدفاع دفاعياً

في كرة القدم هناك نظامان رئيسيان تتفرع منه وتتشعب أنظمة أخرى، وهما: دفاع المنطقة والمراقبة رجل لرجل. أما الفرق بينهما –أي النظامين- فيتجلى في النقاط المرجعية، ففي نظام الرجل لرجل هناك أولوية لمراقبة الرجل المقابل، ومن ثم مكان المرمى والكرة وأخيراً مكان الزميل. أما في المنطقة فمكان الكرة أولاً ومن ثم المرمى فالزميل وأخيراً الخصم/الرجل. هذه النقاط -لكل نظام على حدة- هي من ستحدد تمركز قلب الدفاع. وعلى العموم فهنالك مبادئ مشتركة للتمركز الصحيح في جميع الأنظمة، مع وضع خصوصية كل نظام بالاعتبار. دون ذكر كيفية تأويل هذه الأنظمة لكل مدرب وبلد وثقافة، فدفاع المنطقة له عدة أشكال، وكذلك دفاع الرجل لرجل، دون نسيان النظام الهجين؛ أين تمتزج مبادئ دفاع المنطقة مع دفاع الرجل لرجل وتتبدل النقاط المرجية حيث: مكان الخصم والكرة لهما ذات الأهمية.

سنحاول في هذا المقال أن نتحدث عن قلب الدفاع الشامل؛ أي من يتخذ قرارات من عند نفسه بصرف النظر عن النظام فمهما بلغ الفريق من تنظيم فهنالك طوارئ ومشاكل تتطلب مبادراتٍ ذاتية/شخصية، وبالطبع سنتحدث عن المبادئ العامة التي يتّبعها “كل” فريق كرة قدم. والمدافع الشامل كذلك هو غير المقيد بنظام (رجل لرجل أو دفاع منطقة)، إذ أن هنالك الكثير من الفرق اليوم تفضل أنظمة متوازنة في الضغط والدفاع، والنظام الهجين أحد أشكالها، وهناك من يفضل نظاماً شاملاً؛ أين يُعتمد فيه على غريزة المدافع وقراءته للعب لاتخاذ اللازم من القرارات، فهو سيقدّر ما إذا كان عليه ملاحقة المهاجم أو المبادرة لاستخلاص الكرة استباقياً أو عبر الافتكاك بالمواجهة أو الإنزلاق، أو تمركزه داخل منطقة الجزاء، أو التراجع والتقدم وفقاً لمكان الكرة، ناهيك عن الحالات الطارئة والحرجة 1 ضد 1 أو ضد 2.

مهما كان النظام المتبّع في الفريق، ثمة مبادئ ينبغي اتباعها لقلب الدفاع:

  1. ضع المرمى دائماً كنقطة مرجعية أساسية؛ واجه خصمك أو لاحقه، أو غطِّ زميلك ولكن وجّه جسدك وفقاً لمكان المرمى.
  2. راقب اللاعب أو غطِّ مساحةً/لاعباً ما دون التداخل مع الزملاء؛ تدرج دفاعي وتعاون.
  3. في التفوق العددي بادر وافتكّ الكرة أو ضيق على الخصم، في النقص أو التكافؤ العددي تراجع أو ضيق وفقاً لوضعية حامل الكرة وقربه من المرمى.
  4. تقدم مع عودة الكرة للخلف –أي نحو مرمى الخصم- وضيق بمعية الزملاء مساحة اللعب واترك المهاجم متسللاً، ابقَ دائماً ملتزماً بالخط الأخير.
  5. أبقِ عينيك على المهاجم علاوة على الكرة، استرق النظرات خلفك داخل المنطقة بغض النظر عن توجيهك الجسدي. ضع باعتبارك زاوية الحارس إذ من الأجدى تركها للحارس وتغطية أي عرضية متأخرة محتملة.
افتكاك عبر الاستباق

بمجرد ما إن انكشفت الكرة استبق المدافع المهاجم للكرة، التصق به أولاً (مكان المرمى) ثم افتك الكرة لدى قرائته للعب. يُذكر أن سامبدوريا كان يطبق دفاع المنطقة مع ديل نيري، أي أن المهاجم لا يراقب المدافع إلا إذا كان خياراً حقيقياً للتمرير، كما يتعين على المدافع ضبط التوقيت لئلا يفقد الكرة والمهاجم سوياً.
*كرة مكشوفة أي يمكن لعبها للأمام.

إن المبادرة وافتكاك الكرة عبر الإستباق تصرف محبذ في نظام رجل لرجل، وهي خاصية يتميز بها مدافع عن آخر (أنظر كاناڤارو مثلاً) أو إذا ما أراد مدرب ما تطبيق هذا النوع من الرقابة. يجب أن توضع هذه الخصلة بعين الاعتبار لدى الكشافين.

استباق هنا كذلك، بنظام رقابة لصيقة.
اعتراض ومواجهة 1 ضد 1، أولاً نرى تمركز هوملز وأخذه خطوات للوراء، ثانياً وضعية جسده الجانبية؛ فبذلك سيبقي نفسه باللعبة في حال تخطاه المهاجم، إذ بإمكانه استعادة الكرة عبر الإنزلاق الجانبي أو الخلفي إذا قدِم من خلفه. أما قرار التدخل وتوقيته فقد تم عبر مستثيرة واضحة: عدم سيطرة المهاجم على كرته، خصوصاً لمسته الأخيرة الفضفاضة.

في الحالة 1 ضد 1 –بالنسبة لقلب الدفاع- سيختلف التصرف وفقاً للمعطيات التالية: مكان الكرة؛ مكان حامل الكرة أو النقطة المحتملة لوصول الكرة (ثنائية صِرفة هوائية كانت أو أرضية). مدى أريحية حامل الكرة، ومن هو حاملها، وما إذا كان القلب المعني مغطىً أم لا.

الأفضل عندما تكون الكرة بعيدة عن المرمى، والمهاجم له مطلق السيطرة على الكرة هو الانسحاب للخلف، ذلك يبدو تصرفاً حكيماً عندما يكون المدافع غير مغطى، وقطعاً مع إبقاء البصر على الكرة. وكلما اقتربت الكرة للمرمى كلما ازدادت الحاجة للتدخل والمبادرة ودوماً بوضعية جسدية مرنة تتيح للمدافع الدوران والبقاء في اللعبة.

خيمينيز وتصرف مثالي في 1ضد1 أمام نيمار، تعديل تموقع ثم الاقتراب نحو نيمار منتظراً تراجع زملائه، راقبوا وضعية جسده ومرونتها.

حالة 1 ضد 1 مختلفة (صراع ثنائي)، قراءة ممتازة من المدافع، فَفور انكشاف الكرة قرر المدافع العودة ومحاولة التغطية لئلاّ تمر الكرة خلفه نحو ستيرلينغ، ومهما كان خصمك سريعاً فتوقيت انطلاقتك وتوجيهك الجسدي أهم من السرعة، إذ استطاع المدافع انقاذ الموقف بعد التقاطه للكرة قبل ستيرلينغ، فقدها فوراً ولكنه ضيق وحاول منعه من الدوران، وما إن التف فقد الكرة. هنالك العديد من الحالات التي تستدعي الدراسة إلا أنه يصعب حصرها، والأهم هو بقاء النقاط المرجيعة التي ستحدد قرار المدافع لكل حالة.

حالة 1ضد2، فمكان المرمى أولاً، دائماً حاول حماية المرمى، ثم الاقتراب إلى حامل الكرة وليس إلى اللاعب الثاني عندما تكون الكرة بعمق الملعب أما إذا كان حامل الكرة على الطرف فحماية المرمى أولى وبالتالي الاقتراب من اللاعب الثاني.

حالة 2ضد3 تليها 1ضد2، ما يهمنا الحالة الأولى وهي التي أدت للنقص العددي وعزل المدافع الأخير أمام المهاجميْن. بالطبع الأمر ليس بالبساطة التي نتصورها فالوضع داخل الملعب مختلف لعدة أسباب، غير أن الخطأ خطأ ومن هنا يبدأ التصحيح وتقليل اقتراف الأخطاء التي يمكن تلافيها. هنا حاول بروما مجابهة حامل الكرة على الدائرة، بدلاً من الانسحاب للخلف وربما مواجهة فيرنر.

حالات مختلفة

ذكرنا مبدأ الكرة المكشوفة فيما سبق، نرى بوضوح تصرف القلبين لدى انكشاف الكرة إذ قاما بالركض للخلف، لإغلاق وانتزاع العمق. دائماً لا تفقد الرؤية للكرة.
ربما لست بحاجة لمعرفة من خلفك ولكن الأكيد أن انكشاف الكرة مع دوران باجّو يعني التراجع بسرعة،فالدفاع العالي الساكن ذنبٌ لا يغتفر.
قلب الدفاع زاغو قد أخذ خطوة للأمام بدلاً من الخلف.
راقبوا تصرف بيكيه، فمع تراجع حامل الكرة للخلف يتقدم للأمام، مضيقاً مساحة اللعب. يتبعه بويول ومن ثم ألڤيس.
في المقال السابق “دفاع المنطقة” تطرقنا للدفاع ضد الكرات العالية، حيث ينزلق الثلاثي بعد خروج القلب مثلاً مشكلين خط تغطية. هذا ليس الحال بالنسبة لكثير من الفرق، إذ نرى هنا أنه تصرف فردي من قلب الدفاع. ذلك ببساطة لأنها لا تطبق نفس النظام فلكل مدرب فكرته وليس لأحدٍ أفضلية على آخر.

يختلف تعامل قلب الدفاع بالقرب من المرمى وعند العرضيات المتأخرة أو المبكرة، فكما أسلفنا ينبغي وضع الحارس وزاويته بالحسبان وذلك مقترن بمكان المهاجمين داخل المنطقة بمعية حامل الكرة، نشاهد في اللقطة الأخيرة سويونجو بوضعية جانبية نصفه إلى المرمى ونصفه إلى المهاجم (كذلك القلب الآخر والظهير)، يختلف التصرف أحياناً فنجد أن بعض المدافعين يميلون بأجسادهم نحو المهاجم، اختلاف تأويل وتقدير، وأحياناً وفقاً للمدرب.

الدفاع ضد العرضيات المبكرة، سلوك كييليني وبونوتشي هنا: تحسس للمهاجم أمامهم وبوضعية جسدية أميل للمهاجم، لكن مع عدم إغفال النظر للكرة، إذ يجب توقع مكان وصول العرضية وحركة المهاجم كذلك وأخذ خطوة للخلف، والحارس هنا له أهمية أيضاً في التواصل. على المستوى الجماعي، نلحظ وبمجرد عودة الكرة للخلف يخرج المدافعون خارج منطقة الجزاء، أولاً للتضييق وثانياً درءاً للاحتكاك داخل المنطقة لأي سببٍ كان.
في هذه الحالة أخطأ ڤوغت التقدير إذ انجذب للمهاجم بالرغم من تغطية زميله خلفه، فالمستحسن تدخل ڤوغت بمجرد دخول حامل الكرة للمنطقة.
ربما تكون مشكلة تواصل، فلا يمكن للمدافع فتح جهة المرمى بهذا المكان، وبتواجد زملاء يغطونه.

دفاع المنطقة: النظام الخالص

الأنظمة الدفاعية الأساسية في كرة القدم ثلاثة: رجل لرجل والرقابة اللصيقة بشكلها القديم والتي لم تعد تستخدم في وقتنا الحاضر، ثم هناك دفاع المنطقة أينما يبقى كل مدافع في منطقة معينة وفقاً للكرة، أما النظام الثالث فيمكن تسميته بالرجل لرجل الحديث حيث يتّسم نوعاً ما بالتنظيم، في النظام الأخير يراقب المدافع (جميع اللاعبين في الحالة الدفاعية) اللاعب الذي يدخل منطقته ويكون لاعب الخصم المقابل له هو النقطة المرجعية الأولى، يستخدم هذا النظام مدربين مثل بييلسا وفان خال وغاسبيريني وغيرهم. أمّا دفاع المنطقة فكل لاعب مسؤول عن منطقته، الكرة ومكان تواجدها هي النقطة المرجعية الأولى للفريق وللاعبين، ثم المسافة إلى المرمى، بعد ذلك يجب أن يراعي اللاعب مكان زميله لتوفير التغطية ولا يستحسن أن يقفز اللاعب خارج منطقته المحددة كما يحدث في دفاع الرجل لرجل، أو أن يبقى ملاصقاً لخصمه كما في نظام الرجل لرجل الحديث، وأخيراً مكان تواجد الخصم. إذاً النقاط المرجعية تسلسلياً: الكرة، المرمى، الزميل وأخيراً الخصم.

إن المبدأ الأساسي لدفاع المنطقة هو الدفاع في منطقة الكرة (الصورة السابقة)، وليس الدفاع في منطقة منخفضة كما تسود الفكرة. في هذا النظام يعمد الفريق على تضييق وتقليص مساحة اللعب على الخصم وبالتالي قد يُجبر الخصم على اتخاذ قرارات سريعة حيث يتمكن الفريق من استعادة الكرة أو على الأقل منع دخول الكرة لمناطق خطرة ومتقدمة. خطوط الفريق عرضياً وطولياً متقاربة ويتحرك الفريق ككتلة للأمام وللخلف ومن جهة لجهة وفقاً لمكان تواجد الكرة.

النقطة المرجعية الأولى لنا في الحقيقة هي الكرة، والحال ليس كذلك بالنسبة للآخرين، ثم منطقياً هناك خصم أيضاً ولكننا نتحرك ونتصرف وفقاً لمكان الكرة.

جوفانّي مارتوشييلّو، مساعد سارّي

 “تواجهنا كثيراً في دوري الهواة، كانت موجهات متوازنة وكنا مصممين على دفاع المنطقة ولم نك نوسع الملعب لأن الدفاع كان الأهم بالنسبة إلينا كلانا، كثيرٌ من تلك المباريات تنتهي بالتعادل لأن فرقنا كانت مغلقة جداً”

لوريس بيوني صديق سارّي ومدربه السابق في دوري الهواة ومساعده في يوفينتوس حالياً.

 المدرب يعمل كثيراً على الدفاع، وهو أحد أسباب انضمامي لسامبدوريا، باستطاعته تعزيز ورفع مخزوني التكتيكي

جيان ماركو فيرّاري عن جامباولو

مزايا دفاع المنطقة:

  • فريق ضيق ومترابط
  • لاعبين أكثر بالقرب من الكرة
  • قابلية التكيف ضد أي خصم
  • التعاون “كفريق” في الضغط

التكتيكات الدفاعية بشكل عام:

أ) تدرج: يجب أن يكون الخط الواحد -خط الظهر مثلاً- متماثلاً وليس على خط مستقيم، يجب أن يغطي المدافع منطقته ويغطي المنطقة خلف زميله المواجه للكرة، بالإضافة لمراقبة الخصم، التدرج الصحيح يتيح للفريق تغطية متبادلة لبقاء الفريق مترابط وغير مهلهل ومفكك.

ب) التأخير: تقليل الوقت وامتصاص المساحة من الخصم ويطبق على شكلين: 1-المماطلة: ابطاء هجوم الخصم عبر ترك منطقة الكرة –للاعبين البعيدين عن الكرة- والانسحاب باتجاه المرمى واستعادة الشكل الدفاعي .2- الاندفاع تجاه الكرة وتطبيق مصيدة التسلل وعملية الضغط.

جـ) التكثيف: أن يكون جميع أو أكبر عددٍ ممكن من اللاعبين خلف الكرة، أي تكثيف المنطقة حول الكرة. وكلما اقتربت الكرة أكثر إلى المرمى كلما اضيقّ الفريق بتقلص المسافة بين اللاعبين وتسمى هذا الفكرة بالتقمّع الدفاعي imbuto difensivo من الإيطالية.

د) التوازن: وهي ابقاء تغطية متبادلة في جميع الظروف -اللاعب الثالث المغطي للاعب الثاني- وعدم التأثر والانجذاب للاعبي الخصم، لأن الأهم هو تغطية المساحة ومن ثم الزميل وأخيراً لاعب الخصم.

هـ) السيطرة والحذر: معرفة الحالات التي تستدعي التعديل/الإصلاح ووضع النقاط المرجعية الأخرى بالاعتبار بجانب الكرة وهي الزميل، المرمى، الخصم والمساحة.

التوجيه والوضعية الجسدية

عندما لا تكون الكرة بحوزتنا، أ بقِ بصرك باتجاه الكرة أولاً ومن ثمّ التوجيه؛ أي الموقع ما بين الكرة والمرمى، وثم الزميل، يجب إبقاء مسافة مناسبة دائماً.

ماركو جامباولو
مجدداً تعتمد وضعية المدافع الجسدية على مكان الكرة، الكرة هنا في عمق الملعب: قلبا الدفاع متباينا التمركز والظهيريْن كذلك، وذلك بالطبع لزاوية رؤية كل لاعب على اعتبار مكان الكرة.
مع نقل الكرة للطرف، أي طرف، يغير المدافعون وضعية أجسادهم نحو الكرة، وضعية جانبية لا تميل نحو المهاجم بل نحو المرمى بعد الكرة.
الوضعية الجسدية ستمكّن المدافع دوماً من تغطية المساحة إذا ما لُعبت الكرة خلفه، نرى حتى التقدم والتراجع له خصوصية،
إذ أن الوضعية الجانبية “على الطرف” تضفي مرونة للحركة ما سيجعلك تنطلق قبل المهاجم عند قراءة اللعب من هذا المنطلق.

المفاهيم الأساسية: القطر الدفاعي والهرم الدفاعي

قطر دفاعي في وسط (عمق) الملعب، وكما يتضح لنا خط قطري افتراضي بين القلب والظهير.

قطر دفاعي على طرف الملعب فكما ذكرنا في “التدرج” لا يجب أن يكون خط الظهر على خط مستقيم ومنبسط في حالة الضغط أو عند الارتقاء للكرات الطويلة. ولتغطية المساحة، هذه المصطلحات تعتبر من أهم مفاهيم دفاع المنطقة وتعني التناوب في عملية الضغط بين اللاعبين. فعندما يضغط الظهير على حامل الكرة ينخفض أو ينزلق الثلاثة البقية مشكلين خط يسمى “خط التغطية” وهذا ما يعنى به “القطر الدفاعي”.

إذا كانت الكرة في عمق الملعب وقام قلب الدفاع بالضغط، يقوم البقية بتشكيل خط تغطية وهذا ما يطلق عليه “الهرم الدفاعي”، بالإضافة إلى ذلك، يجب على الثلاثي التقارب فيما بينهم لتقليص المساحة الخاوية التي تركها القلب لكي لا تستغل.

في هذه اللقطة يطبق نابولي الهرم الدفاعي 1-3، أي يخرج قلب الدفاع ويضيق الثلاثة البقية للعمق د10:15.
بعد تخطي كوليبالي يخرج القلب الآخر “ألبيول” ويطبق الهرم 1-2، أي يخرج أحد الثلاثة “القلب” ويقوم الظهيران بالتضييق د10:17.
خط التغطية في الكرات العالية
“دفاع بلا خط تغطية” فكما نرى خروج لاعبين اثنين للكرة العالية والظهير الايمن ليس على نفس الخط.

الامتطاط الدفاعي

“السكون موت الدفاع، ولهذا السبب يجب ألاّ يبقى خط الدفاع في موضع ثباتٍ وجمود، بل أن يكون خط الدفاع دائماً متموج ودائم الحركة، وأن لا يتوقف عن تطبيق الامتطاط الدفاعي.”

فرانتشيسكو كونتي مساعد جامباولو والمساعد السابق لجيجي ديل نيري.

الامتطاط الدفاعي -إن صحت لنا ترجمته هكذا- هو تقدم الدفاع للأمام وتراجعه للخلف باستمرار وفقاً لمكان وحركة الكرة، وبلا شك يجب أن يتحرك الدفاع باستمرار وأن لا يكون ساكناً ثابتاً بغية الاحتفاظ بمسافة مناسبة تجاه الكرة والاحتفاظ بترابط الخطوط، بالإضافة لزيادة الكثافة حول منطقة اللعب. والأهم هو انتزاع العمق من الخصم وألّا يتم اختراق الدفاع عبره سواءً بكرات طويلة أو قصيرة.

يحدد الامتطاط الدفاعي آليتان، الأولى “كرة محجوبة” والأخرى هي “كرة مكشوفة“، الكرة المحجوبة هي الكرة التي لا يمكن أن تلعب للأمام، كأن يكون حامل الكرة مواجهاً لمرمى فريقه أو أن يكون مضغوطاً ويصعب عليه لعب كرة للأمام. والعكس صحيح بالنسبة للكرة المكشوفة حيث يستطيع حامل الكرة لعب كرة للأمام أو التقدم بالهجمة أو أن يكون متحرراً من أي ضغط بشكل عام. عندما تعود الكرة أدراجها لمرمى الخصم يتقدم خط الدفاع، بينما يتراجع عندما يتقدم حامل الكرة للأمام. من المهم أن يكون الدفاع مستعداً ويقظاً لأي طارئ، ذلك لأن الكرة وبشكل مفاجئ قد تكون مكشوفة، تعود للخلف أو تتقدم للأمام ولذلك يجب أن يُبقي المدافعين أعينهم على الكرة دوماً وبوضعية جسدية متهيأة لأي حالة حيث يسهل قراءة اللعب والتغلب على أي خطر محتمل.

يمكن للدفاع أن يكون مستقراً عندما تبعد الكرة مسافة كافية والتراجع فوراً حال تقدم الكرة للأمام أو إنكشافها، تجدر الإشارة إلى أن الامتطاط الدفاعي ينتهي تطبيقه على مشارف منطقة الجزاء (آخر 25 متر) حيث يستطيع الحارس التعامل مع بعض الكرات بالإضافة لتطبيق مصيدة التسلل.

مصيدة التسلل

تستخدم مصيدة التسلل لتخريب وإفساد هجمات الخصم، منطقياً يمكن أن يؤدي الامتطاط الدفاعي تلقائياً إلى حالة تسلل، مصيدة التسلل استراتيجية لا تخلو من المخاطرة وتتطلب توقيت بالغ الدقة دوناً عن ذكر أخطاء التحكيم. ثمة ‘مثيرات’ تستخدم لتطبيق مصيدة التسلل مثل تمريرة خلفية من المهاجم (آخر لاعب) أو عندما يتردد حامل الكرة خلال توغل زميله المهاجم بين المدافعين، أو حتى عندما تكون الكرة باتجاه اللاعب المستقبل “طرف ثاني” خلال توغل المهاجم “طرف ثالث” فيتقدم الدفاع للأمام تاركين المهاجم متسللاً كما في اللقطة التالية.

حالات أخرى شائعة تستخدم لضبط مصيدة التسلل: عندما يقص “بلفظة عامية” حامل الكرة للداخل (دخول من الطرف للعمق بشكل عرضي كما في اللقطة الأخيرة) عندما يتم تشتيت الكرة سواءً في اللعب الحي أو في الكرات الثابتة، إذ أن انقضاض المدافعين باتجاه الكرة قد يؤدي إلى حالة تسلل خصوصاً بالقرب من منطقة الجزاء وأخيراً في حالة النقص العددي “في منطقة متأخرة غالباً.

الترابط

هو تقارب خطوط الفريق عرضياً وطولياً والمسافة بذا تكون قصيرة من أقصى الفريق للأسفل ومن طرفٍ لآخر ويصبح الفريق بذلك “مترابطاً”، ذلك سيأمن تغطيةً مثالية وكثافة حول منطقة الكرة علاوة على التغطية المتبادلة بين اللاعبين بحيث يسهل تساند وتعاون الزملاء في عملية الضغط، كما يصعب على الخصم اختراق عمق الملعب في حين ان الأطراف مفتوحة وهذا لأن الأطراف اقل خطراً. الكتلة تضيق كلما تراجعت للخلف وكلما تقلصت المسافة بين الكرة والمرمى وهذه الفكرة كما ذكرنا تسمى “تقمع دفاعي”.

الضغط

“امتلاكك لدفاعٍ حيّ وفعال سيعني أنك أنت من تتسيّد المباراة، حتى وإن امتلك الخصم الكرة. فالضغط الخانق سلاح إضافي ولكنه يتطلب فريقاً منظماً وطاقة معتبرة

أريغو ساكّي

في اللغة الكروية الإيطالية “pressing” تشير إلى الضغط الجماعي وليس ضغط اللاعب كفرد والذي يهدف لتقليل الوقت والمساحة على لاعب الخصم، الضغط الفردي يطبق بشراسة وبوقت مثالي في حال تفوق الفريق عددياً. ينبغي أن يُطبق الضغط باستمرار طالما أن الفريق يمتلك خط دفاعٍ عالي. بلا شك الهدف من الضغط بشكل جماعي هو استعادة الكرة وإجبار الخصم على ارتكاب الأخطاء، بما أن الخصم محاصر ومجبر على اتخاذ قرارات بسرعة مما قد يسفر عن فقدان الكرة، بالبداية يجب أن يتوسط الفريق ككلّ مكان الكرة وأن يكون مترابطاً، كما يتحتم على الفريق غلق وسط الملعب وتوجيه اللعب للأطراف أين لا يملك حامل الكرة إلاّ زاوية 180 درجة لعب، وبكل شراسة وعبر رفع النسق يستطيع الفريق استغلالها كمنطقة افتكاك وتعتبر هذه أشهر مصيدة أو كمين للضغط. كما ان هناك ايضاً عدة مصايد ومثيرات ضغط في كرة القدم يمكن استغلالها واستخدامها مما يزيد فرضية استعادة الكرة، سبق الحديث عنها في مقالٍ سابق.

ضغط سامبدوريا العالي ضد يوفينتوس: نصب كتلة في عمق الملعب ثم الانتقال مع الكرة إلى حيث تكون.

الضغط العالي هو بطبيعة الأمر ضغط مكاني ولا يُقصد به شدة وشراسة الضغط كما هو شائع، الضغط العالي يعنى به ضغط الخصم في ثلث الخصم الدفاعي (الثلث الأخير للفريق الضاغط) ومحاولة افساد عملية بناء الخصم، وبالطبع ستكون المسافة قصيرة تجاه مرمى الخصم واحتمالية التسجيل تكون أكبر حال استعادة الكرة. الضغط عالياً يستلزم تحضيراً وتمركز جيدين من قبل الفريق ومن قبل خط الضغط الأول “المهاجمين”، المهاجمين يمتلكون إشارة بدء الضغط، وبلا مهاجمين لا ضغط عالي. عندما يحاول الخصم بناء هجمته من خلال ركلة مرمى يتيح الفريق الضاغط للخصم تمريرة أولى كنوع من الطعم، أما في اللعب الحي فيتعين على المهاجمين أن يكونوا واعين لحركتهم عندما يقومون بالضغط على الحارس وذلك عبر تقويس حركتهم بحيث يستطيع المهاجم غلق زاوية التمرير تجاه قلبي الدفاع، نفس الحركة تستخدم أيضاً في حالات أخرى كأن يمتلك قلوب الدفاع الكرة، في منطقة متقدمة غالباً.

جوانب أخرى

خط الوسط: التدرج (القطريات والهرميات) تطبق أيضاً في خط الوسط ولكن ليس بالضرورة على خط واحد مثل خط الدفاع، التعاون بين خطي الوسط والدفاع سيفيد الفريق حتماً في حالات معينة مثل تغطية الظهر، هذه الفكرة تتطلب تمركز جيد وتحقق مستمر ما إذا تواجد لاعب للخصم بين خط الوسط والدفاع ومحاولة قطع سبل وصول الكرة إليه. بتطبيق هذه الفكرة لا يمكن اختراق خط الوسط وبالتالي لا يمكن للدفاع أن يكون مكشوفاً ولا يمكن سحب وإخراج المدافعين من مراكزهم.

من الضروري على لاعبي الوسط تطبيق ضغط مثالي ومستمر بحيث يتسنى للمدافعين تطبيق الامتطاط الدفاعي وضبط مصيدة التسلل، بالإضافة إلى ذلك فإن لاعبي الوسط كذلك ملتزمين بالتغطية المتبادلة في حالات معينة مثل تغطية المساحة التي تظهر بين قلب الدفاع والظهير عندما يقوم الأخير بالخروج لمواجهة حامل الكرة في طرف الملعب. كما أن بمقدور لاعبي الوسط الطرفيين سواءً الأجنحة أو لاعبي الوسط 8# (اللاعبين الداخليين في ثلاثي الوسط) بمقدورهم مضاعفة الضغط “تدبيل” وعمل زيادة عددية للظهير بحيث لا يكون الظهير معزولاً ويتم التفوق عليه نوعياً أو حتى لا يتم التفوق عليه عددياً.

الثلث الدفاعي

تبقى الكرة هي النقطة المرجعية الأولى للمدافعين حتى في آخر 25 متراً، يجب أن يبقى المدافعون في المقام الأول متيقظين للمناطق الخطرة دوناً عن ملاحقة مهاجمي الخصم. في العرضيات المبكرة ينخفض خط التغطية (خط تغطية مكسور) باتجاه المرمى عندما يقوم الظهير بالضغط كما في اللقطة الأولى. وكما يظهر في اللقطة الثانية يشكل الدفاع “خط قطري عكسي” في العرضيات المتأخرة محاولين إلغاء المساحة أمام المرمى، وفي هذه الحالة يجب على المدافعين أن يحتاطوا من المهاجمين ولكن يجب ألاّ يتأثروا بتواجدهم وتحركهم والتركيز أكثر على المنطقة الخطرة وعدم فقد “الرؤية” للكرة.

حالات خاصة

وبما أنه لا شيء متروك للصدف والتقدير -قدر المستطاع- يحاول الدفاع إبقاء الشكل/التغطية لأقصى قدر ممكن، وإبقاء تغطية ملائمة قدر المستطاع لتجنب الفوضوية، وبناءً على ذلك يجب على المدافعين إيجاد حلول سريعة وتغطية بعضهم البعض في أي حالة قد تطرأ من أجل بقاء الفريق ثابتاً ومستقراً. النقطة المرجعية للاعب هي الزميل، ففي حالة قام الزميل بترك مركزه للضغط أو إذا تخطته الكرة، أو حتى إذا تمت مراوغته وهزمه فيقوم أقرب زملائه للكرة بالقفز لمركزه الخالي للتغطية والضغط، أما اللاعب المتخطى فيقوم بدوره بتغطية مركز زميله فالعملية هنا تبادلية، وعلاوة على ذلك فلاعبي الوسط لهم دور في التغطية أحياناً كما في اللقطة التالية.

هنا بعض الأمثلة لبعض الحالات التي قد تطرأ خلال المباريات:

لو طلب المدافعون وضع الخصم بالاعتبار فقد يفقدون الرؤية للكرة” … “المدافعون معتادون على إبقاء أنظارهم على الكرة وعلى الخصم فالبعض قادر والبعض الآخر غير قادر على ذلك. هي عملية طويلة الأجل ويجب أن تكون منظمة، نحن بحاجة هنا  للاعبين معتادين أكثر على تغطية المساحة وبشكل أقل على الإحساس بجسد اللاعب الخصم

ماركو جامباولو

إنها الكرة التي تحدد تحركات خط دفاعنا، المدافعون مترابطين ويهدفون لتغطية المساحات بالاستناد إلى مكان الكرة، المبدأ الأساسي بالنسبة لنا هو تغطية العمق واستعادة الشكل الدفاعي والضغط المستمر بحيث تبقى الكرة مغطاة ويتسنى لخط الدفاع تطبيق الامتطاط الدفاعي للأمام.

فابيو ميكاريلّي مساعد جامباولو الموثوق

أُفضّل أربعة في الخلف لأنها تمكنك من تغطية العمق بشكل أفضل.

ماركو جامباولو

أربعة لاعبين في خط الظهر أمر جوهري في الحقيقة عندما نريد استخدام دفاع المنطقة الخالص، فهي تعطي توزيع مثالي على عرض الملعب وتغطية لائقة لعمق الملعب، من المهم أيضاً التأهب والاستعداد للتحول للدفاع في الحالة الهجومية لذا لن تجد في فرق سارّي مثلاً أن الظهيرين يشاركان سوياً في مناطق متقدمة عند الهجوم، لن تجد أظهرة جامباولو بعيدان على الخط في مرحلة بناء اللعب، وهذا الامر عائد بالطبع لإبقاء الخط جاهزاً للانتظام من جديد في حال فقد الفريق الكرة. يتضح جلياً أن دفاع المنطقة نظام أكثر تعقيداً من المراقبة الفردية أو الرجل لرجل، حيث لا يُعتمد على الفرد وحده في دفاع المنطقة بل تتطلب تنظيم وأكثر تناسق وارتباط بين أعضاء الفريق الواحد. وعلى أي حال فإن خصائص اللاعبين أمر مفصلي لتطوير هذا الأسلوب من الدفاع مثل التمركز والمراقبة والتوقع والاعتراض، وأيضاً المواجهة أو إيقاف الخصم.

“من يطبق دفاع الرجل لرجل فهو يظهر قلقاً وضعف، ومن يطبق دفاع المنطقة فهو واثق من خططه وقادر على فرضها وتطبيقها.

جوليانو سونتزونيه “معلم جامباولو”

“عندما نتحدث عن الحالة الدفاعية لا يجب أن نتحدث عن المدافعين وحدهم، أعتقد أن الفريق القادر على تطبيق حالة دفاعية منظمة يملك قيمة مضافة، لأنه بالنسبة لي هي نتيجة عمل الفريق وليست اعتماداً على جودة الافراد مثل الـ1 ضد 1”

ماركو جامباولو

هنالك عدة أشكال وعدة توجهات وتآويل لدفاع المنطقة وهذا يعتمد على تفضيل المدرب وثقافة البلد من الناحية الكروية، بعض الفرق تضع بالاعتبار الرجل بالإضافة للكرة كأن يعدّل اللاعب تمركزه وفقاً للاعب الخصم المقابل، فبعض الفرق الألمانية على سبيل المثال لا الحصر تستخدم نفس النظام المذكور “موجه للكرة” ولكن يعدل خط الدفاع تحركاته بعض الشيء وفقاً للمهاجمين. وأيضاً في إسبانيا مثل أوناي إيميري أو مارسيلينو أو أتليتكو دييغو سيميوني تعدل فرقهم -بما أنها متشابه إلى حد التماثل- تحركاتها الدفاعية من التوجه للكرة إلى توجّه طفيف للمراقبة الفردية في مناطق متأخرة وقريبة من المرمى. وفي المناطق المتوسطة عادة يبقى الفريق مستقراً ومترابطاً بما أنها المنطقة التي يرتفع بها شدة ضغط الفريق على طرفي الملعب. وربما يصنف أسلوب هذه الفرق على أنه “موجه للمركز” حيث يكثر الضغط العرضي “بين مراكز اللاعبين” وهو ليس إلى تفريع بسيط من دفاع المنطقة الخاص بساكي وبنفس أسس تبادل الضغط، اللهم أن هذه الفرق تضغط غالباً في مناطق متأخرة وبشكل ضيق. هنالك أيضاً المدرب السويسري لوسيين فافر مدرب دورتمُند الحالي وهو يستخدم نمط مشابه للنظام السابق ذكره ولكن بتوجه أكثر نحو الأفراد.

“هو نوع من الدفاع –برأيي- لا يطبق بشكله الأمثل في يومنا هذا وهو مبني على مبدأ التوجه للكرة” فرانتشيسكو كالدزونا مساعد سارّي الأزلي. عبر رينوس ميخيلز وتعاليم أريغو ساكّي تطور دفاع المنطقة عبر الزمن واتخذت اليوم أشكالاً وألواناً داخل وخارج إيطاليا، دفاع المنطقة “الخالص” نوع دفاعي فريد وهو بالطبع ليس مجرد كثافة عددية أو شراسة بدنية. يطبق هذا النظام فرق قليلة جداً في إيطاليا ولا أثر له خارجها، ليس لأنه الأفضل ولكن لأنه أكثر أنظمة المنطقة نقاوة فالفرق المطبقة لهذا النظام، فرق سارّي، جامباولو وديل نيري من قبلهم موغلون بتفاصيل هذا النظام فلا انجذاب لمهاجم الخصم إلا عندما تدخل الكرة منطقة المدافع فيقوم بواجبه، عدا ذلك فالكرة هي لب وجوهر اللعبة وعليها تتبلور قراراتهم. إن المبادئ الأساسية لدفاع المنطقة تطبق كما هي لدى جميع الفرق، القطريات والهرميات، الامتطاط، إغلاق العمق، غير أن الشيطان يكمن في التفاصيل وهذا ما يجعل نظام سارّي وجامباولو -زعماً- أنه نظام المنطقة الخالص، فحتى داخل منطقة الجزاء لا يُسمح للمدافع بمراقبة المهاجم بل بتغطية المساحة، دوناً عن ذكر المسافات بين المدافعين والفريق ككل، وربما تكمن هنا إحدى سلبياته.

3 فما فوق، والتفوق العددي

هناك قاعدة واضحة على المستوى الجماعي تكتيكياً، إذ كلما ازداد عدد اللاعبين زاد التعقيد، وذلك لأن النقاط المرجعية تكثر. فباضطلاع لاعبان مثلاً –كما ذكرنا في المقال السابق- تزداد خيارات حامل الكرة فإمّا التمرير وإمّا المراوغة، وكما يتساند المهاجمان يتساند المدافعان كذلك، فأحدهما يضغط والآخر يغطي وهكذا. ويكمن التعقيد عند ارتفاع عدد اللاعبين لحاجة اللاعب ربط عدة عناصر في ذات الأثناء، كموقع وحركة زميله/زملائه، والأهم في التكهن بحركة هذا الزميل، وفي المقابل عليه أيضاً ربط موقع وحركة خصمه/خصومه، ومجدداً في التنبؤ والتكهن بحركته، دون إغفال ضبطه هو نفسه لهيئته الجسدية ودقة تنفيذه للقرار، وطبعاً المرمى أولاً وأخيراً كمبتغى وغاية.

من باستطاعته اللعب في 3 ضد 3 بنجاح قادر على لعب كرة القدم.

لويس سيزار مينوتي

تمرين متكامل جداً، وذلك لأنه بـ 3 ضد 3 سنتمكن من تغطية الكثير مما يتعلق بأسلوب لعبِنا، سواءً دفاعياً أو هجومياً”

كارلوس كارفالهال عن تمرين 3 ضد 3

تعتبر المباريات المصغرة 3 ضد 3 (أو ضد 2 أو 1 أو 4) ذات فعالية كبيرة في تدريب كرة القدم على المستوى الجماعي (أو حتى كمباريات رسمية لما دون الـ 10 سنوات؛ فونينيو)، فبعدد ثلاثة لاعبين نستوفي شروط اللعب الجماعي، في المساندة والتغطية والتفاعل وقراءة اللعب بنقاط مرجعية أكثر. وهي إضافةً إلى ذلك ستضمن عدد لمسات أكثر، وبالخصوص للأطفال والنشّأ تعد ناجعة وملائمة. في الحالة الدفاعية، سيغطي اللاعب الثالث اللاعب الثاني والذي قام بتغطية الأول (اللاعب الضاغط)، هذا في دفاع المنطقة حيث يستحسن إضفاء توازن عبر لاعبٍ ثالث، فإذا تم تخطي اللاعب الأول يضغط الثاني فيغطيه الثالث، وانضمام اللاعب الثالث يسمى في المعاجم الكروية الإيطالية والبرتغالية والإسبانية بالتوازن equilibrio (مع اختلاف النطق) وكذلك بالإنجليزية balance. الأمر مختلف في دفاع الرجل لرجل ذلك لأن كل لاعب يراقب خصمه، ولكن في حالة التفوق العددي أو على مستوى خط الظهر يقوم المدافعون بالتغطية فيما بينهم البين.

مضاعفة وتدبيل أمام ميسي، المحور “3” مغطياً العمق، “2” يعود للتغطية. اللاعب “عند الحكم” سيدخل كلاعب ثالثاً وسيوفر توازناً وتغطية.

في الحالات التي تتضمن 3 لاعبين “زملاء” هجومياً هنالك مزية تحقيق قدرٍ أكبر من الزوايا بشرط ضبط التمركز لكل لاعب، وفي التباعد والانتشار (تكوين مثلث الزوايا) وهنا تبدأ هذه المفاهيم في البروز بتضمّن عدد 3 لاعبين فما فوق، إحدى المفاهيم خصصنا له مقالاً فيما سبق ألا وهو مفهوم الرجل الثالث، إن كثيراً من حالات/لحظات اللعب تتضمن 3 لاعبين، بل ومن الأهمية بمكان أن نحاول ضمان ذلك، إذ سيكون منتوج ذلك مثلثات وخيارات تمرير أكثر كما تقدم ذكره، ذلك سيسعف الفريق إحداث وتأليف ألعاب مركبة.

إذا انضم لاعبٌ آخر ستتشكل لنا ماسة (معين/شكل رباعي الأضلاع)، ودائماً بشرط التباعد الأنسب. يستخدم عديد من الفرق في إيطاليا أو ألمانيا خط وسط ماسيّ الشكل في 4-4-2 أو بشكل أدق 4-3-1-2، طمعاً في خلق زوايا أكثر وتقارب فيما بين رباعي الوسط وهذا ما لا يتوفر بشكل تلقائي وشبه ثابت في 4-4-2 ذات خط الوسط المنبسط؛ أي وفقاً لمراكز ومواقع اللاعبين مع أن الكرة الحديثة لم تعد سجينة الخطط وحسب، بل يمكن تحقيق الزوايا بالحركة. على كل حال تعتبر خطة الماسة هي الأكثر استخداماً في كرة القدم للصالات وشكل من أشكال المباريات للفئات العمرية (زائداً 6 ضد 6 و7 ضد 7) إذ ستضمن الماسة انتشاراً وتوزيعاً يحقق لنا جيومترية محبذة بالزوايا والمسارات المطلوبة للتمرير، وتخليق الألعاب المركبة.

سلسلة من الرومبوهات والماسات ما بين رباعي الوسط وقلبي الدفاع والظهير الأيسر.

أضف لاعباً وسيتوسط الماسة محور أو وسيتشكل لنا خماسي أضلاع “مخمس”، ولاعبٌ آخر فيتوسط المخمس محور أو يتبلور لدينا سداسي الأضلاع، وهكذا دواليك حتى نصل لـ 11 ضد 11 إذ يزداد التعقيد ذهنياً بازدياد عدد اللاعبين المشمولين، ويتضاءل إسهام كل لاعب مع اتساع الملعب وارتفاع عدد اللاعبين وفقاً لمركز اللاعب، حيث تقل لمساته أو مواجهاته الدفاعية فيكتفي بالركض ما سيؤخر عطفاً على ذلك تطوره ونموه خصوصاً لدى الفئات السنية. ولذلك يفضِّل المدربون التدرب على المباريات المصغرة سواءً لجزء أو خط من خطوط الفريق، أو لحالة معينة، أو لغرس المبادئ أو المفاهيم أو حتى للتكييف البدني، فبتباين مساحات التمرين وعدد اللاعبين واللمسات يتباين المجهود ويتغير الانقباض العضلي المستهدف.

التفوق العددي واضطلاع اللاعبين

3 + الجناح الأيسر لاعبين كخيارات مباشرة، اللاعب البعيد “12” خيار لتغيير اللعب، بدخول الكرة للعمق سيحظى الفريق بموقف 5 ضد 4، الجهة اليسرى تحديداً 3 ضد 2.

مكان الكرة وحاملها “وتوجيهه الجسدي” واحتمالية وصول الكرة إلى المهاجم، أو تدخل المدافع أو قطعه مسار الكرة مثلاً دفاعياً هو ما يحدد اضطلاع اللاعب في اللعبة والهجمة، وذلك ما يحدد –بالتالي- ما إذا كان محتسباً في اللعبة عند التحليل، لا يجب أن نغفل إنسيابية اللعبة إذ بتغيير توجيه حامل الكرة والتفاته لجهة أخرى تتغير الوضعية واللاعبين المضطلعين. أولى حالات التفوق العددي هي 2 ضد 1 والتي مررنا بها في مقال المساندة والمضاعفة، وهكذا إلى بقية الحالات. خلق تفوق عددي إحدى ركائز الكرة المركزية، إذ تأتي بالمرتبة الثانية بعد مبدأ الإنتشار، وعلى كلٍ فهي ليست المحدد لفعالية الهجمة بالضرورة، فكم من مهاجم تغلب على لاعبيْن أو ثلاثة في ذات الأثناء، وبالرغم من ذلك فعند بناء الهجمات من الخلف يسعى أي فريق خلق زيادة عددية سعياً للحظيِّ بخيارات تمرير أكثر. ولكن في الثلث الأخير يصعب أو يكاد يندر خلق تفوق عددي أمام الفريق المدافع ماذا وإلا هناك خللاً هيكلياً (اللقطة الأخيرة)، والحديث هنا عن الهجوم المنظم وليس عن الهجمات المرتدة، أينما يخسر الفريق المهاجم الكرة ولاعبيه بمواقع متقدمة، وإذا آمنّا أنه بإمكان مهاجمٍ بارع تخطي عدة لاعبين، فالمدافع كذلك قد يتمكّن من احتواء مهاجميْنِ مثلاً، وأن يتمكن مدافعان من إنقاذ موقف 2 ضد 3 أو 4.. إلخ. فبذلك ليس التفوق العددي بأهم من التفوق المركزي أو التفوق النوعي كما نرى في اللقطة التالية لميسي.

بداية اللقطة بحالة 3 ضد 3، ومن ثم ميسي ضد 2، ثم ميسي وألفيس ضد 2 و 3 ثم ضد خط دفاع كامل.
لاحظو بتبادل المراكز بقي التباعد مثالياً، ألفيس يبقي شكلاً مثلثاً ويبتعد عن موقعه الذي أخذه ميسي، تشافي يبقى كخيار تمرير خلفي.

1 ضد 2 و2 ضد 2.. المساندة والمضاعفة

في المقالين السابقين تطرقنا لحالة –أو بعضاً من حالات- 1 ضد 1 وأي وضعية جسدية أنسب وأين هو التموقع الملائم فيما يخص المدافع وفقاً لمكان الكرة طعماً في استخلاص الكرة أو على أقل تقدير إبعاد المهاجم ونفيه لمناطق أقل خطراً أو إضعاف وضعيته. فيما يتعلق بالمهاجم تحدثنا بنوعٍ من التحليل عن الكيفية التي يقصي بها المهاجم خصمه بشروط معينة كالقدرات أولاً، ووضعية الجسد المثلى في أي حالة، فالتمويه والخداع. ما سنتطرق له اليوم هي حالة 2 ضد 1 هجومياً ودفاعياً، وكذلك 2 ضد 2.

هات وخذ بين تشافي وإينييستا في غلبة عددية مؤقتة، 2 ضد 1
محور إسبانيول قد يستطيع قطع خط التمرير نحو تشافي إن توقع مسار حركته، لكن مع احتجاب الرؤية وسوء التقدير مرت الكرة.

إن لكل حالة مقتضياتها، فالزيادة العددية تستلزم قراءة معينة، مع وضع اعتبارٍ لظرفي المكان والزمان، ووضع سيناريوهات مختلفة في الحسبان فبهذا نستطيع أن نفهم ونستوعب اللعبة بالتدريج عبر التحليل وطرح أفضل السبل والحلول لكل إشكالية ومعضلة. لقد ذكرنا في مقالنا السابق أن الحالة 1 ضد 1 موقف مستحب لدى الفريق المُهاجم، وليس العكس صحيحاً، إذ هي ليست بالمحببة لدى الفريق المدافع خصوصاً في مناطق متأخرة. أمّا حالة 2 ضد 1 للفريق المهاجم فهي مطمعٌ ومنية، هب مثلاً أن الجناح بمواجهة ظهير الخصم 1 أمام 1، فيقوم الظهير بمساندة الجناح بالركض خلفه على الخط، أي بعمل تقاطع أو تداخل overlap، في هذه الحالة التي يتفوق بها الفريق المهاجم عددياً سيتأزم أمر ظهير الخصم وسيحتار في قراره، فإن قرر مداهمة الجناح سيتيح للظهير المهاجم مساحة أوسع وتوغلاً مباشراً نحو المرمى لو تمكن الجناح من تمرير الكرة إليه، ولكن ماذا لو قرر الظهير المدافع الوقوف بزاوية فاصلة بينه وبين الجناح والظهير والمرمى؟ هذا يبدو الخيار الأفضل، ذلك لأنه سيأخر حامل الكرة ما قد يسمح لزملائه العودة ويتساوى أو حتى يتفوق الفريق المدافع عددياً. وحتماً مع بقاء خطر أن يهجم الجناح على الظهير المدافع طامعاً تخطيه، وهذا قرار أفضل للجناح المهاجم بحيث لا يعطي المدافع وقتاً في التفكير أو وقتاً لعودة زملائه، بغض النظر عن قرار الجناح سواءً بالمراوغة أو بتمرير الكرة لزميله الظهير بالضبط عندما يكون على الخط مع ظهير الخصم وهنا سيسابق المدافع الزمن قبل أن يطلق الظهير المهاجم عرضيته. هذه الحالة مألوفةٌ ودائمة الحدوث، بيد أنه يمكننا بناء سيناريوهات مماثلة للمثال المطروح في أي مكان وبقعة واضعين بالاعتبار مكان الكرة وحاملها والمرمى واللاعب المساند الزائد.

فيما يبدو وأنه مرور الكرام للظهير في الصورة على اليمين .. في الصورة على اليسار يتخذ الظهير زاوية أفضل ووضعية جسدية مرنة،
مضافاً إليهما مسار جري ملتوي يمكنه من مواجهة الظهير المهاجم لا التسابق معه! شكل1

تتعقد المسألة بازدياد عدد اللاعبين إذ تزداد النقاط المرجعية طردياً تبعاً لذلك -الكرة والمرمى فالزميل ثم الخصم- كما تتعدد حلول حامل الكرة بدعم أحد زملائه إمّا باستخدام الزميل كطعم للتلاعب بالمدافع المغلوب على أمره، أو هات وخذ خلف هذا الخصم، أو ببساطة تمرير كرة كاسرة تعبر الخصم وتقصيه كما في “شكل1″…الخ. وكما قد تنشأ حالة من الربكة على المدافعيْن في 1 ضد 2 فالمهاجمان أيضاً قد لا يستغلا تفوقهما العددي لأسباب مركزية كأن يقفا/يجريا على نفس الخط العرضي دون تهديد لهذا المدافع، أو أن يتباطئ حامل الكرة عوضاً عن مهاجمة المساحة أو مباغتة المدافع مجبراً إياه اتخاذ قرارٍ بتعجل، إذ أن الوقت من مصلحة المدافع، فبذلك قد يعود زملائه دوناً عن ذكر القرارات الغير مجدية أو أي طوارئ أخرى.

يختلف قرار المدافع باختلاف موقع الكرة، في هذه الحالة الحرجة اختلف تقدير فان دايك عن تياغو سيلفا، إذ مال الهولندي أكثر نحو اللاعب الثاني، ربما لو اختار سيسوكو مهاجمة المرمى لتأزم وضع فان دايك، أميل أكثر إلى أن سيسوكو ضيع هدفاً محققاً أكثر من كون فيرجيل أنقذ الموقف، الفضل الأكبر سيُعزى للهولندي لو أن سيسوكو فعلاً كان يريد التمرير والتخلص من الكرة أو كما أشار صاحب الفيديو “أن فان دايك قرأ سيسوكو ورغبته في تمرير الكرة”. في حين قد يكون تصرف سيلفا أكثر جودة، فهو أقرب لحامل الكرة، رغم زعم صاحب التحليل الأخير أن الحالتين مختلفتين كون كريستيانو جاء متأخراً فبذلك يعلل اتخاذ سيلفا زاوية أقرب لبن زيما، أزعم أن السلوك في كلتا الحالتين ينبغي أن يكون بنفس الكيفية، فماذا لو قرر سيسوكو التوجه بسرعة نحو المرمى؟

راقبوا سلوك اللاعب رقم 22 أمام قلب وظهير ديربي كاونتي، حيث اتخذ موقعاً بينهما وبوضعية تهيأه للضغط عليهما بمجرد حصول أحدهما على الكرة.
كما أخّر بسلوكه الجسدي النشط اليقظ قرار الحارس ما سمح لزميله المهاجم العودة وتضييق المساحة بين الحارس والقلب.

علِمنا في الحالة المفترضة “شكل1” أنه ينبغي على المدافع المعزول والمغلوب عددياً أن يتأنى في قراره وأن يتنازل عن محاولة افتكاك الكرة من الجناح -طالما كان الجناح مأمِّناً على كرته- راغباً البقاء في اللعبة قدر المستطاع ووضع الظهير المتقدم في الحسبان. الأمر سيان في الحالة الأخيرة، تريث واقتراب نحو المرمى فتربص بقرار حامل الكرة ومن ثم اتخاذ اللازم، ذلك عند النقص العددي، أما في الرخاء فيرغب أي مدرب الحصول على تفوق عددي أمام المهاجم 1 ضد 2، عبر المضاعفة doubling أو double teaming، هذه الحالة مربكة إلى حدٍ ما، خصوصاً عندما يتواكل المدافعان، أو عندما يكون تموقعهما عن بعضهما ليس بالشكل السليم (التدرج الدفاعي) إذ ينبغي أن يغطي أحدهما الآخر -إن أمكن- أي أن يقف أحدهما خلف زميله بمسافة بحيث يتعامل مع المهاجم في حال تم تخطي زميله، فلا يجب أن يتداخلا ويضغطا سوياً أو أن يقفا على خطٍ واحد. ربما يستغل المهاجم أحد هاذين المثلبين ما يمكنه في حالة تخطيهما من إقصاء لاعبيْن في آن دوناً عن ذكر براعة المهاجم في تخطيهما وربما تخطي أكثر من هذا العدد حتى مع امتثال المدافعين تكتيكياً.

سلسلة مراوغات من دانييل دي ريدر، تكرر حالة 1 ضد 2 بل وضد 3 على رأس المنطقة. ما يهمنا هو تخلصه من لاعبيْن قرب خط التماس مستغلاً إنعدام التناغم بين المدافعيْن وخصوصاً اللاعب القريب -الذي كان يلاحقه في البداية- والذي أهمل وضعيته الجسمانية وكان رتيباً ضغطه.

حالة 2 ضد 2 لا تخرج عن المبادئ المذكورة، مساندة ومضاعفة كما شرحنا في أي ثنائية. في هذه الحالة المتكافئة عددياً دينامية مختلفة اختلافاً كبيراً، دفاعياً بالتحديد، إذ تكون التغطية واتخاذ مراكز متباينة ضرورة ملحة (كل لاعب أمام لاعب)، فلا يصح أن يضغطا سوياً على لاعب واحد ويتركا الآخر، فلو افترضنا في المثال الأول -في بداية المقال- أن أحد زملاء الظهير المدافع تمكّن من مساندة زميله وقام بتغطيته أمام الجناح بالتزامن مع تقاطع الظهير المهاجم خلف زميله، يقوم الظهير أثناء ذلك بترك الجناح ومراقبة الظهير المهاجم القادم كما في المثال التالي. وعلى كل حال فالحالات عديدة فمثلاً في عمق الملعب لو قام لاعبان من الخصم بتبادل الكرة عرضياً يخرج اللاعب “أ” للضغط فيما يبقى اللاعب “ب” في الخلف قليلاً للتغطية وهكذا. وختاماً تبدأ ديناميات أخرى باختلاف عدد اللاعبين المضطلعين وتبدأ بلا ريب مبادئ اللعبة جماعياً (كالتغطية وفتح مسارات التمرير وهي مرتبطة بمقالنا هذا) دون إهمال التعاون والتواصل لإضفاء أقصى تناغم وتوازن جماعياً.

نرى تصرف الظهير أمام الجناح في 1 ضد 1 وقيامه بالضغط فوراً وردم الفجوة بينه وبين الجناح، بينما لو توقف في مكانه لربما نال الجناح منه. فيما نرى أنه ولاعب الوسط تبادلا الضغط بتناغم وتفاهم فيترك الظهير خصمه الجناح ويتولى الظهير المساند، في حين يضغط لاعب الوسط على الجناح.

1 ضد 1 هجومياً: المراوغات

إن المواد الخام في المراوغة هي التمويه، الإنطلاقة، والوقفة، ومن ثَمَّ الغريزة والشجاعة هنّ الفيصل في المحاولة. والهدف من ذلك -أي المراوغة- هو إقصاء خصم: إذا نجح فآفاق من المساحات ستنفتح، وإذا أُسقط فسيتسبب بمخالفة، أو ببطاقة أو جزائية. أمّا إذا فقد الكرة فسيتلقى الشتائم والإهانات من الجماهير.

خورخي فالدانو

بيّنت دراسة رولاند لوي في كأس العالم 90 أن الفريق الذي يفوز أكثر في الثنائيات تصل نسبة فوزه في المباراة إلى 75%، ومع تطور اللعبة في وقتنا الحاضر تقلصت المساحات وبدأت الفرق تميل إلى اللعب الجماعي أكثر وإلى التعاون والتنظيم دفاعياً، فأغلب الفرق اليوم لا ترى في دفاع الرجل لرجل علاجاً خصوصاً وأنه سلاحٌ ذو حدين، ذلك ما أجبر الفرق المُهاجمة على اللعب بأقل لمساتٍ ممكنة، إلى الإحساس المكاني، إلى خلق زوايا التمرير وكسر خطوط الخصوم والتقدم بالهجمات عبر التمرير بشكل أكبر. ومع ذلك فأهمية الثنائيات لا زالت محدداً مفصلياً لحسم المباريات، إذ لا يزال بييلسا يؤمن بأن كرة القدم مسألة ثنائيات، فيمَ يرى ساكّي عكس ذلك في الهجوم أو في الدفاع وهذا جمال كرة القدم فلا ثوابت ولا حقيقة مطلقة فيها والكل محق طالما أجاد، غير أن كرة القدم شواشية وغير متنبئٍ بها وهي بذلك خليط من الحالات والوضعيات التي تتطلب حلولاً وقراءة لعب فردية وتعاون وانسجام جماعي آناءاً أخرْ.

حديثنا اليوم هو استكمالٌ للمقال السابق ولكن هذه المرة سنتحدث عن الـ 1 ضد 1 هجومياً والمراوغات فرعياً، يمكن أن نعرّف المراوغة في كرة القدم على أنها القدرة على إقصاء وتخطي مدافعٍ أو أكثر، والمراوغات في كرة القدم ولا شك حل تكتيكي ناجع ونافع إذا ما تمكن المهاجم من تخطي خصمه إذ سينفتح الملعب مشرعاً في حالات عديدة، ناهيك عن التفوق العددي المحتمل. تحاول فرق كثيرة خلق وضعيات 1 ضد 1 وخصوصاً تلك التي تتملّك اختصاصيين لهكذا حالة، إذ يشدد غوارديولا ويؤكد على لاعبيه الطرفيين على العزم في خوض هذا النزال “حتى لو لم يتمكن من النجاح” أمَـا وإن نجح فسنجني ثمار ذلك، إمّا في عرضية حاسمة أو بينية أو حتى هات وخذ وتوغل نحو المرمى. إذ يؤكد كينغسلي كومان أن بيب كان يسعى عبر تطريفه للأجنحة خلق ظروف مواتية لحالات 1 أمام 1، “هو مدربٌ لن يغضب منك إذا فقدت الكرة بعد موقف 1 ضد 1” يُكمل كومان “يشجعك بيب دائماً في تكرار المحاولة فيقول ’إذا لم تنجح لمرة أو اثنتان أو ثلاث، فستمر في الرابعة‘.”

وعلى المستوى التكتيكي ينبغي فقط على اللاعب أن ينتقي اللحظة الأنسب فيما يتعلق بالحال التي عليها فريقه، فلا يبدو ملائما أن يحاول اللاعب المراوغة وفريقه غير متحصن ولا يملك عدداً في الخلف، أو في محاولة المراوغة في مناطق منخفضة، أو أمام عدد من اللاعبين، عدا أنه أحياناً يضطر اللاعب محاولة تخطي خصمه في منطقة ضيقة وذلك لأنه لا يملك حلاً في هذه اللحظة إلا أن يراوغ ويعبر، كأن يستلم الكرة وهو مضغوط وبلا مسارات أو خيارات تمرير.

إن الحركة بالنسبة لحامل الكرة أكثر تعقيداً وبكثير من المدافع المنافس، فالمهاجم يحاول التحكم بحركته وحركة جسمٍ خارج عنه “الكرة” إذ بامتلاكه الكرة هو يبحث عن توافقية –أي توافق عصبي عضلي- في حركته واقتناص اللحظة المناسبة للتغلب على المدافع عبر توقعه للِحظة محاولة المدافع استخلاص الكرة، أو إلى أي جهةٍ سيذهب، أو التلاعب بخصمه بحيث يقرر المدافع بتسرع وعجلة. وعلى الرغم من ذلك يتحتم على المهاجم أن يحاول بتوجيهه الجسدي السليم أن يتسيّد الموقف مجبراً المدافع توخي الصبر عند المواجهة، فالمستحسن أن يفرد المهاجم صدره نحو المدافع لا الميل إلى جهة، هذا في حال وصول الكرة للمهاجم في التو وتضييق المدافع عليه. أمّا إذا كان هنالك متسعٌ من الوقت للمهاجم فالأفضل هو الانطلاق الفوري نحو المدافع وبالذات في المساحات الواسعة. ولا يمكن على العموم أن نختار الوضعية التي نريد دوماً وذلك لضيق المساحات والوقت، ذلك ما يقودنا إلى أنواع مختلفة من الحركات والخدع كدوران كرويف والذي يجد فيه المهاجم نفسه بصدر المدافع، فيُفترض أن يبعد المهاجم الكرة عن المدافع، فإن كان المدافع علي يميني فالأفضل أن أجعل الكرة على قدمي اليسرى وأقوم بحمايتها بقدمي اليمنى.

نتيجة بحث الصور عن ‪messi‬‏

تختلف أنواع المراوغات، أو بصورةٍ أدق يختلف “أنواع المراوغين” فمنهم من يبقي الكرة ملاصقة لقدميه كميسي وهازارد أو في السابق مارادونا ورونالدو ورونالدينيو وغيرهم وبقدرات رياضية وحركية وحركة قدمين footwork عظيمة. يتميز من ذُكر –كأمثلة لا للتعيين- بانخفاض ما يسمى في الميكانيكا الحيوية بمركز الجاذبية أو مركز الثقل center of gravity، وإذا كان مركز الجاذبية منخفضاً سيحظى الجسم بثباتٍ ورشاقة وقدرة على توفيق حركتين في آن وعند تغيير الوضعية الجسدية في نطاق ضيق والتلوي كالثعبان بين الدفاعات علاوة على تغيير السرعات. وعلى كلٍ فالانحناء وثني الركبتين قد يحسّن من توازن من لا يمتلك مركز ثقل منخفض.

وهناك نوعٌ آخر ألا وهي الأجنحة العصرية كآريين روبن من يتميز بسرعة وبقدرات فنية وحركية جيدة وكذلك في استخدام أجسادهم لتخطي المدافعين، وهناك نوعٌ مقارب لذلك كبـيـل وستيرلينغ أو صلاح، وهؤلاء يتميزون باللعب بالمساحات المفتوحة وتخطي المدافعين بالسرعة غالباً، فقدراتهم ليست كمن سبق ذكرهم إذ يميليون “أكثر” إلى إبعاد الكرة عن أقدامهم ومطاردتها؛ أي توسيع خطواتهم فيما يتعلق بخصائص الخطو stride characteristics. وبالطبع هذا الأمر نسبي فقد يفتتحون المساحات بنطاق ضيق ولكنها ليست وضعاً مريحاً لهم.

إن المراوغين المميزين الذين يسكرون الجماهير بمهاراتهم يحبطون مدربيهم بعدم انضباطهم التكتيكي، إنهم متفردون واستعراضيون نوعاً ما، ولهذا هم يفضّلون اللعب على الأطراف ليبتعدوا عن الفريق ويقتربوا من الجماهير.

خورخي فالدانو

لديك ثانية ونادراً أكثر بقليل فقط كي تقرر ما إذا كنت تريد المراوغة أو التسديد أو التمرير يميناً أو يساراً، والغريزة والموهبة هي التي تعطي الأوامر.

رونالدينيو

وهناك من يستخدم خدع وحركات بهلوانية، وهم –بالضرورة- من جنس النوع الأول ومنهم رونالدينيو ونيمار وغيرهم. فمن مراوح روبينيو scissor أو pedalada بالبرتغالية، أو رفرفة ريفيلينو flip flap أو لدى البرازيليين elástico، أو hocus pocus تادّي والتي أسماها الأخير أوريليو تيمناً بأوريليو أندريادزولي لحثه الجناح البرازيلي القيام بها (اللقطة الأخيرة)، إضافةً إلى ذلك “الكبري” أو روليت زيدان وإلى غير ذلك. وكل ما سبق يأتي نتيجةً لسوء التوقيت من المدافع لدى محاولته مد قدمه واستخلاص الكرة، أين يضاعف المراوغ لمساته فإذ به يستثير المدافع للقيام بتصرف، وكل ذلك مقرون بحسن تنبؤ المهاجم لحركة خصمه ومسار كرته الذي يصبو إليه وبالطبع قدرته في التحكم بالكرة.

كروكيتا لاودروب

النوع الأخير هم الأقل قدرات فيما يتعلق بالسرعة، كإينييستا وريكيملي أو لاودروب فيما سبق وهم لاعبون ذوي قدرة مبهرة في المراوغة في المساحة الضيقة وفي نطاق ضيق اعتماداً على براعتهم في التحكم بالكرة، وفي الوقوف والمماطلة واستدراج خصومهم وذلك لإقصائهم فوراً دون الدخول في سباقات وصراعات بدنية –قدر المستطاع- وذلك عائدٌ كما ذكرنا لسرعتهم، والأمر نسبي –من ناحية السرعة- إذ يتميزون بتخطي خصومهم استغلالاً لجمودهم، فمهما كنت سريعاً فمحددات عدة ستقصيك من اللعب -كمدافع- كوضعية الجسد أو سوء التقدير والتوقيت إذ تحتاج وقتاً لتدراك الموقف. إن هذا النوع من اللاعبين مشابه للنوع الأول في الخصائص الحركية؛ التوافقية وملازمة الكرة أقدامهم.

إن خصائص وقدرات وأساليب اللعب لدى اللاعبين تتباين والأمثلة الموردة كانت على سبيل التوضيح والتشبيه بشكل عام. وهذه المهارة يصعب تطويرها بشكل موجه من بين جميع المهارات الأخرى وخصوصاً النوع الذي يتحلى بالقدرات الفنية والتوافقية العالية وخصائصهم الجسدية المذكورة، بيد أن التعليم الضمني والزج باللاعبين الصغار في اللعب بمساحات ضيقة قد يطور ذلك نسبياً وخصوصاً أن الأطفال من 7 إلى 12 يتشكلون حركياً ويزدهر نموهم على الصعيد الحركي motor ability. وأخيراً إن هذا الفعل والتصرف ذو شدة عالية ومكلفٌ بدنياً، فكما يعرف فيزيولوجياً فهذه التصرفات تعتبر تصرفات/حركات انفجارية تستهلك طاقة فتؤدي بالتالي إلى ارتفاع مستوى حمض اللاكتيك في الدم كما يشير رايلي وبول [1].

لا يمكن بصراحة أن تعلم أحداً المراوغة، التوقيت شرط ومطلب لتخطي أحدهم، في تلك اللحظة التي تنال من خصمك، وعندما تتغلب عليه سينفتح سيناريو جديد أمامك… والمراوغة في جوهرها مكر وخدعة. فهي ليست بالسرعة ولا بالقوة، بل هي فن، والقدرة على المرواغة هي كل شيء في يومنا هذا. ولقد فتح أندريس (إينييستا) عيناي فيما يتعلق بأهمية قدرة المهاجم أو لاعب الوسط على المراوغة كذلك، فإذا راوغ وحمل الكرة نحو خصومه فكل شيء بعدئذٍ سيفيض ويتدفق، شهدت ذلك مع الوقت.

بيب غوارديولا

[1] https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/02701367.1984.10609363#.VO2toPmsUk1

1 ضد 1 دفاعياً

تحدثنا فيما سبق عن نظام المراقبة رجل لرجل والذي يحاول فيه الفريق المطبق لهذا النظام فرض مراقبة لصيقة بكافة أرجاء الملعب، سعياً لإقصاء لاعبي الخطوط المتقدمة “خصوصاً” من اللعب أو حتى في الاستباق واقتناص الكرة قبل وصولها للخصم، وذلك ما سينتج طبعاً مباراة بدنية تتأذى منها الخصوم، إذ يراقب كل مدافع خصمه المباشر وبالتالي سيتناثر الفريق المدافع بعرض الملعب، أي أنها تدافع في المساحات الكبيرة ولا تسعى لتضييق المساحة كما يفعل مطبقو دفاع المنطقة.

حديثنا اليوم عن المواجهة 1 أمام 1 وتلك حالة تتكرر باستمرار في سياق اللعب وفي أي مكان في الملعب –أيّاً كان النظام المطبق- فكرة القدم انسيابية وهي ظاهرة معقدة تذوب فيها الخطط والأنظمة ويشوبها التلقائية واللاتنبؤية وليست جامدة بحيث تبقى الفرق “بشكل” واضح طوال الوقت. وعلى ذلك فالمواجهة لاعب للاعب لا يسعى لها مطبقو أي نظام، لاعتبارات لعل أبرزها فارق الجودة. فأي مدافع يفضل منع خصمه من الدوران إذا ما استلم الكرة، ولكن مالعمل إن استلم الكرة واستطاع الدوران؟ أو ماذا وإن استلم الجناح في المنطقة المفتوحة أمام مطبقي نظام المنطقة والذين يتركون الأطراف مفتوحة كنوع من المصيدة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه فيما يلي.

التفوق في المواجهة 1 ضد 1 ليست متطلباً محصوراً على المدافعين في نظام الرجل لرجل، وإن كانت إحدى الخصائص المرغوب بها لدى من يسعى لتطبيق هذا النظام، بل هي متطلب أساسي لدى كل مدافع. ولكن ما الذي ينبغي أن يحسنه المدافع في هذه الحالة؟ بالطبع دائماً وأبداً التمركز والوضعية الجسدية. التمركز متعلق بالمكان تبعاً للنقاط المرجعية التالية مكان الكرة ومكان المرمى إذ أن التمركز الصحيح هو الوقوف بين الكرة والمرمى، ومن ثم الوضعية الجسدية فمن المهم احتفاظ المدافع بوضعية مرنة بحيث يتسنى له الدوران والبقاء في اللعبة وربما محاولة الفوز بالكرة عبر الإنزلاق، كما يجب على المدافع توجيه خصمه نحو قدمه المفضلة (أي قدم المدافع المفضلة) وبالطبع قبل ذلك لمنطقةٍ أقل خطراً كطرده إلى الطرف وبعيداً عن المرمى. أمور أخرى يجب أن توضع في الحسبان للتعامل مع هذه الحالة، كأن لا أكون مغطاً من قبل زميلي، أو ماذا عن قدرات خصمي؟ وفي كيفية احتواء الخصم في حالات أو تأخيره أو الانقضاض في حالات أخرى للفوز بالكرة دون إغفال نقطة “المثيرات” في الضغط. كما يجب على المدافع ضبط توقيت الخروج إذ أن الخروج فوراً يمنع المهاجم من الإنطلاق والتسارع قبلاً والتلاعب بالمدافع وبذلك يكون المهاجم هو المهيمن في هكذا حالة.

اعتماداً على مكان الكرة، والكرة في هذه اللقطة كما هو واضح على طرف الملعب إذ يتخذ المدافع تموقعاً قطرياً بخط افتراضي ممتد من الكرة إلى المرمى، وبذلك يغلق المنفذ نحو العمق ويدافع بالمهاجم نحو منطقة أقل حيوية؛ الأطراف. أما لو افترضنا أن مكان الكرة في عمق الملعب فيفترض أن يقف اللاعب مواجهاً حامل الكرة مع ميلٍ طفيف إلى حيث يكون المرمى (من حيث الموقع) ولكن بوضعية جسد غير متماثلة، بمعنى أن تكون إحدى القدمين متقدمة على الأخرى (يفضل الارتكاز على القدم الأقوى) والوقوف على الأصابع إن أمكن بغية الاحتفاظ بمرونة قصوى، ومن ثم الانحناء قليلاً بثني الركبة، فتبدو هذه الهيئة الجسدية هي الأمثل، دون إغفال إبقاء اللاعب عينيه على الكرة، تلك المبادئ طبقها مالديني في اللقطة السابقة.

نيستا وتدخل مميز أمام ميسي، فبالرغم من فقده لرؤية الكرة “عند القوس” إلا أنه تدارك بوضعية جسده المرنة والطلِقة هذا الموقف وكذلك عبر توقعه لمسار خصمه.

المبالغة في إغلاق جهة العمق يؤدي إلى نتائج مماثلة لفتح الطريق المؤدي إلى المرمى، تموقع خاطئ من الظهير أين حاول منع رونالدينيو من الدخول للعمق غير أن الطريق المؤدي إلى المرمى مفتوح، هذا دوناً عن وضعيته الجسدية المترددة، فقدماه قريبتان جداً ما منعه من اللحاق بخصمه رغم توجيهه العرضي “الخاطئ” فالصواب هو تقويس حركته ريثما تصل الكرة إلى الخصم والوقوف بين المرمى والكرة وحاملها.

مثيرات الضغط

تحدثنا فيما سبق عن التدرج، وهو مبدأٌ أساسي للفرق التي تنشُد ضغطاً جماعياً متناسقاً، إذ تحدثنا عن أهم الآليات في الضغط والتغطية، وعن قطع مسارات وزوايا التمرير بالتموضع الجسدي. سنخص هذا المقال بالحديث عن الضغط -وليس التغطية- وأهم آلياته ألا وهي مثيرات الضغط، والتي بدورها تحدد لحظة الخروج للضغط، أما مثيرات triggers فتعني استثارة المدافع للخروج للضغط ومحاولة استخلاص الكرة؛ كأن تفلت الكرة عن سيطرة الخصم، وهذا ما سنجيء إليه لاحقاً في هذا المقال.

إن قرار الضغط يتوقف على استعداد الفريق ككل، فقرار الضغط يعتمد عطفاً على ذلك على ما/من خلفي وعلى زملائي، إذ أن شرط الإحساس المكاني -لكل لاعب- بالغ الأهمية وخصوصاً في حالات الضغط الجماعي، عدا ذلك فالإكتفاء بالتغطية في لحظات معينة، أو استعادة التشكل “كفريق” في حالات أخرى حلولاً أحسن، أو ربما من الناحية الاستراتيجية (كمباراة تشيلسي×م.سيتي الموسم المنصرم، عندما قرر سارّي إخفاض كتلته الدفاعية للوسط وتفضيله التغطية على الضغط “المستمر” ولذلك أسبابٌ تتعلق بخصائص لاعبي خط المقدمة دفاعياً).

إذاً فمن يقود الفريق في الضغط هو من يبدأ بالضغط؛ أي اللاعب الأقرب للكرة (خصوصاً في المناطق العالية) فإن لم تثمر عملية الضغط ولم نستطع استعادة الكرة فعلى الأقل لن يكون الفريق مكشوفاً. والخروج للضغط في الوقت الخطأ أو المكان الخطأ أو في عدم ضبط التموضع الجسدي قد يكلف الفريق مساحةً أو نقصاً عددياً، ناهيك عن استنزافه للطاقة فقد يقتضي ذلك تعويضاً وبالتالي سيؤدي لاستنزاف بدني، فضلاً عن الخسائر التكتيكية المذكورة.

أشهر مثيرات الضغط هي كالتالي:

  • عندما يكون ظهر حامل أو مستقبِل الكرة إلى مرمى الفريق المدافع.
  • عندما تكون الكرة على طرف الملعب، أينما يكون حامل الكرة على الطرف فتتقلص زوايا لعبِه تبعاً لذلك.
  • عندما تكون الكرة غير مستقرة أو تتنطط، أو كرة عالية، إذ يضطر مستقبِل الكرة محاولة السيطرة عليها.
  • عندما تكون الكرة بطريقها إلى لاعب آخر، وخصوصاً عندما لا تكون التمريرة موزونة وأميل إلى البطء أو في الكرات العالية كذلك.
  • سوء استلام للكرة، (سوء لمسة أولى) أي عندما يواجه حامل الكرة مشكلة في التحكم بالكرة أو حتى عند خسارته السيطرة على الكرة، كاستطالة الكرة لدى دحرجته لها؛ أي انفلاتها حتى لسنتيمترات.
  • لاعب متواضع من الخصم، في قراراته وتصرفاته فيتم استهدافه.

بالطبع لن نلهث خلف كل تمريرة وكرة، ذلك سيستنزف طاقة وجهد، اللقطة السابقة إحدى مثيرات الضغط (الكرة بطريقها للاعب)، ولكي نحدد أكثر سرعة الكرة تستدعي رفع النسق وارتفاع احتمالية استعادة الكرة أو وضع مستقبِل الكرة في مأزق. وبلا شك ادراك واحساس اللاعب المكاني سيبعث على اليقين للمدافع/للضاغط أنما “هذه هي اللحظة المناسبة للضغط” ليس فقط في هذه الحالة وإنما أي حالة وفي أي مكان، وعندما نريد قراءة اللعب فهنالك محددات أخرى مهمة كأن لا يملك مستقبل أو حامل الكرة حلولاً إمّا لسوء تموقع وانتشار زملائه أو حتى لقوة ومتانة هيكل وكتلة الفريق المدافع كما نرى بورتو في اللقطة الأخيرة.

15:01 لاعب يستلم الكرة وظهره للمنافس، تلك إشارة لبدء الضغط أو أضعف الإيمان منع حامل الكرة من الدوران.
نرى كذلك في بداية اللقطةضغطاً من مهاجم ليفركوزن على حامل الكرة، لاحظوا توجيهه الجسدي وتقويسه حركته إذ قصد بذلك منع وصول الكرة لبوسيكتس، أشير إلى ذلك لأن فرق شميدت تضغط باستمرار لكنها تبقي جودة في الهيكل والتغطية حتى وإن لم تفلح هذه الحالة.
الكرة تفلت من جيرارد وديمبيلي يغتنم الفرصة ويفوز بالكرة.

مالفرق بين مصايد الضغط ومثيرات الضغط؟

ثمة فارق استراتيجي بين المصايد والمثيرات، فالمثيرات هي إشارة للفرد لبدء الضغط سواءً ضمن سياق المجموعة أو لوحده ارتجالـاً؛ أي كتصرف فردي للقيام بالضغط وربما بشكل عفوي. أما المصيدة فهي “غالباً” مقصودة ومصممة كمنطقة افتكاك للكرة والارتداد نحو مرمى الخصم كتصرف جماعي، وبالطبع ستكون وفقاً لخصائص الفريق الخصم أو لأسباب اعتيادية مثل ترك الأطراف مكشوفة ودفع الخصم للعب هناكـ أين تتقلص زوايا التمرير على حامل الكرة –كما أسلفنا- فيحاوط الفريق المدافع على حامل الكرة مغلقين عليه المنافذ ما يسهل عملية استعادة الكرة، أو حتى استدراج الخصم في اللعب بعمق الملعب ككمين. إن المصايد تقترن بالضرورة بالمثيرات والمستحثات كأن يكون ظهر مستلم لمرمى الفريق المدافع فتكون إشارة لبدء الضغط جماعياً، حتى مصايد الضغط قد تحدث تلقائياً بحالات نميزها عفوياً فيكون السلوك بالتزامن جماعياً.

فرق شميدت تنصب غالباً مصيدة على عمق الملعب، أي تسمح بالتمرير للمحور ومن ثم ستنقض عليه، ربما لن تفلح أمام بوسكيتس!
المصيدة التقليدية “طرف الملعب”.

الإيقاع .. قراءة لعب!

يعرّف الإيقاع في الموسيقي على أنه دقات أو ضربات موزونة وموقتة بدقة، والإنحراف ولو لأجزاء من الثانية يعتبر نشازاً ولن تستسيغه الأذن. الإيقاع في كرة القدم ليس كالإيقاع في الموسيقي، إلا أننا في كرة القدم نحتاج إلى ضبط التوقيت، وضبطه يعني، مثلاً، إيصال الكرة إلى الزميل بالوقت المناسب والمكان المناسب، دون الاستعجال أو التأخير، وبالتالي فالإيقاع لا يعني بالضرورة “اللعب السريع” وإنما في استباق الخصم في محاولة قراءة اللعب وكذلك في الحركة والتمرير بالوقت والمكان المناسبين، حتى دفاعياً في الضغط في الوقت المناسب، في توقيت التدخل أو التقاط الكرة.

الإيقاع أو الرتم -كلاهما يشير إلى نفس المعنى- شأنها شأن الكثير من المفاهيم وحتى المبادئ، يستخدم هذا المفهوم بشكل هلامي، بلا تعريفٍ محدد وواضح. إذ من المؤكد أن سرعة الإيقاع لا تعني سرعة اللاعبين، فسرعة الإيقاع مرتبطة بالدرجة الأولى بسرعة اتخاذ القرارات، بتناقل الكرة بين الزملاء، متعلقة بجريان الكرة وليس السيقان كما يقول كرويف. فالانطلاق بسرعة نحو مرمى الخصم بلا أي أفضلية ودون مطالعةٍ للملعب وما يتبدّى من مساحات أو في توافر الزملاء عددياً، أو حتى في معرفة الخصم ليست إلا عشوائية “مهما أنتجت”. وأما الفرق التي تبحث عن السرعة في الوصول إلى مرمى الخصم حتى ولو بشكل عشوائي، كاللعب بالكرات الطويلة بلا غايات، أو التمرير للاعب بمركز متقدم معزول ومغلوب عددياً، فذلك لن يمنحنا بناء هجمات بأدنى حدٍ من المتانة، ومجدداً مهما أنتجت لأنه وإن أنتجت فالفضل للاعب وارتجاله غالباً وليس بفضل اللعب الجماعي ولا قوة تنمية الهجمة.

سنركز في هذا المقال على الإيقاع هجومياً، إذ بإمكان الفريق فرض إيقاعه ضمن شروط معينة، أبرزها قراءة اللعب، ما يسفر عطفاً على ذلك قرارات سريعة أو صحيحة بأسرع وقت أو بأدق وقت. إن قراءة اللعب مهارة إدراكية/ذهنية لا يمكن تمييزها وقياسها “بدقة” كما المهارات الفيزيائية/المادية كالسرعة أو المراوغة أو دقة التمرير… الخ، كل اللاعبين يفكرون ولكن كيف يفكرون وكم من الوقت يستغرقون في استنتاجاتهم هي الفيصل. قراءة اللعب تعني محاولة التكهن بتسلسل اللعب عبر جمع أكبر معلومات ممكنة وعليه نستطيع اتخاذ أفضل قرار، كما تعني وضع احتمالية اضطلاعي باللعب لاحقاً والتهيأ لذلك بالطبع عبر استراق النظرات حول ما يحيط بي من مساحات أو من لاعبي الخصم واتخاذ موقع سانح لاستلام الكرة بوضع مريح، أو حتى في خداعهم والتخلص من رقابتهم…الخ. أو حتى في ملاحظة الزملاء، إذ سيكون خيار التمرير المستقبلي للزميل ذو الوضعية الأفضل “تكتيكياً” لتطور الهجمة، أو حتى كمهاجم في التوغل مثلاً في المساحة خلف الدفاع عندما يكون الزميل قادراً على القيام بالتمريرة الأخيرة وإلى غير ذلك من الوضعيات.

إينييستا يقوم بتفحص الملعب بمجرد استلام تشافي للكرة.

التوجيه الجسدي قبيل استلام الكرة دينامية يمكن اعتبارها شرطاً رئيسياً في ضبط أو حتى رفع نسق وإيقاع اللعب، وهي مترتبة على حسن التوقع وقراءة اللعب. إذ نرى إينيستا يقوم بتعديل وضعيته الجسدية والقيام بـ”استلام موجه” كما يطلق عليه الإسبان control orientado.

استكمالاً لفكرة الكونترول أو الاستلام الموجه والقصد منها مواجهة الملعب، إذ يجب على المستلم المحتمل اتخاذ وضعية جسدية يواجه بها الملعب وفقاً لمكان الممرر. تفصيلة فنية صغيرة ولكن بِلاها لن نضبط التوقيت ولا اللعب المركزي.
استلام موجه مجدداً من اللاعب في الدائرة، وبدون أن نضع أمثلة على استلام كرة سيء وبتوجيه سيء كأن يستلم وظهره لمرمى الخصم مالذي تتوقعون أن يحدث؟
بالرغم من اتساع الوقت لفيدال في كشف الملعب إلا أنه أبى أن يمرر من أجل التمرير، خاسراً أفضلية مركزية واضحة.

نقطة أخرى في لقطة ديلف وهي في صلب موضوعنا ألا وهي التنبؤ والتوقع إذ نرى ديلف بعد اقتراحه هو نفسه بتمرير الكرة نحو سيلفا سيقوم بتوجيه جسده كلياً نحو مرمى الخصم قياساً على مكان الكرة، وسيوفر نفسه لسيلفا كخيار تمرير، نرى بوضوح ارتفاع الرتم، وهذه نتيجة طبيعية لفرق بيب والتي تولي أهمية قصوى لهذه التفاصيل.

غوارديولا المدرب المعلم والتوجيه الجسدي العرضي، يمكننا ملاحظة لغة جسد بيب والتي يقصد بها “الرتم” استلم وانطلق!

في اللقطات السابقة استخدمنا أمثلة لوضعيات فيها يتخذ الممرر عن المستلم تموقعاً قطرياً أو عرضياً، بالتالي ستكون الوضعية الجسدية الأمثل للمستلم هي فتح الجسد بشكل عرضي عين على الزميل وعين على مرمى الخصم. في حين عندما يكون موقع اللاعب على نفس خط طول الممرر فالوضعية الجسدية ستكون بمواجته -أي مواجهة الممرر- وإعطاء مرمى الخصم ظهره كما سيفعل ميسي في اللقطة فوق.

دي يونغ يقوم باستدراج خصمه مستهدفاً المساحة التي سيخلفها، التأخير والمماطلة في اللعب ليس بالضرورة أمراً سلبياً، إذ أن الوقوف على الكرة والتروي عندما لا تكون هنالك فرصة لتمرير الكرة لخيار تقدمي أمراً محبذاً أحياناً، فالأرجنتينيين يدربون صغارهم على التحكم بالكرة والوقوف عليها أو كما يسمونها la pausa.

بعد المراوغة يرتفع النسق والرتم تلقائياً، حتى إذا ما واجه حامل الكرة خصماً جديداً بعد اقصاءه الأول لتوه سيضطر أن يجاري الإيقاع الذي رفعه بنفسه ومراوغة لاعبٍ آخر أو حتى تمرير الكرة بسرعة يمكننا ملاحظة ميسي يقوم بذلك مراراً. أما إذا كشف الملعب فسيرتفع النسق كما ذكرنا.

3 مفاهيم قام بها تشافي في هذه الثواني، استلام موجه -بالتوجيه الجسدي طبعا ولا انفصال بين الفكرتين- والثانية المماطلة واستدراج خصومه نحوه، والأخيرة استراق النظر المتواصل.
فهذا هو الإيقاع وهذه هي الهيمنة على المساحة والوقت.

هورست ڤاين، مدرب المدربين ووصاياه العشر لتنمية المواهب

نتيجة بحث الصور عن ‪horst wein‬‏
هورست ڤاين (1941-2016)

بسعادة غامرة أقدم لكم ترجمتي لكتيّب هورست ڤاين الشروط الـ 10 بالغة الأهمية لتنمية الإمكانات الإبداعية لدى الطفل. مسبوقة بمقدمة متواضعة من قِبَلي.