التدريبات الشاملة

على الرغم من سطوتها على حقول المعارف المختلفة منذ القرن السابع عشر، تقع اليوم اختزالية ديكارت تحت طائلة الانتقاد. أمّا الاختزالية فهي تحليل موضوع أو ظاهرة معينة باختزالها وردّها إلى أجزائها؛ أي تفكيك وتحليل أجزاء هذه الظاهرة ودراسة كل جزء على حدة. بصورة أبسط؛ هي أن نفصل ونعزل كل عنصر من عناصر كرة القدم ونقوم بتدريبه بمعزل عن بقية العناصر، كأن نأخذ العنصر الفني/التكنيكي ونحاول تطويره لوحده دون سياق؛ أي دون أن يتفاعل اللاعب مع خصم وزميل وتوجيه معين (مرمى) لتطبيق ذلك التكنيك فيغيب عن البال سياق اللعب الذي قد يجر اللاعب لتغيير هذا التكنيك الذي لم يعد يجدي. أو أن نأخذ حالة تكتيكية وندربها دون خصم، وجود الخصم قد يجبرنا على تغيير بعض الديناميات، تلك حجة منتقدي ما يسمى بالتدريبات التحليلية، والتي –بالضرورة- تنتهج النهج الاختزالي. يعتقد المجتمع العلمي اليوم أن الاختزالية/التحليلية عاجزة عن تناول الظواهر المعقدة، ولذلك فهي تفكك تلك الظاهرة وتتناول كل جزءٍ منها على حدة، فهي لا تستطيع فهمهما ككل متماسك.

“هنالك طريقتان لكي أعلمك كيفية الذهاب من هنا -من منزلي- إلى وسط باسّانو، الأولى أن أقول لك توجّه نحو الدوار، أفسح الطريق، قف عند الوقوف، من ثم انعطف إلى الممر الثاني يساراً، ثم الممر الأول إلى اليمين. أما الطريقة الأخرى فهي أن أعلمك قراءة إشارات/علامات الطريق وأعطيك خريطةً للمدينة. في الطريقة الأولى علمتك نمطاً؛ وفي الثانية مجموعة من المبادئ”

ماوريتسيو فيشيدي
undefined
تباعد الفريق يبدو كشبكة مترابطة، تداخل الفريقين يضيف تعقيداًأكبر وأكبر.

يقابل الاختزالية المفهوم الأرسطي القائل بأن الكل أكبر من مجموع أجزائه والمعروف بالتآزر، هو لب وجوهر النظام المعقد complex system، أو حتى نظرية النظم الديناميكية. يعرّف النظام المعقد على أنه مجموعة من العناصر تتفاعل فيما بينها البين، تحمل النظم المعقدة خصائص محددة تنبثق وتنشأ من العلاقات بين تلك العناصر، مثل اللاخطية كتحولات اللعب هجوم-دفاع والعكس باستمرار، والانتظام الذاتي؛ كتمركز اللاعب وفقاً لزملائه والخصم دون موجه خارجي، يسمى كذلك التكيف المعقد –ما بين اللاعبين- والروابط، والتواصل، والتغذية الراجعة وإلى غير ذلك من الخصائص التي قد تتمايز بين ميدان وآخر. كرة القدم هي نظام معقد، وينبغي فهم العلاقات ما بين اللاعبين (العناصر) والتي بدورها تؤدي إلى السلوكيات الجماعية (ككل)، وعليه سندرب لاعبينا بالنهج الكلي holistic approach، أو الطريقة الشاملة Global method وتدريب الكرة ككلٌ متكامل بدلاً من اجتزاز حالات لا تبدو واقعية من وجهة نظر مطبقي الطرق الكلية/الشاملة، إذ لن تحمل التمارين التحليلية في طياتها تعقيد اللعبة، سرعة اللعب، تداخل العناصر، تبادل الأدوار الاضطراري…إلخ. إذ هي لن تقوم بلم شمل عناصر اللعبة عند التدرب دون خصم، ولن تقوم التدريبات التحليلية إلّا بتقييد اللاعب بنظام ضيق، وأنماط لعب محددة، قد يخبو وينحسر فيها المجال على الإبداع في حل المشاكل. ولذا فتوفر التمارين الشاملة البيئة المناسبة لتطوير اللاعبين من خلال حالات واقعية، ودوماً بمواجهة خصم، هذا الخصم سيُرغم حامل الكرة على بدائل لا توفرها الحالات أحادية القرار، ببدائلها القليلة، وأولئك الخصوم لن يمنحوك الوقت والمساحة لتطبيق ما تريد –لذات السبب- وهذا هو مأخذ مطبقي النظام الشامل.

نتيجة بحث الصور عن peter boszz

“من المهم صنع أتمتة… أو أنماطاً للعب إن شئت، إننا نتعامل مع العقلين الواعي واللاواعي في اللاعبين. فعندما نقوم بفيديو تحليلي بصحبتهم، فهم واعين لذلك، إذ يعون ما أتحدث عنه، يفكرون به ويتحدثون عنه. ولكننا نمتلك أيضاً تمارينَ حيث لا أريد منهم أن يفكروا أو يتحدثوا أو يعرفوا أي شيءِ حياله، أرغب فقط أن يقوموا بالتصرف من اللاوعي، أي عفوياً… وبذلك نصنع أنماطاً. ولذا فنحن نتمرن بأشكال عديدة من المباريات: 3ضد3 أو 4ضد4 أو 9ضد9 ولكن دائماً بثلاثة لاعبين أحرار بحيث نستطيع استخدامهم للقيام بلمسة واحدة ارتدادية، بالتالي ستتطور الأنماط من الناحيتين (للفريقين وللاعبين الأحرار) بإمكاني ملاحظتها في المباريات أيضاً.” -بيتر بوش

“لست مدرباً يضع أنماطاً واضحة، وإنما على اللاعبين اشتقاق الأنماط جراء التكرار المتواصل للتمارين، إن اللاعبين بحاجة لحرية اتخاذ القرار”

مايكل كولنر

ينطوي التعليم المباشر على منح الإجابة للاعبين، ففي التمارين التحليلية سنطلب من اللاعبين تحركات أو قرارات محددة، فيما يتمحور التعليم الضمني على التفاعل بين المدرب واللاعب، واللاعب هو مركز العملية التعليمية. ينبغي على اللاعب إيجاد الأجوبة، فيعرض المدرب المشكلة/الحالة ويبحث مع اللاعبين عن الحلول والسُبل، يطرح المدرب أسئلة ومن إجابات اللاعب قد يجد الحلول، قد يقوم المدرب بالتلميح والتقريب وقد تكون تلك الأسئلة عبارة عن تمرين لحالة معينة. يسعى أغلب المدربين إلى صنع أنماط لعب معينة أو سلوكيات محبذة على المستويين الفردي والجماعي، فمثلاً لا يؤمن الألمان والهولنديون بالأنماط الجامدة، بل يسعون إلى تخليق أنماط وألعاب عبر تمارين مقننة وليست تلقينية، قوانين هذا التمرين وقواعده بوسعها السيطرة على قرارات اللاعبين وبلا وعيٍ منهم، يمكنك فقط أن تطلب منهم فعلاً أو ردة فعل معينة –في حالة معينة- دون عزلها عن دينامية اللعب وانسيابيته، فتنشأ عن ذلك أنماط لعب وسلوكيات بشكل تلقائي.

إن حالات اللعب لا حصر لها، إذ تختلف الزاوية ووضعية اللاعب ووضعية الخصم ومكان الكرة وسرعة الكرة، فتوفر التمارين الشاملة هذه المزية، فلا يمكن أن نحلل كل وضعية ونتدرب عليها على حدة، فاللعبة بالنسبة لهم هي المعلم الأول، حيث يسعى مريدو التعليم المتنوع Differential learning إلى استجلاب الحالات والمشاكل المختلفة وحلها بطرق متنوعة عبر “اللعب”، وتعويد اللاعبين على التعامل مع ما يطرأ عليهم دون تلقين، فيسهل عليهم التعامل مع العديد من الحالات ولكنهم لا يسعون لتسهيل اللعبة عبر تفكيكها وتحليلها، بل يبقونها معقدة وعشوائية بهذه التمارين، أو قد يزيدونها تعقيداً فيتأقلم اللاعبون على ذلك. باكو سيرولّو وتوماس توخيل من مناصري هذه المنهجية ومؤسسها فولفغانغ شولهورن، وهي منهجية تستمد جذورها من التعليم الضمني والاستكشافي، فيحاول –توخيل- بواسطة قواعد/مساحة التمرين إلى تطويع اللاعبين للإبتعاد عن تصرفات معينة، فمثلاً يطلب من المدافعين حمل كرات تنس لئلا يشدوا قمصان المهاجمين، أو أن يقوم بتصميم مباراة مصغرة بملعب معيّن/ماسيّ الشكل لكيلا يسرف اللاعبون بلعب الكرات إلى أطراف الملعب، حيث يسعى بذلك إلى توجيه اللعب نحو العمق أكثر. تمارين كالروندو والمباريات المصغرة تمارن واقعية وتحاكي اللعبة، وباستخدام قيود وقوانين محددة بهذه التمارين ستحدّ وترغم اللاعبين على سلوكيات معينة، لمسة واحدة، أو عدد معين من اللمسات، شكل هندسي مثل تمرين توخيل، علاوة على تحفيزهم على التفكير وزيادة الأحمال الذهنية بفرض تعددية مهام كحمل كرات التنس عند توخيل وإلى غير ذلك كثير، لا يُحبذ في هذه المنهجية الضمنية –الأكثر تطرفاً- توضيح الأهداف، بل يُكتفى بالقيود، إن كثرة الاستيقافات والتكرار –لتمرين معين- والاسهاب في الشرح والتوجيه بل والتصحيح مرفوض تماماً. “إذا أخبرتهم بما لا أريد منهم أن يفعلوا سأكون ناقداً” يقول مدرب بي إس جي، “غير أن عملي هو تقديم الخدمة: أنا هنا لمساعدة ودعم اللاعب.”

الملعب ماسيّ الشكل والهدف منه إجبار اللاعبين عبر القيود ومساحة اللعب، والتشكل الجيومتري إلى التمرير للعمق زائداً الركض القطري للمهاجمين.
وكذلك تقسيم المناطق كما نرى فالجناحان لا يجب أن يدخلا الالثلث الأوسط سوياً.

“في التمارين، دائماً نستخدم الكرة، هناك تحركات ومباريات مصغرة” هازارد عن الفرق بين زيدان وكونتي وسارّي، “عندما تعمل مع مدربين إيطاليين كما حصل معي، فستكون أقل سعادة، إنهم صارمون وتكراريون، ستجد المتعة بالفوز. قضيت ثلاثة سنوات مع المدربين الإيطاليين، وإعادة اكتشاف المتعة مجدداً أمرٌ يسعدني.”

تتباين الآراء حول الطريقة الأفضل، كما تختلف إنطباعات اللاعبين وآرائهم حول المدربين ففي المقال السابق، اقتبسنا لكوليبالي مديحاً لسارّي. الأكيد أن صرامة سارّي كونتي وحتى غوارديولا لا تروق للجميع، تييري أونري سبق وأن اشتكى من صعوبة اللعب مع بيب ولكن بعد اعتزاله ربما غير رأيه، تبقى آراء اللاعبين عاطفية ومن منطلق ذاتي/شخصي وغير موضوعي، أيضاً تطبيق أحد المنهجيتين أيضاً خاضع لانتقائات حدسية ومعايير ذاتية بالنسبة للمدربين، ولم يقطع العلم بأفضلية أحدهما، إلا أن التلقين المباشر لطالما أبدى محدودية في تحفيز العقول على التفكير. ليس ثمة معادلة نهائية لتحقيق الغاية المنشودة في كرة القدم، غير أن كل الطرق تؤدي إلى روما، فكلٌ له طريقته وأسلوبه التعليمي. إن التلقين طريقٌ أسهل للمدرب ولكن هذا الطريق له عواقبه في إنتاج فريق قد يضمحل فيه إبداعه، أو قد يعتري أحدهم الخوف في القيام بابتكار ما، تلك الابتكارات والتجليات اللامتوقعة هي ما تجعل الفرق تتمايز وتقل أو ترتفع فيها فعاليتهم، نعم أنماط اللعب المضبوطة لها فعاليتها كذلك، لكن الأكثر نجاعة هو التعامل مع تبدل وتموج اللعب، فالغرض ليس تنشئة طريقة تفكير موحّدة في التمارين الشاملة بل اعتماد التفاعل والتناغم والتواصل التلقائي ما بين اللاعبين في الملعب، فاللاعبين يفكرون بطرق مختلفة بالطبع. العقل التحليلي ليس مثل العقل التركيبي، فالعقل التحليلي يريد تفكيك مفهوم معين لكي يتأتى عليه فهمه وفهم أجزاءه، فمن يحلل أمراً قد لا يستطيع إعادة تركيبه، وقد لا ينتج ويخلق أمراً جديداً وهو الأمر الذي يختص به العقل التركيبي، ومن ذلك فالتدريبات التحليلية لن تفي بالغرض “دائماً” في لعبة شواشية، لا خطية، متغيرة ومتقلبة، علينا أن نعي أنه حتى كلوب وتين هاغ قد يستخدمان تمارين تحليلية، بيد أنها ليست جوهرية بالنسبة لهم، أحياناً لتعويد اللاعبين على حركات بسيطة أساسية. كما يتعين علينا ألّا نُغفل الجانبين البدني والذهني إذا ما غالينا في زيادة الأحمال على اللاعبين، فالتمارين التركيبية والشاملة مرهقة، لذلك عندما نرى استهلال تمارين ناغلزمان أو مورينيو بتمارين استلام وتسليم فلا تعدو كونها إحماءاً، في الحقيقة هناك من يرفضها قطعاً. التمارين الشاملة حق شرعي للاعبي الفئات السنية، الصغار يحتاجون للعب، يحتاجون النمو ذاتياً، هم يريدون تسهيلا من المدرب أو المكون حسب هورست فاين، وهو القائل بأنك لا تحتاج مدرباً محترفاً للفئات السنية، نعم، إننا بحاجة لمدرب منفتح ويتقبل فكرة أن الموضوع لا يتعلق به وبمجده الشخصي، فالأولوية للمنهجية والمكون سيدير العجلة لا أكثر، فالأجدى هو التفكير والابتكار لا التلقين والتكرار.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: