1 ضد 1 دفاعياً

تحدثنا فيما سبق عن نظام المراقبة رجل لرجل والذي يحاول فيه الفريق المطبق لهذا النظام فرض مراقبة لصيقة بكافة أرجاء الملعب، سعياً لإقصاء لاعبي الخطوط المتقدمة “خصوصاً” من اللعب أو حتى في الاستباق واقتناص الكرة قبل وصولها للخصم، وذلك ما سينتج طبعاً مباراة بدنية تتأذى منها الخصوم، إذ يراقب كل مدافع خصمه المباشر وبالتالي سيتناثر الفريق المدافع بعرض الملعب، أي أنها تدافع في المساحات الكبيرة ولا تسعى لتضييق المساحة كما يفعل مطبقو دفاع المنطقة.

حديثنا اليوم عن المواجهة 1 أمام 1 وتلك حالة تتكرر باستمرار في سياق اللعب وفي أي مكان في الملعب –أيّاً كان النظام المطبق- فكرة القدم انسيابية وهي ظاهرة معقدة تذوب فيها الخطط والأنظمة ويشوبها التلقائية واللاتنبؤية وليست جامدة بحيث تبقى الفرق “بشكل” واضح طوال الوقت. وعلى ذلك فالمواجهة لاعب للاعب لا يسعى لها مطبقو أي نظام، لاعتبارات لعل أبرزها فارق الجودة. فأي مدافع يفضل منع خصمه من الدوران إذا ما استلم الكرة، ولكن مالعمل إن استلم الكرة واستطاع الدوران؟ أو ماذا وإن استلم الجناح في المنطقة المفتوحة أمام مطبقي نظام المنطقة والذين يتركون الأطراف مفتوحة كنوع من المصيدة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه فيما يلي.

التفوق في المواجهة 1 ضد 1 ليست متطلباً محصوراً على المدافعين في نظام الرجل لرجل، وإن كانت إحدى الخصائص المرغوب بها لدى من يسعى لتطبيق هذا النظام، بل هي متطلب أساسي لدى كل مدافع. ولكن ما الذي ينبغي أن يحسنه المدافع في هذه الحالة؟ بالطبع دائماً وأبداً التمركز والوضعية الجسدية. التمركز متعلق بالمكان تبعاً للنقاط المرجعية التالية مكان الكرة ومكان المرمى إذ أن التمركز الصحيح هو الوقوف بين الكرة والمرمى، ومن ثم الوضعية الجسدية فمن المهم احتفاظ المدافع بوضعية مرنة بحيث يتسنى له الدوران والبقاء في اللعبة وربما محاولة الفوز بالكرة عبر الإنزلاق، كما يجب على المدافع توجيه خصمه نحو قدمه المفضلة (أي قدم المدافع المفضلة) وبالطبع قبل ذلك لمنطقةٍ أقل خطراً كطرده إلى الطرف وبعيداً عن المرمى. أمور أخرى يجب أن توضع في الحسبان للتعامل مع هذه الحالة، كأن لا أكون مغطاً من قبل زميلي، أو ماذا عن قدرات خصمي؟ وفي كيفية احتواء الخصم في حالات أو تأخيره أو الانقضاض في حالات أخرى للفوز بالكرة دون إغفال نقطة “المثيرات” في الضغط. كما يجب على المدافع ضبط توقيت الخروج إذ أن الخروج فوراً يمنع المهاجم من الإنطلاق والتسارع قبلاً والتلاعب بالمدافع وبذلك يكون المهاجم هو المهيمن في هكذا حالة.

اعتماداً على مكان الكرة، والكرة في هذه اللقطة كما هو واضح على طرف الملعب إذ يتخذ المدافع تموقعاً قطرياً بخط افتراضي ممتد من الكرة إلى المرمى، وبذلك يغلق المنفذ نحو العمق ويدافع بالمهاجم نحو منطقة أقل حيوية؛ الأطراف. أما لو افترضنا أن مكان الكرة في عمق الملعب فيفترض أن يقف اللاعب مواجهاً حامل الكرة مع ميلٍ طفيف إلى حيث يكون المرمى (من حيث الموقع) ولكن بوضعية جسد غير متماثلة، بمعنى أن تكون إحدى القدمين متقدمة على الأخرى (يفضل الارتكاز على القدم الأقوى) والوقوف على الأصابع إن أمكن بغية الاحتفاظ بمرونة قصوى، ومن ثم الانحناء قليلاً بثني الركبة، فتبدو هذه الهيئة الجسدية هي الأمثل، دون إغفال إبقاء اللاعب عينيه على الكرة، تلك المبادئ طبقها مالديني في اللقطة السابقة.

نيستا وتدخل مميز أمام ميسي، فبالرغم من فقده لرؤية الكرة “عند القوس” إلا أنه تدارك بوضعية جسده المرنة والطلِقة هذا الموقف وكذلك عبر توقعه لمسار خصمه.

المبالغة في إغلاق جهة العمق يؤدي إلى نتائج مماثلة لفتح الطريق المؤدي إلى المرمى، تموقع خاطئ من الظهير أين حاول منع رونالدينيو من الدخول للعمق غير أن الطريق المؤدي إلى المرمى مفتوح، هذا دوناً عن وضعيته الجسدية المترددة، فقدماه قريبتان جداً ما منعه من اللحاق بخصمه رغم توجيهه العرضي “الخاطئ” فالصواب هو تقويس حركته ريثما تصل الكرة إلى الخصم والوقوف بين المرمى والكرة وحاملها.

مثيرات الضغط

تحدثنا فيما سبق عن التدرج، وهو مبدأٌ أساسي للفرق التي تنشُد ضغطاً جماعياً متناسقاً، إذ تحدثنا عن أهم الآليات في الضغط والتغطية، وعن قطع مسارات وزوايا التمرير بالتموضع الجسدي. سنخص هذا المقال بالحديث عن الضغط -وليس التغطية- وأهم آلياته ألا وهي مثيرات الضغط، والتي بدورها تحدد لحظة الخروج للضغط، أما مثيرات triggers فتعني استثارة المدافع للخروج للضغط ومحاولة استخلاص الكرة؛ كأن تفلت الكرة عن سيطرة الخصم، وهذا ما سنجيء إليه لاحقاً في هذا المقال.

إن قرار الضغط يتوقف على استعداد الفريق ككل، فقرار الضغط يعتمد عطفاً على ذلك على ما/من خلفي وعلى زملائي، إذ أن شرط الإحساس المكاني -لكل لاعب- بالغ الأهمية وخصوصاً في حالات الضغط الجماعي، عدا ذلك فالإكتفاء بالتغطية في لحظات معينة، أو استعادة التشكل “كفريق” في حالات أخرى حلولاً أحسن، أو ربما من الناحية الاستراتيجية (كمباراة تشيلسي×م.سيتي الموسم المنصرم، عندما قرر سارّي إخفاض كتلته الدفاعية للوسط وتفضيله التغطية على الضغط “المستمر” ولذلك أسبابٌ تتعلق بخصائص لاعبي خط المقدمة دفاعياً).

إذاً فمن يقود الفريق في الضغط هو من يبدأ بالضغط؛ أي اللاعب الأقرب للكرة (خصوصاً في المناطق العالية) فإن لم تثمر عملية الضغط ولم نستطع استعادة الكرة فعلى الأقل لن يكون الفريق مكشوفاً. والخروج للضغط في الوقت الخطأ أو المكان الخطأ أو في عدم ضبط التموضع الجسدي قد يكلف الفريق مساحةً أو نقصاً عددياً، ناهيك عن استنزافه للطاقة فقد يقتضي ذلك تعويضاً وبالتالي سيؤدي لاستنزاف بدني، فضلاً عن الخسائر التكتيكية المذكورة.

أشهر مثيرات الضغط هي كالتالي:

  • عندما يكون ظهر حامل أو مستقبِل الكرة إلى مرمى الفريق المدافع.
  • عندما تكون الكرة على طرف الملعب، أينما يكون حامل الكرة على الطرف فتتقلص زوايا لعبِه تبعاً لذلك.
  • عندما تكون الكرة غير مستقرة أو تتنطط، أو كرة عالية، إذ يضطر مستقبِل الكرة محاولة السيطرة عليها.
  • عندما تكون الكرة بطريقها إلى لاعب آخر، وخصوصاً عندما لا تكون التمريرة موزونة وأميل إلى البطء أو في الكرات العالية كذلك.
  • سوء استلام للكرة، (سوء لمسة أولى) أي عندما يواجه حامل الكرة مشكلة في التحكم بالكرة أو حتى عند خسارته السيطرة على الكرة، كاستطالة الكرة لدى دحرجته لها؛ أي انفلاتها حتى لسنتيمترات.
  • لاعب متواضع من الخصم، في قراراته وتصرفاته فيتم استهدافه.

بالطبع لن نلهث خلف كل تمريرة وكرة، ذلك سيستنزف طاقة وجهد، اللقطة السابقة إحدى مثيرات الضغط (الكرة بطريقها للاعب)، ولكي نحدد أكثر سرعة الكرة تستدعي رفع النسق وارتفاع احتمالية استعادة الكرة أو وضع مستقبِل الكرة في مأزق. وبلا شك ادراك واحساس اللاعب المكاني سيبعث على اليقين للمدافع/للضاغط أنما “هذه هي اللحظة المناسبة للضغط” ليس فقط في هذه الحالة وإنما أي حالة وفي أي مكان، وعندما نريد قراءة اللعب فهنالك محددات أخرى مهمة كأن لا يملك مستقبل أو حامل الكرة حلولاً إمّا لسوء تموقع وانتشار زملائه أو حتى لقوة ومتانة هيكل وكتلة الفريق المدافع كما نرى بورتو في اللقطة الأخيرة.

15:01 لاعب يستلم الكرة وظهره للمنافس، تلك إشارة لبدء الضغط أو أضعف الإيمان منع حامل الكرة من الدوران.
نرى كذلك في بداية اللقطةضغطاً من مهاجم ليفركوزن على حامل الكرة، لاحظوا توجيهه الجسدي وتقويسه حركته إذ قصد بذلك منع وصول الكرة لبوسيكتس، أشير إلى ذلك لأن فرق شميدت تضغط باستمرار لكنها تبقي جودة في الهيكل والتغطية حتى وإن لم تفلح هذه الحالة.
الكرة تفلت من جيرارد وديمبيلي يغتنم الفرصة ويفوز بالكرة.

مالفرق بين مصايد الضغط ومثيرات الضغط؟

ثمة فارق استراتيجي بين المصايد والمثيرات، فالمثيرات هي إشارة للفرد لبدء الضغط سواءً ضمن سياق المجموعة أو لوحده ارتجالـاً؛ أي كتصرف فردي للقيام بالضغط وربما بشكل عفوي. أما المصيدة فهي “غالباً” مقصودة ومصممة كمنطقة افتكاك للكرة والارتداد نحو مرمى الخصم كتصرف جماعي، وبالطبع ستكون وفقاً لخصائص الفريق الخصم أو لأسباب اعتيادية مثل ترك الأطراف مكشوفة ودفع الخصم للعب هناكـ أين تتقلص زوايا التمرير على حامل الكرة –كما أسلفنا- فيحاوط الفريق المدافع على حامل الكرة مغلقين عليه المنافذ ما يسهل عملية استعادة الكرة، أو حتى استدراج الخصم في اللعب بعمق الملعب ككمين. إن المصايد تقترن بالضرورة بالمثيرات والمستحثات كأن يكون ظهر مستلم لمرمى الفريق المدافع فتكون إشارة لبدء الضغط جماعياً، حتى مصايد الضغط قد تحدث تلقائياً بحالات نميزها عفوياً فيكون السلوك بالتزامن جماعياً.

فرق شميدت تنصب غالباً مصيدة على عمق الملعب، أي تسمح بالتمرير للمحور ومن ثم ستنقض عليه، ربما لن تفلح أمام بوسكيتس!
المصيدة التقليدية “طرف الملعب”.

الإيقاع .. قراءة لعب!

يعرّف الإيقاع في الموسيقي على أنه دقات أو ضربات موزونة وموقتة بدقة، والإنحراف ولو لأجزاء من الثانية يعتبر نشازاً ولن تستسيغه الأذن. الإيقاع في كرة القدم ليس كالإيقاع في الموسيقي، إلا أننا في كرة القدم نحتاج إلى ضبط التوقيت، وضبطه يعني، مثلاً، إيصال الكرة إلى الزميل بالوقت المناسب والمكان المناسب، دون الاستعجال أو التأخير، وبالتالي فالإيقاع لا يعني بالضرورة “اللعب السريع” وإنما في استباق الخصم في محاولة قراءة اللعب وكذلك في الحركة والتمرير بالوقت والمكان المناسبين، حتى دفاعياً في الضغط في الوقت المناسب، في توقيت التدخل أو التقاط الكرة.

الإيقاع أو الرتم -كلاهما يشير إلى نفس المعنى- شأنها شأن الكثير من المفاهيم وحتى المبادئ، يستخدم هذا المفهوم بشكل هلامي، بلا تعريفٍ محدد وواضح. إذ من المؤكد أن سرعة الإيقاع لا تعني سرعة اللاعبين، فسرعة الإيقاع مرتبطة بالدرجة الأولى بسرعة اتخاذ القرارات، بتناقل الكرة بين الزملاء، متعلقة بجريان الكرة وليس السيقان كما يقول كرويف. فالانطلاق بسرعة نحو مرمى الخصم بلا أي أفضلية ودون مطالعةٍ للملعب وما يتبدّى من مساحات أو في توافر الزملاء عددياً، أو حتى في معرفة الخصم ليست إلا عشوائية “مهما أنتجت”. وأما الفرق التي تبحث عن السرعة في الوصول إلى مرمى الخصم حتى ولو بشكل عشوائي، كاللعب بالكرات الطويلة بلا غايات، أو التمرير للاعب بمركز متقدم معزول ومغلوب عددياً، فذلك لن يمنحنا بناء هجمات بأدنى حدٍ من المتانة، ومجدداً مهما أنتجت لأنه وإن أنتجت فالفضل للاعب وارتجاله غالباً وليس بفضل اللعب الجماعي ولا قوة تنمية الهجمة.

سنركز في هذا المقال على الإيقاع هجومياً، إذ بإمكان الفريق فرض إيقاعه ضمن شروط معينة، أبرزها قراءة اللعب، ما يسفر عطفاً على ذلك قرارات سريعة أو صحيحة بأسرع وقت أو بأدق وقت. إن قراءة اللعب مهارة إدراكية/ذهنية لا يمكن تمييزها وقياسها “بدقة” كما المهارات الفيزيائية/المادية كالسرعة أو المراوغة أو دقة التمرير… الخ، كل اللاعبين يفكرون ولكن كيف يفكرون وكم من الوقت يستغرقون في استنتاجاتهم هي الفيصل. قراءة اللعب تعني محاولة التكهن بتسلسل اللعب عبر جمع أكبر معلومات ممكنة وعليه نستطيع اتخاذ أفضل قرار، كما تعني وضع احتمالية اضطلاعي باللعب لاحقاً والتهيأ لذلك بالطبع عبر استراق النظرات حول ما يحيط بي من مساحات أو من لاعبي الخصم واتخاذ موقع سانح لاستلام الكرة بوضع مريح، أو حتى في خداعهم والتخلص من رقابتهم…الخ. أو حتى في ملاحظة الزملاء، إذ سيكون خيار التمرير المستقبلي للزميل ذو الوضعية الأفضل “تكتيكياً” لتطور الهجمة، أو حتى كمهاجم في التوغل مثلاً في المساحة خلف الدفاع عندما يكون الزميل قادراً على القيام بالتمريرة الأخيرة وإلى غير ذلك من الوضعيات.

إينييستا يقوم بتفحص الملعب بمجرد استلام تشافي للكرة.

التوجيه الجسدي قبيل استلام الكرة دينامية يمكن اعتبارها شرطاً رئيسياً في ضبط أو حتى رفع نسق وإيقاع اللعب، وهي مترتبة على حسن التوقع وقراءة اللعب. إذ نرى إينيستا يقوم بتعديل وضعيته الجسدية والقيام بـ”استلام موجه” كما يطلق عليه الإسبان control orientado.

استكمالاً لفكرة الكونترول أو الاستلام الموجه والقصد منها مواجهة الملعب، إذ يجب على المستلم المحتمل اتخاذ وضعية جسدية يواجه بها الملعب وفقاً لمكان الممرر. تفصيلة فنية صغيرة ولكن بِلاها لن نضبط التوقيت ولا اللعب المركزي.
استلام موجه مجدداً من اللاعب في الدائرة، وبدون أن نضع أمثلة على استلام كرة سيء وبتوجيه سيء كأن يستلم وظهره لمرمى الخصم مالذي تتوقعون أن يحدث؟
بالرغم من اتساع الوقت لفيدال في كشف الملعب إلا أنه أبى أن يمرر من أجل التمرير، خاسراً أفضلية مركزية واضحة.

نقطة أخرى في لقطة ديلف وهي في صلب موضوعنا ألا وهي التنبؤ والتوقع إذ نرى ديلف بعد اقتراحه هو نفسه بتمرير الكرة نحو سيلفا سيقوم بتوجيه جسده كلياً نحو مرمى الخصم قياساً على مكان الكرة، وسيوفر نفسه لسيلفا كخيار تمرير، نرى بوضوح ارتفاع الرتم، وهذه نتيجة طبيعية لفرق بيب والتي تولي أهمية قصوى لهذه التفاصيل.

غوارديولا المدرب المعلم والتوجيه الجسدي العرضي، يمكننا ملاحظة لغة جسد بيب والتي يقصد بها “الرتم” استلم وانطلق!

في اللقطات السابقة استخدمنا أمثلة لوضعيات فيها يتخذ الممرر عن المستلم تموقعاً قطرياً أو عرضياً، بالتالي ستكون الوضعية الجسدية الأمثل للمستلم هي فتح الجسد بشكل عرضي عين على الزميل وعين على مرمى الخصم. في حين عندما يكون موقع اللاعب على نفس خط طول الممرر فالوضعية الجسدية ستكون بمواجته -أي مواجهة الممرر- وإعطاء مرمى الخصم ظهره كما سيفعل ميسي في اللقطة فوق.

دي يونغ يقوم باستدراج خصمه مستهدفاً المساحة التي سيخلفها، التأخير والمماطلة في اللعب ليس بالضرورة أمراً سلبياً، إذ أن الوقوف على الكرة والتروي عندما لا تكون هنالك فرصة لتمرير الكرة لخيار تقدمي أمراً محبذاً أحياناً، فالأرجنتينيين يدربون صغارهم على التحكم بالكرة والوقوف عليها أو كما يسمونها la pausa.

بعد المراوغة يرتفع النسق والرتم تلقائياً، حتى إذا ما واجه حامل الكرة خصماً جديداً بعد اقصاءه الأول لتوه سيضطر أن يجاري الإيقاع الذي رفعه بنفسه ومراوغة لاعبٍ آخر أو حتى تمرير الكرة بسرعة يمكننا ملاحظة ميسي يقوم بذلك مراراً. أما إذا كشف الملعب فسيرتفع النسق كما ذكرنا.

3 مفاهيم قام بها تشافي في هذه الثواني، استلام موجه -بالتوجيه الجسدي طبعا ولا انفصال بين الفكرتين- والثانية المماطلة واستدراج خصومه نحوه، والأخيرة استراق النظر المتواصل.
فهذا هو الإيقاع وهذه هي الهيمنة على المساحة والوقت.

هورست ڤاين، مدرب المدربين ووصاياه العشر لتنمية المواهب

نتيجة بحث الصور عن ‪horst wein‬‏
هورست ڤاين (1941-2016)

بسعادة غامرة أقدم لكم ترجمتي لكتيّب هورست ڤاين الشروط الـ 10 بالغة الأهمية لتنمية الإمكانات الإبداعية لدى الطفل. مسبوقة بمقدمة متواضعة من قِبَلي.

أنواع التمرير في كرة القدم

نتيجة بحث الصور عن ‪juan roman riquelme‬‏

بالكرة هناك تصرفان لا غير نحاول بهما تجاوز الخصوم، الأولى عبر التمرير والثانية عبر المراوغة أو (الاحتفاظ بالكرة كتصرف فرعي). إن كل فعل وتصرف بالكرة له غاية ومرمى هو تصرفٌ تكتيكيٌ-فنيّ، إذ يصعب فصل التكنيك عن التكتيك عند التمرير، فكل موقف يُخضع اللاعب لكيفية معينة يمرر بها الكرة (جزءٌ ما من القدم، مسار وسرعة التمريرة …الخ)، وكذا في الوضعية الجسدية والهيئة البيوميكانيكية التي ينبغي استيفائها لإتمام القرار التكتيكي، فنصف خطوة خاطئة أو اهتزازاً في التوازن سيكلفك وقتاً وبالتالي مساحة أو زميلاً حراً …الخ. على كل حال فحديثنا اليوم عن أنواع التمريرات، وطبعاً التمريرات ذات الغاية والتي تأتي كحلول وبحث عن أفضلية، وليس التمرير من أجل التمرير.

“ليست تمريرة تلك التي لا تقصي أحداً” خوانما لـيـّو

يجب أن نعي ما يرمي إليه لـيـّو، إذ -في الحقيقة- ليست كل التمريرات التي لا تقصي أحداً لا معنى لها، فيصعب -خصوصاً مع اضمحلال المساحة في وقتنا الحاضر- أن نلعب داخل خطوط الخصم، أو أن تقصي “كل” تمريرة أو تصفّي عدداً من لاعبي الخصم، فالتمريرة قد تحمل أحيُناً خلفها مغزى كاستدراج الخصم للضغط، أو تبادل الكرات بشكل عرضي وتحريك الخصم هنا وهناك بحثاً عن الثغرات وإلى غير ذلك، وهذه التمريرات لا يجني منها الفريق أفضلية فورية، بالمقارنة بالبينيات، أو التمريرات العالية الموجهة بحيث يتفوق الفريق مركزياً وعددياً حيث تساهم تلك التمريرات في تطور وازدهار الهجمة.

كما هو معلوم فمبادئ ومفاهيم كرة القدم متشابكة، ولذا، فقد مررنا ببعض الحالات فيما سبق، كفتح خطوط ومسارات التمرير، وفي هذا المقال سنتحدث عن التمرير بذاته والممرر بذاته. وفيما يلي أمثلة لأنواع التمريرات من الناحية التكتيكية بالتحديد.

هناك 3 أنواع أساسية من التمريرات:

الأولى التمريرات الآمنة وتتم ما بين لاعبيْن لا يفصل بينهما أياً من لاعبي الخصم كالتمريرات بين القلبين، وتستخدم عادة لاستدراج الخصم للضغط، أو ببساطة لإضاعة الوقت حال التقدم بالنتيجة.

والثانية التمريرة البينية وهي الأخرى تنقسم لنوعين:

أ: تمريرة بينية والتي سنقصي بها عدداً من اللاعبين وبالتالي سنحرز تقدماً نوعياً في هجماتنا.

16:10 تمريرة كاسرة تنقل الفريق لوضعية مركزية أفضل، 4ضد4 و1ضد1 على الطرف، وتواجد جيد في منطقة الجزاء.

ب: تمريرة بينية حاسمة (وتمريرة مفتاحية key pass)؛ أي التمريرة الأخيرة أينما يضع الممرر المهاجم مواجهاً لمرمى الخصم وتسمى هذه التمريرة لدى الطليان passaggio filtrante، من الفلترة أو التصفية. ورغبة في ألّا نغرق في التفاصيل فالطليان يطلقون أيضاً على النوع الأول filtrante، والأمر ذاته لدى الإسبان filtrado، إذ أن بعض التفاصيل ليست جوهرية ولا ضير في الاستغناء عنها على سبيل الوضوح وتقليل الحشو.

أودغارد وبينية من النوع القاتل

أما النوع الثالث فهو التمرير الطويل، وهي أيضاً نوعان؛ طويل مباشر ليس إلى لاعب محدد بل إلى المنطقة المكتظة، والنوع الآخر هو التمريرة الطويلة الموجهة؛ أي إلى لاعب بعينه، بل وإلى جزء محدد من جسمه (قدر المستطاع) أو إلى المساحة أمام اللاعب المراد. التمريرات الطويلة كذلك –بالضرورة- تقصي عددًا من لاعبي الخصم ولكن لها سلبيات، كخسارة الوقت لدى مستقبِل الكرة وإنزالها، لا شك يصعب أحياناً أن نلعب الكرة على الأرض طوال الوقت، بسبب الضغط تارة، أو استغلالاً لثغرة لدى الخصم تارة أخرى، ولذلك يستخدم بعض الفرق التمرير الطويل بشكل تكتيكي محض كتخطي الضغط، أو تكتيكي نفسي في جزء من أجزاء المباراة، كاللحظات الأخيرة عند الفوز.

تمريرة دقيقة موجهة منم تير شتيغن.

على مستوى الاتجاهات، تنقسم اتجاه التمريرة إلى 3 اتجاهات: عمودية؛ أي إلى الأمام أو للخلف، وأفقية أو عرضية، وما بين هذين المَنحيين أي تمريرة قطرية، أما الأخيرة يمكن أن تكون ناجعة مثلها مثل التمريرة العمودية الأمامية وبالطبع تعتبر التمريرة العمودية الأكثر فائدة وجدوى قياساً على مكان تواجد المرمى. ولكن هذا لا يعني أن التمريرة العرضية غير مفيدة أبداً، في الحقيقة يمكننا إقصاء عدد من اللاعبين حتى في التمريرات العرضية كما في اللقطة التالية 26:15.

هنالك أنواعاً أخرى من التمرير ما بين تمريرات فنية مهارية إذا ما اتسع الوقت للممرر، وأنواعاً أخرى تعتمد على مكان الكرة كالعرضيات، بالإضافة إلى وضعية الجسد غير أن تركيزنا في هذا المقال انصب على الأنواع الرئيسية، آملاً في أن نتطرق لتلك الأنواع في مقالات منفصلة وقبل أن ننهي الموضوع سنمر ببعض الخدع والألاعيب التي يستتخدمها لاعبون أذكياء للتلاعب بخصوهم وجَنْي أقصى فائدة من التمريرة سواءً بالتمرير إلى العمق وما بين الخطوط وإلى غير ذلك لإضفاء حيوية للهجمات.

بوسكيتس وتمريرة ماكرة، وفي اتجاه مخالف لما كان متوقع من لاعبي الخصم، إذ كان وبوضعية جسده الموجهة نحو الظهير والمهاجم (يمين الشاشة)، ولكنه يفاجئهم بالتمرير بعمق الملعب. هذه التمريرة تسمى disguised pass أي التمريرة المقنعة أو المموهة.
فرنكي دي يونغ يستدرج الخصم نحوه بعمل مماطلة أو وقفة la pausa،إضافةإلى إيهامه خصمه بالتمرير للخلف.

الكاتب:  @salh91ftbl

مفهوم الرجل الثالث

لا زلنا نبحث عن المساحة، ولكن في هذا المقال سنغوص أكثر إذ سيضطلع عدد أكبر من اللاعبين بغية البحث عن المساحات وتحرير اللاعبين، وبالطبع في البحث عن أفضلية مركزية. سنخصص مقالنا هذا عن تخليق المثلثات وزوايا تمرير أكثر تنضوي على ثلاثة لاعبين أو أكثر، وللتحديد أكثر سنتحدث عن مفهوم الرجل الثالث 3rd man، أو tercer hombre بالإسباني. لعبة الرجل الثالث هي لعبة ثلاثية (بين ثلاثة لاعبين) حيث يمرر اللاعب “أ” نحو “ب” والذي بدوره يجد اللاعب “جـ” متحرراً. تأتي هذه اللعبة على شكلين، إمّا الوصول إلى اللاعب الثالث بمركزه ثابتاً أو إيجاده متحركاً.

من اللقطة السابقة، نرى نوعين من لعبة الرجل ثالث، الأولى هي إيجاد المحور الذي تم تغطيته -أو أي لاعب خلف الخطوط- هنا 3؛ كطرف ثالث وهو بوضعية ثابتة حيث يتم إيصال الكرة إليه على شكل تحضير. أما النوع الثاني فهو التحرر كرجل ثالث حركياً، اللاعب 3/4 هنا يعتبر طرفاً ثالث ورابعاً، طرفاً ثالثاً لأنه استلم الكرة ضمن تسلسل لعب جديد، ورابعاً إذا اعتبرنا أن السلسلة من بداياتها هي نفس اللعبة. وعلى أي حال لا ينتشر للحظة مفهوم الرجل الرابع، وإن كانت تسميات لا أكثر وما يهمنا إلا خلق الزوايا ومسارات التمرير.

مثلثات، رومبوهات، وزوايا. تورييرا كرجل ثالث د67:58. ريكي فيرنانديز كطرف ثالث د68:01.
دي بروينِ كطرف ثالث حركي، تحرر من الرقابة، فتمريرة جدارية من أغويرو. لا حظوا فقدان الرؤية بالنسبة لمراقب دي بورينِ وإهماله له ظناً منه أن البلجيكي خرج من اللعبة. قراءة اللعب وتسلسله مسؤولية المهاجم والمدافع على حدٍ سواء.
بيب غوارديولا يشرح كيفية الوصول إلى أحد لاعبي الوسط “كرجل ثالث” باستخدام المهاجمين.
يقول بيب “يستحيل الدفاع ضد الرجل الثالث”.

يصعب الدفاع ضد اللاعب الثالث، ذلك لأن أنظار الخصم ستنصب على حامل الكرة “أ” وأيضاً على خيار التمرير المحتمل كطرف ثاني “ب”، ما يجعل الطرف الثالث “جـ” متحرراً أغلب الأحيان، ذلك يعود لإنجذاب الخصم للكرة بالدرجة الأولى وكون الطرف الثالث خياراً “يبدو” مستبعد. وقس على ذلك في تتابع وتسلسل اللعب وتخلّق المزيد من الزوايا بعد كل تمريرة وفعل، وكل لاعبٍ يوفر نفسه متى ماقتضت الحاجة، إذ “كل تصرف ينبئ بالتصرف اللاحق” يشير أوسكار كانو، وحتى اللاعبون البعيدون عن منطقة المناورة ستكون لهم يد في الهجمات ربما أحياناً بشكلٍ غير مباشر كلقطة إينيستا في المقال “المساحة … ماهي” وكذلك في اللقطة التالية لأغويرو وربما تبدو مقصودة أكثر.

أغويرو يسحب الظهير معه للداخل، ربما مع علمه بصعوبة استلام الكرة، ولكن لوعيه بمكان تواجد سانيه.

الكاتب:  @salh91ftbl

المساحة… ماهي؟

هناك عدة طرق لاستلام الكرة وفقاً لكل حالة ولحظة، إن خلق المساحات ومهاجمة المساحة، وفتح وتوفير مسارات التمرير –وهن ما سنتطرق إليهن في مقالنا هذا- تتشابك فيما بينها وتتداخل شأنها شأن العديد من المبادئ الأخرى في هذه اللعبة الجميلة. وكذلك تتشابك مع مبادئ أخرى جرى المرور عليهن فيما سبق، كالانتشار “فردياً”؛ والتي تعني اتخاذ تمركز جيد قصد تطوير الهجمة (خلق مسارات تمرير)، أو في (مهاجمة المساحة) فيما يتعلق بالهروب من الرقابة.

 لكن ماذا تعني المساحة في كرة القدم؟ هل هي مجرد مكان فارغ؟ أم هل هي مكان يشغله لاعب متحرر من الرقابة؟ هذا ما سيقودنا إلى أن نميز ما بين المساحة والفراغ، فاللاعب الذي يتحرك في وإلى مساحةٍ قد تفيد في تقدم ونمو هجمة فريقنا هي ما يمكن إعتبارها مساحة، والمساحة في كرة القدم يمكن تعريفها على أنها: مكان خالي تم شغله وتبوئه عبر لاعب بغية تقدم الهجمة. مثلاً عندما نمرر لأحد اللاعبين بين الخطوط ويكون قادراً على الدوران نحو مرمى الخصم فسنقترب بذلك من مرمى الخصم بوضعية سانحة لخلق فرصة تسجيل. أما الفراغات فلا تعتبر مساحات، ببساطة لأنه لم يشغلها أحد، وعندما نرى فراغاً كبيراً ما بين الخطوط فينتقد أحدهم لماذا هنالك مساحات بين الخطوط (دفاعياً)؟ فأقول، هذا يجانب الصواب لأن المسافات ما بين الخطوط أو الفراغات “الغير مشغولة” لا تعد مساحات.

لسنا بحاجة للجري لفتح مسار تمرير أحياناً، بل بإمكاننا الاكتفاء بتمركز مثالي وصحيح كإينييستا.

*ملاحظة: أي لاعب يتحرك نحو مساحةٍ ما أو يتبوأ مساحةً ما هو –في الوقت ذاته- يفتح مسار تمرير وهذا بديهي وجلي، غير أن هناك تفصيلةً أو جزئية صغيرة بالغة الأهمية، فكرة القدم ليست عبارة عن حركة وجري فقط وإنما بمقدورنا أن نفتح مسار تمرير بلا حركة أحياناً أو بتعديل جسدي بسيط أحياناً أخرى كما في اللقطة السابقة.

لم يتخذ سابونارا 5# إلا خطوة بسيطة لتوفير نفسه كخيار تمرير.
هذه أيضاً إحدى الحالات التي ذكرناها ألا وهي الإستلام في المساحة بأفضلية تكتيكية كالاستلام بين الخطوط وبالطبع شريطة الدوران ومواجهة الملعب.
تشافي يمرر لإينييستا ويقوم بالحركة على الجانب المحجوب بالنسبة للمدافع.
إنسينيي وهامشيك ثنائية ضد 1، تسمى نوعية التمريرات هذه wall pass تأتي عادة شكل هات وخذ أو one-two.

المثالين الأخيرين هما للحركة نحو المساحة ومهاجمة المساحة؛ واستلام الكرة خلف مدافعي الخصم، أو خلف أي لاعب عموماً، استغلالاً انعدام الرؤية بالنسبة للمدافع أو أحيانا جمود وسكون المدافع أو اهماله تعديل وضعية جسده وعدم إدراكه لمحيطه في سبيل التغطية وقطع خطوط التمرير، أو التأخر أحياناً في قراءة اللعب.

في اللقطة الأخيرة نوعان من التمريرات القصيرة، الأولى هو تمرير الكرة أمام الظهير، إذ سيضطر الظهير مواجهة ظهير الخصم 1 ضد 1 والتمريرة بذلك لن تضفي أفضلية تكتيكية. أما الحل الثاني هو مماطلة حامل الكرة وانتظاره انبثاق مسار تمريرة بينية وبذلك لن يضطر الظهير مواجهة ظهير الخصم وسنكسر الظهير بتمريرة لا بمراوغة. إن النوع الأول -أي التمرير أمام الظهير- قد يُحدث تفوقاً أحياناً وفقاً لتمركز الخصم فلو افتضرنا أن الظهير -بنفس اللقطة السابقة- اتخذ موقعاً أقرب للكرة فالتمريرة القطرية ستمكّن الظهير من القيام بعرضية مبكرة أو التوغل للداخل وسيكون الظهير متأخراً.

كما أن هناك مساحاتٍ أقل فعالية، كالاستلام في المساحة ولكن بلا أفضلية، كاستلام اللاعب المتحرر من الرقابة أو المضايقة ولكن بلا أي أفضلية كالتمرير للحارس أو أحياناً الظهير جراء تغيير اللعب أو أي لاعب سيضطر للمراوغة –كما ذكرنا في أحد الأمثلة- أو القيام بتمريرات كاسرة لتحقيق الأفضلية المنشودة.

تغيير لعب نوعي ومفيد.

خلق المساحات بالكرة

دوران دي يونغ يكشف الملعب بالكامل.

كما أن هنالك حالات يستلم فيها اللاعبُ الكرةَ وهو بالفعل مراقب أو في المساحات الضيقة وتتِم مضايقته كاستلام اللاعب وظهره لمرمى الخصم، وكالمهاجم الملاحق من مدافع الخصم، أو المحور المراقب من مهاجم الخصم كأمثلة لا للحصر، هنا أتحدث عن خلق المساحة عبر المراوغة ومقاومة الضغط وكسره، وبالطبع لا يمكن كسر الخطوط في كرة القدم إلا بكيفيتين الأولى عبر التمرير وإقصاء أكبر عدد ممكن من لاعبي الخصم، أو عبر المراوغة حال الاضطرار إلى ذلك، وبخاصة لدى استلام الكرة في المساحات الضيقة.

كما لا يمكننا خلق وفتح المساحات إلا عبر تمركزٍ صحيح (وتعديل وضعية الجسد وفقاً لمسار الكرة المحتمل) أو عبر الحركة سواءً بالكرة (عبر المراوغة) أو بدون كرة (توفير مسار تمرير وشغل المساحات). إن خلق المساحات وخيارات أو خطوط التمرير تُستخدم بحثاً عن الفعالية أمام أنظمة دفاع المنطقة خصوصاً، أين لا يسعى مطبقو هذا النظام فرض رقابة لصيقة ضد الخصوم، إذ يكون اللاعبون متحررون ولكن بمساحات مغلقة وضئيلة بالقرب من الكرة، كما يمكن للاعبين استغلال المسافة التي يتركها مطبقو هذا النظام فيما بين الخطوط ولو كانت ضيقة، واستغلال فقدان اللاعبين للرؤية أحياناً أو سوء التمركز أو الوضعية الجسدية أحياناً أخرى. وفي وقتنا الحاضر أضحى استلام اللاعبين للكرات بأريحية أمراً صعباً، فإما أن يستقبل الكرة تحت ضغط، أو تحت رقابة، والحالات المذكورة في هذا المقال أو في المقال السابق “التحرر من الرقابة” لا تمثل إلا جزءاً من أحداث مباراة كرة قدم، وأفضل الفرق –بلاعبيها- هي من تتمكن من القيام بهذه الأمور أكثر من بقية الفرق ما يمكنها من التفوق والتميز، وما أقصده هنا العلاقة الثنائية بين الممرر والمستلم، فيما سيكون مقالنا القادم متعلق بخلق المساحات باضطلاع عددٍ أكبر من اللاعبين، دون إغفال أن حتى العلاقة الثنائية تتضمن زملاء آخرين يشاركون بشكل غير مباشر أحياناً، وبإمكاننا العودة إلى لقطة تغيير اللعب وملاحظة طلب إينييستا للكرة في العمق ما أدى لسحب الظهير الأيمن للريال وبالتالي تتسع المساحة ويتسع الوقت للاعب في الجهة المقابلة، وسنمر بذلك لاحقاً.

الكاتب:  @salh91ftbl

الهروب من الرقابة

هنالك العديد من الطرق لاستلام الكرات، أو طلب الكرات على أقل تقدير، إذا ما علمنا أنه حتى عند خلق المساحات والهروب من الرقابة لن يضمن سائل الكرة أن تصل إليه من حاملها، لأسباب منها –مثلاً- غفلة اللاعب وانحسار رؤيته على جزء من أجزاء الملعب، أو لأسباب فنية تتعلق بالتحكم بالكرة ما سيكلف حامل الكرة التوقيت وبالتالي خسارة فرصة سانحة لجني أفضلية تكتيكية.

مهما يكن من أمر فالهروب من الرقابة -وهو أحد المبادئ التكتيكية الهجومية الفردية- والتي قد تمرّ بها في أدبيات التدريب الإيطالي smarcamento أو في إسبانيا باسم desmarque. وبالرغم من أن بعض حالات التحرر من الرقابة لدى الإسبان قد لا تصح تسمية بعضها بالهروب من الرقابة، حتى ولو شابها شيء من ذلك؛ كالهجوم على المساحات خلف خط الدفاع أو الوسط مثلاً على اعتبار أن اللاعب بلا رقابة أصلاً، أو حتى إحدى الطرق للهروب من الرقابة الخاصة ببيلسا والتي تتضمن استلام اللاعب للكرة وخصمهُ في ظهره إذ سيضطر اللاعب المستلم للكرة الدوران ومراوغة الخصم؛ وبالتالي يجب علينا التمعن بمقصد بييلسا أو ما يقصده الأرجنتينيون والإسبان بمعنى الهروب من الرقابة، فهُم يعنون بذلك حتى حامل الكرة ونحن في هذا الموضوع نشير إلى اللاعب “بلا كرة” وبما أننا لا نمتلك لغة مؤسسة فنياً/تكتيكياً فالأجدى أن نكون محددين لأقصى درجة لتحرير المصطلحات وتعريفها.

لا يختار المهاجم -أو طالب الكرة عموماً- الحركة التي بها سيتخلص من مراقِبِه، إذ تحدث هذه الحالات في المباراة عرَضياً دون أن يختار اللاعب أي كيفية يطلب/يستلم بها الكرة. ولكن كل حالة ووضعية لها مثيرات ومحفزات أو إشارات –بغير قصد- لكل قرار ينبغي على اللاعب القيام به. فمثلاً، دائماً ما نرى أن المهاجم يقوم بإيماءات جسدية لسحب المدافع ومن ثم يقوم بحركة عكس اتجاه حركته الأولى أو ما تسمى بالحركة المضادة counter-movement، والمهاجم الفطن والنبيه هو من يميز تلك الإشارات أو المحفزات التي تستدعي كل حركة وفقاً لحامل الكرة ووضعيته، حيث أن حركته أو قراره مقترن بوضعية حامل الكرة فإذا كان على نفس الخط الطولي فالحركة تختلف عن حركته عندما يقوم الجناح بالقص عرضياً نحو الداخل، كما تمثل حركة المهاجم بالنسبة لحامل الكرة تواصلاً غير لفظي لطلب الكرة (التواصل في كرة القدم نوعان: أولهما لفظي؛ أي طلب الكرة بالصوت، وغير لفظي وهو طلب الكرة إما بمجرد الحركة، أو بالإشارة باليد).

فيما يلي عدة طرق للهروب من الرقابة ذات فعالية كبيرة وخصوصاً أمام الفرق التي تطبق دفاع رجل لرجل، أو حتى عند تحليلنا لخصومنا قد نجد مدافعاً يتأثر بالمهاجم، ويسهل اجتذابه من قبل المهاجم، إذ أن تصرفات بعض المدافعين استباقية حيث يضيق على المهاجم فقط وهذا عائد نوعاً ما للحذر أكثر من كونه قراءة للعب، بل دافع المدافع هو الخوف… أحياناً.

في اللقطة الأخيرة يتموقع المهاجم على نفس الخط الطولي مع حامل الكرة، حامل الكرة بوضعية سانحة للقيام بالتمريرة الأخيرة، إذاً عليّ -كمهاجم- بعد هذه القراءة أن أتخذ قراران لا ثالث لهما: إما أن أتوجه نحو الكرة واستلم بين الخطوط، وبما أن الرقابة لصيقة سيضطر المهاجم مقاومة الضغط وحماية الكرة عند استلامها، أو القيام بتمرير خلفية أو عرضية قد يبدو حلاً أفضل حال النزول. الحل الثاني هو مهاجمة المساحة خلف دفاع الخصم ووهذا ما قام به كافاني، حيث نراه يقوم بخداع مراقبه بحركة مضادة وقيل بحركة مزدوجة double movement، بحركة نحو الكرة ومن ثم حركة مفاجئة نحو المرمى فيتخلص من الرقابة.

حركة مزدوجة مشابهة للقطة السابقة ولكن عكس الإتجاه. مالإختلاف؟ قرب المدافع وتموقعه هو ما يحدد الحركة، فإذا كان ملاصقاً كما اللقطة الأولى لكافاني فالحل هو سحبه للأمام حيث سيخسر المدافع الوقت لأن وضعية جسده لن تمكّنه من الدوران ’180 و اللحاق بالمهاجم. وفي هذه اللقطة نرى أن المهاجم يوهم المدافع بالتحرك نحو المرمى، غير أنه بعد ذلك سيعود ليستلم الكرة فيما بين الخطوط، حركة المهاجم الأولى أبعدت المدافع وعامل الوقت مكّن المهاجم من التحرر.

حامل الكرة يجري عرضياً، تلك إشارة للمهاجم في الحركة عكس حركة حامل الكرة… غالباً. مجدداً حركة مضادة ولكن وكأنه سيقوم بالدوران يمين مراقبه، في هذه الحالة استعد المدافع عبر توجيهه لجسده لليمين، استغل كافاني التوجيه للمدافع وركض عكسه، وبالضبط قبيل انطلاقه، وجه كافاني جسده نحو حامل الكرة ثم بحركة مفاجئة يسار المدافع.

المهاجم كطرف ثالث، “الرجل الثالث”: يهبط المهاجم نحو حامل الكرة ويسحب معه المدافع، ولكن ليس بغرض استلامها بين الخطوط وإنما -وفقاً لتسلسل اللعب وأحياناً كنمط من التمرين- يتوقع اللاعب أن يمرر حامل الكرة للمهاجم الثاني وهو بدوره سيهاجم المساحة خلف المدافع متوقعاً تمريرة من المهاجم الثاني.

يتمركز المهاجم بزاوية قطرية عن حامل الكرة، في هذه الحالة يحاول المهاجم الابتعاد عن مراقبه سواءً عن يساره أو كما في هذه الحالة عن يمينه، تختلف هذه الحالة عن الحالات السابقة كون المهاجم هنا يتخذ زاوية قطرية وفي تمكنه من كسب وقت للدوران نتج عن إيهامه للمدافع بمهاجمة المساحة خلفه.

حركة مزدوجة من إيكاردي لمقابلة العرضية، نرى بوضوح إيهامه للمدافع بأنه سيهجم على القائم الأول، غير أنه وبشكل مفاجئ سيهجم على القائم الثاني، فيتحرر بدهاء.
كافاني يعرف أين المساحة، إلا أنه بحاجة لأن يراقبه القلب الأيمن، وبمسار ركضه العرضي ترك مراقبه الأول “الظهير” وارتمى بحضن القلب ما أوقع القلب بالمصيدة، حيث خطى المدافع خطوة نحو كافاني بالضبط على القوس، هنا يهجم كفاني على المساحة المستهدفة بتغييره للمسار والنسق خلف القلب الأيسر.
استغلال الجانب المحجوب للمراقب، قام كاييخون هنا بحركة واحدة ولكنها كانت حركةً مفاجئة، قد تبدو العرضية دقيقة كفاية إلا أن توقيت الحركة مفصلي للوصول قبل المدافع.
إيهام المدافع بالهجوم خلف الدفاع ومن ثم التوقف المفاجئ سيمكن المهاجم من التحرر (لاحظ الدقيقة 28:22.)
مشابهة للقطة الأولى من حيث التوغل ومن ثم تغيير نسق الجري وتهبيطه وبعدها يبتعد المهاجم عن المدافع عبر تقويسه حركته.
https://platform.twitter.com/widgets.js

نرى في اللقطة الأخيرة إحدى الطرق التخلص من الرقابة، “تبادل المراكز”،عند تبادل المراكز تتخلق حالة من الضياع والربكة لدى المراقبين، فيفقد أحد المدافعين أو كلاهما لاعبه.

يمكن لأي لاعب القيام بهذه الحركات والايماءات في أي مكان ومركز.
https://platform.twitter.com/widgets.js

كان هذا أحد أشكال خلق المساحات أمام نظام دفاعي أو سلوك فردي معين (المراقبة)، وسنتعرض لاحقاً لأشكال أخرى بمشيئة الله.

الكاتب:  @salh91ftbl

بييلسا يحلل

نتيجة بحث الصور عن ‪marcelo bielsa‬‏

هذه ترجمة لمقالتين أو تحليلين لمارسيلو بييلسا لصحيفة elpais في كأس العالم 1998 في فرنسا -من بين مقالات عديدة- أردت تقديمهما كأنموذجين لرؤية المدرب الأرجنتيني الكبير للعبة. المقالات -عموماً- تحليلية إلا أنها بلا شك قد تكون كافية للوقوف عندها والتأمل ومعرفة كيف يشاهد المدربون مباراة كرة قدم، إليكم الترجمة.

الأسطول الدفاعي

لعبت نيجيريا من أجل اللعب لا أكثر. لقد لعبوا بلا تفكير، فلا أهمية النتيجة ولا تبدُّل النتيجة أثر على نهجهم في المباراة. لعبوا ببساطة من أجل اللعب، ومع ذلك فقد لعبوا أمام الخصوم نداً لند. وأما من الناحية الأخرى، فاحتاجت إسبانيا -من أجل اللعب بشكل جيد- إلى جعل الخصم يلعب بشكل سيء، وهذا ما حدث خلال الـ15 دقيقة الأولى، حينئذٍ رأينا أفضل صورة للإسبان: عندما أدوا بنسق سريع وفي النصف الخاص بالخصم.

على كل حال فإسبانيا لم تدافع بصورة جيدة. منح النيجيريون الأولوية للإستحواذ بل وقدموها على الجوانب الدفاعية. وبالرغم من تسلح إسبانيا بدفاعٍ جيد إلا أن ذلك ليس بالأمر الكافي، فهيكلهم وبوجود هييرو ونادال كعجلتي قيادة تتوسط الدفاع، وبالرغم من تميزهما في افتكاك الكرات إلا أن إسبانيا لم تستطع استعادة الكرة حتى بوجودهما. وبالتالي، وبصرف النظر عن الـ15 دقيقة الأولى فلم تتمكن إسبانيا من تقديم أداءٍ جيد. لقد قاد ذلك إلى تنظيم وتنفيذ هزيلين في المراحل الأولى لبناء اللعب في نصف ملعبهم -باثنان فقط من الستة لاعبين الدفاعيين وهما هييرو وسيرجي، على افتراض أن المسؤولية أوتيت لمن يستحق (أي المذكورين)- عالجت إسبانيا مشكلة التقدم -بالكرة- لأعلى الملعب عبر الضغط واسترداد الكرة في ملعب نيجريا.

الجانب الأيمن. فشلت إسبانيا من معالجة المشاكل على الطرف الأيمن، إذ التمست قصوراً في الهيكل في ذلك الجانب، علِم الإسبان بالمشكلة وحاولوا حلها حيث اتخذ كامبو مركز فيرير ولكن بلا نجاح من الأول.

عجز هجومي. لم يصنع المهاجمون فارقاً نوعياً في الأوقات السانحة والمواتية، حيث علقت الكرة بين أقدامهم دائماً وهذا ليس محبذٌ تصوّره. هدف راوول -وبعيداً عن جماليته- فقد أكد لنا سذاجة الدفاع النيجيري، وأي دفاع يمنح مثل تلك الفرص يستحق استقبال أهداف أكثر من تلك التي سجلتها إسبانيا، بل وحتى فرصاً أكثر من التي خلقوها.

جمود. تمتلك امكانيات فنية عظيمة على المستوى الفردي، ولكن بلا أية ضوابط تكتيكية جماعية، هذه هي نيجيريا. أثبتت تلك المزايا فائدتها حينما لُعبت المباراة بتكافؤ، كما ظهر في سيناريو المباراة عندما قدمت إسبانيا لنيجيريا تلك الوضعيات في البداية، ولكنهم عانوا -أي نيجيريا- عندما تم التخلي عن المباراة المغلقة.

بلا تناسق. لعب أفضل أربعة مهاجمين في الكرة الإسبانية سوياً، غير أنهم افتقدوا للتناغم عند تبادل المراكز، إذ جرّتهم المباراة إلى أن يقوموا بتلك التحركات أينما أدركوا الحاجة إلى تبادل المراكز، ولكنهم لم يفعلوا ذلك بانتظام. كما لا يجب أن يكونوا ساكنين، إذ أن كلا لويس إنريكي وراوول كانا بحاجة للسقوط للعمق والاضطلاع أكثر في اللعب بغية استقبال الكرات العمودية، بيد أنهما بقيا ساكنيْن في مواقعهما كسجينين، وسهُل تحديد موقعهما. إنها أفضل مباراة في البطولة إلى هذه اللحظة، بعد مباراة فرنسا وجنوب أفريقيا، وكان بالإمكان أن يذهب الفوز لأحد الطرفين، أفضل أداء لإسبانيا تفوق على أفضل نسخة من نيجيريا، حتى ولو أظهرت الأخيرة أكثر موهبة ولو تمكنت إسبانيا من التماسك وإضافة الثبات للمراحل التي تفوقت فيها ستكون عندها مرشحة أكثر من نيجيريا.

المصدر: تحليل إسبانيا – نيجيريا

مكلفةٌ أكثر فأكثر

غزو خطير. هي قابلة للتطبيق بالفعل في كأس العالم، فقد أضحى من الصعب إثبات أية أفضلية، ذلك لأن جودة اللاعبين وحدها لا تكفي. فالنجاح في وقتنا هذا يعتمد على حيثيات واعتبارات تتعلق بجوانب أخرى –كالنظام، التحضير التكتيكي، الحالة الذهنية، الإعداد البدني، تبوء المساحات ضمن الشكل (الخطة) – ما سيمنحنا مشاركة تفاعلية عبر التباعد والانتشار. فإذا ما تم تقدير الجودة الفردية فقط، فمن السهل على الأفضل أن يقوم باثبات نفسه. وعلى ذلك فقد تم غزو واجتياح الكرة عبر مواضيع قد يؤدي تقدمها ونمائها إلى تضخيم فرق بلاعبين متوسطي المستوى.

خداع بصري. التقارب في النتيجة أعطى اليابان -بالقرب من نهاية المباراة- صورة توهم بأن فارق الأداء كان أقل مما كان عليه طوال فترات اللقاء. إذ أن المسافة بين الفريقين أكبر مما تبديه النتيجة، وهكذا فإن تلك المحاولات البطولية لليابان ينبغي أن تكون موضعاً للإحترام على مستوى الذهنية، لا على المستوى الكروي.

تحسن بمحض الدفة. استهلت الأرجنتين المباراة بشكل سيء، إلا أنهم تحسنوا بانتقال أورتيغا من الجانب الأيمن إلى العمق للاضطلاع باللعب بشكل أكبر والربط مع فيرون أكثر، وبالتالي فإن النصف ساعة الأخيرة من الشوط الأول كان جيداً من قبل الأرجنتين. وإلى هذا الحد وجد الفريق انتظاماً وبنية مقبولة دفاعياً بفضل المحور الدفاعي ألميدا والذي بضبطه الإيقاع أوجد تلك البنية.

أخطاء هجومية. لم تقم الأرجنتين بزيادة عددية ملحوظة على طرفي الملعب، لا عبر زانيتي ولا سيميوني ولا عبر لوبيز أيضاً، كما افتقدوا الحدة في التمريرات البينية، وافتقادهم -علاوة على ذلك- للتصرفات الفردية التي من شأنها زعزعة الخصم. فلم يكن لأورتيغا بتجلياته الفردية، ولا لفيرون بقدراته العظيمة على التمرير ذلك الأثر عند تناقل الكرة. وبالرغم من ذلك فقد اتكلت الأرجنتين فقط على فعالية باتيستوتا والذي قام بأقصى ما يمكنه القيام به قياساً على عدد لمساته المحدودة للكرة.

سقف اليابان. لقد صمم اليابانيون كل شيء اعتماداً على الأمتار المقطوعة (القدرة على التضحية) وكذلك انتشارهم في المساحات الخاصة بهم على أرض الملعب (التنظيم التكتيكي). وعلى أي حال فقد افتقد اليابانيون المهارة على مستوى الإيماءات والخداع الفني وهذا العجز الإبداعي وضع حداً لطموحهم في التقدم إلى أبعد مما انتهوا عليه.

المصدر: الأرجنتين – اليابان

المترجم: @salh91ftbl

رجل لرجل

يعتبر نظام رجل لرجل أولى الأنظمة الدفاعية على المستوى الاستراتيجي، ولم تكن الفرق قبل ذلك تتخذ نظاماً أو كيفية معينة لصد الخصم وتقليل الخطر بغية حماية المرمى. إذ كانت الفرق تتخذ شكلاً عشوائياً ما بين مراقبة رجل لرجل بلا ضوابط، ووقوف في منطقة معينة بسذاجة أحياناً. جاء نظام الرجل لرجل عبر كارل رابان في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم تطورت إلى أشكال مختلفة بوجود ليبرو “قشاش” كلاعب حر خلف خط الدفاع، وبمراقبة لصيقة للغاية بحيث يلاحق كل لاعبٍ لاعباً محدداً أينما ذهب، ذلك ما تلاشى فعلاً بداية التسعينات وانتهى بشكل نهائي نهاية التسعينات. وعلى أي حال فلم تنتهي المراقبة اللصيقة في كرة القدم، إذ أن هنالك أشكالاً أكثر مرونة وانسجاماً مع تطور اللعبة حالياً، كاعتماد الدفاع بخط واحد ومصيدة التسلل، مراقبة مؤقتة والأهم أن المدافع لن يلاحق لاعبه في كل مكان بل ضمن نطاق معقول سيجري الحديث عنه لاحقاً.

إن هنالك أنظمة دفاعية متعددة اليوم، أشكال مختلفة من المراقبة الفردية أو رجل لرجل، وأشكال مختلفة لدفاع المنطقة، وكل مدرب وكل ثقافة تتبنى حسب فهمها أحد الأشكال. ما سنتحدث عنه اليوم هو الشكل الحديث لنظام الرجل لرجل، أو كما يسميه الطليان أو الإسبان “أسلوب الثنائيات” وكذلك “الـ 1 ضد 1″، أين يسعى الفريق المطبق لهذا النظام في فرض مباراة بثنائيات بدنية في كافة أرجاء الملعب وجر الخصم إلى هذا النوع الغير محبذ من المباريات. رائد هذا النظام اليوم هو الهولندي لويس فان خال، تبناه واستقاه منه الأرجنتيني مارسيلو بييلسا، وكذلك الإيطالي جانبييرو غاسبيريني من بين آخرين.

في هذا النظام لا يراقب المدافع مهاجماً بعينه، بل يراقب أي مهاجم داخل منطقته -أيّا يكن هذا اللاعب- مراقبةً لصيقة وأكثر شدة إذ يلاحقه أحياناً خارج منطقته وطبعاً كما ذكرنا بشكل معقول. (ملاحظة: المدافع يُقصد به هنا أي لاعبٍ من الفريق الذي لا يمتلك الكرة، والعكس صحيح حيث نقصد بالمهاجم أي لاعب من الفريق المتملك للكرة).

نظام رقابة شرس لبيلباو بييلسا، نرى ذلك بجلاء.

يسعى الفريق المطبق لهذا النظام إلى الحد من قدرات الخصم فردياً، وبالطبع لا يطبق هذا النظام بشكل عشوائي وخصوصاً عند فان خال أو بييلسا وغاسبيريني، إذ أن هناك ضوابط محددة للمراقبة الجيدة؛ أبرزها أن يقف اللاعب وخصوصاً لاعبي خط الدفاع ما بين الخصم والمرمى، بالإضافة لأهمية عدم فقدان الرؤية للكرة أثناء مراقبة المهاجم وعليه يتمكن من قراءة اللعب وأخذ المبادرة -لا الانتظار- والاستباق anticipation والتنفيذ افتكاكاً أو اعتراضاً وهي المهارات الأساسية للمدافع وبالخصوص في نظام الرجل لرجل دون إغفال وضعية الجسد في كل حالة، ودون إهمال دراسة الخصم واتخاذ ما يترتب عليه وفقاً لخصائص المهاجم، فمثلاً لا يحبَّذ التصاق المدافع بمهاجمٍ سريع أو بشكل أدق أسرع من المدافع. وتكتيكياً ينبغي دوماً على المدافع الخروج وتعقب المهاجم عند التفوق العددي.

كالدارا يتعقب هيغواين، ونرى بوضوح اتسام هذا النظام بالشراسة والحدة في الالتحام، وكذلك صعوبة استلام الكرات بوضعية مريحة، دائماً سيحاول المدافع منعك من الدوران.
مجدداً يتعقب كالدارا هيغواين ويفوز بالكرة عبر الاستباق (أي اعتراض الكرة قبل وصولها للمستلم).
بالومينو قلب أتالانتا الأيسر يلاحق ديبالا حتى وسط الملعب، مايعرف بإيطاليا بكسر الخط (rombere la linea)، سنرى مازييلو يقوم بالتضييق على مانجوكيتش في 9:33.
المدافع يقوم بتعديل تموقعه ووضعية جسده، وخصوصاً عند الكرة المكشوفة (أي الكرة التي يمكن لحامل الكرة لعبها للأمام).
نرى بوضوح مراقبة رجل لرجل وعدم ترابط الخطوط نوعاً ما في الفريق، الخط الخلفي غالباً ما يحظى بزيادة عددية بلاعبٍ إضافي.
لا يتعقب أي لاعب خصمه المباشر بغية إبقاء ترابط ما بين الخطوط عرضياً وعمودياً في نظام المنطقة.

الفارق شكلياً بين دفاع المنطقة ورجل لرجل على المستوى الجماعي:
نرى في الصورة الأولى تناثر اللاعبين بأرجاء الملعب، فالفِرق التي تطبق المراقبة رجل لرجل تدافع في المساحات الواسعة، ويبقي اللاعب عينيه على المهاجم أولاً ثم الكرة وأخيراً الزميل، نرى كذلك أن المسافة بين خط الدفاع والوسط شاسعة ذلك عائد إلى أن الدفاع والضغط عملية فردية -بشكل أكبر- واللاعب يهتم بخصمه المباشر.
في الصورة الثانية نرى فريقاً يطبق دفاع منطقة حيث يتبين لنا أن اللاعبين يبقون أبصارهم نحو الكرة أولاً ويتحركون معها ويبقون مسافات فيما بينهم وبين زملائهم دون الالتصاق بمهاجم الخصم، وأخيراً يتم مراقبة المهاجم إذا كان متاحاً لحامل الكرة، البارز في هذه اللقطة تراصّ الفريق والدفاع ككتلة وبمسافات قصيرة ووضوح الخطوط علاوة على ذلك، بما أن عملية الضغط في دفاع المنطقة عملية جماعية فكما ذكرنا كل لاعب -بعد النظر- إلى الكرة سيرى زميله وسيقوم بتغطيته.

لا شك هناك تداخل ما بين الأنظمة بما أننا لا نستطيع التنبؤ بما سيحدث دوماً، فالمدافع الجيد يجب أن يجيد المراقبة والتمركز وقراءة اللعب، مضافاً على كل ذلك قدرته على الفوز في مواجهة الـ1 ضد 1، ولذلك نجد اليوم انتشاراً أكبر لأساليب مختلطة في الدفاع كأسلوب ماكس أليغري أو تلك المنتشرة في ألمانيا والبرتغال وإسبانيا وهولندا وبلجيكا والتي تولي لقراءة اللاعب للعب الاهتمام الأول، فتارة تجده يستخدم الاندفاع والقوة والعضلات المستحب في نظام الرجل لرجل أو العقل والحساب في حالات السيطرة على المنطقة والمساحة (دفاع المنطقة) وخصوصاً حالات النقص العددي. وأما المهارات الفردية للمدافع والمطلوبة في كل الأنظمة سنورد لها مقالاً منفصلاً.

الكاتب:  @salh91ftbl